islamaumaroc

وقل ربي زدني علما

  دعوة الحق

العدد 293 ربيع 1-ربيع 2 1413/ شتنبر-أكتوبر 1992

من مزايا الإسـلام ومن محاسن دينه الحنيف أنه جاء دينـا كامـلا مستجمعا لما يحتـاج إليه الإنسـان في علاقتـه بربـه وفي علاقته بالناس. فهو دين الإيمان والتوحيد لله، دين العقيدة الصحيحة، والعبادة الخالصة، والمعاملة الحسنة، دين العلم والعمل في الحياة، والأخلاق الطيبة الكريمة، فهو دين صالح لكل زمان ومكان، جامـع لما ينفع الإنسان في دينه ودنياه، وفي حياته الأولى وأخراه.
وان أول ما ينفع الإنسان في ذلك، ويساعده على تحقيق أمانيه، وبلوغ مراميه الدينية والدنيوية، هو ما جاء به الإسلام وأمر به أمته المسلمة من الحث على طلب العلم، والاستزادة من المعرفة، واعتبار الحكمة ضالة المومن، ومنشود ته الغالية يلتقطها حيثما وجدها، ويأخذها حيثما أدركها.           
فمبدأ العلم والتعلـم، واكتساب المعرفة بشتـى أنواعها وفروعها، مبدأ متأصل وراسخ في الإسلام، دعا إليه أمته وحثها عليه رغبها فيه. يدل على ذلك ويرشد إليه أن أول ما نزل مـن القرآن الكريم، وبعث الله به نبيه ورسوله سيدنا محمد بن عبد الله (صلعـم) هو آية الأمر بالقـراءة والتعلم بالقلم، التي يقـول فيهـا الحق سبحانـه:
(اقرأ باسم ربـك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربـك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسـان ما لم يعلـم).
هـذا النبي الكريم ختم الله به نبوة الأنبيـاء والمرسليـن، وبعثه للنـاس كافة ورحمة للعالميـن، فكان مولده بشـارة ونعمة، وكان مبعثه هدايـة ورحمة، ودعوة إلى الإيمـان والعلم والحكمـة، كما جاء في سـورة الجمعة فـي قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتابة والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، وكان مولده الطاهر الذي يحتفل به العالم الإسلامي في الثاني عشر من ربيع الأول كل عام، كما وصفه الإمام البوصيري بقوله رحمه الله في همزيته:
ليلــة المولـد الـذي كــان للديــن    * ســرور بيومـــــه وازدهــــــاء
وتوالـتت بشـرى الهواتــف أن قــد * ولــد المصطفــى وحــق الهنــاء
نعم، إن الإسلام دين الإيمان والعلم والهداية، دين المعرفة والحكمة والفطرة السليمة، دين العلم في مفهومه الواسع الشامل لعلوم الدين والدنيا.           
ومن ثم، فـإن العلم والمعرفة بالنسبة للمسلم والمسلمة يراد به أولا وقبل كل شيء ما يجب عليه تعلمه وينبغي له معرفته من مبادئ الدين وشريعته، وأحكامه وأخلاقه، مما يتعلق بالعقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، ومن مبادئ اللغة العربية وقواعدها الأساسية، باعتبارها لغة القرآن الكريم، ولغة حديث النبي المصطفى الأمين، ولغـة ما أنتجه وكتبه السلف الصالح والخلف الصالح من كتب ومؤلفات في كـل عصر وجيل، وذلكم ما يشير إليه ويدل عليه قول الله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وليندروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحظرون)، وقول النبي (صلعم): «من يرد الله به خيرا يفقهه بالدين»، وقوله سبحانه: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)...
كما أن العلم والمعرفة يراد بهما ثانيا بالنسبة للمسلم والمسلمة، ما ينبغي له معرفته وتعلمه من المعارف والعلوم الإنسانية الأخـرى، التي برز فيها المسلمون، وأبدعوا فيها قديما وحديثا، وكانت أساسا منطلقا لحضارتهم الإسلامية، وعطاءاتهم العلمية والفكرية التي امتد إشعاعها إلى مختلف بلاد العالم، فاستفادت منـه الإنسانية في كافة أنحاء المعمور، وكانت مرتكزا لنهضتها، ومنطلقا لحضارتها المادية والأدبية، فقد نبغ المسلمون وبرزوا، وأسسوا نظريات وأصلوها في كثير من فروع المعرفة: من علوم رياضية وفلكية، وطبية وصيدلية، وفيزيائية وكيميائية، ونباتية وبيطرية وغيرها من العلوم الإنسانية المتنوعة.
ذلكم أن الإسلام دعا إلى النظر والتأمل في الإنسان وحياته، وفي الكون وأحواله، وفي المخلوق وعجائبه، ليتعرف الإنسان من خلالها  على شيء من سنن الله في الخلق والمخلوقات، فيهتدي إلى بعض الأسرار، ويستخلص منها ما ينفع الإنسان، ويفيده في دينه ودنياه، وذلكم ما يشير إليه قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).
وقال سبحانه: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، وقال: (أولم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله، إن في ذلك لآيات لقوم يومنون).
وتأكيدا على تحصيل العلم والمعرفة، وترغيبا في طلبه و إدراكه، اعتبره الإسلام واجبات إسلاميا على المسلم، وبمثابة العبادة والطاعة لله بالعبادات والقربات، ونوافل الخير والطاعات، ورفع من شأن العلم والعلماء، فقال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات). وقال سبحانه: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب).
وقال عليه الصلاة والسلام: طلب العلم فريضة على كل مسلم،وإن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما صنع، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب.
وانطلاقا من هذه النظرة الإسلامية والمكانة الهامة والعناية الفائقة التي أولاها الإسلام للعلم والمعرفة، ووعيا بأهمية العلم وقيمته في رفع شأن الأمة المسلمة وبدوره في الحياة المعاصرة، نجد أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني أعزه الله يدعو شعبه في كل مناسبة دينية ووطنية إلى اكتساب العلم والبحث عنه في مناحيه المعرفية، من العلوم الإسلامية والعربية، والمعارف الإنسانية المتنوعة، ويأمر حفظه الله بإنشاء المزيد من المدارس والمعاهد على مختلـف المستويات ويحث على توسيع دائرة الكليات والجامعات في مدن وأقاليم المملكة، ويشجع الشباب على الإنتاجات الأدبية، وعلى الابتكـارات والاختراعات العلمية التي يتوصل إليها شباب هذه الأمة بإقباله وجديته في العلم وتحصيله، وبفكره الثاقب وعبقريته المتأصلة، ويجمع أمير المؤمنين حفظه الله حوله صفوة من علماء المغرب والعالـم الإسلامي في الدروس الحسنية الرمضانية وفي غيرها من المناسبات الدينية والوطنية ويكرم العلم والعماء والشباب المغربي بالجوائز الحسنية السخية، المخصصة للدراسات والبحوث القيمة، رفعا لشأن هذه الأمة المغربية وإعلاء لشأنها بين الشعوب والأمم، وعملا بقول الله تعالى خطابا لنبيه الكريم وتوجيها وإرشادا لعباده المؤمنين: (وقل رب زدني علما).
نعم، إن نظرة الإسلام إلى العلم والمعرفة أدركها السلف الصالح إلى المسلمين فأنشأوا بها ما أنشأوا، وأبدعوا بها ما أبدعوا من  العلوم والمعارف، وكونوا بها ما كونوا من حضارة، واسعة متفتحة، وحققـوا بها ما حققوا من نهوض وتقدم وقوة وعزة ومناعـة للأمة الإسلامية. وبتلك النظرة الإيمانية السليمة، والجديـة المخلصة للدين والوطن والأمة، يمكن أن يحقق الخلف الصالح من الأبناء والشباب في عالم اليوم والغد ما حققه سلفهم في ميدان العلم والمعرفة.
ذلك الميدان الفسيح، والمجال الواسع العريض، التي تتسابق فيه الهمم والنفوس العالية، والإرادات والعزائم القوية، والمدارك الكبيرة، وتتنافس فيـه العقول الكبيرة، والقلـوب الواعية والأفكار المتنوعة، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتتقـوى الإرادات وتنال الفضائل والمكرمات وتتحقق الأماني الشريفة والرغبات الحميدة. هـذا الميدان الواسع الأرجاء الذي يبقى علم الإنسان فيه قاصرا ومحدودا، مهما بلغ فيه من شأو ومكانـة، أو نال فيه من درجة وحظوة، مصداقا لقوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، قوله سبحانه في معرض التذكير بضرب الأمثال للناس، وأخـذ العبرة النافعة والحكمة والموعظة الحسنة المؤثرة: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here