islamaumaroc

خطاب صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده الذي وجهه إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب.

  الحسن الثاني

العدد 293 ربيع 1-ربيع 2 1413/ شتنبر-أكتوبر 1992

وجه جلالة الملك الحسن الثاني، مساء الخميس، خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لثورة الملك والشعب.
وكان جلالة الملك محفوفا خلال توجيه هذا الخطاب بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سيدي محمد، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي هشام.
وفيما يلي نص هذا الخطاب الملكي السامي الذي نقل مباشرة على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة.
الحمد لله
والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
شعبي العزيز..
عرف العالم في العقد المنصرم، وما يزال يعيش إلى اليوم أحداثا بالغة الخطورة، وتغيرات عميقة، حولت مسيرته في وجهة الاستقرار على قيم جديدة في ظل نظام عالمي جديد.
ولا يمكن للمغرب وهو معبر الحضارات وملتقى الثقافات ـ أن لا يهتم بهذه التطورات.
ومن هنا، كان طبيعيا أن نهتم بما يجري حولنا، وأن نرصد ونتابع ونقيم ما يحققه المغرب بقيادتنا من تقدم سعيد، وما يطرأ عليه بتوجيهاتنا من تطور حميد..
ومن واجبنا ملكا وشعبا، أن نشكر الباري جل وعلا، أن ألهمنا السير على  النهج القويم، والطريق المستقيم، في التحام وانسجام، وسعي موصول الوتيرة، للحفاظ على نعمة الوئام.
ومن حقنا أن نشكر هذه النعمة بالتحدث عنها، ذلك أن بلادنا قطعـت على درب التطور شوطا طويلا، مشكلة بتطورها حدثا بارز المعالـم، ملحوظا في الداخل، وربمـا هو أكثر بروزا في الخارج. حدثا سيمكننا ـ لا محالة ـ مـن طي ما بقي من الأشواط، ويكـون لنا بمثابة جواز مرور لأخذ مكاننا المتميز في مسرح الأحداث على الصعيد العالمي.
بيد أن تطورنا الحميد هذا، يظل ناقصا وغير مكتمل ما لم نقم أيضا بمجهود سياسي قانوني لصيانته وتعزيزه، بالعمل على تكيف قوانيننا بمقتضاه، وفي الطليعة بالطبع قانوننا الأساسي، أو ميثاقنا الدستوري، تكييفا يجعله مواكبا لتطلعات شعبنا المشروعة، وقيم أمتنا الراسخة طيلة تاريخنا العتيد، والتي نحرص على أن نطبـع بها المغرب الجديد امتدادا طبيعيـا، لما تميزنا به في سالف العصور وغابر الدهور.        
لذلك، كما نفكـر منذ مدة طويلة في إدخال تعديلات على دستورنا، منطلقين في ذلك  من راسخ إيمانيا بنضج شعبنا وأهليته لممارسة المشاركـة في الحياة السياسية.
وذلك نفسه هو ما حدا بنا إلى أن نوفر لشعبنا الوسائل الملائمـة التي يسهم بها في صنع مصيره، وهو نفسه ما أثار عندنـا دائما من هاجس الاهتمام بتحصين رعيانا الأولياء من كل استبداد وانحراف في السلوك السياسي، مهما كان مصدرهما وماتاهما.
لكن اهتمامنـا الأساس ظل منصبا على ضرورة السير إلى أبعد مدى على طريق حماية حقوق رعايانا، وصون حرياتهم، والحفاظ على كرامتهم، وعلى إحكام عرى التوافق والانسجام بين شروط الفعاليات، ومقتضيات دولة القانون، التي يشخصهـا مغرب اليوم، والتي نحرص على أن تظل ميزة المغرب وطابعه.
وفي هـذا السياق، وانطلاقا من هذه المبادئ، حرصنـا في مراجعة الدستور الذي نعرضه على مصادقتك، شعبي العزيز ـ أن نخول لحكومتنا استقلالا أكبر، في الوقت الذي حرصنا فيه كذلـك على أن نوسع اختصاصات البرلمان، ونقوي سلطانه، سواء بالنسبة للحكومة، أو فيما يتصل بالاحترام اللازم للقانون.
شعبـي العزيز،
قبل أن نتولى الولاية الكبرى، ونتقلد المسؤولية العظمـى، باعتلائنـا عرش أجدادنـا المقدسين، شاءت إرادة الله سبحانه ـ وهو الفعال لما يريـد ـ أن تشركنا هذه الإرادة الربانية في أهـم الأحداث التي طبعت ووجهت بلادنــا، وأرادت كذلك أن يكون لنا بجانب والدنـا ـ قدس الله روحـه ـ مساهمـة جلى فيما خطط لبلادنــا من تطـور، وما أرساه لها مـن دعائم النهضة، التي تفيأنـا ظلالها الوارفة بفضـل عطائه.
كمـا شاءت الإرادة الإلهية أن تلهمنـا ـ منذ نعومة أظفارنـا ـ حبا لشعبنا رسخت الأعوام والسنون جـذوره في قلبنا، ذلك الحب الذي قاد دائمـا خطواتنا، ووجـه أرادتنا في وجهة العمل الصالح لخير شعبنا وتطويره.
إن الخطوة الكبرى التي نخطوهـا اليوم بعرض مشروع مراجعـة الدستور عليك ـ شعبي العزيز ـ لتنبثق  من هذه الروح، وتنطلق من نفس هذه الإرادة، ونفس ذلك الحب.         
إن المغرب الغيور على هويته المتشبث بمقومات شخصيته،  الذي تترسخ جذوره في أعمــاق تاريخ ممتد أكثر من ألف سنة، يحقق اليوم بالمشروع المعروض عليك تقدمـا جديدا على طريق الديمقراطية، وفي وجهة المعاصـرة.
فلنحمد الله ـ شعبي العزيز ـ أن مكننا من ذلك، في ظل نعمة الاستقرار التي أسبغها علينا، ونسأله سبحانه دوامها، ونستشرف آفاق المستقبـل بإيمان متين، وعـزم لا يكـل ولا يلين، إنـه سبحانه وتعالى لم يخيب لنا قط أـلا، لأنه هـو اـذي لا يضيع أجر من أحسن عملا.
شعبي العزيز،
أردت أن أقرأ هــذا الخطاب المكتوب، ليكون بمثابة الديباجـة للدستور الذي سنعرضه عليك، لأن الديباجة ـ كما تعلم شعبي العزيز ـ في القوانين هـي التي تترجم إرادة المشرع، وتعطي الملامـح، بل أكثـر من الملامح الأضواء لأعمـاق تفكيره، وعمق تحليله، وخالـص إرادته.
شعبي العزيز،
تعلم أنني أقدر الأمانة الملقاة على عاتقي، أقدرها تقديرا لا ينحصر في شخصي، بل يرجــع إلى أزيد من ألف سنة، لذلك اعتبر أن حدبي عليك والدفـاع عنك، والحفاظ على سلامتك والسعي لإسعادك ، ليس كل هذا منوط بعبد ربه الحسن الثاني، بل الحسن الثاني في عنقـه كذلك الأمانـة، أمانــة الذين سبقوه،  وتعاقبوا على هـذا العرش، الذي لم يكن منذ الباديـة عرشا ماديا فحسب، بل كــان دائما عرشا في القلوب وفي النفوس.
وكلما خاطبتك ـ شعبي العزيزـ لأدفع بك إلى خطـوة تخطوها، أو غزوة سلمية تغزوهـا، أو عمـل جدبد تميـز به شخصيتك وعبقريـتك، كلما دعوتـك إلى مثل هذا، كان الدافـع العقلاني والوجدانـي هو المحبة فيك، بل الغـرام بك، بل أكثر من هذا وذاك، ـ وأستسمح الله ـ الوثنية لوطنـي ووطنك.
وهــا أنا اليوم أدعوك أولا إلى الاطلاع على مشروع هـذا الدستور، وبعـد الاطلاع عليه أن تقارن بينه وبيــن ما سبقه من الدساتيـر، وبعد المقارنـة الداخلية، أدعوك أن تقارن بين دستورنــا الجديد المراجع والدساتير الأخـرى في العالم كان عربيا أو غير عربي، كان شرقيا أو غربيا، وأن تقول رأيك فيه.
وبالطبع أنت أن تقول نعم أو تقول لا. ولكـن انتظر منك أن تقول نعم، لأنك ترى وسوف ترى أن هــذا الدستور مبني على أثاف ثلاث أولا: إعطـاء الحكومة مسؤوليات أكثر حتى يمكننا عند الامتحان أن تعز أو تهان.
ثانيا: إعطاء منتخبك الوسيلة القانونية والموضوعية لمراقبة الحكومة، وتشجيعهـا على السير، أو الطلب منها أن تتوقف عن العمل.
أمـا الركن الثالث: ورغم هـذا كله، فقد بقي خديمـك وملكك ساهـرا على سير هذتا كله، لتسير الدواليب بكيفية متوازية ومرضية لا تطاحن فيها، ولا اعوجـاج، ولا انحراف، وأن تفويضي لبعض السلط للحكومة أو البرلمـان ليس تفويتا، فأنا سأبقى خادمك، والساهـر بالليل والنهار على شؤونك.
ولكن، أعتبر أن الوقت قد حان لإعطاء الفرص الكاملة حتى تبرز بهذا الدستور من منتخبيك الثلة والجماعـة التي ستبرز مزاياك شعبي العزيز، وستبرز القوة الفكريـة والخلاقة للشعب المغربي طبقا لتاريخه وأصالته.
ولم أكن لأختار يوما أحسن من هذا، ولا أجل من هذا، ولا أكثر تقريبا بيني وبينك أحسن من هـذا، ألا وهو يوم ثورة الملك والشعب.
ولكن، لنقف دقيقة واحـدة، عند لفظ الثورة أي: ثورة الملك والشعب، فالثــورة المشتركة ليست شيئا يأتي عفويــا، وليست حدثا تاريخيا، بل قبل أن تكــون الثورة المشتركة يجب أن تكون المسيرة المشتركة.
والمسيرة ليست بقدم وقدم، ولا بذراع وذراع، ولا بخطوة وخطــوات، إن المسيرة في مفهوم التاريخ وقاموس التاريخ تقتضي القرون والقرون حتى تسمى مسيرة فلو لم تكن مسيرة  الشعب والعرش مسيرة تاريخية حتى أصبحت جبلية عندنا، لما تمكنا في القرن الذي نحن فيه من أن نقوم بثورة الملك والشعب.
وهذا ـ ولله الحمد ـ ما يجعلني أقول: إن المغرب رغم تراكم الأسـر الملكية كأنه سلسلة ذهبية، لا فرق بين أدارستها وعلوييهـا وما تتوسطهمـا.
الكل أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعـل حياته وجهده وجهاده وقفا على بلده، كيفمــا كانت التضحية، وكيفما كان الثمن الذي يجب أن يدفعه.
فلهـذا شعبي العزيز، فإن ثورة الملك والشعب ليس حدث 20 غشت 1953، بل هي الثمرة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يهديها إلى والدي ووالدك محمد الخامس، فقـد أراد اله سبحانه  وتعالى أن يميزه بها، كمــا أراد أن يجعل خديمك هذا من مشاهديها، ومن صانعيها.
فلنحمد الله ، ولأحمد الله سبحانه وتعالى على أن اصطفى أبي رحمة الله عليه، ليكون المجسم للمسيرة المغربية التاريخية، الــذي التف حوله الشعب في يوم من الأيام،  فأصبحنا معا ملكــا وشعبا صانعي ثورة الملك والشعب.
وانطلاقا من هـذا، أريد بعد الثورة أن نستثمر المسيرة، مسيرة الملك والشعب، نحــو هدف واحد، وفي وقت واحد، وبإرادة موحدة، فلا أنا أرغمتك على قبول شيء ولا أنت انتزعت مني شيئا،  بل كنت دائمــا كالذي يحاول أن يقرأ في عينك وعلى ملامحك ما تتطلـع إليه، مسارعا كلما أمكن ذلك إلى أرضائك وإرضاء خاطرك.
وهـا نحن سندخل هذه التجربة، وأعتقــد أنها ستكون تجربة ناجحة إن شاء الله.
لذلك شعبي العزيز، أرجو منك أن تقول نعم لهذا الدستور، علما منك أنني أنزهـك عن البهلوانيات السياسية المحترفة، وأنزهك بل على نفسي، وعلى شخصي، وعلى أسرتي الصغيرة، أنت الذي تكون أسرتي الكبيرة.
ولا يمكن أن نتكلم عن الشعب المغربي بمناسبة ثورة الملك والشعب دون أن أنوه بكيفية خاصـة بالمرأة المغربية، والزوجـة المغربية، والأم المغربية، والبنت المغربية، لأنني أعلم ما حملته من عبء ومن مسؤولية في هذه الثـورة، وفي إنجاح الثورة.
ولذا، أتوجـه إليها لأقول لها: إنني أسمع واستمع، فبحثـت وتباحثت، أسمــع أنك تشكي من المدونة، أو من تطبيق المدونة.
فاعلمي بنتي العزيزة، المرأة المغربيـة، أن المدونة هي قبل كل شيء في عنقـي، وأنا المتحمـل مسؤولية المدونة، أو عـدم تطبيق المدونة، فارجعـي هذا الأمر إلـي، وإياك، ثم إياك في الحملة الاستفتائيـة أو الحمـلات الانتخابية التي ستتلو هذه الحملة، إياك ثم إياك الخلط بين ما يتعلق بدينك، وبين ما يتعلق بدنياك والسياسة.
لقد بقي المغرب ـ ولله الحمد ـ وسيبقى دائما بعيدا عن هـذا الخلط الخطير الذي نحس به قريبا منا، وفي العالم الإسلامي.
فابتعدي، وليبتعد الرجال السياسيون والخطباء في الحملات  الانتخابية عن هـذا الموضوع، فهو بمثابة البارود أو القنبلة التي من شأنها أن تزعزع اتزان وتوازن المجتمع المغربــي، وارجعي إلي، فكاتبيني أيتهـا الجمعيات النسوية، وارسلن إلي عبـر الديوان الملكي ملاحظاتكن ومؤاخذاتكــن، وما ترينه مضرا بحالكـن واستقبالكن، واعلمن أن ملك المغرب الذي في آن  واحـد أمير المؤمنين له الصلاحية لأن يطبق ويفسر آخـر آية نزلت على النبي (صلعم) حين قال الله سبحانه وتعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتمتت عليكم نعمتي). فأنا أعلم رواسخ الدين، كما اعلم أين يجب الاجتهاد في الدين، فإياكن ثم إياكن أنت تخلطن هـذا بذاك، كاتبنني عبر الديوان الملكي، فنحـن مستعدون لأن نلتقـي ونجتمع بكـن، وأن نرد الأمور إلى مجراهـا.
فهناك فعلا ثغرات، أو تطبيق غير صالح للمدونـة، وهناك حيف وظلم، ولكن دعونـا نصلح الأمر خارج الساحة السياسية، حتى لا نصبح ربما في تيارات لم تجد محلها عندنا، ولن تجد أبدا محلها عندنا.
وفي أقرب وقت ـ وليس بالضرورة حتى تنتهي الانتخابات ـ بل يمكن في غضون شهر شتنبر الذي لا تفصلنا عنه إلا عشرة أيام، إذا كاتبتني ألتقي بالعلماء وأتذاكر معهم، بحيث لا يمكن أن يحل هذا المشكل إلا عبد ربه، لأنه هو أمير المؤمنين.
وإياكن أن تظنن أن علمـاء المغرب متزمتون، فابتعـدن عن هذا الخلط جزاكـن الله خيرا وحفظكن.
ولنرجع إلى ما كنا بصدده ـ شعبي العزيز ـ .
بعد قليل ، سيعرض عليك المشروع الجديد، وأنـأ مطمئن، لأنـي حينما وضعته حاولت أن أخـرج من جسدي هذا، وأن تملأ روحـي وحبي وفكـري 26 مليون من الأجساد، فهذا ليس بمستحيل، لأن الروحانيات ليس لها ذلك التكييف المادي الذي يخضع للمتر المكعب، أو الكيلوغرام.
فأرجوك، وأريد منك، وانتظر منك شعبي العزيز أن تنظر إلى هـذا المشروع وتحلله.
ولي اليقين، أنك ستصوت بنعم، لأنك ستكـون فخورا بأن تعيش في ظل هـذا الدستور.
(وقل رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجنــي مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا).
صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here