islamaumaroc

من أجل استراتيجية ثقافية للمجتمع الإسلامي.-2-

  إبراهيم حركات

العدد 293 ربيع 1-ربيع 2 1413/ شتنبر-أكتوبر 1992

* من يبلغ الثقافة الإسلامية؟:
هو كل من يستطيع أن يؤثر بمعرفته أو قدرته أو إبداعه أو اكتشافه، فلا حدود للثقافة الإسلامية التي لم ترصـد للشريعة وحدها قط، وهكذا يساهم في تبليغها كل ذي روح إسلامية متمكن مما يبلغـه، وكل من يبلغ فهو يغني هذه الثقافة.
إن محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعشرات غيرهمـا من دعاة التجديد الإسلامي، فيما بين القرنين الماضي والحاضر أثبتوا أن الثقافة الإسلامية لم تتنه بالقـرن الأول، وبالرابع  ، بل هي تتجدد باستمرار، وتتكيف مع العصر الذي نعيشه ونساهم في تكييف أيضا.
وأمثال هؤلاء المجددين الواعين هم أدوات ممتازة للتبليغ؛ لكن نمـاذجهم تظل دائما محصورة، والوسـائل السمعية والبصرية تتوقف دائمــا على الوسيلة البشرية، فـلا خير في الأولى إذا لم تصلـح الثانية.
وعلى هذا فإن الثقافة يجب أن تعايش الزمان لتواصل ثراءهـا، وتستمر في عطائها، ومعايشة الزمن تكون أيضا باختيار الوسيلة الصالحة لتبليغ ما نعده تراثا.
إن تبليغ الثقافة ليس حقا ولا واجبـا على السلطة وحدها، فهو من حق وواجب كل الخلايا الاجتماعية، قاعدية وهرمية وفي شكل أي نظام سياسي ، وإنمـا تختلف درجة التوجيه والرقابة العليا من نظام لآخر، ومن زمن إلى آخر.                                   
وليس من حق السلطة أن تتخلى عن دورها الأساسي في إعداد البنيات البشرية والهيكلية لضبط توزيع الإشعاع الثقافي بشكل عادل، ولتضمن لهذا الإشعاع الاستمرار، وحسن التطور.
وهذه السلطة ليست هي الجهاز المركزي وحده، وحيثما كانت، وكيفما كانت، فإن عليها أن تعمل بالتنسيق الكلي مع الأطراف المعنية بالثقافة من قريب أو بعيد، والتي يجب أن تكون أيضا معنية كالمؤسسات الاقتصادية الكبرى ذات الدخل الوفير.
إن البحث عن مورد أفضل، وعيش أرقى، غزا عقول الناس، وأعمى فريقا عن مسؤولية المواطنة، وفريقا عن حق الجميع، بل عن واجب الجميع في تنظيم حياته، فرديا وجماعيا، ليس فقط من أجل إرضاء حاجة البدين ومحيطه، ولكن كذلك، من أجل تحقيق تكامل بين القيم المادية والعقلية والروحية، وتبليغ الثقافة الإسلامية، وتخطيط إشعاعها وإبداعها لا يحققــه من لا يأخذ بعين الاعتبار هذا التكامل.

-ثقافــة الطفل:
في عدد كبير من الأقطار الإسلامية يعيش الطفل مهمشا ومهملا بإصرار فيمـا عدا التعليم الروتيني الذي يتلقاه، وبكيفية تختلف شكلا من قطـر إلى آخر.
وبصرف النظر عما تعانيـه من الفقر والحاجـة مجموعة من البلاد الإسلامية فإن مشكل تثقيف الطفل موضوع بالنسبة للعالم الإسلامي عموما، والدول الغنية والمتوسطة تستطيع أن تنشىء الهياكل الإدارية، والمؤسسة التي تكون الطفـل وبعضها ينجح إلى في استغلال الوسائل السمعية والبصرية لمصلحة التثقيفية، لكـن المشكل الأساسي هو قبل كل شيء في تحديد شكل الثقافة التي يتعين أن يتلقاها الطفـل،  وفي الغاية من هذه الثقافة وضبـط الوسائل المساعدة على تحقيق هذه الغاية.
فالطفل في البلد المسلم هو مسلم أولا،  ولكنه طفل ينتمي أيضا إلى عالم أوسع، يستقطب أمما يلتقي كثير منها في صنع وإشعاع حضارة جبارة يتعامل معها، أحب أم كره، كل قطـر في العالم، وحيث إن الطفل مهيأ ليصبح رجلا أو امـرأة يتحمل مسؤولية في كلتا الحالتين، فإننا قـد نحاول عبثا أن نحقق منـه فردا كفؤا بعـد أن تجاوز مرحلـة الطفولة، وربما دخل في مرحلة متقدمة مـن الشباب،  فندعوه عندئـذ إلى تكييف نفسه، وربمــا نحمله مسؤولية نقصه أو تهوره أو انحطاط مستواه العام، فلا أحـد يستطيع أن يروض حصانا مسنا ليتخطى الحواجـز برشاقة،  ويسابق من هـم في درجة أبنائه، ولكنهم روضوا مهورا.
إن الطفولة هي أفضل مرحلة للتدريب على الجمع بين الأصالة والمعاصــرة، وهي خير بداية لتجربة التجديد الثقافـي في الإسلام، ذلك أن تثقيف  الطفل في مدرسة التكامل (العقل والروح والبدن) هو خير ضمان للمحافظة على القيم، وهذه القيـم ليست تلك التي ترتبط بالشعائر وحدها، بل هي كذلك القيم الاجتماعية التي دمرتها المصالح والاهتمامات المادية، وحلت محلها الخديعة، والأنانية والغش ، والتدليس، والاعتداء على حقوق الغير، وسلطة الأراذل والمرتزقة.
والمؤسسة التعليمية يجب أن تكون المحيط الاجتماعي للطفل، لا أن تربيه فقردا فحسب، يبحث عن النجاح لنفسه، وينتظر النقطة الحسنة دون أن يحس أنه ينتمي إلى مجموعـة من أقرانه، يتعاون وإياهــم، وينمي وإياهم غريزة حسب الاستطلاع، وباقي غرائز الخير ونوازعه.
إن ما يعرف بالنشاطات الموازية للتعليم هو ميدان تثقيف الطفل، وتنشئته المتكاملة: الكتاب المتبادل، والرياضة الجماعية، وكل ما هــو جماعي غناء، ونزهة، وصلاة، وعمـلا تنشيطيا، يدخــل فيه المسرح، والنكتة، والمباريات الثقافية، وهواية جمع كل شيء فيه تثقيف. أليس الادخار غريزة أصيلة في الإنسان، وحتى في الحيوان؟ فهناك صور المعالم والبارزين في العلم والفـن والفكر، وإن التكوين الإسلامي والإنساني ليدخل من باب واسع إلى كل هذه الأشياء، في الوقت الذي لا يمكن إهمال دور الأسـرة في تحقيق هذا التكامل المنشود ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
وهكذا نجد أنفسنا أمام تآخ عجيب بين الثقافة والتربية، غيـر أن أسمى ضمان لهذا التآخي، ولحسن مردود يته، هو المثل الصالـح الذي يجسمه رجل التعليم، والمحيط العائلـي، الذي يتحرك فيه الطفل. فقد كان توظيف المعلم في الماضي  يقوم على أساس ما عرف من استقامته وكفاءته التعليمية، أما الآن فهـو في كل مكان، يوظف على أسس إدارية، تراعي السن والشهادات، بينما لا يؤخــذ من الاستقامة إلا ما يهم الانضباط تجاه الإدارة والمفتش، ولا يهم أن يكون المعلم ذلك الشخص الذي تلقى هو نفسه تكوينا متكاملا ما لم يجسم هو من ذات نفسه هذا التكامل الذي لا تخلو نماذجـه، لكن على قلة. ولا يمكن أن يستعذب الطفل المطالعة، ولا الهواية الصالحة، والأسرة لا توفر التشجيع النفسانــي، والاطمئنان العائلي، فضلا عن حد أدنى من التشجيع المادي.                                                
إن تثقيف الطفل يجب أن يخضع أيضا لتخطيط متكامـل ومتناسق، بمساعدة جهاز بعيد عن الروتينيات، والشواغل الشكلية، ومهتم بخدمـة الهدف التثقيفي  كجهاز تنفيذ يوازيه جهاز استشاري من المربين المتميزين والمتخصصين في علم النفس التربوي، وفي العمل الثقافي، والذيــن تغمرهم روح إسلامية منفتحـة، غير جامدة.
ولقد أصبح من البديهي أن الأطفال تجذبهم الصورة والحركـة ليس فقط الخارجية، بل كذلك الحركـة الذاتية التي يكون فيها هو نفسه صانعا للمشهد والتعبير، ومنشطا لذوقه واهتماماتـه، والمعلم أو المرشد يظل مساعدا يخف تدخله كلما تقدم الطفل في العمر والاستعداد، فليس من الحكمة أن يواصل الموجهون حتى يومنا هذا تكوين الطفل المسلم بطريق التلقين المجـرد، وتقرير مواد التكوين الإسلامي بشكل فلسفي ينفر الأطفال، ويجعل منهم صخورا لا وعي لها، فتحجـر الطريقة والصيغة، وتقديـم  المادة كما وضعت قبل ثمانية قرون أو عشرة، لأطفال ما حولهم ينبض بالحياة، ويتطور من يوم لآخـر، إنما هو باب للسخرية والسآمــة، إذا لم يكن سبيلا للعلمانية، لأن العلمانية تنشأ عن مناهضة الدين، ومناهضـة الدين تنشأ عن جهله، والمسؤول عن التجهيل هو التحجـز وتهميش الثقافة الدينية، وحرمانهــا من التطور اكتسابا وطريقة وشكلا.

 - ثقــافة البنت:
من الوجهة المبدئيـة: لا يوجد فرق في الاستعداد الذهني بين الذكـر والأنثى، إذا أتيحت فرص وظروف متكافئـة لكليهما، ومن الوجهة العلمية: فإن حاجتهما ليست واحدة بإطلاق عام، لان وراء حاجتهما حاجة المجتمع الذي ينتميان إليه ويعايشانه، انطلاقا من الخلية الاجتماعية الأولى التي هي الأسـرة، أصلا وفرعا.
ومهما تساوى الذكـر والأنثى في اكتساب المعرفة وقوة التأثير، (والشطر الثاني ليس مطلقا)، تبقى الأنثى ـ ولو في حالة التساوي الذهني ـ هي منبع الرحمة والحنان، ومصدر الرقة والذوق، والمؤثرة الأولـى في تربية الأبناء وتوجيههم، وهي أيضا المسـؤولة الرئيسية داخل البيت بالنسبة للحياة اليومية، حتى ولو شاركها الذكر ـ تلقاء أو بحكم الضرورة ـ شيئا من الأعباء الداخلية.
كل هذا يقودنـا إلى اعتبار تكونين البنت يأخـذ جزئيا نوعا من التخصص، في حين تشترك في الباقي مع قرينها الذكـر، فليس عبثا أن تكون الأنثى هي التي تحسن الطرز، وتجيد تأثيث البيت، وتوزيع قطعة، وإليهــا يطمئن الأطفال في بث همومهم أكثرمما يلقونها على الذكران الراشدين، آباء وإخـوة وغيرهم، وبما تتلقاه وتتعود البنت من تربية، وحسن توجيه، يمكن أن تحيل بيتها وهي ربة بيت، إلى جنة، كمـا تحيله إن شاءت تربيتها إلى جحيم يصلي بلهيبـه كل داخل إليه.
ومن أجل ذلك، فإن أعداد البنت المسلمة، ثقافيا وتربويا واجتماعيا، يحتاج إلى عناية تتجـاوز من بعض الوجوه العناية بالذكـور.
ويقتضي هذا، تخطيط ثقافة الأمومة التي تصحح ذلك المنظور الخاطئ لدى الغرب، والمتمثل في النقل العكسي لدور الأمهات إلى الآباء، ونقل دور الآباء إلى الأمهات بدعوى التساوي المطلق؛ وهذا المنظور غير الحكيم هـو الذي جعل المراهقين ذكرانا وإناثا تعطاهــم أحقية الانفصال عن الأسرة، وممارسة حياة التشرد والضياع بحكم القانــون، ثم تحار أجهزة الحكم في مشكل المخدرات، مشكل العنف والإرهاب، ومشكـل «السيدا»، وعشرات المشاكل الأخرى التي يعانيها الغرب، ويتلقفها العالـم جزءا أو كلا، فإذا كانت الحضارة الحديثة قد بلغــت  بالإنسان وآلاته إلى القمر وعدد غيره من الكواكب، وإذا كانت هذه الحضارة قد أعطت الإنسان كل ما يحتاج إليه لتسهيل أعماله اليوميـة، وتيسير اتصالاته على تباعد أقطاره، واختلاف ألسنتهم وتقاليـده، فإنها أيضا فرقت شمل الأسر، ونشرت الرعب والدمــار، وحطمت تقاليد الأمم بمحاسنهـا ومساوئها، ولم تعطها بديلا إلا الهيجـان والعنف والانفعال والتنكر للقيم.
ولذلك ، فنقل وقائع الحضارة الغربية (ولا نقول تقاليدهــا) إلى الأسرة المسلمة كما هي، من غير النظر إلى شرور عواقبها ـ حتى لدى الغرب ـ فيه من الخطر على كيان المجتمع الإسلامي، وعلى كيان المجتمعات الأخرى، ما يمكن أن يؤدي إلى ذوبان هذه المجتمعــات في جذور مساوئ الحضارة الغربية، وقد بدأت هذه الجـذور تنخر أسر أمم عظمــى شرقية، كالصين، واليابان مع كل محاولاتهــا للمحافظة على خصوصيتها الاجتماعية، والتحام كياناتها العائلية.
ولذلك، ينبغي أن يكون في كل بلد مسلم قطــاع يعنى بشؤون الأسرة، يتابع تطورها، ويحقـق استمرار تقاليدهـا الإيجابية، ويخدمهـا تربويا وثقافيا واجتماعيا، لأن هذا الجهاز تجديد لمثيله في صدر الإسلام، عندما أنشأ الخليفة عمر(ض)  مؤسسة ديوان العطاء للأسـر والمحاربين، وخصص تعويضا أكبر لمن يحفظ القرآن، ورفع من عطاء الأولاد مع تقدمهــم في العمر، ولم يستثن اللقطاء.      
وكل هذه المعطيات وما يماثلها، تاريخيا وحضاريا، تجعل من الضرورة توجيه العناية إلى ثقافـة البنت، فكم أسرة مسلمة انحرف فيها الأب، أو صدمة الفقر، أو أثقلته هموم الأسرة، فهام على وجهه وبقيت الأم وحدها تقاسي ذل الحاجة، وتحافـظ على أبنائها وبناتها من التشرد والضيــاع، حتى اجتازت بهم قنطرة السلام وتكامل تكوينهم بفضلها.
وماذا يحصل ولو كان المنحرف هو الأم؟ إن محاكم القضاء تعرف أكثر من غيرها ما تعانيـه الأسرة المسلمة في كلتا الحالتين... لذلك، كان التوجيه الثقافي للبنت يتطلب ثقافة تخصها، وتزيد عن القدر المشترك بينهمـا وبين قرينها، ولو في نطاق حصص قليلة، وبالأخص في النشاطات الموازية للتعليم، والتي يمكن أن تنمي فيها البنت ثقافتها الخاصة.
ويحتاج المجتمع الإسلامي مع هذا إلى تكوين عالمات الإسلام،  ولا يعني هذا نشأة نوع من الراهبـات الحزينات، بل عالمات العصر الحاضر، وعالمات المستقبل، المكونات بقصد التوعية الإسلامية، والمسلحات بثقافة واسعة حديثة وتراثية مـع اطلاع على المشكلات الاجتماعيـة والعائلية التي يعايشها الشرق والغرب، كل فيما يعنيه، وخبرة في الإقناع، وحسن تبليغ للثقافة الإسلامية إلى الأوساط النسوية حيث هي، فالمرأة أقـدر من الرجـل على أداء رسالتها العلمية في الوسـط النسوي، الذي ينفتح لها أكثـر مما ينفتح للرجـل بالنسبة لمناقشة شـؤون المرأة، وقضايا الأسـرة، وحتى في النقـاش الثقافي  العام الـذي تظل الأنثــى فيه أمام الذكـر خجولـة ، ولو كانت تساويه، أو تتفوق عليه تكوينا. وذلك فيمـا عدا استثناءات يبرزها المران والشجاعة.
إن ثقافة الأمومة ليس من شأنها خلق الحواجـز والمسافات يبين ثقافة الأنثى والذكـر، بل الأصح أنها عماد مكين لتكوين طفل المستقبل، ولإضفاء طابع الضبط و الأصالة والتفتح على البيت  الذي تهيأ البنت لمسؤوليته. ذلك أن انزلاق المجتمع الإسلامي إلى أخطاء المجتمع الغربي في  زعزعة استقرار الأسـرة، وخلق الأفراد بدلا من شد الخلايا الاجتماعية وربطها هو انزلاق يبلغ من الخطورة حدا قد يصبح معه أفـراد المجتمع الإسلامي في يوم ما عبيدا لقانون وضعي، يتملق الأفراد دون أن يستطيع إعدادهم، ويمزق شمل الخلايا الاجتماعية بدلا مــن البحث في إصلاحها، وطرق انسجامها. ولا يستطيع القانون الوضعي أن يرقى إلى أكثـر من تحديد منحة للعاطــل، ولا إلى أكثر من حمايـة البنت ضد أبويها إذا أصرا على بقائهــا بجانبهما بعد بلوغ السن القانونية ، بينما  الشرائع السماوية تدعو إلى العمل والاحتراف، ولا تبارك البطالة والتسول، فهل يعقـل أنه لا يوجد أي عمل لمن يتقاضى أجرا، أو تعويضـا عما ليس بعمل؟
وبديهي، أن العلاج ليس في نقل  الجوانب السلبية من تربية الغرب وثقافته، كمـا أنه ليس تشويه الشريعة الإسلامية بانتقاء ما قسا من أحكامهــا،  وتطبيقه على الضعيف والفقير المعدم، في الوقت الذي يصول فيه جبابرة الشر ويرتعون، والشريعة كل لا جزء، وهي تقتحم كل الميادين، تفصيلا أو إجمــالا، والذين كانوا يطبقون الشريعة في صدر الإسلام كانوا يكافئون المحسن، ويجازون المسيء، ويضعــون الشخص والشيء في موضعه.
ولذلك وجب النظر إلى الوضع الاجتماعي للمجتمع الإسلامي من باب واسع، يبعد في آن واحـد عن استجداء العواطف، وعن نقل النسخ المصورة من عطاء الآخرين بخيره وشره، والإصلاح الاجتماعي الذي يستهيـن بالأسرة وكيانها التربوي والثقافي هو إصلاح لن يحقق خيـرا حيثما كان، وعلى يد أي كان، أو تبقى الأنثـى هي قاعدة الإصلاح وهدفه الأولى.
وبالنسبة لمعظم الشرائح الاجتماعية فإن الأنثى حاسم حتى في المجـال  المادي والاقتصادي لنظام الأسـرة، ومن ورائها الكيان الاجتماعي العام فكم شركـة أفلست بسبب جشع زوجـة السوء التي تغري زوجهــا المدير أو المحاسب بالنهب، وتطالبه بالمزيد من الرفاهية، وكم بنتا تخلـت عن أسرتها بسبب قسـوة الأم والأب، وكم شجــارا يحدث بين الأسرة بسب سوء تصرف المرأة، وانحطاط تكوينها العام، وكم بنتا انحرفـت عن الجادة، والأم تتستر عليها، وربما تشجعها على الانحراف وكذلك أيضا، كم أسرة  بدأت حياتها معدمـة، وبلغت حد الثراء، بسبب حسن تدبير المرأة، وتعاونها الصادق مع الزوج. ألا توجــد أرامل عديدات يحترفن العمل في المنازل، أو المتاجــر، ولا مورد لهن إلا من كد يمينهن؟ فكون من أبنائهن من تخـرج في الطب، أو المحامـاة، أو غيرهما من ميادين العمـل والمكانة الاجتماعية. ومن ذا يسهـر على مرضى الأسرة سهر الأنثى؟.
فالأنثى كما يقال: سلاح ذو حدين، يحسم في الخير والشر ومعا، وليس الحديث النبوي: «الجنة تحت أقدام الأمهات» من باب الثناء فقط، لأنه يجسم الدور الحقيقي والفاعـل للمرأة، وهو دور يمثل إشاعة الفضيلة، وتحقيق الانسجام وبناء مستقبل للأبناء.             

- ثقافة الشاب:

يبدأ الصبى بالتعبير عما حوله، وبالسؤال عن كل ما يراه، أما إذا انتقل إلى مرحلة الشباب، فإنه ينتقد ما لا يعجبه، ويرفض ما لا يفهمه، ويكون لنفسه عالما من الأحلام والآمال،
فإذا استمع إلى فكرة جديدة ترفـض المألوف اجتذبته، وإذا فرض عليه المحيط الذي يتحرك فيـه أن يقبل ما هـو كائن من غير اقتناع، انكمش وتعقد، حتى يأتي طور إن هـو أدركه، فيثور غضبه، وتلتهب أعصابه، فإذا كان هيجانه من تأثير المحيط العائلي والمحيط الخارجـي معا، فقد يتوجـه حيث يبحث عن تهدئة أعصابه مرة مرة، وهذا هو باب المخدرات التي تزيد من هيجان متعاطيهـا في لحظات توقفه عنها.
ومع أن مرحلة الطفولة هي مرحلـة وضع أسس التكوين المتكامل (الجسم، العقل، الروح) فإن التوقف عن تعهد الغلام بعدها من شأنـه أن يخرب هذه الأسس، ويجعل من الصعب إعادة إدماجه في قالب التكامل، إذا توقف تعهده بعد الطفولة.
وهذا التكامل بالنسبة للشباب عموما، يختلف في حجمه وغايات القريبة.
1) تكوين الجسم: الرياضية:
2) تكوين العقل: دراسة وثقافة عامة.
3) تكوين الروح: تربية أخلاقية، فنية، دينية، اجتماعية.
4) الغاية: الإعداد للميدان العملي، وإدماج الشاب في محيطه.
فنحن لا نعد الطفل للحياة العملية بشكل فوري، ومع ذلك فأن هذا الإعداد يجب أن يبدأ فعلا من مرحلة الطفولة، ولو بعدت المسافة بين المرحلة والغاية، وهذا الإعداد بطبيعة الحالة لا يتم بالوعظ والنصائح المجردة، أو على الأقل، ليس بهذه الوسيلة فحسب، بل كذبك بإدماج العمل اليدوي في الحصص، وهـذا العمل ـ ولو في حصة واحدة ـ يساوي حصص كل السنة، من درس في الأخــلاق ويكتب ويحفظ، لأن تربية اليد على العمل تجمع بين ترويض الجسم، وتحقيق الغاية من الأخلاق، ويدخل في ذلك تعاون الأطفال وتقدير روح المسؤولية، وتربية الذوق والتعود الدائم والمنظم على العمل، وبالتالي امتلاك مسؤولية المهنة وفوائدهــا، وهـذا مع المتعة والانشراح الذي يجـده الطفل في حصة يستخدم فيها حواسه وذكاءه ويكـون فيها شخصيتـه، وقد تكـون خير طريقة لكتابة وحفـظ آية أو حديث أو حكمـة أو بيت  شعـر يناسب الموضوع.
وها هو الطفل الصغير قد أصبح في يوم ما شابا. إن هذه المرحلة الجديدة من حياتــه هي مرحلة حسـم واختيار بالنسبة إليه، فـلا تفرض عليه الثقافـة الرياضية التي يريدها، لكـن يرشـد إلى ما يصلـح له وبالطـبع لا توجـد رياضة إسـلامية وأخـرى غير إسلاميـة وأخـرى غير إسلامية، فلكل عصر ثقافته الرياضية.                
وهي ثقافـة إنسانيـة لا تحتـاج بالضرورة إلا لغـة إلا مـا نذر.
أمــا بالنسبة لثقافة الشباب المسلم فيراعي فيها:
1 ـ ما يقـرأ.
2 ـ ما يسمـع.
3 ـ ما يشاهد.
ولكل من هذه مجال للتوجيه والاختيار، والتوجيه لا يساوي الفرض، بل يعني التشويق، وربـط القارئ إلى ما هو أفيد وأولى بالأسبقية.
والعالـم الإسلامي يعاني مـن انشطار متعـدد في لغاته، وهـذا يزيد من صعوبة تكوين رصيد ثقافي إسلامي مشترك.
والقراءة قبل كل شيء رياضـة عقلية، تحتاج إلى مران وتدريب على التلقائية، ويمكنها أن تخاطب العاطفة والغريزة والذهن، والضمير والإحساس الخلقي، إما في الاتجاه السلبي أو الإيجابي، لا يمكن أن يتوقف دورها قط، فحتى ما يقدمه المذياع والتلفاز هو قراءة منقولة بالصوت أو مع الصورة، فالقارئ هنا ينـوب عن المستمع والمشاهد ليس غيره، وحتى الكومبيوتر الذي يختزن المعلومـات يقدمها لتقرأ.
لماذا يقرأ الإنسان؟
الجواب ليس واحدا، فهو يقرأ ليستفيد، وليتسلى، أو لينقطـع لبعض الوقت عن العالم الواقعــي فرارا أو تذمـرا، وكذلك ليواصل علاقته بالحركة الثقافية، أو السياسية، أو في أي ميدان اختاره وما يمكن أن يقرأ هو أكثـر مما يستطيعه فرد واحد، لأن الإنتاج الثقافي والأدبي والصحافـي والعلمي يستوعب عشرات الألوف سنويا من الكتب والمقالات والأبحـاث بعدد كبير من اللغات.
وليس ما يقرأ بهذه اللغة أو تلك أصلح بالضرورة من غيره للقراءة والاستفادة، فـرب مؤلف بغير اللغة التي يتقنها القارئ يهـز المشاعر، يخدم قضيته القومية أو العقيدية كمن حيث لا يخدمها ما أنتج بلغته، غير أن مسألـة الاختيار أمام القارئ تبقى قائمة، وهي بالنسبـة للقارئ المسلم ذات أهمية خاصة، وللشاب المسلم بكيفية أخـص.
وهذا الشاب هو أولى أن يكــون قدوة لغيره ما دام شباب العالم الصناعي المتطور جدا لم يعد صالحا في عامته ليكون هذه القـدوة، باعتبار معاناتــه وأزماته العائلية والأخلاقية، وغرابة ميوله، وذلك لا يلغي من الاعتبار في الطرف الآخـر ما لهذا الشباب في المجتمعات الصناعية الكبرى من نوازع الخير ومواطن التفوق والتمييز، ومن ثم فإن ثقافة هـذا الشباب الغربي، التي هـي متحررة جدا، ولا تثير مسألة القيم، وتنصب على القضايا التي تهم  المجتمع العربي حتى ولو عالجت ما يهم غيره (قضايا المهاجرين، المخدرات، العنف، إلخ)، لا يعقل حبها في مجتمعات أخـرى لها همومها الخاصة، وأنماط من الحياة مخالفة لغيرها، ولها هويتها الثقافية، وربما حتى بعض القوانين والأعراف التي لا يمكـن إحلال أخرى محلها من غيــر زعزعـة النظام الاجتماعي والاقتصادي المحلي.
فالشاب المسلم يجب أن تكون له هويته الثقافية، وبالتالي أنماط من المواد التي يقرأهـا، وتَفتُّـح أيضا على إنتاج الآخرين، فهـو حر بطبيعة الحال فيما يقرأ، حيث لا يستطيع قوة أن تحرمه كليـا من هذه الحرية، ولكن أهم شيء أن يعرف نفسه، وأن يكشف هؤلاء الذين تجمعهم وإياه الرابطـة التي نصفها بالدينية أو الروحية وأن يكون لديه ذلـك الإحساس القوي بالعام الإسلامي الذي ينتمي إليه كقـوة ستصبح بالتأكيد كتلة بالغة القوة والعظمة خــلال القرن الحـادي والعشرين، ولم يعد ما يفصلنا عن مطلعه أمد طويل.
ومن الآن، فالعالم الإسلامي بدأت تبرز إلى حد قوته الروحيـة، وجانب من قوته الاقتصاديـة، وصحيح أن هناك انحطاطـا سياسيا أو ذهنيا في جهات من العالم الإسلامي، ولكن الدلائـل تشير إلى أن الطريق سيستقيم ويتضح.
وكيف يمكن أن يتعرف الشاب المسلم قارئـا ودارسا، على أفضل ما ينتجـه العالم الإسلامي، وليس هناك حركة ترجمـة أو جهاز إعلامي للتعريف به بيليوغرافيا ، مع تعريف موجـز لكل كتاب أو مجلة، وتلفزة إسلامية.
فمشكل العالم الإسلامي أن اهتماماته الثقافية قطريـة بشكل عميق ويزيد اختلاف اللغات ـ وأغلبهــا أجنبي ـ في تعميق المسافة بين نقط الالتقاء، وقد عرفنا أن مسألة إعطـاء اللغة العربية نصيبا وافيـا من الاهتمام الرسمي والتربوي خير ضمان لتقليص نقط التباعـد، وهي لغة القرآن والحديث والقسط الأكبـر من التراث، وليس لأي لغة أخرى، هذه الخصوصية وبالطبع، لا مكان للتفكير في استبعاد اللغــات العالمية الأخرى. وهذه اللغات تصلح لأن يقتحم بها الفكـر الإسلامي أقطار العالم التي منها انطلقت هذه اللغات، لا أن تكون بوصفها لغات أجنبية، وغير وطنية، هي ذات الضغط الفكري والثقافي في التراث الإسلامي .
إن اهتمامات الشباب المسلم في القسـم الأكبـر من شرائحه تتجه إلى قـراءة ما يهيأ به امتحـان، أو مبـاراة، أو يساعـد على تحسين وضعية ماديـة بشكـل ما، وهـذه الظاهــرة طبيعيـة، ولها نظائر عبر العالم   كله، لكن القراءة في هذه الحـال دراسة، ويستوعبها إطار لا تخرج عنه، فالقراءة أو المطالعـة هي معايشـة يوميـة لما يقرأ، وما دامت للإنسان عين سليمة يبصر بها، وذاكـرة تعي مضمون السطور، فإن القراءة كالخبز اليومي لتكوين شخصية المثقف، وهو تكوين لا صوم عنه إلا لراحة معقولة، أو هموم طارئـة.
وتقتضي عملية تجديد القـراءة لدى الشاب المسلم، تجديد طرائق تكوين شخصيته، أي الشروع في تكوين هذه الشخصية في سن مبكرة من الطفولـة، ومتابعة التكوين، واعتبار حاجـة الموجه إليه لنصيب واف من الحرية في شيء من اختياراته المعرفية، فبدلا من خنق هذه الحرية، يجب أن تربــى في الشباب روح المسؤولية، وتمييز الحق من الواجب، والغث من السمين، وبالتالي، فبناء على هذه المعطيات يجب أن تعتبر القراءة عـدة، وأن العادة تحتاج إلى ممارسة طويلة، ويجب أن تكون حسنة باختيار ما يصلح لها عن طريـق التشويق، والتبسيط، وتجديد الفكـر، ومتابعـة التطور الثقافي العالمي.
وما يسمع هو مثـل ما يشاهد، يقدم إلى المستمع أو المشاهد من غير أن يكون له دور في اختياره، حيث لا تستطيع الإذاعـة ولا التلفـزة أن ترضى كل الأذواق والاستعدادات دفعة واحـدة، ولا عبر الأيـام، ولكن ما لا يدرك جله لا يـترك كله، غير أن الوجه الإسلامي في هذا الجهاز الذي هـو حكومي لدى العالم الإسلامي أحوج مـا يكون إلى صـورة مغايرة في معظمها لما هـو عليه الإعلام الثقافي، حيث إن غالب الساهرين عليه غير مؤهلين بحكم محدودية تكوينهم، شكلا وحجمـا، فالثقافة الإسلامية في هذين الجهازيـن إذا كان من حقها أن تلتفت إلى الماضـي وتراثه فليس بالصورة الجامـدة المتكررة، وإذا كانت تريد الالتفات إلى الحاضر والمستقبل، فلتفتح أبوابها للحوار البناء، وليستقبل الجهاز المختص، الشاب الاقتصادي، والفيلسوف ، والطبيب، وحتى الذي يستهين بالفكـر الإسلامي، أو لا يومن بمستقبل العالم الإسلامي ليخاطب المفكر المسلم، والذي يعرف جيدا إمكانيات هذا العالم، وحدود تطوره، فالمسألة ليست مسألة كافر ومومـن، لكن الوصول إلى الحقيقة وامتـلاك وسائلها والوصول إلى الحقيقة لا فيه من الأخــذ والرد.
وببلوغ هذه الغايـة يمكن أن يبدأ التفكير في آفـاق المستقبل، وكل فكـر لا مستقبل له يبقى مجرد ذاكـرة تحلم في عالم الحقيقة.                          

* آفاق المستقبل:
حين يتعلم الإنسان القراءة والكتابة، يكـون قد خرج من ظـلام  الأمية، وأبصر نفسه.
وحين يحصل على مستوى من الثقافة العامة يكون قد حمـل مصباحا يرى به ما حوله.
وحين تتكامل ثقافته، فإن عقله يتحول إلى مجهـر تتضح به أدق الأشياء وأبعدهـا عنه.
وهذا هـو النموذج الذي يحتاج إليه العالم الإسلامي من المثقفين، فهو ليس محتاجـا فقط إلى حذلقة اللسان، وقوة الجنان، ولكن أيضا، ـ وبدرجـة أولى وأهم، ـ إلى هؤلاء الذين يمكنهم بفضل تكوينهم الواسع، ومقدرتهم الفكريـة، نظريا وعمليا، أن يستشفوا أبعاد المستقبل عند كـل حكم أصدروه على الحاضر، واحتمالات الخطأ العلمي عند كـل حسم في استنتاج ارتبط بالماضـي أو الحاضر.
فما الذي يراد من المثقف المسلم والحالة هذه؟
أن يكون له تنظير فكـري من شأنه أن يصحح النظريات والمناهـج، والأوضاع الفكرية السائـدة، أو يأتي بالجديد من الفكر الذي يمكن أن يغير المفاهيـم المتعارفة أو يتجه بمجتمع ما نحـو آفاق أفضل فيما يهم حضارته وتقدمه.
والواقع أن كـل ثقافة يجب أن تساعـد صاحبهـا جزئيا على الأقل على تكوين تتطور به حياته العملية، إمـا مباشرة أو بشكل غير مباشر.
ففي الحالـة الأولى، تمس الثقافة حجم العمل ونوعـه وتحسينه، فالمحامـي الضليع في الأحوال الشخصية ـ وقد طوق بالترافـع في أمور تمس قوانين الشغل وحوادثه ـ مطالب بإعادة تكويـن نفسه ومراجعـة ثقافته القانونية، خصوصا وأن المغريات المادية قد تكـون هي نفسها حافـزا ضروريا لتحصيل الثقافة الجديدة.
على أن الجانب العملي من حياة المثقف لا يليق إهماله، بالرغـم ممن أن ثقافة التخصـص ليست كافية كما سبقت الإشـارة إلى ذلك.
وفي الحالة الثانية، تمس الثقافة حجـم التكوين نفسه، ونوعه، وهـو تكـوين يجب أن يتجـه إلى صقل شخصيـة الإنسـان وتعـويده على احترام القيم، وإدماجـه في الصيغــة الحضارية التي تصلـح له ولمجتمعه.
وعلى هذا، فكل مثقف يجب أن يثقف نفسه وعمله في  الوقت ذاته، وصحيح أن الآلة والتقنيات الحديثة تنوب عن الإنسان في عدد كير من الأعمال، ولكن الإنسان الذي اندمج في الآلـة والتقنيات كليا لم يعد بفضله عنها شيء، ويكفي أن هذه الآلـة  تخرب في لحظة واحـدة حضارة مجتمع بكامله، والضمير الدولي في هذه الحالة هـو مجرد خطب وصور وخزينة، فهذه الآلــة هي صورة مطابقة لإنسان الحضارة المتقدمـة بخيرها العميم حقا، ولكن بشرهـا الأعم أيضا، فالحضـارة الغربية.
أولا ـ أعطت الحرية، ثـم فتكت بالروابط العائلية، وأنشأت مكانهـا صلات غير عائلية.
ثانيا ـ طورت التكنولوجيا، فخرب بها الإنسان نفسه، وهدم بهذا الزر من الآلـة ما بناه بآخـر.
ثالثا ـ طورت وسائل العلاج وعممتها وجاءت بأمراض فتاكة جديدة، وأخرى ازدادت انتشارا، فعجزت عن قطـع دابرها.
رابعا ـ اهتمت بثقافة الإنسان، وتأمين مستقبله، فأعطته علما وأدبا وتكوينا إنسانيا، ولكنها علمته كيف يتصور العنف ويستخدمه، وكيف يتفسخ ويتحول حيوانـا يختطف، ويقتل، ويرضي شهوته.
خامسا ـ أعلن فكرهـا المبدع بكل أشكاله وأصنافه عن عجزه المطلق عن تحقيق المجتمع الأمثل.
وهكـذا أعلنت الثقافة الماديـة المجـردة عن إفلاسهـا، ويكفي في هذا الرجـوع إلى كتابـات مفكري الغـرب وأحاديثهـم.
فأي طريق يجب أن يختاره المثقف المسلم؟.
إن المثقف المسلم يعانـي من الازدواج الحضاري ما يعانيه كل مسلم، بل كل فرد خارج المجموعـة القيادية للحضارة الحديثة. والمثقف المسلم مع هـذا يتحمل مسؤولية استمرار الماضي، وواقعية الحاضر، وتحديد آفاق المستقبل فهو يعيش على الازدواجية الحضارية، لأنــه يرتبط بقليل أو كثير من تراث الماضي، في مطعمه، أو مسكنه، أو حياته الزوجية، أ, مؤهلاته الثقافيـة، أو في كل ذلك وغيره مما هو تاريـخ الماضي، ومستمر في الحاضر، وربما يواصـل استمراره، وبحكم التطـور المعاصـر فهو يستعمل آلات وأدوات الحضارة الحديثة وملابسهـا وأجهزتها وطرائقهــا في الحياة اليومية والعامــة، وفي ثقافتــه لا يمكن أن ينتسب إلى الماضي وحده، فحتى أسلافه تطوروا من جيـل إلى جيل، ولم تكن طرائق العلاج الطبي في عصر الراشديــن هي طرائق القرن الرابع، ولم يكتب تفسير القرآن في القرن الخامس أو السادس بالطريقة التي كتب بهـا في القرن الأول أو الثاني، والانتماء الثقافـي إلى الماضي هو أيضا مجال اختيار وانتقاء،  فيما عدا أصـول الشريعة التي لا يختلف فيها المسلمون والانتماء إلى الحاضـر يتطلب متابعـة الأفكـار، ورصدها، وتطعيمها  بالحقائق العلمية، والتقنيات الحديثة الميسرة، أما التواصـل مع المجتمع الإسلامي ككل فهو تواصل حتمي ليس برجيا ولا هامشيا.
فالمثقف المسلم دوره رائد ـ إن أراد واستطاع ـ في تركيب المسار الحضاري والاجتماعي للأمــة الإسلامية ككل، والمجتمعات القطرية كوحدات. وهــذا التركيب لا يأتي من تلقاء نفسه، ولا من الكلمة العفوية، والبيانات العابرة، إنه مسؤولية الذي يجب أن يكتسب إطارا منظما للحرية، ينتزعه بقوة إقناعــه وحجته وثباته وتضامنه، وحرية المثقف عندمـا تعززها الشرعية، وصدق الحـوار موضوعيته، ليست هي حـرية الانتهازي، والـذي ينبح بنهش، ثم يصمت بعد أن يلقى إليه الطعـام ، فالمثقف المسلم هو الذي يغضب للعقيدة وتبعاتها، ويضـع يد الذين بيدهـم الأمـر على الحقائق، ويفرض بالإقناع والمثابـرة ونكران الذات ما لا يفرضـه بالهوس والتعصب.
والمثقف المسلم ليس له ـ مهما كان من سمو رسالته ـ أن يعتقد أن المسلمين وحدهم لهم الحق في الحياة، فهناك عقائـد ومذاهب ملايير أخرى من البشر تتعايش، والإسلام يدعو إلى حسن التعايش.
ثم إن العالم الإسلامي يسير نحو مرحلة القـوة، وإثبات الذات، ولو أن سيره هذا وثيد، ومتفاوت بين جهاته، وحسب أنظمته المحلية.
ويقتضي هذا أن يخـرج المثقف المسلم إلى الميدان مع كل إخوانه المثقفين الملتزمين عبر العالم، وبصرف النظر عن أجناسهم وعقائدهــم، لإعادة ربط جسور القيم، وإنقاذ البشرية من الدمـار الذي حل بالعديد من شبابها وقواتهـا الحية: دمار العنف، والعدوان، والمخدرات، وانهيار الأسر، وطغيان الفكـر المادي، والرشوة، وقبح التعامل، وخيانـة الأمانات والعهـود.
فأفاق المستقبل بالنسبة للمثقف المسلم ليست هي آفاق الحياة العملية فحسب، إنها أكثـر من ذلك آفاق المسؤولية التي على المثقف ـ وبالأخص المفكر المسلم ـ أن يناضـل بحملها من أجل هدفين أساسيين قد يحتاج الوصول إليهما لوقت طويل، وهما:

الهدف الأول:
 حرية الإنسان في العالم الإسلامي، والتي لا تصلـح بالفوضى وبسيطرة الأدنى، أي الذي لم يرب على روح المسؤوليـة في خلاياها الصحيحة، وبالشكـل الذي يضعـه فـوق التعصـب والروح العشائرية.

الهدف الثاني:
 العدالة القانونية والاجتماعية: تطبيـق القانـون على الجميع، وتساوي الجميع في الحقوق والمنافع العامـة والتحملات حسب الاستطاعة.
وقد تجاوز الشباب المسلم عموما مرحلة الحيرة والضياع التي عاناهـا خلال ثلاثة أجيال بشكل خطير ومؤثـر، أي منـذ نهاية الحرب العالمية الأولى،  وكان جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية أكبـر ضحية لموجة التفسخ التي اكتسحت الغرب ، وجرفت العديد من شباب الأمم الأخرى، والتجارب الفكرية التي تنازعت شباب الغرب، واجتذبت غيره دون أن تكون لديه الحصانة الكافية، وبعد النـظر، وقوة التمييز، قد انتهت مهمتها بعد أن أعطت من المحاسن لأهلها ما أعطت، ونقلت إليهم من المفجآت غير السارة ما نقلت.
لكن الهوية الإسلاميـة لا يمكن أن تديـر ظهرها لما هو خير عند الآخرين، كمـا أنه يجب أن تعطي وجههـا الصحيح المشرق للذين يجهلونها من أبنائها، ومن خصومها.
والعالم الإسلامي ينتظر في آفاق القرن الحادي والعشرين جيلا جديدا من المفكرين لإبراز عبقريته المتجددة الخلافة، والتي يستمدهـا من جذوره، ومن تطلعاته، ويضعها في خدمـة الإنسانية كلها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here