islamaumaroc

أبو عبيدة والاتجاه التاريخي في الشرح

  عبد الجواد السقاط

العدد 293 ربيع 1-ربيع 2 1413/ شتنبر-أكتوبر 1992

نتناول في هذه السطور شارحا شراح الشعر العربي القديم، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري( 1) الذي تخبرنا المصادر بأنه من مواليد البصرة بالعراق عام 110هـ/728م، ووفياتها عام 209هـ/824م، وأنه نال من العلم حظا كبيرا، جعل الخليفة هارون الرشيد يستقدمـه إلى بغداد سنة 188هـ ، ويستقرئه أشياء من كتبه، وأن هذا الرصيد العلمي الذي اختزنته ذاكـرة أبي عبيدة جعله من أئمـة العلم في مجالات شتى، من حديث وأدب ولغة وأنساب ونحو، وما إليها، وجعل شهادات العلماء تقر له بالتمييز والتبحـر في كافة هذه العلوم، كالجاحـط الذي يقول:
«لم يكن في الأرض خارجي ولا إجماعـي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة».( 2) وإن كان يؤخـذ عليه ـ مع سعة علمه هاته ـ أنه ربما أنشد البيت فلم يقم وزنه، ويخطئ إذا قرأ القرآن نظرا.
ومع ذلك، فاهتمامات الرجل كانت  واسعة ومتعددة، وانشغالاته العملية ملأت حيزا رحبــا في المكتبة العربية، إذ تنسب إليه المصادر نحو مائتي مؤلف (200)، منها نقائض جريـر والفرزدق، ومجاز القرآن، ورسالة بعنوان: العققة والبررة، وكتاب  مآثـر العرب، والمثالب، وفتوح أرمينية، ومـا تلحن فيه العامة، وأيام العرب، والإنسان، والزرع ، والشوارد، ومعانـي القرآن، وطبقات الفرسان، وطبقات الشعراء، وغيرهـا. وهي أعمال تدل على اهتمام الرجـل بالثقافة العربية والإسلامية، بالرغـم من أنه كان أباضيا شعوبيا، وأنه ـ كما يقول ابن قتيبة ـ :
«كان يبغض العرب، وصنف  في مثـالهم كتباء»( 3)
ولعل هذا السبب أولا، ثم لشدة نقده ومعاصريه ثانيا، لم يحضـر جنازته أحد.
وبغض النظر عن هـذا الموقف العقدي، والعودة إلى المجال العلمي والثقافي، يبدو أن الوجه البارز من اهتمامات الرجـل وانشغالاته العلمية ـ إلى جانب الغريب في الميدان اللغوي هو المجال التاريخي، ولعله باستقطاب جزئياته ودقائقـه، كما يتأكـد ذلك أولا من خــلال شهادات العلماء. كالمبرد الذي يقول عنه:
«كان أبو عبيدة عالما بالشعر والغريب والأخبار والنسب، جمع شعر العرب وثقفه، ودرس أيامهــم وتاريخهم، حتى صار أكمل القـوم وأعلمهم بأيام العرب ومذاهبها»، ( 4 ) وكابن قتيبة الذي يقـول عنه كذلك: «كان الغريب أغلب عليه أيام العرب وأخبارها»( 5).
كما يتأكـد ثانيا من اعترافات الرجل نفسه كقوله: «ما التقــى فرسان في جاهلية ولا في إسلام إلا عرفتهما وعرفت فارسيهما».( 6)
ويتأكـد ثالثا وأخيرا من طغيان هذا الجانب على تصانيفه بصفة عامـة، وعلى روايته للشعر العربي، وشرحه لهذا الشعـر بصفة أخــص، وهو المنحى الذي يهمنا أكثـر في هذا البحث.
ولعل الكتاب الذي يسعفنا في الحديث عن هذا المنحى، والذي يمثل المنهج الذي سلكه أبو عبيدة في تعامله مع الشروح الشعرية هو كتاب «نقائــض جرير والفرزدق» الذي يفهم من مقدمته وخاتمته أنه من تأليف أو جمـع أبي عبيدة، رواه بالتواتر.
أبو جعفر (محمد بن حبيب المتوفى عام 245هـ).
السكري ( الحسن بن الحسين المتوفى عام 275هـ).
اليزيدي (أبو عبد الله محمد                   
بن العباس، المتوفى عام 310هـ).
وواضح أن المصادر التي أخذ عنها أبو عبيدة كثيرة جدا، لأنه ذكـر أكثر من خمسين شخصا استمد منهم معارفه.
وقد نشر الكتاب الأستاذ (أنتوني أشلي بيفا) (Anthony Ashtey Bervan) في جزءين كبيرين، وطبع في مدينة لندن بمطبعة بريل 1907م.
وإذا كانت قصائــد هذا الكتاب مصحوبة بشروح لغوية لا يستهان بها، فإنها مصحوبة بمعلومـات تاريخية قد تطول وقد تقصر، وتدور في معظمها حول حـوادث الشعراء وأيام العرب، هذه الأيــام التي يطفح الكتاب بذكر أسمائها وأحداثها، نكتفي بالإشارة إلى نخبة منها مع ذكر صفحاتها من الكتاب.
* يوم قُشاوة: ص 19 ـ 24.
* يوم طيء: ص 45 ـ 46.
* يوم نجران: ص46.
* قصة الحوفزان: ص47 ـ 59.
* يوم ذات كهف، يوم طخفة: ص 66 ـ 67.
* يوم المـرُّت: ص 70 ـ 73.
* يوم الصمْد أو يـوم ذي طلوح: ص 73 ـ 74.
* يوم أعشاش، يوم صحراء فلج: ص 75 ـ 77.
* يوم السباقين: ص 78 ت 80.
* قصة داحس: ص 83 ـ 108.
* يوم عبد الله بن زياد بن أبيه: ص 112 ـ 117.
* يوم جدود: ص 144 ـ 148.
* يوم الكُــلاب الثاني: ص 149 ـ 156.
وإلى جانب هذا الاستعراض المفصل من الشارح لأيام العرب ووقائعهـا، نجده يفصل القول كذلك في الظروف التي قيلت فيها القصائـد، والمناخ الاجتماعي الذي أوحـى بها إلى الشاعرين، وفي ذلك مظهـر آخـر مـن مظـاهر الانشغال التاريخي، عنـد الشارح، وعنايته الكبرى بتوثيق الأخبار والأحـداث.
ولكي يتضح لنا هـذا، وكذلك مستويات المنهج الذي سلكه، أبو عبيدة في شرحـه لقصائـد الكتاب، نقف عند شرحه لقصيدة فائية أنشدها الفرزدق في الـرد على من بخس شعره مطلعها: 
عزفت بأعشــاش وما كـدت تعـزف * وأنكـرت مـن حدراء ما كنت تعرف( 7)                                              
فقد قـدم لها الشارح بمقدمـة تاريخية مسهبة، نوردهـا هنا كاملة رغم هذا الإسهاب، يقول:
وقال اليربوعي: قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: قـدم الفرزدق المدينة في إمـرة أبان بن عثمان بن عفان(ض)، قال: فإني والفرزدق وكثير عـزة لجلوس في المسجد تناشد الأشعار، إذ طلع علينا غلام شخت (أي دقيق) آدم في ثوبين ممصرين، يعني: (مصبوغين بحمرة غير شديدة،)، ثم قصد نحونا حتى انتهى إلينا فلم يسلم، وقال: أيكم الفرزدق. قال إبراهيم بن محمد، فقلت له مخافة أن يكون من قريـش: أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها. قال: لو كان كذلك لم أقل لـه هذا، فقال له الفرزدق: من أنت يا غــلام لا أم لك؟ قال: رجـل من الأنصار، ثم من بين النجار، ثم أنا أبن بكر بن حــزم، بلغني أنك تقول إنك أشعــر العرب، قال: وتزعمه مضـر، وقد قال حسان بن ثابت شعرا فأردت أن أعرضه عليك، وأؤجلك فيه سنة، فإن قلت مثلـه فأنت أشعـر العرب، وإلا فأنت كذاب منتحل، ثم أنشد:
لنا الجفنات الغـر يلمعـن بالضحــى * وسياقنـا يقطرن من نجــدة  دمـــا
متى ما تزرنا مـن معـــد  بعصبـة   * وغسان تمنـع حوضنـا أن  يهدمـــا
أبي فعلنـا المعروف أن ننطـق الخنـا * وقائلنــا بالعـــرف إلا تكلمــــا
ولدنـا بني العنقـاء وابْنَيْ مُحَـــرق    * فأَكْـرِمْ بنا خــالا وأَكْـرِمْ بنا بنمــا
قال: فأنشد القصـيدة إلى آخرهــا، وقال: إني قد أجلت فيه سنة، ثم انصـرف، وقام الفرزدق مغضبا يحسب رداءه ما يدري أين طرفه حتى خرج من المسجد، وأقبل على كُثَيِّر فقال: قاتل الله الأنصاري ما أفصح لهجته، وأوضح حجتـه، وأجود شعره. فلما نزل في حديث الفرزدق والأنصاري بقية يومنـا، حتى إذا كان مـن الغد خرجت من منزلي إلى مجلسي الذي كنت فيه بالأمس، وأتاني كَُُثَـيٍّـر، فجلس معي، فإنا لنتذاكـر الفرزدق، ونقول ليت شعري ما فعــل، إذ طلع علينا في حلة أفــواف مخططة، له غديرتان، حتى جلس في مجلسه بالأمس، ثم قال: ما فعل الأنصاري؟ فنلنا منه، وشتمنـاه، ووقعنا فيه، نريد بذلك أن نطيب نفس الفرزدق، فقال: قاتله الله، ما رميت بمثله، ولا سمعت بمثل شعره، ثم قال لهمـا الفرزدق: إني فارقتكمـا بالأمس، فأتيت منزلي، فأقبلت أصعد وأصوب في كل فن من الشعر، فكأنــي مفحم  لم أقــل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادي بالفجر رحلت ناقتي، ثم أخذت بزمامها، فقدت بهـا حتى أتيت ذبابا (وهو جبل بالمدنية)، ثم ناديــت  بأعلى صوتي: أجيبوا أخاكم أبا لبينـى فجاش صدري بما يجيش المرجـل، فعقلت ناقتي، وتوسدت ذراعها، فما قمت حتى قلت مائة وثلاثة عشر بيتا، فبينمــا هو ينشدنا، إذ طلع الأنصاري حتى انتهى إلينا فسلم، ثم قال: أما إني لم آتك لأعجلك عن الوقت الذي وقته لك ، ولكني أحببت أن لا أراك إلا سألتك ما صنعت فقال: إجلس، ثم أنشد:
عزفـت بأعشاش ومـا كدت تعــزف  *  وأنكرت من حدراء مـا كنت تعــرف
قال: فلما فرغ الفرزدق من إنشاده، قام الأنصاري، كئيبا، فلما توارى طلع أبو الأنصاري وهو أبو بكر بن حـزم في مشيخة من الأنصار، فسلموا علينا، وقالوا: يا أبا فراس، إنك قد عرفت حالنا ومكاننا من رسول الله (صلعم) ووصيته بنا، وقد بلغنـا أن سفيها من سفهائنــا تعرض لك، فنسألك بالله وبحق المصطفى محمد (صلعم) لما حفظت فينــا وصية رسول الله (صلعم)، ووهبتنا له ولم تفضحنــا. قال اليربوعــي: قال إبراهيم بن محمد بن سعد: فأقبلت أكلمه أنا وكثير، فلما أكثرنا عليه، قال: اذهبوا فقد وهبتكم لهــذا القرشي، يعني: إبراهيم بن محمد بن سعد.( 8)
ولعل أول مالا تجدر ملاحظته في هـذه المقدمة أن أبا عبيدة ـ وهو يقص علينا حدثــا تاريخيـا ـ لم يطرح هذا الحدث مجردا، وإنما ركز على السند الذي أخــذه عن طريقه، وهو هنـا عبارة عن روايتين متلاحقتين، هما: إبراهيم بن محمد بن سعـد بن أبي وقاص في المقام الأول، ثم اليربوعـي في المقام الثاني، وفي ذلك دليل على ما كـان يرمي إليه أبو عبيدة من توثيق أخباره، وحصر المصادر التي يأخذها عنها.
ومن الملاحـظ بعد ذلك، أن أبا عبيدة قد اعتمـد جانبا آخر لا يخلو من أهمية في رواية الأخبار وسردها، حيث إنه عمد إلى ألوان من الدقـة والتفصيل، ولجأ إلى كثيـر من الجزئيات التي تزيـد الخبر وضوحا وجلاء.
وهكذا نجــده قد استهل هــذا الخبر بتحديد الشخصيات التي كانت محورا فيه، وهي شخصيات متباينة المشارب، منها الرواة والشعــراء والولاة وغيرهم، كما حـدد المكان الذي شهـد وقوع هـذا الخبر، وبعد ذلـك، نجد أبا عبيدة ينفـذ إلى استعراض تفاصيل الخبـر الذي بدأ بالمفاخرة التي حدثت بين غــلام من بين النجار وبين الشاعر الفرزدق، وهي المفاخرة التي اتخذت بعضا من شعر حسان بن ثابت مقياسا للحكم على شعر الفرزدق، إمـا بالجودة، وإمـا بالرداءة.             
وبعد ذلك يظهـر أبو عبيدة ما كان يتمتع به الفرزدق من قيمة وقدر لـدى شعراء الفترة، كما يقـف طويلا عند تصوير الظرف الذي أبداع فيه الفرزدق هذه الفائيـة. ولعلنا نعجب لهذا الشاعـر الذي كانت المهلة عنده سنـة كاملة، ولكنه استعجل الزمــان، فأنشد القصيدة بعد مرور ليلة واحـدة على تاريخ المفاخـرة، كما نعجب للطريقة التي تم بهـا هذا الإبداع، وخاصة في ذلك، استنجاد الشاعر واستغاثته. ولعل أبا عبيدة بذلك يريد أن يلح على ظاهـرة العفوية التي واكبت العطاء الشعري منذ العصور القديمـة، كما يلح على ظاهرة الارتجال التي لم تكن تسلم من تنقيح وتعديل أحيانا، وكل ذلك يدخل في اهتمام الشارح بالمجال التاريخي، وتحديد كـافة عناصره ووجـوهه.
وبعد ذلك، يتعرض أبو عبيدة للمقابلة التي تمت بين الغلام الأنصاري وبين الفرزدق، وكيف أنشده هـذا الأخير قصيدته، ثم كيف تنكـر الأنصار لهذا الغلام ونعتوه بالسفيه، لا سيما وقد عرضهم بهذه المفاخـرة للفضيحة والعار، وكأنهم بذلك يخافون أن يعرض بهم الفرزدق كما عرض بهم الأخطـل الذي قال فيهم:
ذهبـت قريـش بالمكــارم كلهـــا * واللـؤم تحــت عمائــم الأنصار(9 )
وهكذا يبدو من خـلال هذه المقدمة ـ ومثلها كثير في الكتاب ـ أن أبا عبيدة إن كان يرمي إلى شرح قصائد هذا الكتاب، فإن اتجاهه التاريخي يضلله بجناحيه، ويأخذ من جهده النصيب الأوفر، إلى درجة قد يعتبر الكتاب معهـا سجـلا للأحداث والوقائع التاريخية، أكثر ما هو شرح لغوامض اللغة ومستغلقاتها.
وإذا نحــن تركنا هذه المقدمــة جانبا، ونفذنا إلى القصيدة المذكورة، وشرح أبــي عبيدة لها، وجدنا هــذا الشرح يقوم على جملة من المسالـك، ربما كان مسلك التاريـخ أوضحها وأظهرهـا كذلك، مما سيتأكـد لنا من خلال الملاحظات الآتية:
1) كان أبـو عبيدة يعني بما يعـرف بالتحقيق، وهـو عبارة  عن الإشــارة إلى مختلف الروايات المتصلـة بالبيت الواحــد، أو المقطع الواحـد. ومـن أمثلة ذلك، ما فعـل عندمـا روى هـذا البيت من القصيدة:
بأخضـر مـن نعمـان ثـم جلت بـه * عـذاب الثنايا طيبــا حين يرشف (10 )
فقد ذكـر رواية ثانية لقوله: «طيبا حين يرشف» وهي: «طيب المترشف»      
ومن أمثلته كذلك، وقفته عند البيت الآتي:
يشبهـن مــن فـرط  الحياء  كأنهـا * حـراض سـلال أو هـوالك نزف ( 11) 
فقد ذكر الرواية الثانية ببداية البيت وهي: «تراهن من فرط الحياء».
ومن أمثلته أيضا، وقوفه عند البيت القائل:
يحدثن بعـد اليأس مــن غيـر ريبـة * أحاديث تشفي المدنفين وتشغــف ( 12)
فللبيت رواية أخـرى، ذكرها أبو عبيدة وهي: «ويبذلن بعد اليأس».
وإذا كان أبو عبيدة في هذه الشواهد ومثيلاتها يكتفي بالإشارة إلى اختلاف الروايات دون تحديد أصحابها، فإنه في شواهد أخرى يذكر اسم الرواية الذي اختلفت روايته عمـا أورده أبو عبيدة، كما نلاحظ على سبيل المثال عندما تعرض للبيت القائل:
فما برحت حتى تقــارب خطوهــا * وبـادت ذراهـا والمنـاسم رعف ( 13)
قال: وروى أبو عمرو (لعله الشيباني) «حتى تواكل مهرها».
ولعل هذا الموقف الدقيق والمفصل عند الشارح يلازمه في جل أعماله وتوفيقاته، سواء بالنسبة لقصائـد الكتاب، أو بالنسبة لمن يجري قلمه بذكرهم من الشعراء في مصنفات أخرى غيره، ويكفي أن نستدل على ذلك بتحقيقات في أعمار بعض هؤلاء الشعــراء، مستغلا في ذلك كل علمه وخبرته، وأحداث التاريخ استغلالا حسنــا، وقد يستخدم أيضا أقوال الشاعر نفسه في إثبات ذلك، ويربط بين كل هذه العناصـر جميعها برباط من الفهم، وحسن العرض، والتصرف، كما فعل مثلا في تحقيق وإثبات عمر حسان بن ثابت حيث قال:
«... وعاش حســان (مائة وعشرين) سنة، ومما يحقق ذلـك، ما أخبرني به الحسن بن علي قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدثني الزبير بن بكار قال: حدثني محمد بن الحسين عن إبراهيم بن محمد عن صالح بن إبراهيم، عن يحيى بن عبد الرحمان، عن سعد بن زرارة، عن حسان بن ثابت قال: إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، إذا بيهودي بيثرب يصرخ ذات غداة: يا معشر يهـود، فلما اجتمعوا إليها قالوا: ويلك، مالك؟ فال: طلع نجــم أحمـد الذي يولد في هـذه الليلة، قال: ثـم أدركـه اليهـودي، ولم يومــن به».( 14)                     
2) كان أبو عبيدة يكثر من الاستشهادات على بعض الشروح أو الأخبار التاريخية، سواء بآيات من القرآن الكريم، أو بنماذج من الشعر العربي.
فبالنسبة للقرآن الكريم مثلا نكتفي بمثالين، أولهما، البيت القائـم:
موانـع للأســرار إلا لأهلهـــــا * ويخلفـن ما ظـن الغيور المشفشف (15 ) فعندما شرح كلمة الأسرار قال: والأسرار واحدها سر، وهو النكــاح، من قوله تعالى: (ولكن لا تواعدوهن سـرا). يعني: نكاحا( 16)
وثانيهمــا، البيت القائل:
يحدثـن بعـد الأس مـن غير ريبــة * أحاديث تشفي المدنفيـن وتشغـف (17 )
 حيث تعرض للفظة «تشغف» فقال: «قوله تشغف يقول تذهب هذه المرأة بالقلوب، وتغلب على العقل، وهو من قوله تعالى: (قد شغفها حبا) »( 18) .
أما بالنسبة للشعر، فيمكن الملاحظة أن أبا عبيدة قد يروي بيتا كاملا للاستشهاد، وقد يكتفي بأحد الشطرين فقط.
فأما النموذج الأول، فواضح عندمـا تعرض أبو عبيدة لشرح البيت القائل:
ولــج بـك الهجـران حتى  كأنمــا * ترى الموت في البيت الذي كنت تيلف( 19)
فقد علق أبو عبيدة على هذا البيت بقوله: «يقول أي الشاعر، هجرت فلججت في الهجر حتى صار صرما صريحا».
وهنا استشهد بأحد أبيات جرير يقول فيه:
أخـالد كــان صــرم بيني وبينكـم * دلالا فقــد أدى البعـاد إلى  الهجــر
وأما النموذج الثاني، فواضح عندما تعرض أبو عبيدة لشرح البيت القائل:
لبسـن الفرنـد الخســرواني دونــه * مشاعـر مـن خز العراق  المفوف (20 )
فقد تعرض لتقديم الهـاء في دونه على مذكورها، ثم تمثل بقول الشاعر:
جـزى ربه عنــي عدي بن حاتـــــم
3) كان أبو عبيدة يوسع في منهجه لشرح الشعر لكثير من الوقفات سواء في  الميدان اللغوي أو النحوي، إلى جانب اهتمامه بالميدان التاريخي، وهذا واضح في شرحه لفائية الفرزدق هاته، وإن كان أحيانا يهمل بعض الأبيات، فلا يتعرض لشرحها، أو يقتصـر على ألفاظ معينـة دون غيرها. فنجده مثلا يروي بيتين اثنين فلا يشرحهما، وهمــا قول الرزدق:
لجاجـة صـرم ليس بالوصــل إنمـا * أخ الـوصل مــن يدنو ومن يتلطـف
إذا انتبهـت حدراء مـن نومة  الضحى * دعـت عليها درع خــز ومطرف ( 21)
 ولعل في هـذا الإعراض عن الشـرح ما يزكي غلبة الاهتمام التاريخي، وتبوأه مكان الصدارة عند الشارح.
4) كان أبو عبيدة يستمد معارفه ـ أو بضعها على الأصح ـ من جملة من الرواة والعلماء الذين عاصروه أو عاشوا قبله، وهكذا نجـده يذرك أسماء كثيرة أمثال:
* الأصمعي (تـ: 216هـ ):
موانـــع للأســرار إلا لأهلهـــا  * ويخلفـن ما ظـن الغيور المشفشف ( 22)
قال الأصمعي: هو الذي تشف فؤاده الغيرة، وهو السيء الظن، وذلك من إشفاقه على أهله.
* الشيباني (تـ: 231هـ):
تـرى جارنــا فينا يجير وإن جنــى * فلا هـو مما ينطـف الجار ينطـف( 23)
قال أبو عمر الشيباني: النطف أن تصل الدبرة (قرحة الدابة تحدث من الرحل ونحوه) إلى جوف البعير فيقال: قد لطف البعير.
وهذا إذن، يظهر أن المنهج الذي سلكه أبو عبيدة قد اعتمد على الجانب التاريخي، وركز عليه في أكثر من مناسبة، حتى أن كان أن ننعت عمله في شرح الشعر بأنه ذو اتجاه تاريخي، ولكنه إلى جانب ذلك، لم يغفل الجانب اللغوي، الذي أظهـر فيه براعته وتمكنه، إلى جانب المضمار النحوي، حيث كان  له بعض الوقفات التي لا تخلو من أهمية. كل هذا إلى جانب تطعيمه لما سبق ببعض الشواهد، سواء من القرآن الكريم، أو من الشعر العربي، جاهليه وإسلاميه.
ولعل هذا التمكن العلمي، والتبحر في شتـى المعارف، قد أهل أبا عبيدة أن يكون مصدرا يرجع إليها التابعون من العلماء، ويروون عنه أمثال: أبي زيد القرشي، الذي نجده في كتابه «جمهرة أشعار العرب» يعتمد عليه في أكثر من موضع، من ذلك قوله على سبيل المثال:
«قيل لأبي عبيدة: هل قال الشعر قبل امرئ القيس أحـد؟  قال نعم»( 24).
وكذلك قوله أخبرنـي أبو خليفة المفضل بن الحباب البصري قال: أخبرنا محمد بن سلام الجمحي، قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: إن امرئ القيس أشعر شعراء الجاهلية.(25 )

 

  1) أنظره في مصادر منها: بغية الوعاة، ص: 395 ـ وميزان الاعتدال:3/189 ـ وتاريخ بغداد: 25213 وطبقات النحويين واللغويين: ص:192 ـ ونزهة الألباء، ص: 137 ـ وأنباه الرواة: 3/276 ـ وإرشاد الأريب:7/164 ـ 170 ـ والإعلام: 8/191.
  2) نزهى الألباء، ص: 70.
  3) الشعر والشعراء.
  4) الزهر: 1/251.
  5) وفيات الأعيان: 2/154.
  6) مراتب النحويين، ص: 70.
  7) نقائض جرير والفرزدق، ج: 2، ص: 548.
  8) نقائض جريسر والفرزدق، ج2، ص: 546 ـ 548.
  9) العصر الإسلامي: لشوقـي ضيف، ص: 260.
  10) نقائض جرير والفرزدق، ج:2، ص: 548.
  11) المصدر نفسه، ج2، ص: 549.
  12) المصدر السابق، ج2، ص: 550.
  13) المصدر السابق، ج2، ص: 558.
  14) الأغاني: 4/135.
  15) نقائض جرير والفرزدق، ج2، ص: 550.
  16) سورة البقرة، الآية: 235.
  17) نقائض جرير والفرزدق، ج2، ص: 550
  18) سورة يوسف، الآية 30.
  19) نقائض جرير والفرزدق، ج2، ص: 548.
  20) النقائض، ج2، ص: 551.
  21) نفسه، ج2، ص: 548.
  22) نفسه، ج2، ص: 550.
  23) النقائض، ج2، ص: 562.
  24) جمهرة أشعار العرب، ص: 65.
  25) نفس المصدر، ص: 64.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here