islamaumaroc

حق الأمة لا يضيع ولن يضيع [افتتاحية]

  دعوة الحق

العدد 297 شوال-ذو القعدة-ذو الحجة 1413/ أبريل-ماي-يونيو 1993

في شهر أبريل من كل سنة، تحل مناسبة عزيزة، وتتجدد معه في نفس الأمة المغربية ذاكرتها الواعية ذكرى وطنية خالدة، راسخة في القلوب، ومنقوشة في العقول، إنها ذكرى الزيارة التاريخية التي قام بها جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه إلى مدينة طنجة في تاسع أبريل من سنة ألف وتسعمائة وسبع وأربعين 1947، فكان لها صداها البعيد، وأثرها الكبير داخل المغرب وخارجه، حيث أسمعتْ صوتَ المغرب عاليا، وكان لها دورها الفعال في إنعاش حياة الشعب المغربي، وبعْثِ الأمل والطموح في نفسه، وإعادة تأصيل تاريخه الحافل المجيد، وتقوية كيانه، وتثبيت دعائم وجوده وشخصيته، وترسيخ بناء نهضته الحديثة الفتية.
فقد تمت تلك الزيارة الميمونة الظافرة، وتحققت في فترة عصيبة من تاريخ المغرب ونضاله، وجهاده المتواصل في سبيل استرجاع حريته واستقلاله، والحفاظ على وحدته وكرامته، وصيانة مقدسات دينه ووطنه، وأزال بها جلالة المغفور له محمد الخامس تلك الحدود الوهمية والحواجز الخيالية التي اصطنعها الاستعمار للتفرقة بين أبناء الشعب المغرب الموحّد، وبين شماله وجنوبه. فقد تخطى كل تلك العراقل والمصاعب، وتجاوز تلك المكايد والدسائس التي اختلقها الاستعمار في تلك الظروف، ووضعها في الطريق لإفشال تلك الزيارة، والحيلولة دون تحققها، لأنه كان يدرك مقاصدها ومراميها، ويعرف ما ستفسر وتكشف عنه من نتائج إيجابية لصالح المغرب في الداخل والخارج، وما ستبرهن عنه من حبِّ المغرب وأبنائه لملكه، وتعَلُّقِه بعاهله المفدّى، وبحقه في التمسك بالحرية والاستقلال، وحرية البلاد والوطن.
وقد جاء الخطاب التاريخي الذي ألقاه جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، أثناء تلك الزيارة، صرخة مدوية، وصاعقة قوية نزلت بالاستعمار، فأصابته بالاندهاش والذهول، و فجرت غضبه وسخطه، لِمَا سمعه من كلمة المغرب ومطالبته بالحرية والكرامة، ولِمَا رآه من الحب والمتفاني والتعلقِ المتين بالملك المفدى وعرشه العلوي المجيد.
ولا غرو في ذلك، فقد كان في مقدمة ما تضمنه ذلك الخطاب الملكي التاريخي من الأفكار الرئيسية والمطالب الأساسية أن أعلن جلالته في حماس وثبات، وإيمان ويقين لشعبه المغربي الوفي، وللعالم أجمع، عزم المغرب الأكيد، وإرادته القوية الصلبة على استرجاع حريته واستقلاله، والحفاظِ على سيادته وصيانة وحدة شعبه ووطنه من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه، وأنَّهُ جزء لا يتجزأ من الأمة العربية قاطبة، والأمةِ الإسلامية جمعاء.
وبذلكم كانت تلك الزيارة الموفَّقة، وذلكم الخطاب الملكي الهام خطوةً مباركة جبارة، ومرحلة هامة من مراحل الكفاح والنضال الصامد والجهاد المتماسك الذي خاضه الشعب المغربي بقيادة عاهله المفدى جلالة المغفور له محمد الخامس، وبمعيته ورفقته مستشاره الأمين، ووارث سره، ولي العهد آنذاك جلالة الملك الحسن الثاني حفظه لله. فتواصلت بعد ذلك الخطوات المتتالية، وتتابعت الأعمال والمنجزات في خطى حثيثة موفقة، ودبلوماسية حكيمة، واستماتة قوية، وسياسة رشيدة ناجحة، حتى تحقق لهذا الشعب المغربي الكريم، ولعاهله ما يهفو إليه ويصبو إليه من حرية وكرامة، وعزة ومناعة، وسيادة بين مختلف الأمم والشعوب  الإنسانية. وذلك ما يجده القارئ والدارس لتلك الحقبة من تاريخ المغرب، وفي ذلكم الخطاب التاريخي البليغ الهام، والذي كان من جملة ما جاء فيه:
«إذا كان ضياع الحق في سكون أهله فما ضاع حق وراءه طالب إن حق الأمة المغربية لا يضيع ولن يضيع، فنحن بعون الله وفضله على حفظ كيان البلاد ساهرون، ولضمان مستقبلها الزاهر المجيد عاملون، ولتحقيق تلك الأمنية التي تنعش كل مغربي سائرون. فما علينا إلا أن لاَ نَنِيَ في الجد وراء ما يجب للوطن من السعي الحميد، ولا نزال دائبين لإدراك ما نطمح إليه من حفظ مجدنا القديم وتحصيل الجديد».
ولم يكن جلالة المغفور له محمد الخامس وهو يقوم بتلك الزيارة الظافرة مهتما بمطالب وطنه وقضايا بلده فحسب، بل كان مهتما بقضايا العروبة والإسلام، داعيا إلى العمل من أجل الوحدة وجمع الشمل. والأخوة والتعاون والالتئام.
فقد كانت تلك الزيارة لمدينة طنجة مناسبة فريدة، وفرصة مواتية، تميزت بصلاة الجمعة التي أداها جلالته في المسجد الأعظم العتيق، وأم فيها بجمهور غفير من المواطنين، مشخصا بذلك ومحققا ما عرف به ملوك المغرب في كل عصر وجيل، من التحلي بوصف «إمارة المومنين» والجمع بين رعاية الدنيا والدين، مكان مما جاء في خطبته رضوان الله عليه:
«إن رابطة دين الإسلام جعلها الله لحمة واصلة، وعلاقة دينية عاملة، تجعل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يشعرون شعورا واحدا، ويعملون عملا متحدا. لا يلذ لهم رقاد إلا إذا سعد كل الأفراد، واطمأنت كل البلاد. وما كان للمسلمين أن يختلفوا بعدما وحدهم الدين، وجمعتهم لغة القرآن المبين، وندبهم الرسول الصادق الأمين إلى التآخي والتآزر، والاتحاد والتناصر، فقال: «المومن مرآة المومن، والمومن أخو المومن، يكف عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه».
«وأن الأنة الإسلامية لا تحقق لها أمنية، ولا تعيش محترمة الجانب، محققة الرغائب إلا إذا اجتمعت كلمتها، وتمكنت وحدتها، واتحدت قلوبها، واتفقت مبادئها، واعتصمت بالأخوة رابطة الدين، وتعاليم القرآن المبين، وابتغت إلى الله الوسيلة بأداء واجبها نحو دينها وأبنائها وأولي الأمر منها».
(ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)
(ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).
(ياأيها الذي آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).
إنها المبادئ الإسلامية، والفضائل الدينية، والقيم العالمية، والمثل السامية، والمقومات الوطنية التي تشبع بها جلالته المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، وعمر بها قلبه ونفسه، وعاش لها ومن أجلها، فملأ بها وقته وحياته، وغرسها في ولي عهده وفي سائر أنجاله وفلذات أكباده، وفي أبناء شعبه ووطنه، والمسلمين والإسلام، وللحياة في عزة وكرامة، وسعادة وطمأنينة، وهي المبادئ والمثل التي تشبع بها وتقمصها، ويعمل لها صباح مساء، وليل ونهار، خلفُهُ البار ووارث سره المغوار، أميرُ المومنين وحامي حمى الوطن والدين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، وأدام له النصر والعز والتمكين، وحقق على يديه كل خير للوطن والعرب والمسلمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here