islamaumaroc

خطاب صاحب الجلالة بمناسبة ذكرى القرويين

  دعوة الحق

33 العدد

في 10 أكتوبر1960 ألقى صاحب الجلالة سيدي محمد الخامس أعزه الله الخطاب التالي في القرويين بمناسبة الاحتفال بالذكرى المئوية الحادية عشرة لهذه المؤسسة العلمية التي حجت إليها الوفود الفقيرة من العلماء والأساتذة وممثلي الجامعات والهيئات العلمية في مختلف الأقطار لتشارك في الاحتفال بمرور أحد عشر قرنا على إنشائه.

حضرات  السادة:
يسرنا كثيرا أن نفتتح في هذا اليوم العظيم الحفلات والمهرجانات المقامة بمناسبة ذكرى مرور أحد عشر قرنا على تأسيس جامعة القرويين.
ويطيب لنا أن نرحب بحضرات الممثلين الجامعيين وكافة الأساتذة المحترمين الذين تجشموا عناء السفر ووفدوا على بلدنا لحضور هذه الحفلات والمهرجانات مجددين بذلك ما بيننا من صلات علمية وممهدين السبيل لتعاون أقوى بين بلدنا وبلدانهم في الميدان الثقافي.

حضرات السادة:
إن عظمة الشعوب وتفوقها ونباهتها تعرف من خلال مالها من تعلق بالروحانيات وتمسك بالأخلاق وجنوح إلى العلم والآداب والفن واقتباس من إشعاع الفكر والعقل، إذ أفضل ما استعمله الإنسان إقامة الدين الذي تصفو به السرائر وتزكو النفوس وإقامة الدنيا التي يتعايش فيها الناس ويتعاملون.
ولقد أثر عن المغاربة في ماضيهم –ومنذ خروجهم إلى الوجود كشعب ذي كيان متميز بتشبثهم بالدين الحنيف وهيامهم بكل فضيلة وتقديسهم للعلم وتقديرهم للعلماء ويرجع الفضل في اصطباغهم بهذه الصبغة إلى جامعة القرويين التي كانت لها آثار بعيدة المدى في تكييف الحياة المغربية وتوجيهها باستمرار إذ هي التي مكنت للإسلام في نفوس المغاربة وأطلقت ألسنتهم بالعربية وخطت لهم النهج الذي ساروا فيه زهاء ألف عام كما يتبين ذلك من الأبحاث والدراسات التي أعدت بهذه المناسبة، فمنذ تأسيسها سنة 245هجرية أصبحت المهد الذي تدرس فيه الحضارة الإسلامية والمنبع الذي تتفجر منه الثقافة العربية في غرب العالم الإسلامي.
وصارت لها رسالة سامية وقفت نفسها على أدائها في المغرب وما وراءه من أقطار وأمصار فلا عجب أن صارت مهوى الأفئدة وقبلة الأنظار، واستأثرت بعطف جميع الملوك الذين تعاقبوا على حكم المغرب ورعايتهم وتأييدهم، حتى رجعت مدرسة شهيرة ذات أنصار ومريدين ومذهب معروف ومنهج واضح في البحث والتحليل والاجتهاد والافتاء تسارع إلى التدريس بها علماء الأقطار المغربية والأندلسية وتسابق الطلبة من القارة الإفريقية ومن أوربا لطلب العلوم التي كانت تقرأ بها والتي كانت تعدو علوم الشريعة واللغة إلى العلوم المشاعة بين البشر من فلسفة ومنطق وحساب وهندسة وأدب وتاريخ وطب وموسيقى وتنجيم.
ولئن أتت على الجامعة القروية فترة من الزمان تخلفت فيها عن مماشاة التطور العلمي فإنها لم تتخلف في وقت من الأوقات عن أداء رسالتها الأصلية إذ انقلبت إلى حصن تلوذ به حضارة الإسلام وتعتصم به ثقافة العروبة في هذا الجانب الغربي عن بلادهما وصارت تقف موقف الذائد عن حماهما الحافظ لكيانهما.
ولما وضعت الخطط في عهدنا لإنقاذ المغرب مما كان يكابده ويعانيه لم يعزب عن أحد أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به جامعة القرويين في نهضة المغرب الجديدة لذلك أوليناها عناية خاصة رغم العراقيل والأشواك التي بثت في طريقنا فوضع لها نظام جديد وأدخلت على برامجها ومناهجها تحسينات سعيا في إحياء مجدها واسترداد عظمتها وإعدادها لدور جديد.
ولما استعاد وطننا حريته واستقلاله صار من الضروريات الوطنية الأكيدة القضاء على الفوارق المحدثة في التعليم واتجهت الأنظار إلى توحيد وتوجيه الثقافة في كافة أرجاء البلد نحو هدف جامعة القرويين أي منح المكانة المرموقة للثقافة الإسلامية وتكييف التعليم بها وقد أبينا إلا أن نركز شخصية القرويين الفذة فأمرنا بإضفاء حلة جديدة عليها تجعل منها جامعة مجهزة بكل المقومات التي تمكنها من مسايرة واقع العالم الحديث ومواصلة أداء رسالتها وضمان مستقبل المتخرجين منها.
ومن مظاهر العناية بها والتجديد الذي أدخل عليها إنشاء حي جامعي مجهزا أحسن تجهيز نقلت إليه الدراسة من جامعها العتيق وتعليم جميع العلوم باللغة العربية إلى جانب العلوم الإسلامية ورفع مستوى الدراسة بها مما يعين متخرجيها على الاضطلاع بأعباء المأموريات الإسلامية والوطنية التي تنتظرهم ويجعل الثقافة في البلد وحدة منسجمة. 

حضرات السادة:
إننا لمغتبطون بهذه الفرصة السعيدة التي أتيح فيها لعدد من مشاهير الجامعيين، وكبار الأساتذة والمربين، أن يجتمعوا في مدينة فاس الفيحاء إحدى حواضر الإسلام الكبرى، وقواعد العروبة العظمى التي ظلت زمنا طويلا المنار السامق الذي يهدي رواد المدينة والمورد العذب الذي ينهل منه طلاب المعرفة في أقطار المغرب والقارة الإفريقية، ونشكر السادة العلماء على الأبحاث والدراسات التي أعدوها بمناسبة هذه الذكرى ونخص منهم علماء الأقطار الإسلامية، التي اشتركت جامعاتها ومعاهدها مع جامعتنا القروية في خدمة العلوم والفنون ونشر الثقافة الإسلامية العربية كما نشكر أعضاء اللجنة المشرفة على تنظيم هذه المهرجانات على ما بذلوه من جهود.
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here