islamaumaroc

مقومات الاستقرار السياسي في المغرب

  محمد فاروق النبهان

296 العدد

ما يعرفه المغرب عن المشرق أكثر مما يعرفه المشرق عن المغرب، وتظل صورة المغرب في المشرق صورة جميلة مليئة بالإكبار والإعجاب، ومحاطة بقدر كبير من الغموض الناتج عن عدم معرفة المشرق العربي بخصوصيات المغرب التاريخية ولحضارية والسياسية والاجتماعية.
وليس من اليسير على المشرق أن يعرف المغرب جيدا، فالمغرب له خصوصيته المتميزة، ومن جهل هذه الخصوصية وقع في أخطاء جسيمة في أسلوب تعامله مع المغرب، وهذه الأخطاء ناتجة في الغالب عن عدم الدقة في تفسير المواقف المغربية التي تختلف في تقويمها للأمور، وفي تحليلها الدقيق للقضايا المطروحة على الساحة السياسية.

 أولا: طبيعة النظام السياسي في المغرب
ولا خلاف في أن النظام السياسي في المغرب له طبيعته الخاصة، ويختلف كل الاختلاف عن الأنظمة السياسية في المشرق العربي، سواء كانت أنظمة ملكية أو جمهورية، ديكتاتورية أو ديمقراطية.
والنظام الملكي في المغرب يختلف عن أي نظام ملكي في المشرق في تكوينه الذاتي، وفي طبيعة صلته بالشعب المغربي، وفي نظرة المواطن إليه.
والملكية المغربية ليست مجرد نظام أو سلطة، وإنما هي ظاهرة مغربية لها جذورها الراسخة، ولها كيانها، ولهذا استمرت خلال عصور ودامت، وواجهت العواصف، ودخلت تحديات، وحاربت وانتصرت في معارك، وانهزمت في معارك أخرى، واستمرت الملكية قائمة لمدة اثني عشر قرنا، وحدثت تمزقات داخلية، وموجات مد وجزر، وفترات قوة وضعف، وظل العرش المغربي رمزا للوجود المغربي وللشخصية المغربية المعتزة بذاتها، والغيورة على كيانها.
وتعاقبت عصبيات متلاحمة على السلطة، وظلت الدولة المغربية قائمة، واستمر العرش مجسدا الوحدة المغربية، ومعبرا عنها، ومدافعا عن الكيان المغربي؛ ولولا ذلك التلاحم الحقيقي بن العرش والشعب، ولولا تلك الجذور العميقة للعرش لما استطاع أن يواجه التحديات الخارجية، سواء كانت تحديات استعمارية غازية، أو تحديات دول وإمبراطوريات إسلامية، أرادت إخضاع المغرب، وهدم كيانه المستقل، باسم الوحدة الإسلامية، وقاوم المغرب كل ذلك بشجاعة ولم يضعف، وكان يعتبر ذلك إساءة لتاريخه، وتحديا لوجوده، وهدما لكيانه، ولهذا قاوم جيوش الدولة العثمانية بنفس الحماس الذي قاوم به كل جيش أراد أن يحتل المغرب، وأن يخضعه لنفوذه.
والمغرب قاوم الجيوش الأموية بشدة، وتمرد عليها، لأنه اعتبرها جيوش غزو وسيطرة، واستقبل المولى إدريس، وأكرمه وأنزله منزلة رفيعة فيه، وأسلم له القيادة، ونصبه ملكا عليه.
والسبب في ذلك، أن المولى إدريس جاء لاجئا مستضعفا، ولم يأت غازيا متحديا، فلم يتمرد عليه، ولم يضق بما تنازل له من سلطة.
وما زال المغرب يعتز بالمولى إدريس أعظم إعزاز، ويفخر بدولته التي أقامها في المغرب أعظم الفخر، ويشيد به، ويعتبر أحفاده من الشرفاء الذين ما زال المغرب يكبر انتمائهم لمؤسس الدولة الإدريسية الأولى.
ولولا الطبيعة المتميزة للعرش المغربي لما استطاع هذا العرش أن يقود الشعب المغربي في كل معركة من معاركه الوطنية نحو النصر معتمدا في ذلك على تلاحم متين، وثقة متبادلة، ووعي بأهمية التلاحم في معارك التحدي والمغالبة، حفاظا على الوجود المغربي المستقل.
ولعل أبرز مظاهر التلاحم في العصر الحديث هو ذلك التلاحم الوطني الكبير الذي واجهت به الدول المغربية الدول الفرنسية بقيادة الملك المجاهد الصالح محمد الخامس – طيب الله ثراه – الذي قاد المغربي وهيأة للمقاومة، ووقف في مقدمة الصفوف، مضحيا بعرشه، رافضا  التحدي، معلنا أمام العالم أجمع تلاحمه وتضامنه مع شعبه في دفاعه المشروع عن استقلال المغرب وحريته.

 ثانيا: أثر البيعة في تكوين شرعية الحكم
لا يستطيع أي متتبع لتاريخ المغرب الإسلامي أن ينكر أثر الدين في تكوين علاقة متميزة بين العرش والشعب، وهب علاقة تعاقدية ذات طبيعة دينية، إذ من اليسير أن يتجاوز الإنسان العلاقات التعاقدية الطبيعة، وليس من اليسير عليه أن يتجاوز أو يتجاهل أهمية البيعة ذات الطبيعة الدينية، نظرا لما تمثله هذه البيعة من التزام وطني وديني وأخلاقي وقانوني.
وبالرغم من وضوح الارتباط بين النظام الملكي المغربي والأنظمة الملكية الأخرى من حيث إقرار فكرة التوارث في المغرب محمية بشرعية دينية، تمثلها البيعة، الشرعية التي يعقدها أهل الحل والعقد للملك الذي وقع الاختيار عليه، وهذه البيعة، وإن لم تكن منشئة للملك، لوضوح فكرة التوارث، فإنها على وجه التأكيد هي أساس الشرعية الدينية للملك، وهي التي تغطي للملك صفة الإمامة الدينية، التي يحق بمقتضاها للملك أن يباشر سلطاته من خلال التزامه الواضح بالحفاظ على المقدسات الدينية والوطنية.
والبيعة سلطة يمارسها أهل الحل والعقد والتأكد من مدى سلامة الاختيار، ومدى توافق هذا الاختيار مع الضوابط الشرعية، فإذا وجد أهل الحل والعقد أن هذا الاختيار لا يتفق من الضوابط الشرعية – كما وضعها الفقهاء في كتب الأحكام السلطانية – جاز لهم أن يعلنوا هذا التعارض بين الاختيار الواقعي والضوابط الشرعية، ويغلب الموقف الشرعي ويؤخذ به، لأن الأمة كلها تقف موقف الرفض لما يخالف أحكام الدين، ومن الطبيعي ألا يرشح للملك من الأساس من يرفض الإسلام الاعتراف بشرعية ملكه، ولو افترضنا أن المرشح للملك هو امرأة، وهذا أمر مخالف للضوابط الشرعية، فمنذئذ يبرز دور البيعة كعامل أساسي في رفض إعطاء الشرعية لمن يرفض الإسلام أن يقر بولايته.
ولهذا فقد حرصت المدرسة السياسية المغربية خلال تاريخها الطويل على أن تكون الشروط الشرعية متوفرة في أي مرشح للملك، حتى فيما يتعلق بتكوينه الثقافي والشرعي، وسلوكه الديني، وتكوين كفاءاته المعرفية والسياسية.
ولو تتبعنا مناهج التربية والتكوين التي يحرص المغرب على توفيرها لولي العهد منذ طفولته الأولى لوجدنا أن هذا التكوين التربوي يحرص على تكوين ثلاثة شروط أساسية تعتبر الأساس في الضوابط الشرعية الضرورية وهي:
1) تعميق التربية الإسلامية عن طريق التكوين التربوي السليم، وذلك بالاهتمام بدراسة القرآن والحديث، وأمهات الكتب في المعارف الإسلامية، ويتلقى ولي العهد في المغرب دروسا في القرآن على يد قراء مختصين متمكنين في القراءات والتجويد والأداء القرآني السليم، والغاية من هذا التكوين تحقيق غايتين:
الغاية الأولى: تكوين العقيدة السليمة.
والغاية الثانية: تكوين القابلية للسلوكية الأخلاقية التي تنسجم مع التربية الإسلامية.
واستعمل الفقه السياسي الإسلامي لفظة «العدالة» كشرط في الإمامة، والعدالة شرط في كل ولاية.
وعرف «الماوردي» معنى العدالة بأن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحارم، متوقيا المآثم، بعيدا من الريب، مألوف في الرضا والغضب، مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه.
وهذه شروط تحققها التربية السلمية، وتنميتها في نفس البيئة الإسلامية النقية.
2) العلم بالأحكام الشرعية، بحيث يتمكن من النظر في الأمور الشرعية، والحكم فيها ومباشرتها بنفسه، واتخاذ ما يحقق المصلحة الاجتهادية.
واشتراط بعض العلماء كالإمام الجويني أن يكون الإمام من أهل الاجتهاد.
وعلل ابن خلدون شرط العلم بأن التقليد نقص، والإمامة تستدعي الكمال في الأحوال والأوصاف.
وليس المراد بالعلم العلن بالفروع والجزئيات، وإنما المراد بالعلم الذي يمكنه من النظر السليم، وهذا شرط ضروري في الإمامة الشرعية.
3) الكفاءة والسلامة الجسدية، وهذا شرط بديهي.
فالكفاءة تعني الأهلية والجدارة والقدرة وهذه الصفات يحققها التكوين السليم، وينميها التوجيه الصحيح، وتصقلها التجربة والممارسة.
وتبرز مهمة أهل الحل والعقد في تعزيز هذا الاختيار، وتأكيد سلامته من خلال البيعة الشرعية التي يقوم بها أهل الحل والعقد نيابة عن الأمة، ولا يمكن لأهل الحل والعقد أن يبايعوا من لم تتوفر فيه الشروط الشرعية، بسبب عجز مخل بأداء المهمة، أو انحراف في العقيدة، أو جهل فاضح بأمور الدين.  

 ثالثا: العمق التاريخي للعرش المغربي
وهذا عامل أساسي من عوامل الاستقرار السياسي في المغرب، فالعرش المغربي وليد إرادة مغربية يجددها كل جيل، من خلال البيعة التي يؤديها كل جيل، وهي بيعة تؤكد ولاءها لأمرين:
• للعرش المغربي أولا.
• ولملك المغرب ثانيا.
ولولا تلك الإرادة التي يجددها كل جيل من خلال الإعلان عن ولائه لما استطاع العرش أن يستمر لمدة اثني عشر قرنا.
وبالرغم من كل التحديات الخارجية والثورات الداخلية فقد استطاع العرش أن يصمد وأن يستمر، مؤكدا رسوخ مكانته في نفوس الشعب المغربي، وحاجة المغرب إليه كرمز للشخصية المغربية، يغبر عن تطلعاتها وطموحاتها، ويجسد آمالنا في النمو والتقدم، ويدافع عن القيم المغربية الأصيلة.
وهذه المكونات الأساسية تعتبر ركائز النظام السياسي في المغرب، وهي ركائز ذات جذور عميقة، يشعر بها المواطن المغربي في أعماقه، ويحس بأثرها في تكوين ظروف الاستقرار النفسي في المجتمع.
ولهذا فإن المغرب قادر على أن يجتاز أقسى التحديات والصعوبات والأزمات بفضل عوامل الاستقرار في تكوينه النفسي، فلا يخشى من المستقبل، ولا يتعامل مع الأزمات المستجدة من منطلق الانفعال والخوف، وإنما يتعامل معها من منطلق الثقة بالنفس، وهذه الثقة تضمن للمغرب أن ينظر للمستقبل بأمر كبير، ويتعامل مع المستجدات بتعقل وبغير انفعال، ويفتح صدره لكل الأفكار والآراء بثقة واطمئنان، ولا يخشى على ذاته من أخطار الثقافات الوافدة، لأن الخصوصية المغربية تكفل للثقافة المغربية الإسلامية أن تظل هي الثقافة الأقوى التي لا تقبل المنافسة، لأنها جزء من الشخصية المغربية الأصيلة.
والمشرق العربي شديد الاعتزاز بالحكمة المغربية التي تؤكدها الوقائع والأحداث، وينظر للمغرب ملكا ودولة وشعبا نظرة إكبار ومحبة وتقدير، ولا يخفي إعجابه بالشخصية المغربية المتوازنة القادرة على استنطاق المستقبل، ولتنبؤ به، واقتحام بعض المواقف الصعبة، والتصدي المبكر للمشكلات المتوقعة، والتزام الحكمة والموضوعية والإنصاف، ومواجهة الأزمات بروح التسامح، وسعة الصدر، واحترام الرأي الآخر. 
والإسلام في المغرب عميق الجذور، وهو إسلام أصيل التكوين، شديد الغيرة على العقيدة، معتز أجل الاعتزاز بثقافة الإسلام وتراثه وفكره، وفي نفس الوقت فهو إسلام الاعتدال والحوار، يرفض العنف ويدينه، ويؤمن بفكرة التعايش واحترام حقوق الإنسان وحرياته.
ولهذا سيبقى الإسلام في المغرب يمثل الانتماء والثقافة والأصلة، وهو دين المغاربة جميعا، وهو خيارهم الحضاري الذي يغزز مشاعر الوحدة الوطنية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here