islamaumaroc

الديمقراطية الحسنية أخلاق وسلوك.

  أحمد مجيد ابن جلون

296 العدد

مضت سنة مشرقة على احتفالنا بعيد العرش، وها نحن نحتفل بذكرى أخرى، بإيمان متزايد، وتحبيذ مستمر، وإعجاب بلغ حدود الأفق، ومحبة ملؤها السماوات، وشكر عمقه يفوق أغوار البحار لجلالة الحسن الثاني، وهو الملك الرائد والقائد المتبصر، والموجه المصيب، والمنسق الوجيه، والمخطط المبدع، والمسؤول الواعي الذي حمل الأمانة بجلد المومن، وأدى الرسالة بالتضحيات التي لا يقبلها إلا من فتح الله قلبه لخدمة مواطنيه، فكان في مستوى شغفه بشعبه.
استمر الدأب، فكانت السنة المنصرمة ليمة سابقاتها، جادت بالمنجزات المادية، فأثرت الرصيد الوطني، ووفرت المشاريع الهادفة، فكثرت الإمكانات وأينعت، وسادت المناقشات المبدئية، وعلت أصوات المحبذين للاتجاهات السياسية والمعلقين عليها، فأحس الجميع بأن الديمقراطية المغربية لا تحتاج إلى من يوجهها، وشعر الكل بأن بلدنا –والحمد لله- يسر على درب المشروعية الحقة، ويأبى إلا أن يمارس كل مواطن حقه في النقد الإيجابي، صيانة لكرامته، وحفاظا على تقاليده المستمدة، روحا وعمقا، من تعاليم ديننا الحنيف.
وقد ظهر المغرب بمجلاه الحقيق، ومظهره الفصيح المفحم، كبلد قوي وسليم، تواق وحذر، يتطلع إلى أسمى المراكز، ويوظف طاقاته في خدمة نمائه، ويفرض جودة اخياراته، ويتجه نحو الصداقات الخصبة، ويقوم بدوره كاملا في حقل التعايش السلمي والتضامن الدولي، غير مكترث بما قد ينجم عن ذلك من تكاليف وتبعات، ويسعى خلق التفاهم، وكسب التقدير الذي لا يمكن بدونه تحقيق المقاصد والغايات، فأدى ذلك إلى المزيد من توارد الوفود والشخصيات على بلادنا، وتبادل البعثات.
ومن خاصيات المغرب ونوعيته، أنه كلما حلت مناسبة،أو ذكرى غالية إلا وكانت فرصة سانحة، ونهزة مباركة لتعبئة جماعية يشارك فيها كافة المواطنين، المسؤولين منهم والعاديين، فيدشنون من المشاريع أفيدها، ومن التصاميم أجودها، ومن البرامج ما هو جدير بأن يساعد على ضمان الغد الأفضل، فيصبح المغرب ورشا خلاقا في خدمة الصالح العام، يتجلى أثره في الانطلاقة الاقتصادية التي أرادها جلالة الملك المتبصر، فضمن لها وسائل تحقيقها.
وهكذا تكون المناسبة فرصة، والاحتفال نشاطا مشتركا ذا نتيجة إيجابية.
ومما يثلج الصدر، ويبرر الاعتزاز، ويدفع إلى الاطمئنان، أن بلدنا –والحمد لله- حقق نتائج مقنعة في الكثير من الميادين والمجالات، وعلى الخصوص في موضوع الاقتصاد والنقد، وأصبح من الدول التي تتوفر على مصداقية تامة، تعترف بها المحافل الدولية المختصة، ومنها صندوق النقد الدولي، الذي يشهد بسلامة الأحوال، ووضوح المواقف، ووجاهة الاختيارات، وصلاحية النتائج.
وإذا كان المغرب مقدما في الشهور المقبلة على تحرير عملته، وتبويئها المكانة اللائقة بين العملات الصعبة عبر العالم، فما ذلك إلا بفضل المجهود المستمر الذي قاده ملك البلاد بإرادته التي لا تلين، وبعبقرية ندين له بسر وجاهتها، وبعد اتجاهها.
إلا أن السنة المنصرمة كانت، فوق هذا وذاك، سنة مسيرة أخرى عاشها شعبنا بنفس الحماسة، عرفها جلالته أدام له النصر والتمكين، في الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه، حفظه الله، بمناسبة الذكرى 17 لانطلاق المسيرة الخضراء المظفرة، حيث قال:
«منذ أشهر انطلقت مسيرة أخرى، مسيرة لا أسميها مسيرة الديمقراطية، لأن الديمقراطية هي قبل كل شيء إحساس واقتناع وإيمان».
«فالديمقراطية لها تعريف، وكانت لها تعاريف إلى حدود السنة الماضية بحسب الأنظمة والقارات والبلاد والشعوب.
فلا أقول إذن، إننا انطلقنا في مسيرة الأخلاق السياسية، وتوزيع السلط السياسية، واحترام الحقوق
السياسية والإنسانية، واحترام كلمة الجماعة، لأن النبي " يقول: «ما اجتمعت أمتي على ضلال».
«لا أقول اختيار جماعة القوة، ولا الابتزاز، ولا قوة العضلات، ولا قوة الأموال، بل قوة الإيمان، والنور، والوطنية الحقة».
ومن ألطف ما أضافه جلالته:
- «ما ينتظرنا هوو تخلق مستمر، وسلوك متجدد نحو الأعلى».
- «أنت مؤهل شعبي لأن تتخلق بالأخلاق الحسنة».
- «أنا مومن بالحياة النيابية الدستورية، وبالحوار».
وبالفعل، فقد جاء هذا الخطاب، بعد شهر تقريبا من ذلك الحدث القيم الذي عزز مكتسبات أمتنا، والذي تمثل في احتضانها لدستور أضاف إلى رصيدنا في هذا الميدان حقوقا أراد جلالة الملك أن يمنحها لشعبه، لإيمانه بأنه أهل لها، وأنه يتوافر على كل الصلاحيات والكفاءات لممارستها، والتمتع بها.
إن المغرب كان منذ أن أتم وحدته –ولا زال- بلد الديمقراطية الحقة، التي تستمد جذورها من تعاليم ديننا الحنيف، ذلك الدين فرض قواعد محكمة لصيانة الكرامة البشرية، والدفاع عن حرية الأفراد والجماعات، وإعطاء كل ذي حق ما هو أهل للمطالبة به، وخلق جو يقوم فيه التعامل على أسس متينة من الاحترام المتبادل، والجنوح إلى معطيات النية الحسنة وأبعادها، والاستناد المطلق إلى كثير من المبادئ التي تكيف المجتمع فتجعل منه وحدة متراصة الجوانب لا ينال منها من سولت له نفسه المس بها، مهما بلغت جرأته، وامتدت حيلته، أو جبروته، وذلك مصداقا لقوله تعالى:
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).
ومن هذه الأوامر الإلاهية يمكن استخلاص جميع القواعد التي تكون أسس كل نظام ديمقراطية، كما أنها منبع الأخلاق، ومصدر كل مبدأ يقي الفرد، وينسق المجتمعات.
فالديمقراطية سلوك وأخلاق، ولا يكفي أن تحتضن أمة ما مؤسسات ديمقراطية، ذلك أن ميدان الديمقراطية شاسع، وإطارها متنوع الأوجه، وهدفها متشعب الأرجاء. وهذا بالضبط هو ما يجعلها في تطور مستمر، وفي سعي حثيث لسد الثغرات، وتجنب الهفوات، واستنباط تقنيات وجيهة تجنبها التسلط باسمها، والاستبداد الغاشم على حسابها.
ولم تنج لحد الساعة أية دولة من عيوب مزايا أنظمتها، ففي كل صباح تطلع علينا أخبار تتعلق بما يقع في هذا البلد أو ذاك من جرائم مشينة، ومخالفات خطيرة، يرتكبها من هم مؤتمنون على حقوق الناس. بل إننا قرأنا باندهاش بالغ أن أحد البرلمانات الأوربية الذي يدعي المثالية أصدر قانونا يقر العفو الشامل على مسؤولين، وكثير من أعضائه ارتكبوا أخطر الجرائم ضد الدولة نفسها، تلك الدولة التي هم حراسها، والمدافعون على سلامتها.
حقا، إن الديمقراطية في تطور مستمر وموضوع بحث مطرد ومتصل، عسى أن يرقى الإنسان بها إلى درجة الكمال.
إلا أنه من الممكن تجنب هذه الهفوات إذا تسلحت الأمم بمبادئ الأخلاق.
لهذا المعنى أكد جلالة الملك – حفظه الله- بأن الشعب المغربي مؤهل لأن يتخلق بالأخلاق الحسنة، وأن ما ينتظر أمتنا هو السلوك المتجدد نحو الأعلى.
إننا نسير على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، سلاحنا توجيهات ديننا، وقوتنا عزيمتنا، ورائدنا ملك مومن، ولن يخيب شعب منحه خالق الكون مؤهلات كهذه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here