islamaumaroc

الألفاظ الإسلامية

  دعوة الحق

33 العدد

كان ظهور الإسلام حدثا خطيرا، فهو تبدل حضاري للمجتمع البدائي المربي، وهو لون جديد من الحضارة للشعوب غير العربية التي نشر الإسلام فيها لواءه. والحضارة الجديدة التي جاء بها الإسلام تقوم على ثقافة من نوع جديد، نتلمسها في مصادر الإسلام من القرآن والسنة النبوية.
والباحث في الثقافة الإسلامية ملزم أن يتوجه إلى علوم القرآن، ولقد كان هذا سبيل هذه الثقافة الجديدة ولعل في علوم القرآن البداية لطالب الدرس والبحث حيث تؤدي به هذه الدراسة إلى علوم ومجالات ثقافية عدة. ومن أجل ذلك عني جمهور العلماء الباحثين في علوم القرآن، بموضوع ألفاظ، واكتسب هذا البحث مسألة «المجاز في  القرآن» والمقصود بالمجاز في هذه الدراسة البحث في معاني القرآن. ولقد اتصف البحث في لغة القرآن بأوصاف مختلفة، فهو تارة يتجه نحو الغريب، وذلك كما في الدراسات الكثيرة التي اتخذت غريب القرآن موضوعا، كما في كتب «الغريب» المعروفة، ومنهم من التزم «بالمشكل» من هذه الألفاظ، ومنهم من بحث في «معاني القرآن» بوجه عام.
ويؤلف موضوع ألفاظ القرآن بحثا فنيا في مادة «المصطلح العلمي» ولعل أول انتقال في اللغة من يسرها وسهولتها إلى التعقيد والتركيب، قد حصل في هذا الانتقال الاصطلاحي الإسلامي، ومن هنا كان الحدث القرآني تبدلا عظيما في تاريخ اللغة العربية، ذلك أن لغة القرآن ببلاغتها وبهذا الانتقال الاصطلاحي تؤلف مرحلة لغوية تاريخية عظيمة الأثر في حياة اللغة العربية.
ولقد أدى البحث في معاني القرآن إلى البحث في ألفاظ الحديث، وحدث في هذه المادة ما حدث في القرآن، فقد ألف العلماء في «الغريبين» معا ومنهم من كتب في «المجازات النبوية»، ومنهم من يحث في معاني الحديث بوجه عام، والمعروف أن الذين بحثوا في القرآن، عكفوا على الحديث الشريف في دراسات وبحوث مفصلة، وقد اتخذ البحث في الحديث سبيلا كالذي اعتمدوه في دراسة القرآن، ومعنى ذلك أن ألفاظ الحديث تعد تطورا جديدا في حياة اللغة العربية.
والبحث في الألفاظ هو بحث في الدلالة (sémantique) وهذا النوع من البحث اللغوي الجديد، وهو باب في «علم اللغة التاريخي» (Linguistique Historique) وقد بدأ هذا النوع من الدراسات بالرسالة التي نشرها العالم اللغوي الفرنسي (M.Bréal)   وذلك في سنة 1897 وكان عنوان هذه الّرسالة (Essai de Sémantique) ثم قامت السيدة الإنجليزية ويلبي (Lady Welby) في الموسوعة البريطانية (الطبعة الحادية عشرة) بتوسيع موضوع بحثها وسمته (Signifies) أي علم معاني الألفاظ، وذلك أنها أدخلت في أبحاثها هذه عناصر تطبيق نظريات العلم في جميع أطوار النشاط الفكري وفي لغة التخاطب والكتابة. ثم نشط علماء الغرب في هذا الميدان في القرنين التاسع عشر والعشرين فعنوا بدراسة تطور اللغات وعلاقاتها بالمدنية والحضارة، ذلك أن اللغة من أهم الوسائل لتقدير حضارة من الحضارات، وهذا النوع من البحث من البحوث التاريخية العامة لتفهم نشاط الإنسان وانتقاله من الحضارات عبر العصور، ومن أجل هذا تضافر على هذه البحوث نفر كبير من ذوي الاختصاص، فيهم اللغوي، والعالم الاجتماعي والمختص بعلم «الانتروبولوجي» والعالم النفساني.
وموضوع الدلالة وتطورها لم يكن واضحا بهذا الشكل في جهود الأقدمين ممن اهتم بمعاني الألفاظ كما بينا ذلك. وقد كتب الشيخ أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي المتوفى سنة 322هـ كتابه الذي أسماه بـ «كتاب الزينة»، وقد بحث فيه معاني الكلمات التي تغيرت مدلولاتها في العصر الإسلامي عما كانت في العصر الجاهلي، فهو يبدأ أحيانا بشرح الكلمة كما كانت مفهومة عند العرب قبل الإسلام ثم يعود فيشرحها كما وردت في القرآن والحديث، ويورد في ذلك آراء اللغويين والنحويين المتقدمين. وربما لم يتقيد بالتسلسل التاريخي، بل يبدأ بمدلولها الإسلامي ويستشهد على ذلك القرآن والحديث قبل أن يحتج بالشعر واللغة، وكثيرا ما يفسر الكلمات تفسيرا لغويا صرفا.
وصاحب الزينة في هذا الكتاب معني بالألفاظ التي شاعت في بحوث علماء العربية وأهل التفسير والتي أخذت لون الاصطلاح العلمي، وبهذا يكون من أوائل الذين بحثوا في تطور الدلالات في العلوم الإسلامية. ولا نريد أن نبحث في هذا الكتاب لأنه لم يكن من غرضنا أن ندخل في هذا الباب.
ولكني مهدت بهذه المقدمة لا قول كلمتي التي أردت أن أعقد عليها هذه المقالة، وذلك أن للإسلام مصطلحات وألفاظا خاصة به التزم بها المسلمون وشاعت في أقوالهم وكتاباتهم. بيد أن الذي أثار استغرابي وعجبي الشديدين أني وجدت في مجلتكم العامرة «دعوة الحق» في العدد الثامن من السنة الثالثة ذو القعدة 1379 شيئا يبتعد عن هذا الالتزام بالألفاظ الإسلامية التي أخذ المسلمون أنفسهم بها منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا. والمجلة تدعو للحق، وتعنى بالدراسات الإسلامية وتصدرها وزارة الأوقاف في الرباط من بلاد المغرب العزيزة علينا. والشيء الذي وجدته هو في صورة الغلاف وكان ذلك صورة لمئذنة جامع الكتبية وقد كتب تحت الصورة (صومعة الكتبية)، والذي اعرفه أن المسلمين ما اعتادوا في تاريخهم الطويل أن يستعملوا هذه الكلمة النصرانية كما سأبين ذلك. والكلمة ما زالت بهذا المعنى عندنا معاشر المشارقة. ومن أجل ذلك أحببت أن أكتب هذه الكلمة الموجزة لمجلتكم الزاهرة إن سمحتم بذلك، وأنا مدفوع بقوله تعالى: «فذكر إن نفعت الذكرى»، وقوله جل شأنه: «وذكر فإن الذكرى تنفع المومنين».
وقع بصري على هذه الكلمة مستعملة هذا الاستعمال  فاستكبرت الأمر، ثم عرفت أن الكلمة مستعملة في جميع ديار الشمالي الإفريقي، وكنت أظن أن الكلمة من الكلمات السريانية التي استعملتها العربية وشاعت فيها، ولكن البحث هداني إلى أنها عربية وأن مادة «صمع» في معجمات اللغة المطولات تعني «العلو والارتفاع»، والكلمة من الكلمات التي استعملها القرآن، فقد وردت في قوله تعالى: «ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد...» (1) والصوامع في هذه الآية هي صوامع الرهبان، والبيع جمع بيعة وهي للنصارى أيضا، أما الصلوات فهي لليهود على رأي الزمخشري(2). والبيعة من الكلمات السريانية التي استعملتها العربية، والكلمة مركبة من جزئين وهما (بيت عدنا) ثم حصل الإدغام فصارتا (بيعة) والياء الأولى في كثير من الألفاظ السريانية تشير إلى «البيت» وهو المعنى المعروف. أما «الصلوات» وهي كلمة سريانية وأن نص الزمخشري على عبرانيتها، وتعني أماكن العبادة عندهم.
وقد شاعت كلمة «الصومعة» وهي مكان الرهبان – في النصوص الأدبية القديمة فقد جاء في أبيات لابن المعتز يذكر فيها دير العذارى والصوامع فيه -.
ألا رب أيام مضين حميدة 
                 بدير العذارى والصوامع والقصر(3)
ولأبي نواس قصيدة يصف فيها دير فيق اذ يقول فيها:
بمريم بالمسيح وكل حبر 
                 حواري على دين وثيق
برهان الصوامع في ذراها
                 أقاموا ثم في جهد وضيق(4)
والقصيدة حافلة بالألفاظ السريانية التي استعملت في العربية.
ونصوص الأدب القديم قد استعملت الصومعة في هذا المكان المشار إليه. ولعل في هذه الموضوعات فائدة لغوية، والتفاتة تاريخية والسلام.

 
(1) سورة الحج 40.
(2) الزمخشري، الكشاف 3/160 (مطبعة الاستقامة 1946).
(3) الشابشتي، الديارات 70.
(4) الشابشتي، الديارات 131.
 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here