islamaumaroc

تاريخ تطوان، للأستاذ محمد داود

  دعوة الحق

33 العدد

صدر الجزء الأول من تاريخ تطوان الحافل للأستاذ الجليل السيد محمد داود وقد قدمه للجمهور زميلان ورفيقان للمؤلف في الدراسة العلمية هما الأستاذان المؤرخان الحاج محمد بن العربي بنونة وشيخ المعهد العالي بتطوان التهامي الوزاني.
ومجلة – دعوة الحق- تقدم مقتطفات من مقدمة الحاج محمد بنونة للتعريف بهذا الكتاب القيم حيث قد تضمنت جملة من  كلام المؤلف تبين مذهبه في كتابة التاريخ. والكتاب قيم وجدير بكل اهتمام وما تقديمه بهذه المقتطفات إلا ترغيب لاقتنائه ودراسة ما فيه من طرائف عن الحياة الاجتماعية بكل ألوانها لجزء هام من بلادنا العزيزة.

هذا الكتاب هو في الواقع صور لألوان الحياة بمدينة تطوان هو صور لشخوص حية تتحرك في الحياة التطوانية من رجال ونساء يصنعون أحداث التاريخ، فالبيوت والشوارع، والمدارس والمحاكم، تزخر بشتى الألوان من الحيوية المثيرة التي ترسل الدماء حارة في الشرايين، إلى الألوان الهادئة التي تبعث الاطمئنان إلى القلب. صور تجعل القارئ يعيش فترة من الزمان مع الذين سبقوه لرؤية النور، فيتوقع معهم الحوادث المفاجئة، ويترقب مثلهم نتائج المقدمات المعقولة، لأن المدينة في جهاد دائم، وصراع مستمر، على لقمة العيش، ومتعة النفس، وإدراك العلى، ورغبة السكان ورهبتهم هما اللتان تصنعان حياة الإنسان في الكوخ والقصر وفي المصنع والحقل، وفي السوق والمتجر، وكل ذلك في المدينة وفي سكانها، ففيها الصالح القوي، والجيد النبيل، والكريم الرضي، وفيها المشبوه في السلوك، والمدمن اللاثم، والجبار في الليل من حثالة المجتمع، وصعاليك الأسواق، وضعفاء الأخلاق. وهذا الكتاب ينقل للقارئ الكريم هذه اللوحات واضحة الظلال، ناصعة الألوان بما فيها من الخير والشر، والقبح والجمال، لا يتعمل ولا يتزيد.
ولقد يكون أخونا المؤلف أشار في مقدمته إلى ما أوردنا هنا بقوله: (لقد كتبت ما كتبت، وجمعت ما جمعت، وعلقت بما رأيت، بناء على مذهبي في كتاب التاريخ العام. ذلك المذهب الذي يرى أن يثبت المؤرخ المعلومات ويصور الحوادث كما هي أو كما يراها دون تزوير أو تضليل. ثم لكل قارئ أن يستفيد ويستنبط على حسب ذوقه ومذهبه واستعداده. وإذا كان للمؤرخ الحق في أن يعلق بما شاء كما يشاء، فإن للقارئ –أيضا- أن يقبل أو يرفض، والحق حق دائما أحب من أحب، وكره من كره، والباطل لا يخفى ولو موهه صاحبه تمويها، إن الأمة تختلف طبقاتها كما تختلف صور أفرادها، وإذا كان المصور الماهر هو الذي يرسم الصورة رسما مطابقا للأصل فإن المؤرخ الحقيقي «الذي لا يكتب للدعاية ولا يتأثر برغبة أو رهبة» هو الذي يسجل ما يقف عليه من المعلومات غثها وسمينها، كلياتها وجزئياتها، فيكتب من الأقوال ما يدل على الذكاء وسعة الصدر وحسن التدبير، وما يدل على الغباوة والجهل وفساد الرأي وسوء التقدير، ويسجل من الأخبار ما يعرف منه الجهال من العلماء، والضعفاء من الأقوياء، والأبطال الجبناء، والأجواد من البخلاء، والكسالى من النشيطين، والخونة من المخلصين) «بنصه من خطه»
لقد استكثر بعض الناس ثمانية أسفار في تاريخ مدينة متوسطة لم يصل عمرها إلى خمسمائة سنة....مجان بلهو الحديث فيما يمكن أن يقول في هذه الأسفار. وتناظر ناس آخرون بقول فيه شك وفيه يقين، وفيه ما هو حق وما هو باطل، وأنا لا أحب أن أدخل –مع القوم- في مناقشة أقوال المستكثرين و المتنادرين والمتناظرين، لأن هذا الكتاب هو الذي سيكم أفواه المرتابين بالحجج اليقينية، وهو الذي سيرسم ابتسامة الرضى على شفاه المنصفين.
نعم، أحب أن أقرر حقيقة ثابتة ثبوت القطب في مركزه، وواضحة وضوح الألوان تحت ضوء النهار.. وهي أن تطوان مدينة لم تتدرج كغيرها من المدن الناشئة من مدشر إلى قرية، ومن قرية إلى مدينة، وإنما هي مدينة ولدت كاملة، فمن أول يوم جدد فيه بناؤها الأخير كانت مركزا للحضارة الأندلسية ومهدا للرقي المهذب، لأن المؤسسين أو بالمعنى الصحيح المجددين كانوا من أرقى البشر الموجودين في ذلك العصر،إذ من المعلوم والمعروف أن «كورة» غرناطة بشرق الأندلس كانت قد جمعت –يومئذ- خلاصة الخلاصات من العلماء  والفقهاء،والصيادلة، والأطباء والصناع والمفتنين، والفلاحين والمهندسين،والأبطال من رجال الفكر وأهل النجدة، الذين جاءوا إليها من كل بقعة خانها الحظ ووقعت تحت سيطرة الأسبان. حتى أصبح بها خيرة ورثة عظمة قرطبة الأموية، وفنون إشبيلية العبادية فكان نور المعرفة يشع من مدارسها بألوانه وجلاله، وجمال الفردوس ..في رياضها بشذا عطره وروعة ظلاله.
فلما اختل الأمر بين أمراء الحمراء الزاهرة، وظهرت الخيانة والتكالب على الحكم بين أصحاب المطامع الغادرة، واتحدت النصرانية ضد الإسلام بزواج ملك راغون بملكة قشتالة، ولعب القوم بمستقبل الأمة واستهانوا بحقوق الشعب، بدا المؤمنون الذين ينظرون بنور الله، يهاجرون بالدين والعرض والولد والمال والعلم والفن إلى عدوة المغرب.
هاجروا ثم استقروا بسيف البحر بين مصب نهر«مجكصة» ونهر «هليلة» واستأذنوا فأذن لهم، وجددوا المدينة في سفح «درسة» محافظين على اسمها  القديم «تطاون».
ولم يتم التسوير والتبريج، والخندقة والتحصين حتى أوفد إليهم سلطان المغرب محمد الشيخ الوطاسي جماعة من أهل فاس ليعمروا معهم المدينة الجديدة.
وكانت فاس يومئذ – وكما هي دائما- موطن العلم والمال، والصناعة والفن، والنبوغ والعبقرية، والفكر والدقة، تمد المغرب وغير المغرب بفيض مما رزقها الله من الخير، فجاء الفوج الأول من الفاسيين ليشارك في التأسيس، وليكون على بصيرة من أمر المهاجرين الأندلسيين.
وتأسست تطاون فكانت بنت غرناطة وفاس، وهما – يومئذ- عاصمتا المغرب والأندلس اللتان انحصرت فيهما القرن التاسع الهجري، بما فيها من متانة ودقة، ولطافة ورفة.
وتكاتب أهل الأندلس مع بعضهم وتراسلوا، فوفدت على تطاون الوفود وقصدها القصاد، وأصبحت مهجرا لأرقى مدينة عرفها التاريخ. ومعقلا لإبطال الجهاد، وحصنا من حصون الإسلام، صمدت في وجه الإسبان والبرتغال والإنجليز الذين عاثوا في شواطئ المغرب من شمال وغرب، تصد الغارة، وتبيد الهاجمين، وتجيش الجنود في البر والبحر للغزو والدفاع والتطهير، ورفع اسم المغرب عاليا بين الدول، ولم يستطع شرلكان وخلفاء شرلكان – وهم الذين غزوا شواطئ إفريقية وغير إفريقية – أن يحدثوا أنفسهم بالقرب من شواطئها، وهي أقرب إليهم من تونس ووهران، لما عرف به أهلها من شدة الشكيمة والاستبسال في الدفاع عن الكيان، وإتقان فنون الحرب والجهاد، وظلت كذلك أربعة قرون ونبع نهضتها لا ينضب، وبوارق نجدتها لا تخبو، فهي التي فتحت طنجة وطردت منها الإنجليز، وهي التي حمت شواطئ مرتيل من دنس الاحتلال، وهي التي حصرت البرتغال ثم الإسبان في صخرة سبتة، وهي التي أخرجت الأبطال المجاهدين كآل النقسيس واضرابهم.
هذا إلى تقعيد مبادئ المدينة، وتأصيل معالم الترقي من حسن التنسيق في المفروش والملبوس، وكثرة التنويع في المطبوخ والمشروب، ورقة التفنن في المنقوش والمخروز مع سلامة الذوق في العرض والدقة في الترتيب.. إلى المحافظة على الموسيقى الأندلسية التي أتى بها مؤسسوها الأولون معهم من غرناطة ورندة وفاس.. فإذا أضفنا إلى هذا كله ما كان لها من العلاقات السياسية والاقتصادية والفنية مع الجزائر، نجد أنها كانت همزة وصل الحضارات، بل أنها كانت بوتقة تنصهر فيها الحضارات المختلفة، وتنصبغ باللون المحلي الأندلسي الفاسي ولكن في صورة تطوانية بحتة، وذوق تطواني صميم.

 

 

   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here