islamaumaroc

الدعوة الإسلامية في لبنان

  دعوة الحق

32 العدد

إذا كانت النكبات تخلف من ورائها الدموع والأحزان والخرائب والأشلاء، فانه قد يكون لها أحيانا نتائج ايجابية في صالح من حلت بهم تلك النكبات، وذلك عند ما تصادف أرواحا خاصة هيأتها العناية الإلهية لتتحمل رسالة الكارثة للنهوض بالأمة عن طريق تزويد ضميرها بالحيوية والشعور العميق بالعزة والكرامة.
وفي فلسطين حيث كانت النكبة العربية الإسلامية تترعرع وتصنع بأيدي الخيانة المزدوجة ، كان يعيش "أبو عمر محمد الداعوق" الذي نزح إليها من لبنان ليدير بها معملا كمهندس مكانيكي، ولم يكن يفكر في المشاكل التي يتخبط فيها لمسلمون تفكير المصلح المنقذ، وان كان يعطف عليهم ، ويشاركهم الأمم، غير أن شعوره باقتراب النكبة كان يفجر في أعماقه طاقات روحية جبارة فيندفع نحو كتاب "الإحياء" للغزالي، ليروي ظمأه الروحي وليستلهم منه ما يحقق له هدفه في نفسه أو ملا، وفي المجتمع ثانيا، حتى إذا وعى الكتاب وعي المتجاوب الصادق ؟، اندفع نحو كتاب الله ليدرسه على نحو جديد، وليجدد الميثاق مع الله على خدمة المسلمين الذين فقدوا تلك الروح المبدعة التي أمدتهم بأسمى وأخلد و أقوى رباط، غير أنهم أصبحوا اليوم في فقر روحي، وأفلس اجتماعي، ومما جعل التفكك طبيعية.
وحلت الكارثة بفلسطين نتيجة ذلك الانحلال الروحي، والتفكك الاجتماعي، وخيانة بعض رؤساء العرب، وتواطئ أرباب المصالح العاجلة مع الصهيونية والمؤيدين لها من القوى الاستعمارية العالمية، ومست الكارثة أبا عمر الداعوق في المصنع الضخم الذي كان يدر عليه إرباحا، كما مسته في روحه، ورجع إلى لبنان يحمل في نفسه الشعور بالنكبة والخيبة ، وقد تعمق في أسبابهما إلى إن وصل إلى النفسية العربية التي تحمل في جوهرها أسبابهما إلى إن وصل إلى النفسية العربية التي تحمل في جوهرها أسباب الكارثة، وأسباب الخيبة، وابتدأ أبو عمر يدعو أقرب الناس إليه فاستجاب له، وابتدأ أبو عمر يدعو أقرب الناس إليه فاستجاب له يعظهم ونأى عنه البعض الأخر، وبحث في كتاب الله عن اسم يختاره للجماعة الإسلامية الناشئة ليكون عنونا عليها وعلى سيرها و أخلاقها ، فاستوقفته هذه الآيات" وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونات، وإذا خاطبهم الجاهلون  فقاله سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما، والذين يقولن ربنا اصرف عنا عذاب جهنم أن عذابها كان غراما، إنها ساءت مستقرا ومقاما، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما، والذين لا يدعون مع الله إلها أخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل دلك يلق آثاما" إلى قوله تعالى أولئك يجزون الغرفة، بما صبروا...الخ الآية. وشهد العالم الإسلامي ميلاد جماعة إسلامية في لبنان تحاول تهذيب نفسها بأخلاق القران، وسنة محمد عليه السلام، لتكون أهلا للقيادة والتوجيه.
وقد وجدت الدعوة نفسها أمام تيارات سياسية ودينية وطائفية وعصبية ، ولذلك كان على الدعوة أن تسلك طريق خاصا بها، مستوحى من الظروف الخاصة التي يعيشها هذا البلد العجيب، وكان بودي إن أشرح هذه الظروف شرحا وافيا ، غير أن ذلك سيجرنا إلى التصريح بحقائق عن السياسة والطائفية، وهذا مالا نريد الخوض فيه.
وقد استطاعت الدعوة أن تظفر بشباب درسوا بالمدارس الأجنبية كالأستاذ توفيق موري خريج الجامعة الأمريكية ببيروت، وجامعة أكسفورد بلندن، وأحمد صقر، المهندس الزراعي، وخريج الجامعة الأمريكية، وآخرين في مستويات مختلفة، كما استطاعت إن تكون من الشعبيين البسطاء طبقة مثقفة ثقافة إسلامية، واعني بالثقافة هنا السلوك المنبثق عن وعي واقتناع، فكان من الفريقين دعاة أهلتهم تربيتهم وأخلاقهم للقيام بجولات عبر البلاد اللبنانية ، لهداية الناس، والأخذ  بيدهم نحو اقرب وأقوم طريق للعزة والكرامة ، وتكره جماعة"عباد الرحمن" في دعوتها النقاش والمجادلة، والملف والدوران ، وتهدف إلى الإقناع بالسلوك الخلقي ، لأنها تؤمن بان عمل رجل أقوى من كلام ألف رجل، ومن اجل ذلك ، فإنها لا تسلك في سبيل نشر الدعوة الأساليب السياسية والحزبية المعروفة، لأنها تؤمن بوجوب اشتقاق الوسيلة من الغاية ، غير أنها لم تغفل على استعمال وسائل عملية حديثة كالطب يرى الإنسان الشرطة سينمائية تعرض أفلاما أخلاقية ودينية ورياضية على أنظار المسلمين، وبالأخص الأطفال منهم الذين تترك فيهم هذه الأفلام أثرا حسنا.
وللعباد أقسام أهمها : قسم الطلاب ، وقسم الأشبال، وقسم الزهرات، وقسم العبادات، وأروع ما يعجب الإنسان هنا قسما: الأشبال والزهرات ، إذ رأى أطفال المسلمين ينشأون تنشئة إسلامية في جو طاهر، مفعم بأخلاق، والحب، والعواطف الإنسانية النبيلة، ويدربون في المخيمات الصيفية بالجبال والشواطئ على الحياة وشؤنها، ويسهر على تدريبهم شباب تربوا في أحضان الدعوة سنين ،أثبتت أخلاقهم وسلوكهم صلاحيتهم للقيام بمثل هذه المهمة، ولو كان جميع المسلمين في أقطار العالم الإسلامي يهتمون بتربية أطفالهم مثل ما يفعل "العباد" لضمنوا لبلادهم جيلا إسلاميا فكرا وأخلاقا.
أما قسم الطلاب ، فمن مهمته إصدار الكتب والمجلات، لتوزيعها في الداخل والخارج ، ويقم بالوعظ والإرشاد في المساجد في أوقات مختلفة.
أما قسم الأخوات، فيعتني بتربية الفتاة اللبنانية المسلمة تربية إسلامية، وإعدادها خاصا لتصبح أما يوثق بأخلاقها، ويطمأن لسلوكها داخل الأسرة وخارجها، فتكون أهلا لتزويد المجتمع بنسل سليم وخارجها، فتكون أهلا لتزويد المجتمع بنسل سليم صالح مصلح.
وللدعوة عموما دعاة ينطلقون كل يوم الآحاد والجمعة للقرى النائية الجاهلة ليعلموا أهلها أمور دينهم ويقوم بمهمة التوفيق بين الأسر المتطاحنة التي مزقتها السياسة، وأشقاها التضليل، فالقرى اللبنانية موبوءة بالسياسة، ولا تكاد تدخل بيتا إلا وتجده مختلفا بين جاره بسبب" الزعامة" و"الزعماء" . وتلك مأساة خطيرة يعيشها المسلمون في لبنان ، وكم يعاني الإنسان وهو يحاول إصلاح ذات البين بين اخوين تختلف نزعتهما السياسية(1). ولكن "العباد" يسيرون في دعوتهم سير العاقل المتبصر فلا يهاجمون أحدا و لا ينتقصون من احد ولا يحاولون الدخول في معارك سياسية ضد الأحزاب وإنما يصادقون الجميع أو على الأصح يمثلون الحياد الايجابي بالنسبة للنزعات سياسية المختلفة في لبنان. وهذه الدعوة لا تستهدف الحكم كما نرى  ذلك عند حزب" التحرير الإسلامي" (2) وان كان مهم أفراد منبثين في مختلف الوزارات ، ولكن لا يمثلون هيئة سياسية وإنما أفراد مسلمين يقومون بواجبهم كباقي المواطنين.
أما رائد الجامعة فيكره التوظف ولذلك فانه يعمل حرا كمهندس ميكانيكي ليعيش من كده يده ومن طريق شريف والأموال التي تأتيه من الداخل أو الخارج يحولها للصندوق الذي يشرف عليه السيد راشد الحوري المعروف في بيروت بغيرته القوية على الإسلام والمسلمين وللجماعة مطبعة مجهزة مهمتها الاساسية طبع التراث والكتب الإسلامية ، ومن أهم ما أخرجت هذه المطبعة كتاب "روح الدين الإسلامي" للأخ الأستاذ عفيف طبارة وكتاب الجزائر الثائرة للأخ المرحوم الداعية الأستاذ الفضيل الورتلاني وعشرات الكتيبات التي تشرح الفكرة الإسلامية.
وللدعوة جريدة اسمها "المجتمع" تصدر بطرابلس الأم، وعلى الرغم من موقف الدعوة من السياسة فان هذه الجيدة تحوم حول الشؤون السياسية وتحرر مقالات سياسية عنيفة وصريحة، غير أن الذي يفسر لنا هذا الاتجاه هو اختلاف وجهة النظر بين فرع طرابلس ومركز بيروت بالنسبة للسياسة والسياسيين فشبان طرابلس يرون وجوب النزل للمعترك السياسيين ولأي رون صوابا الاهتمام فقط بالنواحي الخلقية وقد تأثروا في وجهة نظرهم تلك بالخوان المسلمين بمصر وسوريا وان كانوا-أي العباد –بطرابلس لم يستطيعوا أن يحرزوا نصرا سياسيا لان الظروف في بلادهم لا تساعد على ذلك.
ومهما يكن من شيء، فإن أعظم ما يعجبك في هذه الدعوة إنها تظم شبابا متعلمين وأميين بسطاء يبادلون بعضهم حبا وإخلاصا لان رابطتهم نسجتها تعاليم الإسلام وأخلاق الإسلام، وتراهم مرتين في الأسبوع تنطلق بهم سياراتهم الخاصة من بيروت وطرابلس إلى أنحاء لبنان للتبشير بالدعوة إلى الله فيقطعون الجبال والوهاد في سبيل الوصول إلى قرية نائية حتى يعلموا أهلها أصول دينهم ، وقد يظل الواحد منهم في منطقته أياما منقطعا لتنظيم شؤون الدعوة وللبحث عن شباب محليين ليواصلوا المجهودات البشرية، ويتخذ الدعاة المسجد مستقرهم ومكانا للوعظ والتربية.
وعلى الرغم من سلامة دعوة " عباد الرحمن "واستقامة أفرادها و إخلاصهم في الدعوة فإنها منتشرة انتشار كبيرا وان كانت تحوز ثقة معظم المسلمين وعطفهم.
وفي لبنان أيضا جمعيان إسلامية تقوم بمهمات مختلفة كجمعية "مكارم الأخلاق" الإسلامية التي تهتم ببناء المساجد في القرى وجمعية "المقاصد الإسلامية" التي تعد من أغنى الجمعيات الإسلامية وتمتلك ممتلكات ضخمة وعديدة ولها مؤسسات مدرسية في بيروت ، وقد كان تأسيس هذه الجمعية نتيجة لرد الفعل من انتشار المدارس التبشيرية ونتيجة شعور المسلمين بالخطر الذي يهدد عقيدتهم غير أن مدارس هذه الجمعية قد اهتمت بالناحية التعليمية وأهملت إلى حد كبير الأهداف التي من أجلها أسسها المحسن الكبير المرحوم محمد الداعوق (3) وهناك جمعية "المحافظة على القران الكريم" التي تهتم بتعليم المسلمين وأبنائهم قراءة القران قراءة سليمة، والحق أن هذه الجمعية أدت رسالتها أحسن تأدية.
هذه نظرة عامة عن الدعوة الإسلامية في لبنان أسواقها للمغارب الذين هم أحق الناس بتبني الدعوة الإسلامية راجيا أن يكون لها بعض الأثر والتشجيع لمن كان يسمع القوا فيتبع أحسنه.
أصول الشر
ذكر ابن عبد البر وغيره عن الحسن انه كان يقول أصول الشر ثلاثة: الحرص، والحسد، والكبر، فالكبر منع إبليس من السجود الأدم، وبالحرص اخرج ادم من الجنة، والحسد حمل ابن ادم على قتل أخيه). 

(1)مدلول الحزبية والسياسة في البلاد العربية متصل بالأصنام أكثر من اتصاله بالفكرة. 
(2)مركز هذا الحزب في الأردن ويمتاز باعتماده على الفكر والنقاش والبرهان وله عدة كتب تشرح فكرته ويكتنفه بعض الغموض.,
(3) هذا الرجل الفاضل له فضل كبير على مسلمي لبنان وهو غير أبي عمر الدعواق رائد «عبد الرحمن»

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here