islamaumaroc

مساعدة جلالة الملك الحسن الثاني للمسلمين في يوغوسلافيا في أول مؤتمر لدول عدم الانحياز ببلغراد سنة 1961.

  عبد الهادي التازي

296 العدد

هناك ثغرات من مسيرة التاريخ الدولي للمغرب ظلت مجهولة لكثير ممن مارسوا ذلك التاريخ، إما لأنها بقيت تحت ظل، أو لأن الذين كانوا يسجلون ذلك التاريخ لم يروا في ذلك التسجيل!
وقد كان في أبرز ما أثار انتباهي – وأنا أبحش في أرشيف بلغراد (أكتوبر 1990) أو بالحرى في الأرشيف الذي يحتفظ به مسلمو يوغوسلافيا لأنفسهم، وخاصة في سراييقو أو زغرب – كان في أبرز ما أثار انتباهي أن المسلمين هناك يتوجهون للمغرب أكثر مما يتوجهون لغيره، وهم ينشدون استرجاع ما عرفه لهم التاريخ، كنت لا أدري لماذا ذلك التوجه حتى امتزجت هناك بإخواننا، واستمعت إلى حديثهم، ووقفت على تراثهم... كانوا يجدون في المغرب المساعد الذي لا يشترط عليهم حمل شعار ما غير الشعار الذي حمله الإسلام في أيامه الأولى، بينما كان الآخرون على العكس من ذلك يحاولون أن يفرضوا عليهم أن يسيروا في ركبهم، ويحملوا نفس شعارهم.
وإن وقفة عابرة مع أرشيف (مكتبة العازي خسروا) في سراييقوا تؤكد لك صدق هذه المقولة، ويكفي أن نعرف عن المسجد الذي يوجد في قلب سراييقوا غير بعيد عن (فندق هوليدي) المسجد الذي يحمل إسم: (جامع المغرب) في ساحة تحمل نفس الإسم: (ساحة المغرب). الأمر الذي لم نجده لجهة أخرى من الجهات التي تربطها صلة ببوسنة الهيرسيك.
وسأقتصر في حديثي هذا على مرحلة حديثة محددة من التاريخ المعاصر، ويتعلق الأمر بالنسبة الني قام فيها  جلالة الحسن الثاني بأول زيارة له ليوغوسلافيا، بمناسة انعقاد المؤتمر الأول لدول عدم الانحياز، الذي انعقد في بلغراد في شتنبر 1961م.(1)
كان هذا هو اللقاء الدولي لجلالة الملك الحسن الثاني بعد أن جلس على أريكة العرش في أعقاب استشهاد والده العظيم جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله، ونحن نعلم سلفا أن أول دولة في أوربا الشرقية اعتمدت سفيرها لدى جلالة الملك محمد الخامس كانت هي يوغوسلافيا، حيث وجدنا سفيرها السيد مصطفى فيلوفيتش (Mustafa Vilivic) يقدم أوراق اعتماده يوم رابع أبريل 1958 ممثلا للرئيس (جوزيف بروز تيتو)، الذي وجدناه يقوم بزيارة للمملكة المغربية.
وقد كان في أول الوفود التي وردت على المغرب من يوغوسلافيا وفد جامعة سراييقو في أكتوبر 1960م، لقد أبت إلا أن تشارك شقيقتها (جامعة القرويين) بفاس احتفالاتها بمناسبة مرور إحدى عشر قرنا على تأسيسها، حيث مثل جامعة سراييقو زميلنا الأستاذ الدكتور مدحت بيكيتش، الذي أذكر أنه ألقى نص البرقية الرقيقة التي بعثها رئيس الجامعة.
ولقد كان من الفقرات التي وردت في الخطاب الذي استقبل به جلالة الملك الحسن الثاني الماريشال تيتو رئيس الجمهورية الاتحادية اليوغوسلافية يوم السبت 15 شوال 1380هـ فاتح أبريل 1961م.
«... وإن الأفكار لتتجه بنا في هذه اللحظة نحو والدنا جلالة الملك محمد الخامس – طيب الله ثراه – الذي كانت تربطه بكم روح المقاومة، والغيرة على السيدة الوطنية، ويتجاوب معكم في كثير من الأفكار التي تستهدفونها لتعزيز جانب الحرية، والديمقراطية، وصيانة كرامة الشعوب...».
ومن هنا، توالت الوفود المتبادلة بين الجهتين، وكان منها الوفود التي تمثل الطائفة الإسلامية بالجمهورية الاتحادية.
ولقد كان من الحقائق الطريفة، وأنا أتتبع نشاط جلالة الملك الحسن في بلغراد بمناسبة مشاركته في أول مؤتمر لدول عدم الانحياز في شتنبر 1961م، أتتبع من خلال أقوال الصحف الصادرة على ذلك العهد هناك، ومن خلال الصور والوثائق التي صدرت بتلك المناسبة الفريدة من نوعها في التاريخ الأولي.
ولقد قصدت نفس الفندق الذي كان يحتضن المؤتمر المذكور (ميتروبول) (Metropol). كانت مناسبة لي لكي أعيش مع ذلك الحدث التاريخي العظيم الذي عاشته يوغوسلافيا، والذي جمع ثمانا وعشرين دولة، كان من بينها المملكة المغربية التي كانت ممثلة بجلالة الملك الحسن الثاني، الذي يلاحظ أنه كان الأصغر سنا من بين سائر الرؤساء الحاضرين، ويعتبر 
جلالته يصافح الرئيس المارشال تيتو فندق ميتروبول في بلغراد (بيوغراد) حيث اجتمع أول مؤتمر لدول الانحياز عام 1961.
شاهد العيان الوحيد إلى الآن – أمد الله في عمره – من بين كل أولئك الذين غابوا عن الساحة السياسية.
لقد كنت – وأنا مهتم بالتاريخ الدولي للمغرب – معجبا بهذا اللقاء الكبير، لأنه يمثل نقطة انطلاق لإثبات هوية العالم الثالث، وكان الذي يهمني فيه أكثر من هذا: ذلك الخطاب الغني والهام الذي ألقاه جلالة الملك الحسن الثاني آنذاك – على صغر سنه وبداية تجربته على رأس دولة – كان خطابا مليئا بالأفكار الجريئة التي أثارت انتباه المشاركين في ذلك المؤتمر، بل إنه أثار تعليقات الآخرين من الذين لم يشاركوا فيه، فقد اعتبروه درسا أملي على الكبار من الصغار الذين وجهوا نداء إلى السيدين (كينيدي) و(خروتشوف) لفائدة السلام!! 
لقد وجدنا المغبر كدولة تطمح لتحقيق أمانيها في إطار مستقل ومحايد، يقوم بدور فعال من أجل تأسيس حركة عدم الانحياز، والمساهمة في سائر مؤتمراتها وأعمالها، كما ينسق نشاطه الخارجي حسب القرارات المتخذة من لدن هذه المؤسسة المعروفة العالم الثالث، تمييزا لها عن المعسكرين المتصارعين: الشرقي والغربي.
ومن هنا كان حضور المغرب إلى جانب سبعة وعشرين من ملوك ورؤساء الدول والحكومات.
وقد ظلت مساهمة الملك الشاب جلالة الحسن في هذا لمؤتمر الذي لم يكن له نظير على صعيد المجتمعات الدولية تقيم الدليل القاطع على تعلق المغرب بمبادئ العدل وعدم التبعية.
«... على أن هذا لا يعني أن مبدأ عدم الانحياز يقتضي نكران جميع الأفكار الرشيدة المثمرة البناءة الآتية من أحد المعسكرين، أو يستوجب – لكي نكون غير منحازين – أن نجهد أنفسنا أمام كل مشكلة بحثا عن حل ثالث لا يوجد عند الشرق أو الغرب. إننا نرى أن الحلول، كيفما كانت فيها ما يقبل، وفيها ما يرفض، لكن الاختيار ينبغي أن يرتكز على الموضوعية الدائمة...».
لد كان الوفد المغربي يتألف من الأمير الجليل مولاي عبد الله نائبا لرئيس المؤتمرـ والسيد أحمد بلافريج الوزير الممثل الشخصي لجلالة الملك، والسيد محمد العربي العلمي كاتب الدولة للشؤون الخارجية، والسيد عبد الخالق الطريس سفير المغرب في القاهرة، والسيد محمد الشرقاوي سفير المغرب في باريز، والسيد التهامي الوزاني سفير المغرب في بلغراد، والسيد أحمد بن عبود سفير المغرب في نيودلهي، والسيد عبد اللطيف الفيلالي مدير الديوان والتشريفات الملكية، والسيد المفضل الشرقاوي مدير الديوان العسكري، والسيد أحمد السنوسي الكاتب العام لوزارة الأنباء والسياحة.
وإن من المهم عندي بهذه المناسبة، أن أثير الانتباه – كما أشرت – إلى بعض اللقطات التي فاتت على الذين تتبعوا ذلك المؤتمر، الذي سيبقى حيا في ذاكرتنا... وأقصد بها ما استطعت أن ألتقطه من خلال قصاصات الصحف والصور التي ظهرت، علاوة على ما حصلت عليه من وثائق تعتبر اليوم من مراجع المؤرخين المهتمين.
لقد كان من بين المستقبلين لجلالة الملك في مطار العاصمة آنذاك جمع من المسلمين السلافيين الجنوبيين، تعلو رؤوسهم طرابيش حمر، تلتف عليها عمائم بيضاء كشعار لقوم موجودين على تلك الأرض، يشاركون جلالة الملك فيما يشعر به إزاءهم.
لقد كان أول تصريحاته، وهو يطأ الأرض اليوغوسلافية، وسائر أجهزة الإعلام تلتقط ما يقال، وما يتردد آنذاك على ألسنة الملوك والرؤساء، قال في جملة ما قال:
«إنه لم يزر يوغوسلافيا فقط للمشاركة في مؤتمر عدم الانحياز، ولكن أيضا من أجل صلة الرحم بالمسلمين في يوغوسلافيا...» !
لقد كان لهذا التصريح من رئيس دولة مسلم أبلغ الأثر في نفوس المسلمين بيوغوسلافيا آنذاك، وقد شعر المسلمون يومئذ بأنهم في رعاية وحماية إخوانهم بالمغرب، وعلى رأسهم صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني.
ولا ينبغي أن نمر على هذا التصريح مرورا دون أن نقف عند الظروف التي أملته، والتي جعلت منه خطابا سياسيا قبل أن يكون تصريحا صحفيا.
إن أحدا لا يجهل عن الصلات المتينة التي تربط الرئيس اليوغوسلافي (تيتو) والعاهل المغربي الملك الحسن الثاني، فعلاوة على أن هذه الصلات أحكمت عراها منذ أيام جلالة الملك الراحل محمد الخامس، إلا أنها أينعت واستحكمت بمرور الأيام، الأمر الذي يعبر عنه عدد الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، والتي كانت تتناول مختلف الميادين، مما زاد في إحكام الصلات الشخصية بين الرئيس والملك.
وهنا سنرجع إلى الظروف التي كانت «الجماعة الإسلامية تعيشها آنذاك في يوغوسلافيا، لنعرف عن مدى تلك المساعدة التي قدمها جلالة الملك الحسن لتلك الجماعة... والتي سنعرف آثارها اليوم من خلال هذا الحديث».
ولابد من العودة قليلا إلى الوراء للتذكير بماضي تلك الجماعة الإسلامية التي يفوق عددها اليوم ستة ملايين نسمة!!
إن أحدا لا يجهل عن صلات المملكة المغربية التاريخية والسياسية والدبلوماسية مع الإمبراطورية العثمانية، التي ظلت بالرغم من بسط سيادتها على سائر ممالك وإيالات العالم الإسلامي، ظلت تهاب وتستحيي من أن تصل إلى المغرب الأقصى، لأنه في نظرها كان البيت الشريف الذي يجب أن لا يوطأ حماه! 
من هنا كان المغرب يأخذ بعين الاعتبار مركز الإمبراكورية، ومن هنا وجدناه يتقبل شفاعتها ووساطتها بكل أنواع القبول...
وقد حدث أثناء القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) أن أقدمت بحرية جمهورية دوبروفنيك – على ساحل دالماسيا (Le Dalmatie) على البحر الأدرياتيك – وكانت تحت حماية الإمبراطورية العثمانية على نحو ما كانت البوسنة والهرسيك، أقدمت بحريتها على الإخلال باتفاقيتها مع طائفة من الحجاج المغاربة العائدين من الإسكندرية إلى المغرب، حيث أنزلتهم في بعض الثغور الأجنبية عوض المغربية.! الأمر الذي أثار انتباه سيدي محمد بن عبد الله، فأشهر الحرب على دوبروفنيك، وهدد حركتها التجارية في البحر المتوسط... !
لكن تدخل الباب العالي جعل العاهل المغربي ينسي كل شيء لدرجة أنه خاطب حكام دوبروفنيك في إحدى رسائله بتاريخ 9 ربيع الثاني 1195هـ - 4 أبريل 1781م. بقوله: «جعلناكم تحت أماننا»، ثم خاطبهم السلطان مولاي سليمان بتاريخ 3 محرم 1213هـ - 17/6/1798م بقوله: «كل من لقى أسطولكم لا يتعرض له بسوء»!!
كل تلك الالتزامات كان يعرفها جلالة الملك الحسن الثاني، ومن هنا ساع له أن يسأل المارشال (تيتو) عن أحوال المسلمين.
فماذا كان وضع المسلمين أوائل الستينات في يوغوسلافيا؟
لقد كانت الحرب الالمية الثانية صعبة للغاية، وقد اتسمت بمذابح في المسلمين ارتكبها الصرب الأروثوذوكس، هي وإن لم يكتب لها أن تظهر على التلفزيون، كما نشاهد المذابح اليوم، لكن التقارير تتحدث عن شراستها ووحشيتها... ولم تكن هذه المذابح مقتصرة على المسلمين وحدهم، فقط شملت الأورثوذوكس، والكاثوليك فيما بينهم.
صورة لصاحب الجلالة الملك الحسن الثاني وهو يلقي خطابه التاريخي في مؤتمر بلغراد الذي التقى فيه أقطاب الدول الغير المنحازة ما بين فاتح شتنبر ولغاية اليوم السادس منه 1961
وقد ظهر النظام الشيوعي الذي ضيق الخناق على المسلمين، فاستولى على أوقافهم العديدة والثرية باسم الإصلاح الفلاحي!!
وفي هذه الأثناء كانت زيارة العاهل المغربي إلى بلغراد حيث لم يفته – كما كان يفعل كلما سنحت الفرصة – أن يحرك قضية المسلمين في يوغوسلافيا.. وأن المراقبين والمتتبعين للحركة الإسلامية في هذه الجمهورية لم يغفلوا إطلاقا الربط بين المسعى الحميد الذي كان يقوم به جلالة الملك الحسن الثاني لدى المارشال (تيتو)، وبين الاعتراف بالشخصية الإسلامية في تلك البلاد، التي ظل أصحابها يطالبون باستمرار بالاعتراف بها في وطنهم البوسنة والهرسك.
وهكذا، كان القرار التاريخي التي اتخذته الحكومة اليوغوسلافية سنة 1973م، والذي تعترف فيه بالمسلمين كقومية خاصة، وكان أكبر حدث في تاريخ الإسلام بأوربا في القرن العشرين، لأنه بمثابة قيام ولاية إسلامية في قلب أوربا، وهي أكب ولايات يوغوسلافيا الست مساحة.
أريد القول: إن جلالة الملك الحسن الثاني ظل وراء مسلمي يوغوسلافيا، وكان إخواننا هناك يعرفون جيدا هذه الحقيقة.
ولكي نتصور عمق التأثير الذي تركه ذلك الموقف في نفوس المسلمين هناك، ينبغي أن نذكر هنا بما ورد في المحاضرة التي ألقاها قبل سنتين أمام جلالة الملك في الدروس الحسنية الرمضانية يوم الجمعة خامس رمضان 1411هـ - 1991م العلامة اليوغوسلافي الأستاذ مصطفى تسيرتش إمام مسجد زغرب، ومدير معهد الأبحاث الإسلامية بيوغوسلافيا في موضوع «الوحدة الإسلامية».
«... لا يمكن أن تتصور – ياصاحب الجلالة – الفرحة العارمة التي شعرنا بها، وخاصة في هذه الظروف التي تمر بها يوغوسلافيا، وخاصة بالنسبة للمسلمين الذين يستعدون اليوم لتبوأ مكانتهم في يوغوسلافيا الجديدة الديمقراطية... ».
لقد كان مما ورد في آخر محاضرة الشيخ مصطفى تسيرتش، التماس تقدم به أمام حضرة صاحب الجلالة بإطلاق إسم «جائزة الملك الحسن الثاني» على الجائزة التي يمنحها سنويا المركز الإسلامي بيوغوسلافيا، الذي افتتح سنة 1987م، والذي يعتبر أكبر مركز إسلامي بأروبا.. قائلا:
«إن هذه المبادرة من جلالتكم هي أحسن تعبير لجيل الإسلام الجديد على عواطفكم الجياشة نحو الإسلام والمسلمين، تلك العواطف التي كانت نتيجة تربية والدكم العظيم سيدي محمد الخامس رحمه الله، الذي كان نصيرا للعلن والعلماء وللإسلام والمسلمين...».
وفي الرسالة التي رفعها في السنة الماضية إلى جلالة الملك الحسن الثاني العالم البوسناوي محمد نياز شكريج عضو مجلس النواب بالبوسنة والهرسك، والأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية في سراييفو، الذي صرعه قبل شهور رصاص الغدر والإجرام هو وابنه الصغير محمد! تلك الرسالة التي رفعها إلى جلالة الملك الحسن الثاني يقول فيها بتاريخ 25 رمضان 1412هـ - 30 مارس 1992م. بأنه يرفعها باسم ملايين من المسلمين يعيشون في جمهورية البوسنة والهرسك، ويكونون أكثرية جموع السكان هناك، إلى مقام جلالة أمير المومنين ملك المغرب، عضو مجلس الأمن، ورئيس لجنة القدس المتفرعة من منظمة المؤتمر الإسلامي.
ويقول الشهيد شكريج:
«إن مسلمي البوسنة والهرسك لا ينسون اهتمام جلالتكم بهم عند حضوركم مؤتمر القمة لدول عدم الانحياز في بلغراد سنة 1961م، وحرصكم على التعرف على أحوالهم.
لقد اتجه الصرب إلى إقامة صربيا الكبرى التي تضم البوسنة والهرسك، باعتبار أن من بين سكانها بعض الصربيين، كما اتجهت كرواتيا إلى نفس الهدف باعتبار أن من الكرواتيين من يعيش هناك!! ولم يكن بد من أن يتجه المسلمون إلى العمل على استقلال المنطقة، وقد أيد هذا الاتجاه سكان المنطقة من الكرواتيين،  إضافة إلى الصرب والعناصر الأخرى... وظهر هذا جليا في نتيجة الاستفتاء الذي أجري في المنطقة في شهر يبراير 1992م تحت إشراف منظمة الوحدة الأروبية، مما كان له صدى دولي، لكن المتطرفين من الصربيين والكرواتيين الذين لم يريدون ضم البوسنة والهيرسيك إلى إحدى الدولتين الناشئتين دأبوا على سفك الدماء، والاعتداء على الأبرياء، بمن فيهم العلماء وأئمة المساجد والشيوخ والنساء والأطفال... ومهاجمة مساجد المسلمين والآثار التاريخية الإسلامية، ثم عمدوا إلى قطع الطرق، ومنع الغذاء والدول والبترول...
وبذلك، يواجه سكان تلك المنطقة خطر المجاعة والإبادة من جهة، ويمتنع استقرار قوات الأمم المتحدة لأداء مهمتها الموكولة إليها في حفظ السلام من جهة أخرى.
إن مسلمي البوسنة والهرسك يتطلعون إلى مولانا في شد أزرهم، وهم لن ينسوا أبدا ما قدمتموه إليهم في محنتهم...».
هذا الزميل العزيز هو الذي كنت تعرفت عليه سفارتي الثانية ببغداد عندما كان طالبا هنا يحضر رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا حول (البوسنة والهرسك)، وهو الذي نشرت له مجلة (دعوة الحق) في أبريل 1992م بحثا عن «دور العلماء في تطوير المجتمع المسلم في أوربا الشرقية»، وهو الذي ذكرت في الصحافة، أواخر يوليه 1992م، أنه بعث لي بخطاب يقدر فيه الموقف النبيل الذي اتخذه جلالة الملك الحسن الثاني وهو يبادر للاعتراف بجمهورية البوسنة والهرسك، ويعلن بذلك عن مناصرته للحق والعدل والإنصاف.
إن الخصوم – يقول الأخ الشهيد – يريدون أن يجعلوا – لا قدر الله – من المنطقة أندلسا أخرى! وإن مثل تلك المبادرة من جلالة الملك الذي نعرف عن مركزه الدولي هي الكفيلة بتطويق أطماع أولئك الخصوم....».
وبعد، فقد كان قصدي من هذا الحديث تسجيل حقيقة تاريخية رأيت من واجبي أن أكشف عنها هنا كدبلوماسي أتيحت له الفرصة ليقف على بعض الخفايا والقضايا التي كانت الظروف أو المصلحة تقتضي التكتم عليها، وعدم إعلانها في وقتها.
تلك الحقيقة التاريخية أن المغرب ظل ويظل وراء بعض الأحداث التي تشهدها الساحة الدولية. وهكذا، فعلاوة على المساعي الحميدة التي تقوم بها المملكة المغربية على مرأى ومسمع من أجهزة الإعلام، فإن هناك العشرات من المساعي التي يتطوع بها المغرب في خفاء تام، وتحت سياج سميك من الكتمان، وإنما تكتشف آثارها بعد مرور وقت طويل، وفي أغلب الأحيان تكون الشخصيات التي وقع عليها الاختيار للوساطات، ممن لا تعرف لها صلة ظاهرة بالدبلوماسيين، ولا بالحكومة كذلك.. ! فتقوم تلك الشخصيات بواجبها، وتنتقل عبر القارات لتحقق الهدف الذي من أجله راحت.
وأعتقد أن المغرب ضرب الرقم القياسي في محاولاته لتصفية الأجواء بين أعضاء المجموعة الدولية، وبين الرؤساء بعضهم ببعض، كما ضرب الرقم القياسي في التكتم والتستر عليها:
أولا: تواضعا من المغرب، ورغبة منه في تجنب المباهاة.
وثانيا: حرصا على تحقيق النجاح لتلك الوساطات، وإعطاء الأولوية للهدف الأسمى وهو إصلاح ذات البين بين الجهات التي يعنيها الأمر.
وأعتبر من هذه الوساطات ما كانت تقوم به المملكة، وبالذات جلالة الملك الحسن الثاني، للتخفيف عن إخواننا في أروبا الشرقية، وفي آسيا الوسطى بوسائله المتعددة، وأساليبه المتجددة.


1) أشكر بهذه المناسبة مساعدة السفير المغربي الزميل الأستاذ الدكتور محمد الحلو، كما أشكر خلفه الزميل الأستاذ حسن الفاسي الفهري، وأشكر معهما السكرتير السيد محمد القرموشي... 
صاحب الجلالة في مطار بلغراد يحيي مستقبليه بالعاصمة اليوغوسلافية

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here