islamaumaroc

عرش أصيل وشعب نبيل

  الحسين وجاج

296 العدد

في هذه الأيام يحتفل المغاربة قاطبة بعيد العرش المجيد، وهو في هذه السنة يصادف الذكرى الثانية والثلاثين لتربع أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني على عرش أجداده المنعمين.
وتقليد الاحتفال بعيد العرش الذي أقره المجاهدون المغاربة منذ أزيد من نصف قرنـ وبالضبط في سنة 1934م، لم يكن فقط لتخليد جلوس ملك على عرش، وإنما كان أعمق من ذلك، كان تأكيدا على أصالة هذا العرش، واستمراريته، لأنه كان عرشا لله، وما كان دام واتصل.
فمنذ أواخر القرن الثاني للهجرة، أي في سنة 172هـ، حل بالمغرب المولى إدريس الأول حفيد رسول الله "، فأسس العرش المغربي مستقلا عن الخلافة العباسية في المشرق، ولم يسبق له من البلاد الإسلامية غير الأندلس.
ومنذ هذا التاريخ ظل العرش المغربي قائما، تتوالى العائلات الملوكية على ولايته وفق شروط ومقومات مسطورة، لا في كتاب أو دستور، وإنما هي نابعة من نبل هذا الشعب،وعراقته في المجد، وتقديسه للحرية والاستقلال، وهذا ما حبب إليه الدين الإسلامي لأول وهلة، وعظم في نفسه شخصية الرسول "، والاحتفال بآل بيته.
ولهذا، فإن المولى إدريس الأول – رغم إنما هو فار- لا حول له ولا قوة، استطاع أن يؤسس العرش المغربي، اعتمادا فقط على ما يكنه المغاربة من محبة لآل الرسول "، وذلك بعدما اقتنعوا بصدق رسالته "، لما كان فيها من فطرة يستغني بها كل سليم الفطرة على أي جدال أو مراء.
إننا الآن في أوائل القرن الخامس عشر الهجري، وعمر عرشنا 13 قرنا، ونحاول أن نجد من دول العالم، وهي تزيد على 160 دولة من يضاهي نظام حكمها الحالي نظام حكمنا.
فإذا كنا نسمع جلالة الملك الحسن الثاني في مختلف المناسبات يؤكد على مميزات الشخصية المغربية لا على المستوى العالم الإسلامي والعربي فقط، بل حتى على المستوى المغاربي –فإنما يؤكد حقيقة واقعة.
وهذا ما لاحظه الجنرال ليوطي عندما احتلت دولته المغرب بعد الجزائر وتونس بنحو قرن عندما قال: لسنا هنا أمام التونسي البارد، ولا أمام الجزائري المتهور، ولكننا أمام النشيط الذي ينزع إلى الحرية، ويتطلع شبابه إلى مباشرة شؤونه.
إن هذا الذي لا حظه الضابط والسياسي الفرنسي لأول اتصاله بالمغرب هو الذي جعل المغرب يحافظ على كيانه، ويتمحور حول عرشه، ويرفض الانصهار في أي كيان آخر غريب عم طبيعته، حتى ولو كان هذا الكيان ذا طابع إسلامي، كما هو حال المغرب في عهد دولة العباسيين، أو دولة العثمانيين. 
إن تأسيس العرش المغربي في أواخر القرن الثاني الهجري، وبأيدي الشرفاء الأدارسة أبناء علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول الله "، كان بداية التاريخ المغربي الحديث، تاريخ المغرب المسلم، المتمسك بالمذهب السني، الرافض لكل النحل والشيع التي سادت معظم الأقطار الإسلامية.
فتوالى العائلات الملكية من الأدارسة إلى المرابطين إلى الموحدين والمرينيين والسعديين ثم العلويين – أبقى الله العرش في عقبهم إلى يوم الدين – أقول: توالي هذه العائلات على العرش المغربي لم يكن ليغير من طبيعة المغاربة، ولا من تمسكهم بالمذهب السني شيئا، لأن هذه العائلات عائلات مغربية، ملوكها على دين المغاربة، أو كما قال جلالة الملك في إحدى خطبه:
«إذا كان الناس على دين ملوكهم فأنا على دين شعبي».
وهذه العبارة صادقة على كل الملوك الذين مروا على هذا العرش الخالد. فحتى المولى إدريس الأول، ذو المزاج الشرقي، والميل الشيعي، لم يستطع، ولعله لم يرد أن يطبع حكمه بالطابع الشيعي، وأعتقد أنه –حتى لو أراد ذلك- فإن إرضاع المولى إدريس الثاني هذا البلد كفيل بأن يجعل الدولة الإدريسية مغربي 100% ، كما كان الشأن في سائر الدول المتعاقبة على العرش المغربي بعدها.
فالعرش المغربي قبل أن يكون رمزا للوحدة، هو بعينه وحدة ثابتة، ومؤسسة خالدة، وما المتربعون عليه في كل زمان سوى عائلات مغربية، ذات اتجاه واحد، وهدف واحد، هو ضم المغاربة في صف متماسك، وكأنهم بنيان مرصوص تتكسر عليه كل المحاولات الأجنبية التي تبذل للنيل من دينهم أو عقيدتهم، ولم تكن هذه المحاولات قليلة العدد، ولا ضعيفة العدد، ولكنها كانت كثيرة، وبمستوى القوة التي تكلف المغاربة الكثير من المال والدم، بل وبتر أطراف من هنا وهناك، ولكن بلطف الله كان دائما بجانب المغاربة، فكلما مستهم ضراء أمدهم الله بعائلة ملوكية، أو أمدهم بملك من تلك العائلة – إذا كانت هذه العائلة ما تزال متوفرة على المؤهلات الأساسية التي أقعدتها على العرش – فيكون الإنقاذ والفوز والظفر على يد هذا الملك أو هذه العائلة بملوكها.
ومن هنا نستطيع القول: بأن تاريخ المغرب هو تاريخ العرش، وتاريخ العرش هو تاريخ المغرب، وأنصح صفحات هذا التاريخ هي تلك التي تسجل نضال العرش، وحوله الشعب ضد الهجومات الخارجية.
وأقوى ما كان هذا وأقرب، ما كان في عهد الدولة العلوية الشريفة، هذه العائلة التي خلص لها العرش المغربي منذ منتصف القرن الحادي عشر الهجري، أي منذ أزيد من ثلاثة قرون، فكانت جديرة بأن تتولى هذه المهمة، وكان ملوكها على الدوام في مستوى المسؤولية الملقاة على عواتقهم، فلم يتوانوا لحظة لجمع الشمل، ودرء الأخطار، لا عن المغرب وحده، بل عن العالم الإسلامي عامة، والعربي خاصة.
فكان محمد الخامس ووارث سره جلالة الملك الحسن الثاني قمة ما سجله التاريخ المغربي من عظمة ملوكه، وعبقرية أمجاده، فكانا وكأنما خلقا للظرف الحاسم الذي عاشاه، وربما كان هذا ما يقصده جلالة الملك الحسن الثاني في إحدى مناسبات عيد ميلاده عندما قال:
«إنني فخور بعيد ميلاد، لأنه كان في الإمكان أن لا عيش هذه الظروف، أو هذه الحقب من الملاحم. سعيد، لأنه لو تقدمت أو تأخرت ما شهدت ما شهدته، ولما شاركت فيه، ولما أعطيت، من نفسي وجهدي وجهدي وشبابي وقوتي ما أعطيت وما بذلت حقا».
إنها كلمة صادقة خرجت من القلب، تصف حالا واقعا كما هو، فها هو ثلث قرن يمر على جلالته وهو على عرش أجداده، يبني له من المفاخر والمعالي ما يعجز القلم عن تسطيره، بل إنه – نصره الله- كان هدية من الله إلى العرش هذا البلد، الذي هو في أمس الحاجة إليه، حيث كان ميلاده في أول عهد والده بالعرش فاتحة خير، وطالع يمن وبشر، وعهد عز وازدهار، ظل يكبر وينمو ويزداد، وكأنه فجر يبدد الظلام شيئا فشيئا، حتى أسفر عن نهار لا مراء فيه.
فقد كان له أن يحضر المؤتمر الذي تقرر فيه مصير العالم وهو ما يزال صبيا، وما يزال يوالي مواجهة الأحداث الوطنية والعالمية يوما عن يوم، وعاما بعد عام، سواء وهو الساعد الأيمن لوالده، رحمة الله عليه، أو هو وارث سره وقائد شعبه.
فحياة جلالته كلها كفاح وجهاد، لم تضع منه لحظة واحدة، الأمر الذي أمكن معه لهذا الشعب النبيل أن يدخل القرن الواحد والعشرين وهو دولة ديمقراطية راقية، لها وزنها الكبير في عالم ما بعد الألفين.
فهنيئا للشعب المغربي النبيل بعيد العرش الوفي الأصيل.
وهنيئا لأمير المؤمنين بهذه المكانة السامية التي رفع إليها بلده في عصر لا يثبت فيه إلا القوي الفاضل الأصيل. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here