islamaumaroc

الديمقراطية الحسنية منهج وسلوك.

  أحمد مجيد ابن جلون

298 العدد

يقطع المغرب بخطى حثيثة، في صبر وأناة، وبعزيمة لا تلين، وقدرة على التحمل، واستماتته لا ترضى التردد، ومراحل تطوره، وأشواط تطلعه، ومحطات مصيره، هدفه طموحه، ومرماه: القضاء على رواسب التخلف، وإبعاد الفقر الفكري، يحدوه في ذلك إيمانه المطلق بالمبادئ العليا ومزايا الفضيلة، وانقياده إلى صيانة الكرامة البشرية بتكريم الفرد واحترام رأي الجماعة.
منذ فجر الاستقلال شمر الشعب المغربي على ساعديه، بتوجيهات من جلالة الملك الحسن الثاني، فاقتحم كل الميادين، اقتصادية كانت أم اجتماعية أو سياسية، في تناسق وانسجام بين أفراده، فخاض المعارك الضرورية، واتجه نحو الاختيارات الهادفة، وعمل عن ترو وبصيرة إلى أن وصل إلى حالة ترضي ولا تفقر، وبلغ درجة النمو التي كان يتوق إلى تحقيقها.
وها هو اليوم يجني ثمار مجهوده، ويتمتع بما وفره له بذله وسعيه، بفضل تلك الآصرة المثالية التي تربطه بملكه، والتي تكون سر انطلاقته وركيزة ازدهاره.
إن الأفكار تنتعش وتنمو مع نعاقب الأيام، والآراء تزداد اختلافا باختلاف النظريات، والمواقف تتنوع اعتبارا ببواعثها، واستنادا إلى دقة معطياتها، والتقدم وليد المجهود، والانطلاقة بنت العزم المحمود، وإذا كان من الممكن أن تحقق كل أمة ما يبلور طموحاتها فإن ما يميز المغرب أنه استعمل منهجا خاصا طبع منجزاته بالديمقراطية الفعالة في الاختيارات، والمشاورة في التنفيذ، واستند على الإجماع كلما كان الأمر يهم المستوى الوطني، أي: مجموع أفراد الأمة التي ما فتئت تشارك بآرائها وملاحظاتها بشتى الوسائل: فالصحافة لعبت دورها كاملا، والسلطة التشريعية قامت بمسؤوليتها في نطاق اختصاصاتها، ومختلف المؤسسات الاجتماعية أو السياسية لم تعرف حدا في اتخاذها لمواقفها، والتعبير عن أهدافها ومراميها.
ولم يقف المغرب عند هذا الحد، بل التزم بسلوك قويم، واستسلم للقيم المثلى، ونبذ الاختيارات المشكوكة والاتجاهات المبهمة، معلنا في كل مناسبة أنه البلد المسلم الذي يومن بكل مبادئ دينه الحنيف، وخصوصا منها مبدأ التضامن، ومبدأ المساواة، ومبدأ صيانة الكرامة البشرية، ومبدأ الالتزام بالدفاع عن الحقوق، ومبدأ التساوي أمام الفرص، ومبدأ وجوب الدفاع عن حريات الأفراد، ومبدأ صيانة عرض هؤلاء وممتلكاتهم.
وإن دستور البلاد لأكبر شاهد، إذ كان الأمر يحتاج إلى ما يزكيه.
وهذا بالضبط هو ما ينتج عن نظرة ولو خاطفة على تشريع البلاد. فكل ظهير شريف مرآة لهذه الحقيقة بحيث لا يحتوي لأعراف المغرب وتقاليده، تلك التقاليد التي تجد القاعدة التي تنطلق منها فيما شرعه الخالق لعباده. ومن أهم ما يمكن التذكير به أنه توجد نسخة من قانون العقود والالتزامات الصادر سنة 1913 تحمل بعد كل بند من فصولها المرجع الفقهي الذي استند عليه المشرع عند وضعه له. ومن هذا يتضح أن ملوكنا الميامين، حتى في الأيام الحالكة من تاريخنا، مافتئوا يحرصون على أن يكون التشريع خاضعا لفرائض العقيدة.
حقا، إن الديمقراطية المغربية منهج وسلوك.
لقد عرفت بلادنا خلال السنة الماضية أحداثا هامة، وعاشت وقائع مثيرة، على كل الأصعدة، وفي كل الاتجاهات. 
منذ شهر يوليوز المنصرم، ظهر المغرب بمظهر الاستمرار في مجهوده المقنع، وتصدى للميادين الملحة، فأعطاها جلالة الملك الحسن الثاني من تفكيره وعبقريته ما فك الحصار، وقضى على المشاكل، وحقق المكتسبات الوجيهة، إلا أنه كان من مميزات هذه الحقبة من حياتنا أهمية المشاريع وشأن المنجزات.
ففي الميدان الاقتصادي تعرضت بلادنا لجفاف قاصي،  وعانت من قلة الأمطار سنتين على التوالي. فبادر جلالة الملك إلى ابتكار الحلول التي قلصت الوطأة على المواطنين، وأنقذت الفلاحة من عواقب الكارثة. ورغم ما سنقاسيه من نقص في الذخيرة الغذائية فإن ذلك لم يؤثر على الانطلاقة التي خضناها منذ سنوات، والتي فرضت إعتراف البنك الدولي بإيجابيتها ونجاحها، ودفعته إلى التعبير عن تنويهه  وإعجابه بالمستوى الرفيع الذي أصبح ينعم به الوطن المغربي.
وفي الميدان السياسي تجلى من خلال مواد الدستور الجديد إرادة جلالة الملك في السير قدما، واستمرار الزحف نحو الديمقراطية الحقة التي تضمن المساواة دون غلو ولا مغالاة، وتحافظ على الحريات التي جعلها في مأمن من كل انحراف، وتضع المواطن في مستوى المسؤول عن مستقبله، وتعطي للمؤسسات الدستورية حق التتبع والمراقبة.
وها نحن مقبلون على انتخابات سيمتها إرادة الجميع المشاركة، والتزام الدوائر المختصة بالسهر على الوضوح والنزاهة والشفافية، واقتناع الكل بأن الإجراءات المتخذة تقنع بسلامة المواقف ونجاح المسيرة. ويجري ك هذا في جو من الانشراح والتفاؤل بأن الحاضر يزكيه ما عرفه الماضي القريب من دفاع عن حقوق الإنسان وتحرك نحو الاهتمام بمستقبل الشباب، وإعطائه فرصة العمل والمساهمة.
وفي نفس السنة قام جلالة الملك بعدة مبادرات على المستوى الدولي، انبعثت من الإشعاع الذي فرضته عبقرية جلالته وإلمامه بالأوضاع الدولية وتقييمه الصحيح للمشاكل و أبعادها، واستعداده للنصح والمساعدة، وقابليته للحوار والمناقشة، واهتمامه بكل ما من شأنه أن يعيد الوئام، وتفانيه في خدمة الفضيلة، واقتناعه بوجوب صيانة الكرامة البشرية.
فقد كانت تلك الزيارة الميمونة التي قام بها جلالته للشرق الأوسط، والتي كان حفظه الله يرمي من ورائها إلى المساعدة على تنقية الأجواء المغربية، والتي كانت لها تلك النتيجة الإيجابية التي نالت تحبيذ وشكر الجميع، وتليها زيارة العديد من المسؤولين الأوروبيين الذي ما فتؤوا ينوهون بالمغرب وبمنجزاته وبالمسؤول الأولى عن نجاح انطلاقته. وجاء التدخل الملكي لدى السلطات العراقية التي أطلقت صراح كويتيين لم يكن أحد ينتظر الإفراج عنهم، وأصبح جلالة الحسن الثاني قبلة المشتكين وملجأ المتضررين، سواء كانوا دولا أو أفرادا.
وكل هذا حجة ودليل على خصال ومزايا وبعد نظر ملك المغرب الرائد، الذي ما فتئت وساطاته تكون مرآة لمعتقداته ومبادرته نتيجة تطلعاته، وتوجيهاته حصيلة وعي وتفكير واستنتاج قويم. كل هذا يجعل من جلالته المرشد النزيه، والواعي بحقيقة المنتظم الدولي وبمشاكله، والمستعد دوما للمشاركة في حل عقده، والعطوف على إخوانه، والمستميت في خدمة أشقائه، بالنصح بعد المشورة، والتدخل عند الحاجة، والإقدام على كل ما هو مفيد لإصلاح ذات البين، وبدون تردد ولا ملل، وفي ترو بعيد عن التخلي والاستسلام.
وقد توجت هذا المجهود المبارك المسترسل ثلاثة أحداث كانت في مستوى اعتزازنا وافتخارنا بالمنهج والسلوك الديمقراطي المغربي.
فالحدث الأول: هو نشر ذلك الكتاب القيم «ذاكرة ملك» الذي فاق كل ما يمكن أن يقال عنه، والذي امتاز بتماسك أجزائه وتناسق منطقه وبعد الرؤية، وانسجام الأفكار، وقوة الذاكرة، وسداد الآراء، وصراحة لم يعرف تاريخ الأمم مثلها، واختيارات أقنعت الكل بوجاهتها، ووطنية أصلية، وبالتشبث بالقيم المثلى، والدفاع المستميت على الأمة ومصالحها.
وهل من حاجة إلى التذكير بكل ما قيل وكتب ونشر حول هذا الحدث العظيم الذي أثار التقدير والإعجاب، لكونه وضع النقط فوق الحروف، وتصدى لكل الأحداث بشجاعة وموضوعية، فحلل معطياتها وفسرها، وتكلم عن كل ما اطلع عليه جلالة الملك أو عاشه فذكر به وعلق عليه التعليق الصحيح، دون مجاملة ولا مغالاة وفند بعض المزاعم في هدوء وسكينة ووداعة، مجيبا جلالته أعز الله أمره عن كل الأسئلة التي ألقيت عليه، والتي تهم مدة غير يسيرة من حياته منذ أن أشركه والده قدس الله روحه في تسيير شؤون الدولة، وهو لازال في ريعان شبابه.
أما الحدث الثاني: فهو الاستجواب الذي خص به جلالة الملك القناة الأولى للتلفزة الفرنسية والذي عبر فيه، أمد الله بعونه، عن نظرياته حول العديد من الأسئلة بتلك الواقعية التي تطبع دائما مواقفه، والصراحة التي تكون ميزة عبقريته، الإيمان الذي يستبعد الغموض، وفي إطار الأخلاق التي ما فتئ جلالته يخضع له ويوصي بالتشبث بها.
أما الحدث الثالث فهو الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه جلالة الملك، عند استقباله لأعضاء أمانة ومكتب اتحاد المحامين العرب وقد كان هذا الخطاب مليئا بالتوجيهات الهادفة، وعبارة عن ثقة كاملة في فرائض العدالة والدعوة إلى الوئام والتآخي ومنطلقا يؤدي إلى خلق الجو القمين ببلورة طموح الأمة العربية في التضامن والتعاضد، وحجة على أن المغرب على استعداد كامل للمشاركة في إصلاح ذات البين.
إنها منهجية وسلوك الشعب المغربي بقيادة عاهله المفدى وملكه الغالي، وإن هذا لتذكير بما يملأ قلب كل مواطن في هذا البلد المومن من وفاء وشكر لصانع نهضته، واعتزاز وافتخار بما حققه في ظل ملكه المحبوب جلالة الملك الحسن الثاني العظيم، والسلام ختام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here