islamaumaroc

الفقيه الأصولي المفتي إبراهيم أبو إسحاق الشاطبي.

  عبد القادر العافية

العدد 297 شوال-ذو القعدة-ذو الحجة 1413/ أبريل-ماي-يونيو 1993

نشأ الشاطبي بغرناطة ما بين (720 – 790هـ) على الأرجح، لأن مصادر ترجمته لم تحدد سنة ولادته، وذكرت أنه نشأ وترعرع بغرناطة، وتحدث مترجموه من شيوخه الغرناطيين، وعن جده واجتهاده في طلب العلم... والظاهر أنه لازم غرناطة إلى أن توفي بها سنة 790هـ.
وعايش الشاطبي أهم فترات الدولة النصرية، وشاهد انتصارات جيوش بني الأحمر، واسترجاع بعض المدن والقرى على عهد محمد الغني بالله (755 – 793هـ) الذي استطاع أن يسترجع ثغر بطرنة سنة 767هـ، والجزيرة الخضراء سنة 770 هـ وإشبيلية سنة 771هـ، وهاجم جيان، بل تمكن من محاصرة قرطبة.(1)
هذه الانتصارات بعثت الأمل في النفوس، وكانت قد استقطبت عدد كبيرا من المسلمين الذين سقطت مدنهم وقراهم في يد الإسبان، فلجأ إليها فرارا بدينهم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فكثر بالمدينة الصناع والتجار والفلاحون، وازدهرت حلقات العلم، ومدارسه، وكانت بوادر التحضر بادية ظاهرة في عوائد الأندلسيين، وتصرفاتهم... ولبس الناس الثياب الفاخرة في أحسن زي وأناقة مظهر – يقول ابن الخطيب – تبصرهم في المساجد أيام الجمع كأنهم أزهار المتفتحة في البطاح الكريمة تحت الأهوية المعتدلة... وغالى بعض الناس في الترف.
ولاحظ ابن الخطيب فشو الغناء حتى في الدكاكين التي تجمع كثيرا من الأحداث، وتفنن النساء في الزينة، يقول ابن الخطيب: «تنافسهم في الذهبيات والديباجيات والتماجن في أشكال الحلي إلى غاية بعيدة».(2)
ووصف لباس الرجال بأنه من الملف الملون في الشتاء، ومن الكتان والحرير والقطن في الصين، والعمائم تقل في زي أهل هذه الحضرة إلا ما شذ من شيوخهم، وقضاتهم وعلمائهم، والجند المغربي منهم...(3) وأعيادهم حسنة مائلة إلى الاقتصاد...
وبعد مضي فترة يسيرة من الأمن تغيرت أحوال الناس مما كانت عليه أيام ابن الخطيب الذي توفي سنة 776هـ(4)، وعجزت الطاقة المالية عن تلبية حاجات الناس بسب ما كان يتطلبه الاستعداد للحرب، ومواجهة العدو المتربص من أموال، ودعي الأهالي لبناء أسوار الحصون والمدن، وهو أمر راجع في الأصل إلى بيت المال، واختلف الفقهاء في توظيف ذلك في الناس وفيما يأتي سنجد فتوى للشاطبي في هذا الموضوع(5)، وعمد بعضهم لتزوير العملة، ومزج ذهبها بالنحاس، وهو ما أشر إليه ابن عاصم في شرح تحفة والده.
واتجه كثير من الناس إلى النشاط البحري وإجارة السفن، وهذا مما تحدث عنه ابن عاصم السالف الذكي كذلك، وأخذ الناس يتجرون مع العدو، وهذا موضوع إحدى فتاوي الشاطبي رحمه الله، واتجه الناس للبيع والشراء فيما كانوا يتنزهون عنه سابقا، وهذا موضوع إحدى فتاويه أيضا، زهي تطلب بيان موقف الشرع من صنع الأعضاء من الشمع، ومال بعض الناس إلى الكسل والتهاون في العمل، وهذا مما جعل الشاطبي يدعو الناس إلى العمل ويشجعهم عليه.
ونقل ابن الأزرق عنه أنه كان يقول: «كان أصحاب النبي " بين عامل في سوق، وعامل في أرضه، ومسافر يبتغي فضل الله، وهم القدوة لمن سواهم ولم يكونوا يتحاشون من ذلك، ولا يلحقهم فيه كسل، وكان الغني من مقاصدهم، والتكسب من شأنهم، وعلى صحة ذلك اتفق العلماء... ».(6)

الشاطبي والفتوى
يلاحظ الدارس لفتاوى الإمام الشاطبي – رحمه الله – أنها من النوع الذي يتجه إلى تغيير مسار، وإلى إشاعة إصلاح جذري يستهدف الحفاظ على الثوابت الأساسية للشريعة الإسلامية، فأغلبها حوار مع العلماء والفقهاء لتصحيح بعض القضايا الاجتهادية، أو لتقويم اعوجاج، أو انتقاد أنواع من السلوك حاد أصحابه عن الجادة، وعن الخط القويم، أو تذكير بالمقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية... فتاوى الشاطبي تصب في هذا الاتجاه أكثر منها فتاوي تهتم بالجزئيات المختلفة، والقضايا المتنوعة... لأن الإمام الشاطبي كان يترك الإجابة عن ذلك للفقهاء الآخرين/ ولا يتدخل هو إلا عندما يلاحظ انحرافا بينا تخشى عواقبه... وهذا جعل كثيرا ممن يبحثون عن بلورة قضايا المجتمع من خلال فتاوي الفقهاء لا يجدون مبتغاهم عند الشاطبي إلا قليلا، لأن فتاوي الشاطبي لا تسير مع الاتجاه العادي للمفتي الذي يحترف الإفتاء والمستعد للإجابة عن كل شيء.
الشاطبي منذ البداية رسم لنفسه الخط اليسير فيه، وفتاوي تسير وفق الخط الذي رسمه لنفسه، والذي يتمثل في فهم النصوص الشرعية على أساس إدراك أهداف التشارع ومقاصده، على أساس الالتزام بذلك حتى لا تتميع الأمور، ويتسرب التحريف، وبذلك يقع البعد عن الثوابت والمعالم الأساسية للشرع. فالشاطبي ندب نفسه لهذه المهمة، وهي مهمة صعبة، فيها كثير من العنت والمحن، لكن الرجل مصر على اتجاهه، وموطد العزم على نهجه، مستعد نفسانيا لقبول كل ما يعترض طريقه، ففتاوي الشاطبي تستهدف بالدرجة الأولى الإصلاح الجذري إذ كان يرى أن مجتمعه في أمس الحاجة إليه، وبذلك نستطيع أن نقول إن فتاواه، فتاوي مصلح اجتماعي قبل أن تكون فتاوي فقيه يجب عن النوازل بالرجوع إلى أقوال المتأخرين...
فتاوى الشاطبي ليست من هذا النوع بل هي فتاوي تعتمد الأصول من الكتاب الكريم، والسنة الصحيحة، واجتهادات السلف الصالح، ولا تقنع بكل تأويل أو اجتهاد غير سليم أو فهم قاصر... بل هي فتاوي الشرع وأهدافه وغاياته.
ومنتهج هذا المنهج في فتاواه لا بد وأن يكون مقلا لأنه لا تهمه الفتاوى لذاتها أو ليقال إنه مفت، أو إنه أجاب في هذه النازلة أو تلك... ولا نبعد إذا قلنا إنها نماذج تطبيقية لمنهجه في إدراك مقاصد الشريعة، وما توحي به نصوصها من الدلالات والأهداف... ولذلك فهي لا تتميز بكميتها، بل بمنهجها في تحليل الواقع، ويجعل الجواب في النازلة ينسج انسجاما كليا مع روح الشريعة مما يدل على نفاذ بصيرة الرجل، وعمق إدراكه لأسرار التشريع.
ومن خلال قراءة الموافقات يتبين أن الشاطبي رحمه الله وضع منهجا قويما للفتوى والإفتاء، واشترط شروطا في المفتي.
ويستفاد منه في هذا الباب، أن المفتي لا ينبغي أن يصدر فتواه إلا وهو ملتزم بما يفتي به، ويعطي المثل من نفسه أولا، فلا يفتي بما لا يطمئن إليه، ولا بما يتحرج هو من فعله، وعلى المفتي أن لا يحمل الناس على الشطط والشدة، أو الانحلال والتهاون؛ لأن مقصود الشارع من المكلف الحمل على الوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك خرج عن المذهب الوسط، وبذلك يكون مذموما عند العلماء الراسخين... لأن العنت والحرج يؤديان إلى بغض الدين، والانحلال مظنة إتباع الهوى والشهوة، وذلك مهلك، وعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضادا للمشي على التوسط، كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضا».(7)
ولخص القاضي أبو عبد الله محمد بن الأزرق الغرناطي (تـ: 896هـ) كلام الشاطبي هذا، وهو يتحدث عن خطة الفتيا ضمن الخطط الدينية فقال:
قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي: المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، ثم أطال في شرح هذا القول.(8)
ونقل ابن الأزرق عن شيخ شيوخه الشاطبي عدة قواعد أصولية في كثير من أبواب كتابه (بدائع السلك)، ويظهر من نقوله عنه أنه كان من المعجبين به، ويبدو كذلك أن ممن تقيد بمذهبه في الفتوى حسب ما يستنتج من بعض فتاويه في المعيار (11:11) كفتواه في موضوع هدايا اليهود لجيرانهم من المسلمين بمناسبة أعيادهم الدينية، وجاء في هذه الفتوى أن كثيرا من جهلة المسلمين يقبل ذلك منهم».
وذكر ابن الأزرق في المسألة الرابعة، وهو يتحدث عن خطة الإفتاء:
إن المفتي الذي يصدر الإمام دون تعرف ما عند غيره فيه... قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشاطبي عن مثل هذا المفتي: «هو فقيه نفسه، والناظر لها، فإن رأى نفسه أهلا لذلك عمل عليه إذ كان من أهل الاجتهاد» والشاطبي هنا يوقظ ضمير هذا المفتي ويكله إلى نفسه، ويختم قوله، بأنه على من صدره أن ينظر غيره المتصف بأوصاف العلماء من التقى والورع، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد».(9)
فالشاطبي هنا يعطي الأهمية الكبيرة للتقوى والورع، ويراها ضروريان لمن يتولى النظر في أمور الناس، ومن ذلك الإفتاء.
ويتقل ابن الأزرق كذلك انتقاد الشاطبي لمحمد بن يحيى ابن لبابة الذي أفتى لعبد الرحمن الناصر بجواز المعاوضة في أرض محبسة على المرضى بجوار منتزهه بقرطبة... قال الشاطبي:
«وشأن مثل هذا لا يحل لوجهين إلخ».(10)
وذكر القاضي عياض قصة فتوى ابن لبابة بتوسع.(11)
وقد سبقت الإشارة إلى هذه الفتوى.

الفتاوى والتصوف
التصوف الذي استشرف أمره على عهد الشاطبي وأصبح ظاهره عادية في مملكة غرناطة له جذور قديمة في بلاد الأندلس، لقد انتحله ابن مسرة (محمد بن عبد الله القرطبي) (تـ: 319هـ)، وانعزل عن المجتمع بجبل بضواحي قرطبة، وانضم إليه بعض المتأثرين بأفكاره، واتهم بالإلحاد،وفر يريد الحج، ثم عاد إلى الأندلس، عاصره الصوفي الكبير أبو بكر الهاشمي – (عبد الله القرشي) شيخ ابن عربي الحاتمي (تـ: 638هـ) المرسي، وظهر بعده ابن سبعين بمقولاته الجريئة(12) (تـ 669هـ) الصوفي الفيلسوف الزاهد، ألف كتاب: (بدء العارف) وهو ابن 19 سنة، ووصلت أخباره لبابة رومة. ثم جاء بعده أبو العباس المرسي صاحب المقام المشهور بالإسكندرية، ثم ظهر الشيخ أحمد بن فارس مؤلف كتاب (خلع النعلين) في التصوف. وأعطت «مرسيا» وحدها ثلاثة ابن العربي، ابن سبعي وابن العباس المرسي.
ولقد عاصر الشاطبي صوفيا كبيرا المنطقة وهو أبو عبد الله محمد بن عباد الرندي الأندلسي النفري (تـ 791هـ)، والذي استوطن المغرب مدة طويلة من الزمن، وكان صديقا حميما للشيخ ابن عاشر نزيل سلا، وحتم حياته إمامه وخطيبا بجامع القرويين بفاس.
وندرك من قراءة روضة الحب الشريف لابن الخطيب، ومما كتبه ابن خلدون عن التصوف أن الأفكار الصوفية كانت مثار اهتمام بالغ من طرف كبار المفكرين والأدباء والمؤرخين.
وفي الفترات الأخيرة من حياة الأندلس الإسلامية انتشرت الأفكار الصوفية بين مختلف طبقات المجتمع الأندلسي بين العلماء والأدباء والكتاب والفقهاء.
ويلاحظ الدارس أن الأفكار الصوفية أصبحت لها الصدارة، وبخاصة بعد سقوط عدد كبير من القلاع والحصون والمدن في يد النصارى، في هذه الفترة اتجه كثير من الناس بما فيهم الفقهاء إلى اعتناق الأفكار الصوفية، وإلى دراسة السيرة النبوية للتأسي بانتصارات الصحابة وشجاعتهم، وإلى دراسة سير الأولياء والصالحين، ووجدوا في ذلك متنفسا، لأن الأفكار الصوفية من أهدافها أن تقلل من قيمة هذه الحياة الدنيا، وتهون من شأنها، وتشغل الناس بالذكر والحديث عن حياة الزهاد والعباد...
وعرفت غرناطة خلال عهد بني نصر إقبالا منقطع النظير على الأفكار الصوفية، وعلى مجالس الذكر، وأخبار الزهاد... واختلط التصوف السني بالتصوف البدعي، وعن هذا يقول الشاطبي رحمه الله:
«وفي غرضي إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله، ويسر لي الأسباب، أن الخصم في طريق في طريق القوم أنموذجا يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى، وإنه إنما دخلتها المفاسد، وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي ولا فهم لقاصد أهلها، وتقولوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الأخير كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها محمد " وأعظم من ذلك أنهم يتساهلون في إتباع السنة، ويرون اختراع العبادات طريقا للتعبد صحيحا، وطريقة القوم بريئة من هذا الخلط بحمد الله».(13)
ويستفاد من كلام الشاطبي أنه ليس معاديا للتصوف جملة وتفصيلا، بل نراه بعد الكلام السالف يستشهد بأقوال كبار رجال القوم كما يسميهم مثل: الفضيل بن عيا، وإبراهيم بن أدهم، وذنون المصري، ويحيى بن معاذ الرازي، والجنيد، وأبي بكر الدقاق، وأبي الحسن الجوزاني وأبي الحسن الوراق وغيرهم، ممن أتى بأقوالهم في المواعظ والرقائق وصدق النية في العبادة والإخلاص فيها... إلى أن يقول:
«وهم كانوا أهل الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرار التوحيدية، فهم الحجة لنا على من ينتسب إلى طريقتهم، ولا يجري على مناهجهم، بل يأتي ببدع محدثات وأهواء متبعات...».
ويختم كلامه بقوله: «حتى يكون – أي كلامهم – دليلا لنا من جهتهم على أهل البدع عموما، وعلى المدعين في طريقتهم خصوصا»ن: 71 – 72.
فالرجل مهتم بالرد على منتحلي التصوف البدعي، وعلى طريقتهم وبدعم المحدثات، وأهوائهم المتبعات... واحتفظت فتاوى، فقهاء عصر الشاطبي بما يؤكد أن المجتمع الأندلسي انتشرت به الزوايا، مجالس الذكر الجماعي بأصوات مرتفعة، وما يتخلل ذلك من الإنشاد والسماع... وقد أورد صاحب المعيار بعض الفتاوي في هذا الموضوع منها ما أجاب عنه الشاطبي، وشيخه أبو سعيد بن لب، وغيرها. (المعيار: 11: 105، وغيرها...).
إلا أن فتاوي الشاطبي عن مثل العادات كانت تختلف عن فتاوي شيوخه وأمثالهم من المفتين والفقهاء... ولقي من أجل ذلك صعوبات ومضايقات... ويشير إلى ذلك فيقول:
«ولما وقع علي من الإنكار ما وقع، مع ما هدف الله إليه وله الحمد، لم أزل أتتبع البدع التي نبه عليها رسول الله " وحذر منها وبين أنها ضلالة وخروج عن الجادة...(14)
ويقول: «فتردد النظر بين أن أتتبع السمة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس فلابد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، لاسيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها... وبيد أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت رحمة الضلال عائذا بالله من ذلك، فرأيت الهلاك في إتباع السنة هو النجاة، وإن الناس لن يغنوا عني من الله شيئا، فأخذت في ذلك حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت علي القيامة، وتواترت علي الملامة، وفوق إلى العتاب سهامه، ونبت إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة...».(15)
وهكذا يتضح أن الرد على أصحاب البدع في المجتمع الأندلسي لم يكن من
الشيء الهين، فالشاطبي رحمه الله تعرض للمحن والنشقة، ووجهت إليه كثير من التهم التي يقول عنها: «وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة (ض)
وتارة أضيف إلى القول بجواز القيام على الأئمة.
وتارة أحمل على التزام الحرج، والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في الفتيا الحمل على مشهور المذهب لا أتعداه، وهم يتعدونه، ويفتون بما يسهل على السائل، ويوافق هواه وإن كان شاذا في المذهب الملتزم أو في غيره.
وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أني عاديت بعض المبتدعين المخالفين للسنة المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم...
وتارة إلى مخالفة السنة والجماعة...(16)
فالشاطب يرحمه الله يصور بهذا الكلام ما كان يعانيه من خصومه الذين تفننوا في إلصاق التهم به، وفي إذايته... كل ذلك ليطلوا منساقين مع أهوائهم، وشهواتهم...
وذكر ابن الأزرق أن الشاطبي كان يشترط شروطا للاستعانة على تغيير المنكر منها:
1- صحة القصد.
2- عدم جدوى النصح لوحده.
3- غلبة الظن أنه يزول برفع أمره.
4- المرفوع إليه، لا يغيره بمنكر آخر.
5- ذاكر المنكر ينبغي أن يكون علمه يقينا لا بظل أو تهمة.(17)
وجاء في ترجمته، من (النيل) أنه تكلم مع كثير من الأئمة في مشكلات المسائل من شيوخه وغيرهم: كالقباب، وقاضي الجماعة الفشتالي، والإمام بن عرفة، والولي الكبير ابن عباد... جرى له معهم أبحاث ومراجعات أجلت عن ظهوره فيها وقوة عارضته وإمامته... وله أبحاث جليلة في التصوف، وله فتاوي كثيرة...(18)
وما ألزم به الشاطبي نفسه من الصراحة في القول، والبعد عن المداهنة، جعله يحظى بكثير من التقدير والتنويه من طرف بعض علماء عصره ومن بعدهم.
نجد صدى ذلك عند الذين ترجموا له أو تحدثوا عن علمه أو منهجه أو عن أسلوبه في الدعوة والإصلاح... فالذين تحدثوا عنه نوهوا به غاية التنويه، بل نجد بعضهم ألف كتابا كاملا في الانتصار له، والرد على خصومه.
لقد أورد الشيخ أحمد بابا السوداني في النيل أن الفقيه العلامة محمد بن محمد أبا يحيى بن عاصم الغرناطي الشهيد من جملة تآليفه جزء كبير في الانتصار لشيخه الإمام الشاطبي، والرد على شيخه الإمام أبي سعيد بن لب... في غاية النبل والجودة (النيل: 285).
وذكر الشيخ أحمد بابا: أن الشاطبي يلقب عند علماء عصره: «بناصر السنة» (النيل: 290).

نماذج من فتاوى أبي إسحاق الشاطبي الذي عاش ما بين (720 – 790هـ)
لقد توزعت فتاوي الإمام أبي إسحاق الشاطبي بيم كتب النوازل وكتب الفقه وكتب الطبقات، وغيرها...
والجزء الأكبر منها تعلق بمسائل فقه العبادات بالدرجة الأولى، لأن الخلاف حول مسائل محددة منها كان يشغل بال الناس بالأندلس.
ويلاحظ الدارس أن المجتمع الغرناطي في القرن الثامن الهجري عرف خلافات حادة بين الفقهاء حول مسائل العبادةـ فمن الفقهاء من يبيح بعضها، ومنهم من يكرهه أو يرى منعه، وهم ما بين متشدد ومتساهل، وهذا مما جعل الناس يستفتون ففي النازلة الواحدة عددا من الفقهاء والمفتين...
ونرى الشاطبي – رحمه الله – يفتي في بعض الأحيان بما يخالف فتاوي شيوخه وأضرابه من الفقهاء في هذه المسائل الحساسة من مسائل العبادة.
ونلاحظ أن موضوعا آخر كثرت حوله الفتاوي وهو موضوع الأحوال الشخصية، من زواج وطلاق، والخلاف حول متابع البيت بين الزوج والزوجة أو بين ورثة أحدهما...
وهذا النوع من الفتاوي نتعرف منه أحيانا على أثاث البيت، وثياب النساء وحليهن وما كان يستعمل من ذلك.
ثم بعد هذا تأتي الفتاوي المتعلقة بالمعاملات، وهي فتاوي لها دلالتها فيما يتعلق بأحوال المجتمع، وتعطي صورا واضحة عما كان الناس عليه في حياتهم اليومية وأحوالهم المعاشية، من تجارة وفلاحة وصناعة وظائف دينية وغيرها...
هذا، ولابد من التأكيد على أن العادات التي تعودها الناس بالأندلس، وألصقوها بالدين شغلت حيزا وافرا من فتاوي الشاطبي، وأظهر فيها شدة صرامته في محاربة البدع. 
اعتمدت في النماذج المتحدث عنها من فتاوي الشاطبي على كتاب «فتاوي الإمام الشاطبي» وعلى «المعيار» للونشريسي الذي نجد به مجموعة هامة من فتاوي الشاطبي، وقمت بمراجعة كل فتوى في مظانها للتأكد والمقارنة، ووجدت أطرافا من بعض الفتاوي في مظان لم يشر إليها جامع الفتاوي، من ذلك ما وجدته بكتاب (بدائع السلك في طبائع الملك) لابن الأزرق، وهي وإن لم تكن فتاوي كاملة، بالسؤال والجواب، فهي مما كان يفتي به الشاطبي، ويدرجه ضمن كتاباته وآرائه.
ودعاني المبحث في فتاوي الإمام الشاطبي إلى تتبع ما جاء عن الرجل في مصادر ومراجع مختلفة ابتداء من كتبه: الاعتصام، والموافقات، والإفادات والإرشادات. وما جاء عنه في النيل، والنفح، وأزهار الرياض، وبدائع السلك، والمعيار ودرة الحجال، وشجرة النور، والفكر السامي، والأبحاث السامية وفهرس الفهارس، والأعلم، وغيرها...
وما كتب عنه في الفترات الأخيرة كنظريات المقاصد عنده، وأبحاث أندلسية... مع الرجوع إلى بعض المجلات...

النماذج:
1- فتوى الشاطبي حول تنازع الزوجة مع الورثة في الشوار، وتدخل ضمن المشاكل الزوجية، وهي مشاكل عادية تقع في كل مجتمع.
والذي يستفاد من فتوى الشاطبي في هذا الباب أن شوار المرأة كانت له قيمة في المجتمع الغرنلطي، ويحتوي على ثياب نفيسة، وألبسة ذات اعتبار، ويستفاد منها أيضا أن الزوج أحيانا كان يجهز بيت الزوجية من ماله مما هو خارج عن صداق المرأة... فالمستفتي يسأل: هل ما في البيت من آثاث وما فيه مما يخص النساء: هل ما في البيت من أثاث وما فيه مما يخص النساء من لباس بعد الموت الزوج هل هو للمرأة وحدها، أم لورثة نصيب فيه؟ (المعيار نوازل النكاح 3: 209).
2- فتوى أخرى في نفس الموضوع عن زوجة رجل تاجر في الثياب ادعت زوجته أن ما في البيت من الثياب هو لها.
ويئكد الشاطبي في الفتوى الأولى وفي الثانية أن على الزوجتين إثبات ذلك ببينة: المعيار: (5: 214).
ومن فتاوى المعاوضات فتوى تتعلق بالزيادة في البضاعة بعد أن يقول صاحبها للدلال: بعها: (5: 220).
والدلال مأخوذ من الدلالة فهو دليل التجار على مكان البضاعة، ويعرف أرباب الصنائع بالتجار، هذا هو أصل الكلمة، والدلال في العرف هو الصائح على السلعة ليبيعها بالمزايدة، والمدن الإسلامية كانت بها عدة أسواق، وبكل سوق دلالون... 
وكان بعض هؤلاء الدلالين يتلاعب، فبعد أن يستقر البيع على أحد المزايدين تراه يزين في البضاعة لشخص آخر قصد أن يزيد الثمن.
فالسؤال هو: هل يصح ذلك أم لا؟
ويذكر الشاطبي أن ذلك جائز إذا لم تصل السلعة إلى المشتري.
وهناك فتوى أخرى يسأل صاحبها: هل يباح لأهل الأندلسي بيع الأشياء التي منع العلماء من بيعها نمن أهل الحرب كالسلاح وغيره لكونهم محتاجين إلى في أشياء أخرى من المأكول والملبوس وغير ذلك..؟
يؤكد الشاطبي في هذه الفتوى أنه لا فرق بين أهل الأندلس وغيرهم من أرض الإسلام، (المعيار: 5: 213).
وفي نفس الفتوى جاء السؤال هل ينزل الشمع منزلة ما ذكر؟ فإن قلت بالمنع من بيعه منهم، فهل يصح بيعه لعطار يبيعه لهم؟ وإن قلت بالترك فهل هو على سبيل الفرض أو الندب؟
وتصريح الشاطبي بأن ما يجري على الجزيرة يجري على غيرها من بلاد الإسلام. نستشف منه أهل الأندلس كانوا يشعرون في هذه الفترة وهم محاطون بالأخطار من كل جهة أن وضعهم يختلف عن البلاد السلامية الأخرى.
يقول الشاطبي: وما عللتم به من حاجاتنا إليهم فليس بموجب لتسويغ البيع منهم، وأما بيع الشمع من العطار فالأمر فيه خفيف، لأنه لا يبيعه من أحد بعينه...
ويستفاد من هذه الفتوى أن العلاقات التجارية بين المسلمين والنصارى كانت قائمة في مواد مختلفة، والسؤال:يدل على ذلك، وإنما يريد صاحبه أن يتأكد ليعرف ما يباح بيعه، وما لا يباح، وفتاوي البيوع تدل على أن المنتجات المحلية من الزيت والزيتون، والجبن والشمع... كان يبيع ذلك متداولا بين الناس بكثرة.
ويستفاد من فنوى أخرى أن الناس كانوا يتعاملون بالدراهم الفضية، وبالقراريط التي هي أجزاء الرد بالقراريط على ما تبقى من الدرهم الفضي مع أن المشرع يشترط في ذلك أن يكون وزنا بوزن.
وجاءت فتوى الشاطبي هما معتمدة على فهم القباب (ت 779هـ)، ومعترضة على ابن علاق، الذي كان يجيز ذلك للضرورة، سواء اتحد الوزن أم لم يتحد.
(انظر: نوازل المعاوضات والبيوع بالمعيار: 5: 23).
ومن فتاوي الشاطبي: فتوى تتعلق بالزعفران، وكان الناس يستعملونه في الطهي لأنه يعطي للأكل نكهة مستحبة، ومدح أطباء المسلمين – ومنهم ابن الأزرق في تسهيل المنافع – الزعفران، وقالوا أنه يبعث على السرور، وإن شمه يبهج النفس، وهو مسهل للهضم، ويستعمل مغلاة في تهدئة لآلام المعدة. ويستعمل في حالة التهاب المفاصل بعد غليه في الماء، وينصح للحوامل بعدم الإكثار منه، وبخاصة في الشهور الأولى من الحمل، وهو مدر للطمث... والسؤال: هل الأجزاء السفلي البيضاء من الزعفران يعد تركها فيه غشيا أم لا؟ والشطبي لا يرى ذلك غشا لأنه شيء يسير، وهو من أصله». (المعيار: 5: 26 / بيوع ومعوضات).
ومن فتاوي الشاطبي فتوى تتعلق بلقط الزيتون بجزء منه أو بزيته.
الأراضي الغرناطي يكثر فيها الزيتون، ونجد عددا من الفتاوي تتعلق بهذا الموضوع، والشاطبي يشترط في الأجر ألا يكون مجهولا فإن كان كذلك فلا يصح.
ومن الفتاوي فتوى تتعلق بالشركة في تربية دود الحرير.
عرفت الأندلس تربية دود الحرير في وقت مبكر، والشاطبي من هذه الفتوى يحيل على فتوى أصبغ بن محمد من فقهاء القرن الثالث الهجري. والسؤال عن علف الدود من التوت وعن آلات تحتاجها العملية لإنتاج الحرير، وتربية دوده، وصناعة الحرير من الأشياء التي انتقلت مع الغرناطيين إلى مدينة شفشاون بالذات حيث كان الأهالي بهذه المدينة يعتنون بتربية دود الحرير ويصنعون منه الجدائل، وفاس حيث كان ينسج هناك.
ولقد تحدث الحسن بن محمد الوزان عن صناعة الحرير في بعض جهات المغرب.
يقول الوزان وهو يتحدث عن خميس مطغرة غرب فاس على 15 ميل منها منذ أن قدم أهل غرناطة، وأقام بعضهم في هذه المدينة تمت زراعة كثير من أشجار التوت الأبيض للانتفاع بها في تربية دود الحرير كما زرعوا قصب السكر... ويذكر ما رسول كاربخال: ـن خميس مطغرة واقع في الطريق بين فاس ومراكش/ وأن هذه المدينة كانت آهلة بالغرناطيين الذين غادروا غرناطة.
ومن الفتاوي فتوى تتعلق بصناعة الجبن والسؤال هل يجوز خلط الألبان ثم اقتسام الجبن في اللبن غير متساوية؟
والمزابنة منهي عنها؟ ثم رجع عن هذه الفتوى واعتهد قول ابن رشد بأن ذلك جائز للضرورة (المعيار: 5 / 215).
ومن الفتاوي فتوى تتعلق بإرث المرتد.
وتعتبر هذه الفتوى من أهم فتاوي الشاطبي لأنها تتضمن فوائد جمة، منها: أن الأحوال في مملكة غرناطة كانت تدعو بعض الناس للارتداد عن دينهم، لأن تضييق النصارى على المسلمين كان مستمرا، وكان سكان الأطراف يلاقون عنتا ومشقة من جيرانهم النصارى، فكان بعضهم – وإن كان قليلا – يضطر للارتداد عن دينه، وهذا مما تتحدث عنه هذه الفتوى التي جاء فيها: بأن أحدهم ارتد في حياة أبيه، ثم كمن مات أبوه وعلم بموته قال: إن صح إرثه من أبيه فإنه يرجع إلى الإسلام. ويؤكد السائل أن أهل موضعه راغبون في رجوعه إلى دينه خوفا من أن ننتشر العدوى... ويظهر أنه في هذه الآونة كان النصارى يعاملون المرتدين معاملة خاصة تشجيعا لهم على الارتداد، وإلا لما كان الخوف من العدوى.
والشاطبي رحمه الله أفتى بأنه لا حق له في الإرث، لأن المال يخرج عن ملك الميت بمجرد موته، سواء قسم أو لم يقسم، وبعدها قرر هذا، أخذ يرغب في أن يعطيه الورثة مقدار ما كان سيرثه، أو ما يقرب منه، أما إن كانوا يتامى أو شحت نفوسهم فيندب لأهل الموضع إلى اصطناعه لما يخافون من عواقب التمادي على ارتداده، فإن لم يفعلوا فيعطي من الزكاة بقدر ميراثه، أو ما يقرب من ذلك لأن من مصاريفها المؤلفة قلوبهم، أو يعطي من بيت المال، فالشاطبي راغب في أن ينقذ هذا المرتد، ويحبذ ذلك، ويرشد إلى سبله.
وفي هذه الفتوى جاء اعتراف الشاطبي بأنه مقلد لمذهب مالك، ويفتي بالمشهور المعمول به، جاء ذلك في معرض رده على السائل الذي يلتمس من المفتي أن يفتي، ولو على قول ضعيف أو خارج عن المذهب.
يقول الشاطبي: أنا نقل مذاهب فقهاء الأمصار سوى مذهب مالك والفتوى بها بالنسبة إلينا فهو أشد – أي أشد من الفتوى بالقول الضعيف – لأنها مذاهب يذكر بنا منها أطراف في مسائل الخلاف، لم نتفقه فيها، ولا رأينا من يتفقه فيها، ولا من عرف أصولها، ولا دل على معانيها، ولا حصل قواعدها التي تبني عليها، فنحن والعوام فيها سواء، فكما أنه لا يحل للعامي الذي يقرأ كتابا، ولم يسمع فقها، أن يأخذ كتب الفقه فيقرؤها لنفسه، ويفتي بها بما حصل عليه من علمه: كذلك من لم يتفقه في غير مذهب مالك وإن كان إماما في مذهب مالك. (المعيار: 9: 227 – 229).
ومن فتاوي الشاطبي فتوى تتعلق بتصوير الشماعين للأيدي وبعض الأعضاء البشرية، جاء في المعيار (11: 110).
وسئل الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي عن الأيدي التي يصنعها الشماعون من الشمع والقنايد، وما يصنع من العجين هل ذلك جائز أم داخل تحت الوعيد الذي ورد في المصورين؟
فأجاب: «وقفت على سؤالكم المكتوب فوق، وظاهر كلام الشراح للحديث أن الوعيد المذكور في الأحاديث في شأن المصورين إنما هو كان فيما كان تصويره كاملا على حكاية الحيوان بجميع أعضائه الظاهرة، وإن تصوير بعض الأعضاء على الانفراد ليس بداخل تحت الوعيد المذكور حتى إن عياض حكى عن بعض العلماء أن رأس الصورة إذا قطع جاز الانتفاع بباقيها، وقد جاء في بعض الأحاديث ما يؤيد هذا القول، فخرج أبو داود من حديث أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله ":
أتاني جبريل فقال لي أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت ستر فيه تماثيل،وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيأة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فتجعل منع وسادتين منبوذتين يوطئان، ومر بالكلب فليخرج ففعل رسول الله "(19): الحديث.
فموضع الشاهد قوله: فمر برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومعلوم أنه لا يصير كهيئة الشجرة إلا من بعض الوجوه لأن اشتكال سائر الأعضاء باقية على هيئتها. فشكل عنصر واحد كاليد أولى أن يصر كهيئة الشجرة أو الخشبة، فجائز من باب أولى إن كانت أيدي القائد كأيدي الشمع في تحديق الصنعة، وإن كانت كالخمسات المبيعة في الأسواق، فليس فيها من صور الحيوان في الأسواق يعتد به، فهذا أولى بالجواز، إلا أن هناك أمرا ينبغي النظر فيه، فإنه يخشى في استعمال أيدي الشمع أن يكون من باب الإسراف المكروه، وإن كانت الأيدي ذات قدر، ويخشى في استعمالها من العجين أن يكون من باب اللعب بنعمة الله تعالى، والاستخفاف بها، وهو مظنة وعرضة لزوالها، وإن حكمت الأيدي كإحكام الشمع فإن لم يكن كذلك فالأمر أخف».
والفتوى تفيد أن بعض المسلمين بالأندلس كانوا يصورون بعض الأعضاء البشرية من الشمع، والحلوى، والعجين،
ويتجرون فيها، وإن الخمسات كانت تباع في الأسواق، وجاء السؤال ليعلم حكم الشرع في هذا النوع من التجارة.
ونلاحظ أن الشاطبي يعتمد في هذه الفتوى على الحديث، ومنه يستنبط الحكم، ويستدل به على ما قاله القاضي عياض رحمه الله».
وللشاطبي فتاوي كثيرة نقلها صاحب المعيار وغيره.


1) نهاية الأندلس: لعبد الله عنان ص: 112 مطبعة مصر: ط: 2.
 2) اللمحة البدرية لابن الخطيب: دار الآفاق الجديدة بيروت، ط: 2، ص: 41.
3) المصدر نفسه: 38.
4) توفي ابن الخطيب قبل الشاطبي بأربع عشرة سنة، وخلال هذه المدة اليسيرة تغيرت الأوضاع تغيرا كبيرا، وبخاصة من الناحية السياسية.
5) هذه الفتوى ذكرها صاحب المعيار: (11:131)، وذكر الخلاف الذي وقع بين الفقهاء فيها وقال: «كان الشاطبي ممن يرى رأي من من يجيز ضرب الخراج على الناس عند ضعف بين المال عن القيام بمصالح الناس». وانظر فتاوي الشاطبي، وجمع أبي الإجفان: (ط: الكواكب تونس). وانظر نيل الابتهاج: (1: 49 – 50). وتعرض للموضوع نفسه ابن الأزرق في بدائع السلك: (1: 192 ط: ليبيا – تونس: 1977).
6) بدائع السلك: 2: 861.
7) الموافقات: ج: 4، ص: 2 وما بعدها.
8) بدائع السلك في طبائع الملك لابن الأزرق: 1: 245.
9) بدائع السلك: 1: 250 – 251.
10) المصدر نفسه: 1: 247 – 248.
11) ترتيب المدارك للقاضي عياض: (6: 87 وما بعدها) طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.
12) ذكر أحمد أمين أن الشيخ رشيد رضا نقل أنه قال: «لقد حجر ابن آمنة واسعا بقوله: «لا نبي بعدي» وغير ذلك من المقولات الخطيرة: (ظهر الإسلام) ص: 72 ج 3.
- من متصوفة الأندلس/ ابن العريف وابن برحان وابن قسي وغيرهم.
13) الاعتصام: 64.
14) الاعتصام: 13.
15) الاعتصام: 11.
16) المصدر نفسه.
17) بدائع السلك: 2: 568 – 569.
18) أنظر: نيل الابتهاج: 49 – 50.
19) الحديث كما قال: في سنن أبي داود ج: 4،  74 – 75، بل في سائر كتب السنن وفي صحيح مسلم، يذكره المحدثون في كتاب اللباس، باب المصور.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here