islamaumaroc

من وحي عيد الشباب دور التربية الأصيلة في صنع شباب المغرب

  محمد حدو أمزيان

298 العدد

الشباب مرحلة من مراحل حياة الإنسان الفرد وحياة المجتمع أيضا، ويمثل هذا الفصل النافع في أدوار الحياة ربيع العمر، كما أن فصل الربيع يمثل شباب الزمان، وهذا تشبيه صادق وجميل في كل الشعوب ومختلف البلدان.
ونحن المغاربة نحتفل بهذا اليوم باسم عيد الشباب، تقديرا لشبابنا الذين قاموا بدور الريادة في مقاومة الاستعمار ونيل الاستقلال، والتحرر من التبعية والإذلال، فمرحلة الاستعمار كانت مرحلة بالغة الاختناق لأنفاس الشعب المغربي ولأطره وشبابه وثقافته ودينه ونشاطه، ماشيا بالشعب المغربي نحو محو هويته، وإدماجه في حضارته ولغته وآدابه، لا في المساواة مع أهله في الحقوق والواجبات، أو في الصناعة والفلاحة والتجارة والمال، بل فقط في التبعية لمصالحه، والتوسعة على شعبه، وجعله حقلا من حقول استثماره، معادنه مادة لصناعته، ورجاله مادة لجيشه، وأسواقه معرض لسلعته وإنتاجه، وهذا اللون من الحياة الذليلة لم يعدها المغاربة في حياتهم منذ أن جاء الإسلام لهذه الربوع الكريمة، بل عاشوا دوما أحرارا في نفوسهم، أحرارا في تسيير شؤون بلادهم، أحرارا في تصرفاتهم، فلذلك فمنذ أن وقع المغرب تحت الحماية تنبه بعض أولي النهى من المغاربة إلى أن ما وقع راجع إلى مرض في المغاربة أنفسهم، في جهلهم وفقرهم ووعيهم الوطني، وشتات صفوفهم وذهاب وحدتهم، ومن ثم وجدوا أنفسهم عاجزين عن الدفاع حين داهمهم الخطر، عاجزين عن جمع كلمتهم، وتأليف وحدتهم، والقيام صفا واحدا للدفاع عن بلادهم، ورأوا أن لا علاج للإنقاذ مما هم    
فيه إلا بالرجوع إلى أصالتهم ووحدتهم، فقاموا بإعادة البناء الفكري الوطني، وتحديد الخريطة السياسية الوطنية التي يجب أن تتابع مراحلها في التوجيه والإرشاد في المستقبل، فقاموا بتربية الشباب تربية قويمة على الإسلام والصدق والوحدة والوعي المركز. فكان من نتاج هذه التربية الجدية هؤلاء الشباب الذين عملوا على نيل الاستقلال، وتوجيه المغرب كله نحو الاستقلال، ومقاومة الاستعمار بمختلف الوسائل المتاحة آنئذ، وطابت هذه الطائفة نفسا أن تتجند لخدمة هذا لعرض النبيل، بمالها وعلمها وقلمها ونشاطها كله، واستطابت المتاعب التي ستلقاها في هذا السبيل، والتضحية بكل شيء في هذا السبيل حتى بالنفس، وعلى رأسهم الملك الجليل محمد الخامس – رحمه الله – وأسرته الكريمة. ودائما الأمجاد التاريخية لأمة من الأمم تكبر وتصغر حسب الأشخاص والزمان والمكان والوزن. والتضحية بالعرش المؤثل التليد أغلى ما يضحي به الإنسان في سبيل دينه ووطنه وتراثه وعزته، وكان الاستعمار شاعرا بهذا التيار الجديد، وهذا العزم الجديد، وتيقن أن الشعب المغربي في نخبته مهيأ أن يضحي بكل شيء في سبيل إنهاء الحماية، واسترجاع الاستقلال الكامل، ولم يعجبه هذا الهواء، وتوجس منه شرا، فقام بمحاولة معاكسة التيار، سيره ووحدته وتاريخه السياسي طوال إثني عشر قرنا، فكان ذلك بداية اشتعال الثورة الوطنية العنيفة أو المسلحة ضد الاستعمار ومصالحه قي كل مكان من المدن والبوادي، بدأت بالمدن ثم انتشرت إلى البادية وتحولت مع الأيام إلى جيش التحرير بالشمال العتيد، وهدف الجميع واحد، وهو التعجيل برد محمد الخامس إلى عرشه مكرما معززا منتصرا، والاعتراف بالمغرب بالحرية والاستقلال.
وكما قلنا اشتعلت الثورة في كل مكان في المدن وفي البوادي فدائيا أولا، ثم جيش التحرير ثانيا، وتمددت الثورة أو الشرارة الأولى للثورة إلى الجزائر ليثور هنالك أيضا أبناؤها البررة الثورة الكبرى التي قل ما يجود الزمان بمثلها، وإلى ونس كذلك، فكانت في المغرب العربي كله ثورة من تونس إلى صفاقس. وهنا سقط في أيد الاستعمار، وشعر بارتجاج الأرض تحت أقدامه، والعجز عن المقاومة، وأحرى أن يطمع في الانتصار على إسكات الثورة الهادرة عليه في كل الجهات من خلفه، ومن أمامه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، بصوت مزمجر عاصف: أخرج من بلادنا أيها المتسلط اللعين، فاضطر أمام هذا الضغط المتنامي ضده إلى أن يرد الحق إلى نصابه، ويرد الملك الشرعي إلى عرشه، وأن يعترف للمغرب بنهاية الحجر والحماية، وبالاستقلال للدولة المغربية الموحدة، فكان ذلك اليوم، يوم نفي محمد الخامس وأسرته الكريمة يوم 20 غشت 1953 بداية انقلاب خطير على الاستعمار وأهله، وبداية فتح باب عهد جديد للوطن وأهله.
 وتخليدا لهذه الانتفاضة المجيدة، ولهذه الفترة الجهادية العزيزة قرر المغرب أن يتخذ هذا اليوم عيدا للشباب الذي فرض وجوده على الأحداث في هذه الفترة، يحتفل به في كل سنة، ويحق له أن يتخذ عيدا للشباب أو عيد التضحية والفداء، لأنه كان حقا عيدا للتضحية والفداء، فيه بدأ الشغب الشعب المغربي مقاومة الاستعمار ماديا ومعنويا، ويدخل معه في صراع دموي طويل، فأخذ الفدائيون يتسابقون إلى أن يكونوا وقودا لهذه الثورة الكريمة أفواجا وراء أفواج ويزيدون لوقودها وقدا، ولنارها نارا، ولانتشارها انتشارا، وانتشارا في المغرب كله، ولعمقها في النفوس عمقا بعد عمق، ورسوخا في النفوس بعد رسوخ حتى بدا للاستعمار أن الساعة نحسة، وأن نجمه كاسف، وتيقن مع الأيام أن الشباب المغربي ذاهب كل إلى النهاية في مقاومتهن وإفشال خططه سياسيا وعسكريا، وتشتيت صفوفه، وزلزلة أركانه، وإدخال الرعب في كيانه رغم قوته وعتاده وجبروته وحنكته، فتيقن أن لا مجال للتراجع، من هؤلاء الشباب إلى الوراء، وأنه سيخسر كل شيء إن لم يتدارك الأمر، فسارع إلى إرجاع الملك العزيز إلى عرشه العزيز، والاعتراف له بنهاية عهد الحماية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال التام والسيادة، تحقيقا لقوله تعالى:
}فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين{ الآية 50- (سورة: والصافات).
فإذا كان عيد الأضحى يحتفل به عيدا دينيا للتضحية والفداء في كل سنة على مستوى العالم الإسلامي كله ذكرى للإنقاذ والفداء لإسماعيل عليه السلام مما كان سيقع، المشار إليه بقوله تعالى: }وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المومنين{. الآية 106- (سورة: الصافات)، وسمو بالإنسان، وتقديرا لدوره في الهداية والإنابة، والبناء ضد الغواية والضلال في الأرض.
فالمغرب كذلك يحق له أن يتخذ هذا اليوم للفداء والتضحية في سبيل عرشه المجيد، وعزته الوطنية، ونيل استقلاله، واسترجاع وحدة ترابه، وسموا لشبابه، وتخليدا لمقاومته، وصلابة عوده، وتقديرا لدوره في الهداية والبناء ضد الغواية والضلال المتمثل في عدوين
وطنه الاستعمار البغيض وأهله الذين لازالت بقاياهم بيننا تكيد للإسلام وتراثه ولغته وحضارته، ويحق لهذا الرمز القرآني أن يصدق عليه على ما وقع لمحمد الخامس من الامتحان وما وقع بعده من الفداء فيقال عنه. (وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المومنين) صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here