islamaumaroc

الالتفاف حول العرش سبيل الانتصار في معارك الجهاد الأكبر

  سمير البوزيدي

296 العدد

تقاس عظمة الأمم والشعوب بما تختزنه، وتزخر به من معالم التراث والحضارة، ومواقف البطولة والجهاد المسجلة بمداد الفخر والاعتزاز في عمق التاريخ.
كما تقاس بالإنجازات المكرمات وجلائل الأعمال في الحاضر، ومن معطيات الماضي والحاضر يتم الإعداد والتحضير للمستقبل، وعبر هذه الرؤيا يجول الفكر في تاريخ المغرب المليء بالمفاخر والأمجاد في ظل الدولة العلوية الشريفة.
إنها حصيلة ونتائج مسيرة قيادة حكيمة، وشعب أبي أصيل، يربط بينهما التجاوب المكين، والتلاحم المتين.
وانطلاقا من هذا الرباط المقدس تمكن المغرب عبر تاريخه الحافل بالمعارك الجهادية من مواجهة كل التحديات.
وتشهد الأحداث، وما أكثرها، من مواقف المغرب الشجاعة من مختلف القضايا التي اختلقتها الظروف وجاءت بها العواصف التي هبت من هنا وهناك، ولكن أكدت الأيام، وبرهنت الأحداث، على أن إرادة مرتكزة على التجاوب والتلاحم والوفاء بين القائد والأمة لا يمكن أبدا أن تعصف بها التيارات، مهما كان مصدرها، ولن تنال منها الإيديولوجيات كيف كانت اتجاهاتها وأبعادها.
ولنا العبرة في التقلبات التي يغرفها العالم، والتي ينصهر معها المغرب بمرونة وحكمة، بل يتفاعل معها بحيوية، وبروح إيجابية، مناصرا للحق، ومنددا بالظلم، والجور والتسلط والاستغلال والاستعمار.
يمارس المغرب بقيادة العرش والجالس على أريكته أدواره الإيجابية على مختلف الأصعدة بانفتاح وإسهام في خدمة الإنسانية، مقارعا الحجة بالحجة، ومحاورا بلغة المنطق السليم،
ولتعميق الموضوع نسبيا ينبغي القيام بقراءة ولو سريعا لتاريخ المغرب من خلال الحقب المتوالية، وسوف لا نذهب بعيدا في أغوار التاريخ، لأن ذلك يقتضي الإسهاب والتطويل، فستة وثلاثون سنة مضت على استقلالنا الوطني هي في حساب التاريخ الشعوب فترة وجيزة، إلا أنها في تاريخنا الوطني زكتها الوحدة الوطنية، وغذتها روح التجاوب والتلاحم بين العرش والشعب، وبهذا السلوك المتماسك الذي يعتبر أسلوبا شموليا في ممارسة الحياة المغربية على مستوى المجتمع العام، بل هو أمانة جيل ورسالة أجيال، لأن السيادة الوطنية فوق كل اعتبار، وهذا شيء راسخ في أخلاق الشعب المغربي.

سر نجاح الأمة المغربية في كل الأزمات
تفيد الاستقراءات الواعية في تاريخ المغرب النضالي بأن هذا البلد عرف في حياته تقلبات وأزمات، شأنه شأن كل بلد عظيم، له خصائص ومعالم حضارية وجغرافية، وحباه الله بطبيعة معطاء.
والبحث والتقصي في الكيفية التي يحقق بها المغرب انتصاراته ونجاحاته في كل المعارك والأزمات، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، يرجع في الأساس إلى وحدة الصف، والالتفاف حول العرش في مواجهة ومجابهة كل التحديات والهجمات.
وكانت لا تزال هذه الروح مهيمنة على مسيرة المغرب عرشا وشعبا، بل تشكل السلاح ضد كل المصاعب والأزمات، وتغذي الإرادة النضالية، والتضحية الوطنية، والحماس الجماعي.
وبهذه الخصائص الأخلاقية يتم التغلب على العوائق، ويتحقق الوصول إلى الأهداف، سياسية كانت أم عسكرية، اقتصادية أم اجتماعية، ذلك لأن التعبئة الجماعية، ووحدة الصف وراء العرش، والاستجابة التلقائية لكل النداءات الداعية إلى القيام بالواجب الوطني، والاسترشاد بالتوجيهات الملكية، والإقتداء بما ينهجه قائد الأمة من نهج رشيد، والاهتداء إلى العمل بما يقتضيه الواجب الوطني، من بذل وتضحية، وإخلاص في العمل، وتطوع من أجل المصلحة العليا للبلاد، لم يكن هذا الشيء الموجه، بل كان دما يجري في العروق والشرايين. 
وللسائل أن يسأل:
كيف واجهت القاعدة الشعبية المغربية الاستعمار؟ وكيف اندلعت ثورة الملك والشعب الشهيرة في تاريخ العالم الحديث والخالدة في تاريخ لمغرب النضالي؟
أما إذا استعرض الإنسان مختلف الأحداث التاريخية التي واكبها تاريخ المغرب، الواحدة بعد الأخرى، فإنه يجد التغلب عليها، وتحطيم شدتها وحدتها كان يتم بالالتفاف حول العرش، رمز الاستقرار، فبهذه الوحدة التأم شعب المغرب الذي تربصت به الأهواء، واجتاحته العواصف.
ففي عهد العرش العلوي استطاع المغرب ترسيخ أمجاده، وبناء قواعد نظامه على أسس صحيحة، وبالعرش أعاد المغرب هيبته الدولية، واحتل مكانته بين الأمم، حتى أصبح قبلة تعقد فيه اللقاءات والمؤتمرات، وتعالج فيه الإشكاليات، وفي ربوعه تتخذ المبادرات السلمية.
ومسيرة المغرب ف يظل العرش تواكبها الأحداث الجسام، وتحكي للأجيال مسلسل البطولات التي لا تزال المواقع تشهد بها حتى الآن.
فالشواطئ المغربية عرفت الاحتلال من طرف عدة دول أوربية: من برتغال، وإسبان، وإنجليز، ولم يكن تحرير وفك الأغلال، وجلاء الاحتلال عن الثغور والشواطئ والأبراج البحرية بالأمر السهل، وإنما تحقق الانتصار في تلك المعارك بفضل الالتفاف حول العرش.
إن هذه الملامح تم صنعها بواسطة هذه الوحدة، واستمرارية الأمجاد والإنجازات طريق واضح المعالم نحو تحقيق المزيد من الانتصارات على درب الجهاد الأكبر.
وإن القراءة – مهما كانت سريعة لأوضاع المغرب بالأمس، وما خاضه في نطاق مسيرته النضالية، وكفاحه المجيد – تؤكد بأن ما تحقق بفضل جهاد العرش والشعب خلال 36 سنة التي مضت على الاستقلال من مظاهر التقدم، ومراحل التحرر والانتعاش والتجهيز والتطوير والتأطير، فهذه المراحل ينبغي أن يحسب لها ألف حساب، خصوصا إذا جعلنا في الحسبان بأن المغرب عندما حصل على الاستقلال بدأ مراحله الأولى في البناء، وإزالة الرواسب والمخلفات، فلم تكن هناك أية إمكانيات إلا إرادة وعزيمة عرش وشعب.
وصدق الذي قال: على قدر أهل العزم تأتي العزائم.
وإذا حاولنا أن نستنبط مقياسا نهتدي به إلى معرفة ما قام ويقوم به المغرب من أعمال ومبادرات بقيادة العرش لوجدنا أن حصر ذلك لا تتسع له الكتب والمجلدات، ولكن ذلك لا ينبغي أن يبعدنا عن إثارة
الحديث في مواضع لها علاقة بقضايانا الوطنية، بل فهذا شيء نعتز به، ونفتخر، وقمين بنا أن نحاور ونناقش، لنقيم أعمالنا، ونحاسب أنفسنا ، ففي ذلك توضيح وإثراء لثقافتنا الوطنية، وإذكاء لروح الحماس في النفوس، وبالتالي توجيه للأجيال الصاعدة، وتنشئة لها على التفاني في محبة الوطن، والاجتهاد والتضحية في سبيل خدمته بوفاء وإخلاص، استمرارا للأصالة، وتكميلا لما قام به الآباء والأجداد من بناء لصرح الشخصية المغربية التي تجسم عظمتها عظمة العرش المغربي.

المنطلقات الكبرى لمعركة الجهاد الأكبر
لم تمض إلا خمس سنوات على الاستقلال حتى اختطفت يد المنون محرر البلاد، ومحقق الاستقلال، المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، وفي ظروف حرجة وصعبة تقلد وارث سره وخلفه الصالح جلالة الملك الحسن الثاني مهام الملك، واضطلع بمسؤولية تسيير شؤون الدولة، والبلاد تعاني من الحاجة الماسة لكل شيء، وفي هذا الخضم اعتلى أريكة العرش متوجها بالبيعة.
وقد كان من بين الأحداث الهامة التي عرفها المغرب مشروع الدستور الذي تم عرضه على الشعب ليستفتي فيه، ويصادق عليه.
فكانت بالفعل هذه المرحلة من حياة المغرب الدستورية من الأهداف الكبرى، لإرساء قواعد الديمقراطية، وتطبيق مبادئ الشورى، وهي مبادئ منصوص عليها في القرآن الكريم الذي هو الدستور العام والأساسي للأمة الإسلامية.
وقد جاء الدستور لتعزيز الحريات العازمة التي كان من معطياتها تأسيس الجمعيات والصحف والمنظمات النقابية والسياسية.
كما كانت عملية المدرسة بمثابة ثورة أخرى من الثورات التي قام بها العرش والشعب ضد الرواسب والمخلفات والأطماع والتحديات، فكانت مثالا يحتذى في التعبئة والتطوع والعمل الجماعي المخلص، بل كانت حملة عنيفة ارتكزت أساسا على مخطط استراتيجي لمحاربة معضلة الجهل ومحو الأمية، هذا المرض المزمن الذي تركه الاستعمار متفشيا في أوساطنا.
ولقد أسفرت عملية المدرسة في مرحلتها الأولى
على إنجاز مائة ألف مقعد، فضلا على ما تم إنجازه في هذا المجال من طرف البلديات والجماعات القروية، والمتمثل في بناء الأقسام المدرسية.
إن الالتفاف حول العرش هو الدعامة الكبرى لإنجاح المشاريع الضخمة التي تحققت وفقا للقولة المأثورة «يد الله مع الجماعة».
فمشروع طريق الوحدة التاريخي يجسد البعد الكبير لهذا الالتفاف، إذا تحقق في ظرف وجيز بمشاركة الشباب، والسواعد من أبناء هذه الأمة المخلصين، فتجلت من خلال ذلك المشروع روح التطوع، وأهمية العمل الجماعي،كما برهنت الطاقات البشرية عن إسهاماتها الفعالة في الخلق والإنجاز.
ويعود بما ذلك، إلى تأمل واقعنا، ومراجعة سلوكنا، ومحاسبة أنفسنا، ثم الاقتناع بما للوطن علينا من حقوق تقتضي منا نكران الذات، ومضاعفة الجهد الإسهامي في بناء الوطن.
وقد شملت الاهتمامات سنة 1961م المجتمع المغربي بشطريه: القروي والحضري: فكانت المبادرات الأولي مبنية على نهج مناهج إصلاحية وتنموية متكاملة، مما ساعد على اقتلاع جذور مظاهر التخلف بمعناه الفاحش، واتخذت لهذه الغاية تدبير جدية ومرنة، تميزت بالشمولية، واتساع الطاقة الاستيعابية، فكان من بين الحلول الناجعة الإنعاش الوطني، وكم من الأهداف ساهم في تحقيقها هذا القطاع، ويمكن من الأهداف ساهم في تحقيقها هذا القطاع، ويمكن الإلماح إليها فيما قام به من خدمات في سبيل الإصلاح والترميم، ومقاومة انهيار التربة، وحفر الآبار، ومد الطرق، كما ساهم مساهمة محسوبة في التخفيف من حدة البطالة، وتحريك الأيدي العاطلة، وبالتالي عزز الجهود المبذولة في مجالات التنمية الاجتماعية.

استمرارية المسيرة
   
إن الوثبات المتلاحقة التي وثبها المغرب في مسيرته المستمرة تتم وفق خط استراتيجي يمس صميم الأهداف الكبرى التي تتمحور حولها معركة الجهاد الأكبر الذي يخوضها المغرب بزعامة العرش، وفيما تحقق من إنجازات البرهان على ذلك، إذ ففي كل مجال تبرز تجليات ومظاهر التقدم والعمران، كما تبرز أهمية بناء السدود في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في حين تتفاعل الأرقام المسجلة إنشاء المزيد من المدارس والمعاهد والكليات والجامعات ومؤسسات التكوين وباقي المرافق والمؤسسات الضرورية الأخرى لإقامة أسس النهضة الاجتماعية.
ولم تكن شؤون وقضايا الطفولة والشباب والأسرة بمغفولة، بل تحظى بعناية ملحوظة، يتجلى بعضها في توسيع الطاقات الاستيعابية لمؤسسات العمل الاجتماعية، على أساس خلق السبل الملائمة لإيجاد التناسق والتكامل بين مختلف القطاعات المهتمة.
وفي مجال البعث الإسلامي تحقق من الخطوات والأهداف ما يثلج الصدور، وتطمئن له النفوس، وتشرق به القلوب.
ولعل الدور الإيجابي الفعال الذي تقوم به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في مجالات تنظيم الوقف، وبناء المساجد، وإحياء التراث، ونشر الدعوة الإسلامية، كفيل بإعطاء الصورة المشرفة على المكانة التي تحتلها بلادنا، بوصفها معقلا من معاقل الإسلام.
وإذا كانت شهادة التاريخ تتوج هذه الجهود، فإن بناء أكبر مسجد في العالم، بعد الحرمين الشريفين، ومؤتمرات القمة الإسلامية التي انعقدت بالمغرب، ورئاسة جلالة الملك للجنة القدس الشريف، ومبادرات المغرب المتعددة في هذا المجال، كل ذلك وسواه يشكل تاج فخر واعتزاز، وظفر وانتصار في حياة العرش والشعب، والمسيرة المغربية الاستمرارية تخترق الواجهات، والفكر المستقيم، ناشدة التوازن والاستقرار، وهادفة إسعاد الشعب، ومحاربة التخلف والشر لا محاربة البشر.
بهذه الروح من المواطنة والجد والاجتهاد، ونكران الذات، ومراقبة الضمير ومحاسبة النفس، تواصل المسيرة المغربية إنجازاتها بمزيد من التعلق بالعرش العلوي، الذي هو رمز عظمة الشخصية المغربية.
ومهما كانت القراءة سريعة ومقتضبة لا يمكن أن تحيط بالنزر القليل من الأهداف السامية، والأمجاد الخالدة التي تحققها المسيرة المغربية غبر استمراريتها، وتلك محاور ستخوض فيها الأقلام، وتتبارى في التعبير عنها المواهب.
ومجمل القول أن هذه المسيرة تحمل رسالة الحق المبين، والخلق الكريم المتين، ولذلك فإنها مباركة من الله، والالتفاف الدائم حول العرش هو فضل من الله سبحانه وتعالى، وهو الذي قال وقوله الحق:
(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم).
صدق الله العظيم

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here