islamaumaroc

الشباب والعلم

  محمد الحاج ناصر

298 العدد

لا نريد بالعلم القراءة والكتابة، أو ما سمي بمحو الأمية، فذلك أمر لا مناص من اعتباره والتزامه عنصرا أساسيا في تنشئ, الطفل والتكوين الحديث، ولا نقصر "العلم" على ما كانوا يقصرونه عليه أنه رواية الحديث الشريف إسنادا ومتنا، والمعرفة بطرائق تأويله، والقدرة على استنباط الأحكام منه، فذلك قد يعدل بنا عما نتجه إليه في هذا المجال من بيان الضوابط والمميزات التي يجب أن يلتزمها الشباب في مراحل الدراسة المختلفة، حفاظا على كرامتهم ومستقبلهم، وصيانة لكرامة العلم وهيبته. ولئن كنا ممن يرى الحديث الشريف هو العلم الحق، وما سواه "معارف"، فإنا نؤثر أن نساير التعبير الشائع المتواضع عليه، والذي يطلق كلمة "العلم" على المعارف الإنسانية العامة، وإن حصره التجريبيون في المعارف التجريبية، وأوشكوا أو يفعلوا بغيرها ما فعله أصحاب الحديث، فيجردوا كل معرفة غير التجريبيات مما يطلق عليه إسم "العلم" وذلك تجني على المعارف الإنسانية فالتجريبيات ليست في معظمها ثابتة لا تتغير، وكلمة "العلم" تطلق على الثابت الذي لا يتغير، على خلاف فعل أصحاب الحديث، فإن حديث رسول الله (ص)، وما يبينه ويشتمل عليه من ألوان التشريع وآداب النفوس والسلوك، وسياسة الأفراد والجماعات، ونظم العلاقة بينهم، ثم بينهم وبينها، ثم بينها حقائق شرعية ثابتة، وإن كانت ألفاظ الحديث أو بعض أسانيده أحيانا تظل ظنية العبارة، وظنية الرتبة في التوثيق، لأن العبرة في هذا المجال بما تدل عليه وترشد إليه، وهي شرائع ثابتة لا تتأثر بالمعايير التي تضع متن الحديث أو سنده في رتبة من الرتب المصطلح عليها عند أصحاب الحديث. ولقد أوصى رسول الله (ص) بطلبه ولقد أوصى رسول الله (ص) بطلبة الحديث والفقه خيرا.     
يقول الخطيب البغدادي في كتابه "شرف أصحاب الحديث"-ص:21/22 ح: 33
أخبرنا أبو عمر محمد بن محمد بن علي بن حبيش التمار، قال حدثنا أبو علي  
إسماعيل بن محمد الصفار إملاءا، قال حدثنا محمد بن علي السرخسي، قال: حدثنا علي بن عاصم.
وأخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل، قال حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد القفاف إملاءا، قال: حدثنا أبو بكر يحيى بن جعفر الواسطي، قال أنبأنا علي بن عاصم، قال:
أخبرنا أبو هارون العبدي، قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخذري، قال مرحبا بوصية رسول الله (ص)، قال: قلنا : وما وصية رسول الله (ص) له قال: قال لنا رسول الله (ص): "إنه سيأتي من بعدي قوم ويسألونكم الحديث عني, فإذا جاؤوكم, فألطفوا بهم وحدوثهم".:- ح:34-: أخبرني أبو الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن زياد المقري، قال حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن مكي بن جميل بن زياد، قال: حدثنا علي بن حجر.قال: حدثنا الربيع بن بدر عن أبي هارون العبدي بن العبدي عن أبي سعيد الخذري عن النبي (ص) قال: "سيأتيكم شباب من أقطار الأرض يطلبون الحديث، فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرا".
أخبرنا بن الفضل قال: حدثنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، قال: حدثنا محمد بن الجهم السمري،(1) قال: حدثنا الهيثم بن خالد المقرىء، قال: حدثنا يحيى بن المتوكل الباهلي، قال، حدثنا محمد بن دكوان الأزدي، قال: حدثنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، أنه كان إذا رأى الشباب قال: مرحبا بوصية رسول الله (ص)، أوصانا الرسول (ص) أن نوسع لكم في المجلس، وأن نفهمكم الحديث، فإنكم خلوفنا، وأهل الحديث بعدنا".
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق البزاز قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن زياد النقاش، قال: حدثنا محمد بن جعفر القطاف بالكوفة، قال: حدثنا جعفر بن مسلم، قال: ازدحمنا على حسين الجعفي فقطعنا شراك نعله، فغضب فأسند لنا حديثا قال: من طلب الحديث ليحدث به الناس لم يجد روح الجنة، قال، فلما سكن غضبه أسند لنا حديثنا، قال: يأتي في آخر الزمان قوم يطلبون العلم والحديث، إذا جاؤوكم، فآذنوهم وأكرموهم، وحدثوهم".
وقال في "الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع" – ج: 1 ص: 348، فقرة: 801:
 أخبرنا يحيى بن محمد بن الحسين المؤدب، حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد الشيباني، حدثني محمد بن عبد الملك بن مروان بـ"حران"، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل الكزبراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمان الطرائفي، حدثنا عبد العزيز بن حسين بن الترجمانـ حدثنا أبو هارون العبدي قال، كنا إذا جئنا أبا سعيد الخذري بسط لنا رداءه فيقول: اجلسوا على هذا، سمعت رسول الله (ص) يقول: إنه سيأتيكم أقوام من أقطار الأرض يتفقهون في الدين ويطلبون حديثي، فإذا جاؤوكم فأكرموهم".
 ثم قال – ص:350، فقرة: 807-:
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن فصيل – بالفاء المفتوحة والصاد المهملة المكسورة ثم مثناه تحتية بعدها لام – حدثنا حسن بن صالح، عن أبي هارون قال: "كنا إذا أتينا أبا سعيد الخذري قال: مرحبا بوصية رسول الله (ص)".
 ثم قال في "تاريخ بغداد" – ج: 14 ص: 386 / 387 ت: 7701: في تربية لأبي بكر الدرقطني:
أبو بكر الدارقطني المؤدب: حدث عن داود بن شبيب المصري، روى عنه عثمان بن إسماعيل السكري، أخبرنا أبو الفرج الطناجري، حدثنا محمد بن علي ابن 
الحسن بن سويد المؤدب، أخبرنا أبو القاسم عثمان بن إسماعيل بن بكر السكري، حدثنا أبو بكر المعلم _ كتبت عنه في دار القطن، حدثنا داود بن شبيب، حدثنا حماد بن سلمة، وعكرمة ابن إبراهيم جميعا عن أبي هارون عن أبي سعيد، قال، قال رسول الله (ص): "سيأتيكم قوم يطلبون العلم، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا". قال عكرمة: قال أبو هارون: فكنا إذا أتينا أبا سعيد قال: مرحبا بوصية رسول الله (ص).
وقال الرامهرمزي في "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ص:6 – 175 /177 ب: فضل الطالب:
ص: 175 ح: 20:
حدثنا موسى بن زكريا، حدثنا بشر بن معاذ العقدي، حدثنا أبو عبد الله – شيخ ينزل وراء منزل حماد بن زيد -، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخذري أنه كان إذا رأى الشباب قال: مرحبا بوصية رسول الله (ص)، أمرنا رسول الله (ص) أن نحفظكم الحديث، ونوسع لكم في المجالس.
و – ح: 21:
وحدثنا الحضرمي، حدثنا ابن أشكاب، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام عن الجريري عن أبي نضرة بن أبي سعيد، قال مرحبا بوصية رسول الله (ص)، كان رسول الله (ص) يوصينا بكم.
و –ح: 22:
حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الله بن جعفر، حدثنا علي بن عاصم، حدثنا أبو هارون العبدي، قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد، قال: مرحبا بوصية رسول الله (ص)، قلنا: وما وصية رسول الله (ص)؟ قال: قال لنا رسول الله (ص) "سيأتي من بعدي قوم يسألونكم الحديث عني، فإذا جاؤوكم فألطفوهم وحدثوهم".
-ح: 23-:
حدثنا الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا ابن الفسيل عن أبي خالد مولى ابن الصباح الأسدي عن أبي سعيد الخذري، أنه كان يقول: مرحبا بوصية رسول الله (ص)، إذا جاؤوه في العلم.
- ح: 24 -:
حدثنا أبي، حدثنا نهشا، حدثن زنبور الكوفي، حدثنا رواد ابن جراح عن المنهال بن عمرو عن رجل عن جابر، قال: قال رسول الله (ص) لأصحابه: "إنه سيضرب إليكم في طلب العلم، فرحبوا ويسروا وقاربوا".       
وقال البيهقي في "دلائل النبوة" – ج: 6 ص: 540:
حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني إملاء، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر بن راشد عن أبي هارون العبدي، قال: كنا ندخل على أبي سعيد الخذري فيقول: مرحبا بوصية رسول الله (ص)، أن رسول الله (ص) حدثنا أنه سيأتيكم قوم من الآفاق يتفقهون، فاستوصوا بهم خيرا.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر النحري ببغداد، حدثنا القاسم بن مغيرة الجوهري، حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، حدثنا عماد بن العوام عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخذري، أنه قال: مرحبا بوصية رسول الله (ص) يوصينا بكم.
وقال البغوي في "شرح السنة" –ج: 1 ص286 ح: 134:
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي. وساق مثل حديث البيهقي.
وقال ابن ماجة في "السنن" –ج: 1 (المقدمة) ص: 90/92 ح: 247:
حدثنا محمد بن الحرث بن راشد المصري، حدثنا الحكم بن عبدة عن أبي هارون العبدي عن أبي رسول الله (ص)، قال: "سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبا مرحبا بوصية رسول الله (ص) وأفتوهم".
قلت للحكم: وما أفتوهم؟، قال: علموهم.
و – ح: 248:
حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، حدثنا المعلى بن هلال عن إسماعيل قال: دخلنا على الحسن نعوده فملأنا البيت، فقبض رجليه، ثم قال: دخلنا على أبي هريرة نعوده حتى ملأنا البيت فقبض رجليه، ثم قال: دخلنا على رسول الله (ص) حتى ملأنا البيت، وهو مضطجع لجنبه، فلما رآنا قبض رجليه، ثم قال: "إنه سيأتيكم أقوام من بعدي يطلبون العلم، فرحبوا بهم وحيوهم وعلموهم". 
قال: فأدركنا – والله- أقواما ما رحبوا بنا، ولا حيونا، ولا علمونا إلا بعد أن كنا نذهب إليهم فيجفونا. (2)
-ح: 249:
حدثنا علي بن محمد، حدثنا عمروا بن محمد العنقزي، أنبأنا سفيان (3) عن أبي   هارون العبدي قال، كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري قال: مرحبة بوصية رسول الله (ص)، إن رسول الله (ص) قال لنا. "إن الناس لكم تبع، وإنهم سيأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرا".
وقال الترمذي في "الجامع الصحيح" – ج: 5 ص:30 كـ: 42 (العلم) ب: 4 (ما جاء في الاستقصاء بمن يطلب العلم) ح: 3650:
حدثنا سفيان ابن زيد، حدثنا أبو داوود الحفري عن سفيان ابن أبي هارون العبدي، قال كنا نأتي أبا سعيد فيقول: مرحبا بوصية رسول الله (ص)، إن الناس لكم تبع، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرضين يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا".
و –ح: 3651:
حدثنا قنبة، حدثنا نوح بن قيس عن ابن هارون العبدي عن ابن سعيد الخذري عن النبي (ص) قال: "يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون، فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرا"، قال: فكان أبو سعيد إذا رآنا قال: مرحبا بوصية رسول الله (ص).
وتعقبه بقوله: هذا حديث لا عرفه إلا من حديث أبي هارون عن أبي سعيد.
قال عبد الرزاق في "المصنف" – ج: 11 ص: 252/253 ح:20466: عن معمر عن أبي هارون قال: كنا ندخل على أبي سعيد فيقول: مرحبا، مرحبا بوصية رسول الله (ص)، إن رسول الله (ص) حدثنا: قال: لأنه سيأتيكم قوم من الآفاق يتفقهون فاستوصوا بهم خيرا".
وقال الحاكم في "المستدرك" – ج:1 ص: 88:
حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر النحوي ببغداد، حدثنا القاسم بن المغيرة الجوهري.
وأخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، حدثنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ قائلا: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، حدثنا العباد بن العوام عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: مرحبا بوصية رسول الله (ص)، كان رسول الله (ص) يوصينا بكم.
وتعقبه بقوله: هذا حديث صحيح ثابت لاتفاق الشيخين على الاحتجاج بسعيد بن سليمان، وعباد بن العوام، والجريري، ثم احتجاج مسلم بأبي نضرة، فقد عددت في المسند الصحيح أحد عشر أصلا للجريري، ولم يخرجا هذا الحديث الذي هو أول حديث في فضل طلاب الحدي، ولا يعلم له علة، فلهذا الحديث طرق يجمعها أهل الحديث عن ابن هارون العبدي عن أبي سعيد، وأبو هارون ممن سكتوا عنه، قال 
الذهبي في "التلخيص": على شرط مسلم لا علة له.
وساق ابن عدي في "الكامل" – ج: 5 ص: 2733 – عند ترجمته لأبي هارون هذا الحديث فيما أسند إليه من أحاديث، فقال:
حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حماد بن سلمة عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، أن رسول اله (ص) قال: "الناس لكم تبع، يأتونكم من أقطار الأرض يسألونكم عن العلم، فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرا".
لكن وصية رسول الله (ص) هذه التي تظافرت بها الأحاديث، منها الصحيح، ومنها ما يعتضد بالصحيح، ومع ارتباطها أساسا بتعلم الحديث وما يهدي إليه من الفقه في الدين، ثم مع ما ترشد إليه من واجب الاحتفاء بطالب العلم، تشجيعا للإقبال على طلب العلم، وتيسيرا لأسباب تحصيله، وتأليفا لطالبيه وتأنيسا – وهم في أغلب الأمر من الشباب – لا تعني ولو مجرد القبول بأن ينصرف طالب العلم إلى اكتسابه دون أن يتخذ لمعاشه من غير طرق العلم مصدرا من حرفة أو تجارة أو فلاحة يهيئ له أسباب الأمن الاقتصادي، ويجعله – حين يصرف إلى اكتساب العلم – مجتمع النفس، مطمئن البال.
ونقول من غير طريق العلم قصد، فما كان العلم عند الذين يقدرونه قدره، ويعرفونه له حرمته، ويحرصون على ألا ينزلوا به من مقامه حرفة من الحرف، يقصد إليها الطالب، معتدا لها وسيلة عيش ومهنة كسب.
إنما هو شرف ورسالة وأمانة، يقصد إليها من يقف نفسه للاضطلاع بمهمة وراثة الأنبياء تحملا وتبليغا، ولذلك كان الأئمة الأول يأمرون من يقصدهم طلبا للعلم بأن يتخذ لمعاشه مصدرا ليتسنى له الإقبال على ما يطلب، آمنا مما تسببه الحاجة المعاشية من المزعجات.
قال الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي "آداب السامع" – ج:1 ص: 98/99 فقرة: 49:
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم القزويني، أخبرني أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: كنا عند سفيان الثوري، فكان إذا أتاه الرجل يطلب العلم سأله: هل لك وجه معيشة؟ فإن أخبره أنه في كفاية أمره بطلب العلم، وإن لم يكن في كفاية أمره بطلب المعاش.
-فقرة:50: 
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد العدل، أخبرنا أبو العباس السراج، قال سمعت مؤملا يقول: سمعت عبيد بن جنا يقول لأصحاب الحديث: ينبغي للرجل أن يعرف من أين مطعمه، وملبسه، ومسكنه، وكذا وكذا، ثم يطلب العلم.
- فقرة: 51:
أخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد بن شعيب الروياني. (4)
أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن السمط بن الحسن الأسدي، حدثنا أبو نصر رجاء بن سهل الصغاني. (5)
حدثنا أبو مسهر قال: كنا عند الحكم بن هشام العقيلي، وعنده جماعة من أصحاب الحديث، فقال: إنه من أغرق في الحديث فليغد للفقر جلبابا، فليأخذ أحدكم من الحديث بقدر الطاقة، وليحترف حذرا من الفاقة.
وأمثال هذه الآثار كثيرة مبثوثة في مظانها، ولعل أصدق ما يمثل تمسكم بضرورة أن تكون لطالب العلم حرفة تكفل له ضروراته وحاجاته ما اقترنت به أسماء جمهرة كبيرة من أئمة الحديث والفقه ألقابا مشتقة من حرف، وألوان من التجارة يتخذونها مصادر لمعاشهم، وينفقون فيها صدرا من نهارهم، وأحيانا نهاره كله، ليفرغوا لطلب العلم أو تعليمه بقية نهارهم، أو طرفا من ليلهم، ابتغاء وجه الله، واضطلاعا بأمانة وراثة الأنبياء. وقد مضى في الأسانيد التي سقناها آنفا ألقاب أمثال: التمار، الصفار، القفاف، القطان، البزاز: النقاش، الكزبراني... وما من أحد عاب عليهم في ذلك العهد حرفة من هذه الحرف، وفيها ما قد يغض منها جمهرة ممن ينتسبون إلى العلم طلبا أو احترافا للتعليم في هذا العصر، ولو أنهم تدبوا أمرهم، واستطاعوا أن يميزوا بين ضرورات الحياة ومقتضيات شرف العلم وكرامته لتبين لهم أنه ما من حرفة مهما تكن مرهقة أو جالبة لبغض ما قد تستقذره الأعين، وتستنكف منه النفوس الصغيرة المتكابرة في صغرها تنزل بصاحبها ما اتخذ منها وسيلة لإعالة نفسه، كفالة عيالة، ومن يجب عليه أو ينبغي له أن يكفل ضروراته وحاجاته من أقارب أو مواطنين، وما استطاع أن يضع فيصلا بين عمله كسبا للعيش ورسالته، أمينا على العلم، أو ساعيا للحصول على أمانته، ولو قد أدرك الشباب هذه الحقائق الشريفة لكففوا أنفسهم الكثير مما يكادون يشقون
تحت وطأته من متاعب نفسية ومعاشية حين تنزلوا بأنفسهم من حيث أنهم طلبة علم، وتنزلوا بالعلم من حيث أنه رسالة وأمانة وشرف، فاتخذوا من أنفسهم متسولين بما يحملون من شهادات، ويبتذلونها في سبيل لقمة عيش، كان يمكنهم لو ارتفعوا بالعلم عن الاحتراف، وارتفعوا بأنفسهم عن التبذل، وواجهوا حقائق الحياة ومقتضياتها كما هي سنة الله أن يحفظوا لأنفسهم وللعلم الذي يطلبونه، أو يستظهرون بشهادة الحصول على درجة فيه كرامة وراحة نفس واستغناء عن الآخرين، وابتعادا عن الابتذال، وعزة في الحال والمآل.
 

_____________
1 - السمؤي بكسر السين المهملة، وتشديد الميم المفتوحة، وفي آخرها راء، قال السمعانيفي "الأنساب" ج:3 ص:297: هذه النسبة إلى "سمر" بلد من أعمال "كركر" وهو بين واسط والبصرة.
والمشهور بهذه النسبة أبو عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السمر، سمع من يزيد بن هارون، ويعلى بن عبيد وغيرهما، وروى عن الفراء أشياء من كتبه، وروى عنه القاسم الأنباري، وأبو بكر بن مجاهد، ونفطويه، والمادرائي، والصفار، والأصم والشافعي".
قلت: ومن عجب أن ابن الأثير الجزري لم يبين هذه النسبة في "اللباب –ج:2 ص:138 - وهو تلخيص "لأنساب السمعاني" بل قال: "هذه النسبة إلى.. " وترك بياضا، ثم قال: واشتهر بها محمد بن أبي الجهم إلى آخره..
كذلك فعل ابن حجر في "تبصير المنتبه" – ج: 2 ص: 749- إذا اقتصر على قوله: وبالكسر والتشديد بالفتح محمد بن الجهم السمري مشهور، وابنه أحمد من شيوخ الطبراني.
ويظهر أنه لم يحاول أن يتجاوز ما في في "إكمال" ابن ماكولا –ج: ص: 529- لكن عذر ابن ماكولا أنه لا يلزم نفسه بتعليل النسب لمن يترجم لهم، حسبه ضبط الكلمة تمييزا لنطقها، على خلاف ابن الحجر الذي كثيرا ما يعتني ببيان مصدر النسبة.
وانظر ياقوت الحموي "معجم البلدان" –ج:3 ص: 246. 
2 - قال البصري في "الزوائد" ج: 1 ص: 81: هذا إسناد ضعيف فيه المعلى بن هلال، كذبه أحمد وابن معين وغيرها، ونسبه إلى وضع الحديث غير واحد، وإسماعيل هو ابن مسلم اتفقوا على ضعفه، ز، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخذري، ز، رواه ابن ماجة والحاكم والترمذي في "الجامع" وقال: لا نعرفه إلا من حديث أبي هارون عن أبي سعيد.
ثم قال: أبو هارون العبدي ضعيف باتفاقهم.
قلت: لكن معلى بن هلال بن يزيد الحضرمي أخرج له ابن ماجة، وصحيح أنه اتفقوا بما يشبه الإجماع على اتهامه بالكذب والوضع، بيد أن هنالك مقولتان ينبغي التوقف عندهما وتدبرهما:
إحداهما: نقلها ابن حجر في "تهذيب التهذيب" – ج:10 ص: 242 – عند ترجمته للمعلى – ص: 240/243 ت: 437 – عن ابن البرقي صاحب كتاب "الضعفاء" المتوفى سنة 249 هـ/863 م فقال: وذكره –يعني المعلى بن هلال- ابن البرقي في كتاب من رمي بالكذب وقال: "كان قدريا"، ونحن نعلم مدى تشددهم في الحكم على من رموه بالقول القدر.
أما المقولة الثانية: وهي أوضح وأعمق دلالة، فنقلها الرازي في "الجرح والتعديل" –م:1 (المقدمة) ص:225 عند حديثه عن "معرفة وكيع بن الجراح بناقلة الأخبار، ورواة الآثار وكلامه فيهم فقال: حدثنا علي بن محمد الطناقسي، قال سمعت وكيع بن الجراح يقول، أتينا المعلى بن هلال وأن كتبنه لمن أصح الكتب، ثم ظهرت أشياء لم نقدر أن نحدث عنه بشيء".
أفلا يستشف من هذه المقولة أن وكيعا كان يأسف من أنه بعد ظهور تلك الأشياء التي لم يفصح عنها صار لا يقدر أن يحدث عنه بشيء، مع أنه واثق من صحة كتبه عندما كان يأتيه، فما هي هذه الأشياء؟ ألا يمكن أن تكون مقولات قدرية جهر بها، أو اتهم بها؟.
أما إسماعيل بن مسلم المكي – ولم نقف على تاريخ وفاته- فأخرج له الترمذي وابن ماجة، فقد وصفوه بأنه كان فقيها مفتيا، وروي عنه أيمة، مثل الأعمش، وابن المبارك، والأوزاعي، والسفيانين، وعلي بن مسهر، وأبي معاوية، ويزيد ابن هارون، وجل كلامهم فيه يدور حول الغمز في حفظه، ووصفه بالخطأ أحيانا، فإذا اتفق ما يرويه لفظا أو معنى مع ما رواه غيره، وإن ضعف مثله انتفت شبهة الخلط أو الخطأ، ويظهر أن هذا الاعتبار هو ما اعتمده الترمذي إذا أخرج له. أما ابن ماجة فهو أقل تثبتا من الترمذي.
وأما أبو هارون عمارة بن جوين العبدي – المتوفي سنة 134هـ/751م – فأخرج له الترمذي وابن ماجة، ولهم فيه كلام كثير، لكن نقل ابن حجر في "تهذيب التهذيب" –ج: 7 في صدر ترجمته له ص: 412/414، ت: 670 – عن ابن المديني عن يحيى بن سعيد – يعني القطان- قوله ضعفه شعبة- وما زال ابن عون يروي عنه حتى مات.
ويظهر أن يحيى مضى مع شعبة في تضعيفه فتركه، إذ قال البخاري – حسب ما نقل عنخ ابن حجر –تركه يحيى القطان.
وقال الترمذي في "الجامع الصحيح" ج: 5 ص:30: قال علي: - يعني ابن المدني- قال يحيى بن سعيد: كان شعبة يضعف أبا هارون العمدي، قال يحيى بن سعيد: مازال ابن عو يروي عن أبي هارون العبدي حتى مات، وأبو هارون اسمه عمارة بن جوين.
ونقل ابن خجر عن ابن البرقي قوله: أهل البصرة يضعفونه، وأوضح علة ذلك ابن عبد البر – فيما نقل عنه ابن حجر إذ قال: أجمعوا على أنه ضعيف الحديث، وقد تحامل بعضهم فنسبه إلى الكذب، وروي ذلك عن حماد بن زيد، وكان فيه تشيع، وأهل البصرة يفرطون ابن خجر عن ابن البرقي قوله: أهل البصرة يفرطون فيمن يتشبع لأنهم عثمانيون.
قلت وقد نقلوا أخبارا عنه بعضها يصفه بالغلو في التشييع، وبعضها ينسبه إلى الخوارج، فقد نقلوا عنه قولا شنيعا في أمر المؤمينين عثمان –رضي الله عنه- إن ثبت عنه فهو منكر لا يغتفر.
ويتراءى لنا أن الرجل كان له رأي سياسي، أساسيه العداء للعثمانية عداءا ربما قذف به بادئ الأمر إلى الخارجية، ثم أزاغه إلى العلوية، وموقف أيمة الحديث، الأول من أهل الأهواء بين التصلب، لكن من جاء بعدهم كان أقرب إلى القسطاس المستقيم، إذ نبذوا مقولاتهم إذا اتصلت بأهوائهم من قريب أو بعيد، وقبلوا من الصادقين منهم ما سوى ذلك، ولعل من هؤلاء ابن عدي فالذي يقول في "الكامل" – ج: 1 في آخر ترجمته له، ص: 1732/1734 – وبعد أن أسند إليه أحاديث منها حديثه في هذا المجال: "وأبو هارون العبدي له أحاديث صالحة عن أبي سعيد الخذري وغيره، وقد حدث عنه عبد الله بن عون بغير حديث، والحمادان، وهشيم وشريك، وعبد الوارث، والثوري، وغيرهم من ثقات الناس، وقد حدث أبو هارون عن أبي سعيد بحديث المعراج بطوله، وقد حدث عنه الثوري بحديث المعراج، ولم يذكر عنه شيئا من التشيع والغلو فيه، وقد كتب الناس حديثه.
3 - يعني ابن سعيد الثوري.
4 - بضم الراء نسبة إلى "رويان" وهي مدينة بنواحي طبرستان.
5 - نسبة إلى بلاد مجتمعة وراء نهر "جيجون" يقال لها صغانيان" ويقال لها بالعجمية "جفانيان" وينسب إليها "صغاني" و"صغاني" أيضا.
أنظر ابن الأثير الجزري "الللباب" –ج: 2 ص: 242/243.
 
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here