islamaumaroc

كيف تولى محمد الخامس تربية الحسن الثاني

  محمد حدو أمزيان

296 العدد

كلما حلت الذكرى المجيدة لتربع سيدنا المنصور بالله جلالة الحسن الثاني دام الله عزه وعلاه، وأعاد أمثال أمثالها على جلالته وهو متمتع بالصحة الكاملة، والعافية الشاملة، إلا وانبرت الأقلام، وتسابق الكتاب والأدباء والشعراء والمؤرخون، كل في بابه، مستعرضون ما توحي به هذه الذكرى من معاني، مسجلين الأعمال الجليلة، والمنجزات العظيمة، التي حققتها هذه الأسرة المجاهدة الشريفة عبر تاريخها الحافل بالأمجاد والبطولات، سواء فيما يرجع لحماية الثغور وتحريرها من العدو الغاصب، أو فيما يرجع لتشييد المعاهد والمدارس، والعناية بالثقافة الإسلامية، وتعهد كتاب الله بنشر الكتاتيب القرآنية، ورعاية الحفاظ والاعتناء بهم، منتهين إلى العهد الزاهر الذي اعتلى فيه واسطة عقدها، وعيسوب مجدها، ورائد توحيد أطراف مملكتها، صاحب الجلالة والمهابة الحسن الثاني أدام الله عزه ومجده، وذلك لما حباه الله من ذهن ثاقب، وعزيمة قوية، وهمة عالية، وصالة متجدرة، وثقافة واسعة أهلته لأن يكون من أصحاب القرار، وممن يرجع إليهم في حل المشاكل والمعضلات.
وإني في هذه المناسبة المجيدة رأيت أن أتناول جانبا ربما غفل عنه الكثير، وهو كيف أعد المغفور له جلالة محمد الخامس ولده لأن يكون خلفا له، حتى يضمن استمرارية جهاد هذه الأسرة الشريفة، أدام الله عزها وملكها، وبسط سلطانها، وأقر عيون الشعب بالأمن والأمان والاستقرار بوجودها واستمراراها.
لقد كان الاستعمار يبيت لهذا البلد شرا مستطيرا، وخطبا أليما، ولكن جهاد محمد الخامس، وكفاحه وصبره وثباته، وقوت على المستعمر كل الفرص، وسفه أحلامه، وزيف خططه، وما رسمه من كيد ومكر، وصدق الله العظيم:
(ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
لقد كان من أولى الأماني عند جلالة المغفور له محمد الخامس، هو أن يسهر على تنشئة ولده وولي عهده التنشئة الإسلامية الصحيحة أولا، وأن يعده للمهمة العظمى، والأمانة الكبرى حتى يكون في مستوى عصره.
وإني سأعرض في مقالي هذا بعض الفقرات من كلامه طيب الله ثراه، كما استشهد ببعض الوقائع التي تتناول المنهاج التربوي الذي اختاره لولده وولي عهده.
اعتلى محمد الخامس عرش أسلافه الكرام، فنظر حوله منذ الساعات الأولى يتحسس الأعوان والأنصار، ويحصي الوسائل والأسباب التي سيعتمد عليها في النضال الذي هو مقدم عليه، لإنقاذ أمته وإصلاح أحوالها، فلم ير إلا فراغا مخيفا، فراغا حكوميا وإداريا، لأن الجهاز الوطني للدولة الذي بقي قائما في دار المخزن أفرغه المستعمرون من محتواه، وتركوه شبحا خاليا من الروح، إنه لم يكن عدو بضعة وزراء، وعددا من القضاة والكتاب يعملون تحت إشراف مستشار للحكومة الشريفة، وهو الاسم الذي كان يطلق آنذاك على حكومة صاحب الجلالة.
وفراغا شعبيا لا يقل هولا عن سابقه، فقد كان الشعب المغربي يعاني يومئذ الأمرين من تخلف حسي ومعنوي عميق الجذور، سعت سلطات الحماية في المحافظة عليه وتنميته، متسترة بستار احترام القواعد وصيانة التقاليد.(1)
وأمام هذا الفراغ الحكومي والشعبي الذي كان يحيط بالسلطان الجديد، معسكر الخصم عامرا يطفح بالحيوية والحركة،، ويزخر بما فيه من مال وقوة ونظام.(2)
وسعت فرنسا على الخصوص في تفتيت الوحدة القومية للمغرب بعدما فتت وحدته الوطنية، فعبأت دهاقنة ساساتها الاستعماريين، ومهرت علمائها النفسانيين، وأعرف ضباطها بطباع الأهالي ومجتمعاتهم، فسعوا سعيا حثيثا في تحريك ما خمد من نيران النعرة السلالية
بين العرب والبربر، ولقنوا التلاميذ الذين وجدوا مقعدا في مدارسهم جغرافية فرنسا وتاريخهم بدل جغرافية المغرب وتاريخه، وبعثوا من الرموس رفات الأعراف البالية، وعظام التقاليد النخرة، واستصدروا ظهائر وقرارات للتحاكم بها قصرا في مناطق كثيرة دون أحكام الشرع الإسلامي.(3)
وسط هذه الظروف الحالكة، والأحوال العصيبة التي تبعث على الحيرة واليأس، وقف جلالة المغفور له يدرس ميدان المعركة ويتأمل أبعادها.
كان عليه أن ينطلق من الصفر، ويبد أمن لا شيء، ويعد بنفسه جميع ما يتطلبه الانتصار في المعركة من عقول نيرة، وأجسام سليمة، ووسائل قويةـ إعدادا سيطول حتما مدى أعوام.
وقد كان – رحمه الله – لمح إلى شيء من ذلك يوم نودي به ملكا، إذ كان مما قاله في ذلك اليوم الكلمات الآيتة:
«إن الشعب المغربي ينتظر منا مجهودا مستمرا من أجل تنمية سعادته المادية وحدها، ولكن لنكفل له أيضا الانتفاع من تطور فكري يكون متلائما مع احترام عقيدته، ويستمد منه الوسائل التي تجعله يرتقي درجة عليا في الحضارة بأكثر ما يمكن من السرعة.(4)
تحددت إذا أبعاد المعركة في ذهنه رحمه الله، واتضحت لديه معالم طريق النضال، فأصبح من جملة أمانيه الغالية، أن ينجب ولدا يجعله، أسوة لشعبه في حسن التربية وجودة التعليم، ويعده خير إعداد ليكون ظهيره المرتضى، وسيفه المنتضى.
ولم نطل مدة انتظار تحقيق هذه الأمنية، وكان تحقيقها أول شطر ينجز من مخططه الكبير، فما كادت تمر سنة على تملكه حتى جاءته البشرى بأن السيدة زوجته تنتظر حدثا سعيدا.
ولما حل شهر الوضع سافر إلى فرنسا، وأثناء غيبته – طيب الله ثراه – وضعت زوجته الوليد المرتقب بالقصر الملكي بالرباط بين ظهري يوم الثلاثاء 1 صفر عام 1348هـ الموافق 9 يوليوز سنة 1929م، وسارع الحاجب الملكي إلى تبليغ الخبر إلى جلالته، وتلقى رسالته منه رحمه الله، ومما جاء فيها:
 «اجعلوا الشريف سمي جده «مولاي الحسن» راجين من الله الكريم الوهاب أن يجعله على أثره صالح الدين والدنيا».(5)
كان لزاما على والده أن يسهر بنفسه على تربية الأمير، وتنشئته تنشئة كاملة، وفي سنة 1934م لما بلغ الأمير سن الخامسة، أقيمت بالقصر حفلات دينية حشد لها العلماء والفقهاء والقراء والمسمعون من كل جهات المغرب، فاستمروا طيلة النهار يتلون القرآن، وينشدون القصائد والموشحات، وفي نهاية العشي دفع السلطان الأمير مولاي الحسن إلى الفقيه السيد محمد أقصبي الذي اختير ليعلمه القرآن، ويفقهه في الدين.(6)
ولم تمض إلا بضعة أسابيع على دخول الأمير إلى «المسيد» حتى ظهرت نجابته وتفوقه على أقرانه وقريناته في حفظ السور، بل كانت ثقته بنفسه تأبى عليه – وهو في ذلك السن المبكر – أن يتصور أحدا ممن يقرأ معه يحفظ أكثر منه، ولو سبقه إلى «المسيد» بعدة سنين.
يقول مؤرخ المملكة الأستاذ عبد الوهاب بن منصور:
قال لي جلالته: عندما دخلنا إلى «المسيد» دخلت معنا الحسنية بنت معلمنا الفقيه أقصبي، وكانت فتاة تكبرنا سنا، وعرفت «المسيد» قبل أن نعرفه ببضع أعوام، ويوم ختمت الحسنية القرآن بكيت لأني لم أرض أن تختم هي بنت جميع القرآن، بينما أن الرجل لا أزال في حزب عَمَّ.(7)
وفي السنة التي زار فيها جلالة المغفور له محمد الخامس مدينة طنجة وهي سنة 1947م، انهمك الأمير مولاي في إعداد مراسم زيارة والده، وتحضير الخطب التي ستلقى فيها، الشيء الذي جعله يحصل على الأقل من المتوسط عندما أجريت الامتحانات التجريبية لامتحانات القسم الأول من الباكالوريا، فصدم لذلك هيأة الأساتذة صدمة عنيفة جعلت مدير المعهد يكتب إلى جلالة السلطان رسالة يخبره فيها بالنتيجة التي آسفته، ويرجو منه أن يحوط الأمير في الأشهر الثلاثة المقبلة بعطف أكبر، وعناية أكبر، ويؤكد له أنه سيسهر هو من جهته خلالها عليه وعلى سير الدراسة.
يقول جلالته:
لما علم والدي بالنتيجة الهزيلة التي حصلت عليها في الامتحان التجريبي، استدعاني في المساء، فمشيت إليه في استحياء، حتى وقفت بين يديه في عرفة الأكل، وهو يتناول طعان العشاء، فرفع - رحمه الله – ‘لي رأسه وقال لي:
أ«سميت سيدي»، هل قرأت تاريخ المغرب؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: ها تذكر مت فعل السلطان مولاي سليمان مع أبنائه في آخر حياته؟ قلت: نعم ياسيدي، قال:
أحكه لي، فحكيت له كيف أمعن السلطان مولاي سليمان النظر في أبنائه، وتأمل سيرة كل واحد منهم، فلم ير فيهم من يصلح للملك، ورأى ابن أخيه مولاي عبد الرحمن بن هشام أحق منهم بالملك وأصلح له، لعلمه وعزمه وكمال عقله، وحسن أدبه، فولاه العهد دون أبنائه.
فلما أكملت الحكاية نظر إلي قائلا:
إسمع، إنك مخير بين أمرين، إما أن تكون الحسن ابن محمد الأمير ولي العهد، وحينئذ يجب عليك أن تؤهل نفسك بالجد والاجتهاد واكتساب العلوم والتفوق فيها على الأقران، وإما أن تكوين الحسن بن محمد الأمير فقط، وفي هذه الحالة سأيسر لك جميع الأسباب لتحيى حياة طيبة سعيدة، ولكن من غير أن يكون مطمح إلى شيء آخر، وإني لا أستعجلك بالقرار، بل أمهلك ثلاثة أيام لتتأمل جيدا، وتدرس الأمر من جميع وجوهه، وبعدها ترجع إلي، وتخبرني بما صح عليه عزمك، ووقع عليه اختيارك.
فعدت إلى غرفتي بالمعهد، وأخذت أتأمل كلام والدي وأطيل فيه التفكير، فوجدت نفسي لا ترضى أن تختصر حياتي اختصارا، وطموحي يأبى أن يتحدث التاريخ عن أبناء سيدي محمد بن يوسف فيذكر من بينهم ابنا اسمه الحسن ويسكت، ولم يكن إلا اختيار واحد:
هو أن أرضي طموحي كشاب يتوق إلى خدمة بلاده، وكابن يعمل لتحقيق آمال أبيه.
وطالت علي الأيام الثلاث، حتى كأنها ثلاث سنين، وبعدها مشيت إليه، فلما وقفت بين يديه، قال لي: قررت؟ قلت: نعم قررت أن أحقق أملك، ولا أخيب رجاءك، وأؤهل نفسي لما أهلتني له بالجد والاجتهاد وتحصيل العلوم والتفوق فيها على الأقران، قال: نعم ما اخترت وقررت، وسأعينك عليه إن شاء الله.
وبالفعل والفور أعانني، فقد حضر – يرحمه الله – إلى المعهد، فأخذ من غرفتي بعض الآلات التي أتسلى بها: كالراديو وبندقيات الصيد وآلات التصوير، وقطع سلك التلفون الذي كان يصلني بالأسرة والأصدقاء، ثم أمر المدير أن يبطل يومي الراحة الأسبوعية «الجمعة والأحد»
بالنسبة لي حتى تصير أيام دراستي ومراجعتي متتابعة.
أما لضابط المكلف بحراسة المعهد فأمره أن يمنعني من الخروج منه ليلا ونهارا مهددا إياه بالطرد إن خالف عن أمره.
وبذلك كانت إعانته لي رحمة الله هي قطع كل اتصال بالعالم الخارجي مدة ثلاثة أشهر، وصرف انتباهي وتفكيري كله إلى دروسي...(8)
ويتحدث الأستاذ محمد عواد مستشار صاحب الجلالة لما عينه جلالة المغفور له محمد الخامس رحمه الله كاتبا خاصا لولي العهد، قال لي جلالته:
إنني ربيت ولي العهد تربية إسلامية مثالية صحيحة، أساسها الجد والاستقامة وحسن الخلق، وأردت أن يكون المثل الأعلى للجيل الصاعد، والنموذج الذي أريد أن يتربى عليه شبابنا، شباب المغرب المقدم على خوض معارك عنيفة للحصول على ما يتوق عليه من عز وسؤدد.(9)
ولم يخيب – حفظه الله – أمل والده فيه، فقد وفق توفيقا في دراسته عز نظيره، واكتسب علوما ومعارف أهلته لأن يكون رائدا من رواد، الفكر والسياسة في عصره.
وما أن اضطلع – حفظه الله وأعز أمره – بالأمانة الكبرى، والخلافة العظمى، حتى جدد للخلافة رسمها وهيبتها وجلالها، وللبيعة قداستها وأصالتها، ورعى العلم والعلماء، وشيد المعاهد والمدارس، وأنشأ الجامعات، ولم يشغله – أدام الله عزه ومجده – شأن عن شأن، وفتح ملف الصحراء ليحقق بذلك وحدة المغرب التاريخية، وليحافظ على الأمانة التي تعهدت بحفظها هذه الأسرة الشريفة من يوم أن اختارها الملك لهذا الأمر، فكانت في مستوى هذا الاختيار، فحررت ثغور المغرب من الدخيل، وقضت على الفوضى والفتن، وها هو وارث سرها يسر على دربها، ويتخطى خطاها، صارفا قصارى جهده – حفظه الله – من أجل خدمة هذا البلد، والرفع من شأنه، وتبويئه المقام الذي يستحقه، والذي ينبغي أن يكون في مستوى تاريخه الحافل بالبطولات والأمجاد.
حفظ الله مولانا أمير المومنين، وناصر الملة والدين بما حفظ به الذكر الحكيم، وأبقاه حصنا حصينا لهذه الأمة، ودرأ بوجوده كل فتنة، وحقق رجاءه، وأنجح مسعاه، وتوج بالتوفيق أعماله، وبارك في ولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه الأسعد المولى رشيد، وباقي أفراد الأسرة الملكية الكريمة، وأمطر الله شآبيب الرحمة والرضوان على ضريح المغفور له محمد الخامس محرر الأوطان، وجعله في مقام صدق مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.


1) الحسن الثاني حياته وجهاده ص: 19.
2) المرجع نفسه ص: 20.
3) المرجع نفسه ص: 22.
4) الحسن الثاني حياته وجهاده ص: 24.
5) المرجع نفسه ص: 25 – 29 – 30.
8 ) الحسن الثاني حياته وجهاده ص: 68 – 69.
9) المرجع نفسه ص: 70.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here