islamaumaroc

دور العلماء في تطوير المجتمع المسلم في أوروبا الشرقية

  نياز محمد شكريتج

العدد 289 رمضان-شوال 1412

دور العلماء في المجتمع عموما، وفي المجتمعات المذكورة على الخصوص، مرتبط بعوامل عديدة داخلية وخارجية.
ويمكن حصر العوامل الداخلية فيما يلي:
ـ ما تضمنه الدين الإسلامي مـن الأفكار والقواعـد التي يطرحها العلماء، وإمكانية إيجاد حلول مناسبة للمجتمع على أساسها.
ـ مدى الالتزام بالإسلام من قبل العلماء الذين يشرحونـه، في شخصيته وأسرته وفي المجتمـع المحيط بهم، وأهمية القدوة وتأثيرها على الآخرين معروفة لدى المجتمع ولا أرى الحاجة إلى تكرار ذلك حيث يوجب الهدي النبوي الشريف على كل مسلم أن يكون على وعي  كامل بهذا الجانب، لا سيما العالم منه.
ـ أصالة الفكر الإسلامي وشمولية شريعته، مع إمكانية المعايشة والتعامل مع الأديان الأخرى في الوقت نفسه.
ـ وحدة الأمة الإسلامية في الأهداف والعمل على تحقيق التوحيد والدين والجماعة، وهـي أبرز الخصائص الدالة على وجـود الإسلام في الواقع الخارجي مع وجوب مراعاة العصر والظروف والمكان في الطريق في تنفيذ الأهداف المذكورة.
ـ قدوة المسلمين واستعداهم على المناقشة الحية المفيدة في جميع الأطراف المعنية في العـالم في سبيل تحقيق الواقع  والمستقبل الإنساني الأفضل، مع الحفاظ على الشخصية المسلمة المتميزة والاعتراف بحقـوق الآخرين، وحفاظهم على هويتهـم كذلك.
ـ ضرورة وجود الموازين الإسلامية المستقلـة في جميع المجالات المبنية على التصور الإسلامي للإنسان والكون والحيـاة.
وأمـا العوامل الخارجية التي تحدد دور العلماء في المجتمع فلهـا علاقة بطبيعة المجتمع الذي يعيش المسلمون فيه، مختلطين بغيرهم، أو بأقلية في كثير من الأحيان، فمجتمعات أوروبا الشرقيـة كلها ذات أديان وقوميات مختلفة.
قد يكون في نظر الذين يأتون من المجتمعات الإسلامية، سواء من الشـرق أو من الغرب الإسلامي، أن هذه المناطق مقسمة بين النصارى وبين المسلمين، أن على دار الحرب والإسلام، ولكن العارفين بطبيعة هذه المجتمعات، وخاصة المسلمين من هـذه المناطق، لا يرون هذا التقسيم بهذا الوضـوح، بل يدركـون تماما مدى تأثير الإسلام وتعاليمه على أهـل الأديان الأخرى، وكذلك مدى تأثير الفكر والإلحـاد والعلمانية على المجتمعات المسلمة.
هذه حقيقـة واقعية في عالمنا اليوم، سواء اعترفنا بذلك أو لم نعتـرف.
ومن هنـا يؤثر هذا الواقع على دور العلماء وواجباتهم، لأنهـم أيضا معرضون لهذه التأثيرات الخارجية.
فالحقيقة التي ينبغي أن تكون نصب أعيننا في شأن المجتمعات الأوروبية الشرقية، هي أن تلك المجتمعات غير موحدة دينيا وقوميا وسياسيا واقتصاديا وثقـافيا، فالمسلمون الذين تختلف قومياتهـم ينقسمون إلى قسمين رئيسيين:
أ ـ سكان المنطقة الأصليون:
ب ـ المهاجرون أو المقيمون إقامة مؤقتة.
كما أن القسمين بينهما تداخل، وكذلك علماء المناطق المذكورة، ومن حسن الحظ، أن مسلمي هذه المناطق ينتسبون إلى أهل السنة والجماعة بلا استثناء، حيث جاءهم الإسلام عن طريق العثمانيين التابعين للمذهب الحنفي.
وغير المسلمين مختلفون في أديانهم أيضا: الكاثوليك، الأرثودكس البروتستانت، والملحدون، وموقفهم من الإسلام  والمسلمين مختلف كذلك، فتكون العلاقة بين المسلمين وغيرهم علاقة الـود والصداقة، أو علاقة البغض والعداوة على حسب التجار التاريخية بينهم.
إضافة إلى التباين الواضح بين المناطق في مدى ضمان حقوق الإنسان حرية التعبير، فيكون على ضوء ذلك دور العلماء  متيسرا أو متعسرا على حسب المناطق المختلفة.
فعلى الرغم من أن الحكم العثماني  الإسلامي غاب عن بعض الدول الأوروبية، وخاصـة البلقانية قبل أكثر من مائة سنة، مازال الأرثودكس يحملون الكراهية الدينية والسياسية نحنو الإسلام والمسلمين، لاعتبارهم الدولة العثمانية هي الممثلة للإسلام والمسلمين عامـة.
كما زعم البعض منهم نفسه درعا حاميا لأوربا من نفوذ الإسلام إلى قلبها والغريب أن هذا الشعور لم يضمحل ولم يضعف حتى في ظل الحكم الشيوعي الملحد، والذي يؤكد ذلك أكثر محاربة الإسلام والمسلمين في الدول الاشتراكية والرادكالية محاربة شديدة مـن لناحية الروحية والمادية على حـد سواء، حتى سقطت ضحايا كثيرة ، وهدم كثير من المؤسسات الإسلامية مثل: المساجـد والمدارس والمقابر والكتب والمكتبات الخ.
فمر العلماء بظروف قاسية، جعلتهم في بعض الأحيان لا يترددون حتى في التعاون مع الحكومــة الشيوعية الملحدة، ونترك الكلمة الأخيرة في هذا المجال إلى التاريخ، والله سبحانه وتعالى يغفر لمن يشاء.
وكان الضغط والتركيز على العلماء بالدرجة الأولى، لكونهم هم الذين حافظـوا على المجموعات الإسلامية كجمرات حية، وكانوا هم القوة المنظمة الوحيدة للمسلمين أثناء تلك الفترات العصيبة،  ووقفوا ولو قليلا في سبيل إذابة الإسلام في تلك المناطق، رغم المحاولة المستمرة من أعداء الإسلام أكثر من نصف القرن.
والفضل الأكبر في هذا الأمر راجع إلى أئمة المساجد في المدن والقرى، وإن كانوا لم يبلغوا درجة كبيرة من العلم ، فلا ينبغي أن ينسى لهم اليوم جهدهم في هذا المجال.
وأخيرا، بعد تمزق قيود الشيوعية وجدنا أنفسنـا وغيرنا كذلك في وضع أحسن وأفضل بكثير، إلا أن ذلك التحسن قد يكون غير حقيقي في بعض مناطق أوروبا والبلقان، حيث لا تتوقـع التغير الكبير في تصورات الناس في يوم ليل وأوضح مثال لما أقـوله وضع إخوانهم المسلمين في كوسوفو والبانيا، لذا، ما زال دور العلماء ـ حتى في هذه الظروف ـ كبير جدا، وأسباب ذلك مختلفة.
فخرج المسلمون من حالة الفوضى الروحية والاجتماعية التي عاشوها خلال عشرات السنين الأخيرة في ظل الحكومات الشيوعية، تختلف نوعياتهم، ودرجة التزامهم، وفهمهم للإسلام، الأمر الذي يؤثر تأثيرا مباشرا على مصير الإسلام، وعمل العلماء بينهم.
وتلك النوعيات على حسب رأيي كما يلي:                   
1) المسلمون الذين التزموا بدينهم طبقوه على حسب ما أتاحت لهم ظروف.
2) المسلمون الذين يقبلون جزءا مـن الإسلام فقط، سواء في النظرية أو التطبيق.
3) المسلمون الذين يقبلون النظرية قط، ولا يطبقون.
4) المسلمون التقليديون الذين خالط دينهم شيء من عادات إسلامية، وواقعهم خلاف الإسلام تماما.
5) المسلمون الذين يرفضون تعاليم الإسلام عموما، إلا أنهم يحضرون بعض المناسبات الدينية، مثل الحفلات خاصة بمناسبة الأعياد وغيرها.
6) المسلمون الذين أصلهم إسلامي، لا أنهم لا يعرفون عن الإسلام شيئا، فبدأوا يقتربون منه، ويتعرفون على بعض تعاليمه وأحكامه.
7) المسلمون الذين يرفضون الإسلام تماما، فكـرة الجماعة المسلمة، والمؤسسات الإسلامية والثقافة الإسلامية.
والملاحظ، أن هذه النوعيات كلها موجودة في مختلف طبقات المجتمع بين الشباب والشيوخ، بين الأغنياء والفقراء، وحتى بين أفراد العائلة الواحدة، وعلماء هذه المناطق جـزء من ذلك الواقع مـع ما فيه من إيجابيات وسلبيات. لذا حاولنا الاستعانة بالجامعات الإسلامية في الخارج من خلال تخريج دفعـات من المعلمين منها في سبيل إيجـاد فريق منهم لتعليم الشباب، الإسلام الصحيح، ورغم ذلك كله، يبقى عدد منهـم مقبلا بمفاهيم المجتمع المحيط به ، فنرى أحيانا إماما من الأئمة ينسجم مع ذلك المجتمع شبه المسلم بدلا أن يكون هو الذي يقود عائلته وجماعته في جميع شؤون الحياة، يصبح مقلدا أعمى مثل أي واحد من الناس، وحجته أن ذلك فعل الناس دون أن يفكر هل ذلك الفعل وهؤلاء الناس وافقـوا ما يريد الإسلام أم لا؟.
ونحن نتساءل الآن: ما المخرج من مثل هذا الواقع؟
أرى أن المخرج في جهتين:
أ ـ الاعتماد على الطاقات الذاتية ذات التوجهات الإسلامية السليمة في تثبيت دعائم مذهب أهل السنة والجماعة بين العلماء أنفسهم،  وبين عامة الناس كذلك.
ب ـ الاستعانة بالإمكانيات البشرية والمادية الموجودة في الجامعات الإسلامية القديمة، حيث كان الإسلام في أوروبا الشرقية والبلقان حديث العهد إلى حد ما ، مع تأثير العوامل الخارجية المستمرة والمذاهب الدخيلة عليه، لذا يشبه وضع المسلمين في بعض المناطق  المذكورة وضع المسلمين الأوائل في مكة قبيل الهجـرة إلى حد كبير.             
  وإذا نظرنا إلى التاريخ، رأينا أن قوة أو ضعف الإسلام والمسلمين وعلمائهم، ومدى الالتزام بالإسلام يتفاوت من فترة إلى أخرى، وقد تكلم  في ذلك كبار العلماء المسلمين، مثل الإمام محمد الغزالي في (إحياء علوم الدين)، وابن تيمية في (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) وابن خلدون في (المقدمة).
كلهم يرون أن أساس المشكلة في وضع أهداف عمل العلماء، واختيار الأساليب والطرق المناسبة لتحقيقها تناسب الزمان والمكان، فيصنف الغزالي ـ رحمه الله ـ العلماء على حسب أهداف أعمالهم على ثلاثة أصناف:
1) الذين يهلكون أنفسهم ويهلكون غيرهم كذلك، وهم الذين لا يطلبون إلا الحياة الدنيا وملذاتها.
2) الذين يسعدون أنفسهم وغيرهم كذلك، وهم الذيـن يدعون الخلق إلى عـبادة الخالـق في سرهم وعلنهم.
3) الذين يهلكون أنفسهم ويسعدون غيرهم، وهم الذين يدعون إلى الآخرة، ولكنهم يعملون ذلك لكسب إعجاب الناس، وللمصالح الدنيوية من الجاه والمال وغيره.
ففكر في أي صنف أنت؟ ما الذي يشغلك؟ ولم أعددت نفسك؟  ولا تفكر أبدا أن الله سبحانه وتعالى يقبل شيئا من العلم والعمل إلا إذا كان خالصا لوجهه الكريم.
يقول ذلك، العالم المسلم الصوفي الزاهـد الغزالي الذي عاش عصر الازدهـار السياسي والاقتصادي والثقافي (القرن الخامس والسادس الهجري): فكان من الطبيعي أن علماء ذلك العصر أخذوا نصيبهم من تلك النعم، بل إن البعض منهم تجاوز الحد المشروع في ذلك على حساب الأهداف الروحية والأخلاقية.
ونتساءل الآن: هل يحدث مثل هـذا معنا اليوم؟
فعلماء الإسلام الثلاثة جميعا، بعد أن درسوا أسباب الأزمة الروحية الموجودة في عصرهم، توصلوا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الخروج من ذلك الواقع يمكن تحقيقه في الأمور التالية:
أولا: نظرا لتمزق جهود العالم الإسلامي، وتشتت أهدافه في هذه الحياة يجب على جميع المسؤولين ـ وفيهم العلماء ـ أن يرجعوا إلى وظيفتهم الأصلية وهدفهم الموحد، وهو حقيقة الرجوع إلى العمل من أجل أعلاء كلمة الله، (الحق والصلاح والعدل) في الأرض ، فكلمة الله مقدمة على كلمة البشر وأفكارهـم وأهدافهم، فمن المعروف أن الناس يتجمعـون في سبيل تحقيق أهدافهم ويبحثون عمن يساعدهم، فإذا كان هدف  العلماء الأساسي توحيد الله سبحانه وتعالى، فسيدعون أنفسهم وغيرهم إلى ذلك الهدف.
وأما تنسيق العمل مع ناس تختلف أهدافهـم فأمر عسير، ولا يتوقع منهم نفع كبير للإسلام والأمة والإسلامية.
ثانيا: تقوية شعور المسلمين، وخاصة العلماء منهم، بوجوب أداء رسالة الإسلام في المجال الروحي والكـري، وصلاح البشرية عموما، واعتبار ذلك من الأمانة.
ويرى شيخ الإسلام (ابن تيمية) أن المسؤول الأول لهذه الأمانة هم الذين أسندت إليهم الإمامة على الناس في أي شكل من أشكالها، من تربية وتعليم للناس، وتوجيه لهم، وهؤلاء هم العلماء المختصون في العلوم المختلفة.
وهذا الشعور والاعتقاد لا بد أن يكون مبنيا على ثلاثة أمور:
أ ـ تقوى الله عز وجل
ب ـ عدم الخوف من الناس.
ج ـ الاحترام البالغ لآيات الله وأحكامه، واجتناب التجارة الرخيصة فيها على ضوء قوله تعالى( فلا تشخوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) المائدة 44.
وبما أن الإنسان قاصر بطبعه، ونقائصه كثيرة، قد يصعب اختيار شخص متكامـل يناسب المهمات الموكلة إليه، لذا يرشدنا القرآن والسنة إلى أن يكلف اثنا أو أكثر في مهمة واحدة، يتشاورون فيما بينهم، ويكمـل بعضهم بعضا.
ورأينا في حياة الرسل، وخاصة رسولنـا صلوات الله عليهم أجمعين، وفي حياة الصحابة من بعده، أن العمل الواحد يكلف به: الحليم والشديد والشجاع والعالم والزاهـد والصابر والسريع والمجاهـد في آن واحد، وكل يؤدي دوره في ظروف مناسبة.
وفي هذا المعنى يقول الرسول (صلعم): « إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل عند حلول الشهوات».
ثالثا: ويرى ابن خلدون أن الواجب الأول على العلماء تحليل حالة المجتمع الحالية من جميع جوانبها: الأسباب والنتائج والعوامـل الداخلية والخارجية، والواقــع المادي والروحي، والتفاوت أو التناسق بينهمــا، ودور العقل إفراطــا أو تفريطا، وإدراك القواعد الاجتماعية المعينة التي تضمن للمجتمع التقدم المستمر.
واستشهـادنا بآراء العلمــاء الثلاثة المذكورين يرجع لسببين اثنين.
السبب الأول:
نريد بهذا التنبيه على أهمية مواصلة الطريق في الفكر الإسلامي وعمـل المسلمين عبر الأجيال، دون أن ننكر الفهم المعاصر، وإيجـاد حلول لمشكلات المسلمين في مجتمع من المجتمعات الإسلامية.                                           
والفكر الإسلامي القديم مهم جدا بالنسبة إلينا، لأنه أقرب للأصالة الإسلامية، والوعي الكامـل عـن المسؤولية لكل ما يعملــه الإنسان، بخلاف بعض الحلول المطروحة اليوم، التي دخلت عليها أفكــار غربية، وهي على حسب رأيي نتيجة للتفكير الذي لا علاقة له بالإسلام، كما أن المشاكل نفسها موضوعة على أسس بعيدة عن أسس المجتمع الإسلامي، ونتيجة التصورات الخاطئـة عن الإنسان والكون والحياة التي تتعارض والتصور الإسلامي الحق، لذا أرى أن الاهتمام الزائد بالأوضـاع غير الإسلامية ضيــاع للوقت، الذي يجب على العلماء أن يستغلوه في أمور المسلمين الحاليـة، وإيجاد الحلول المناسبة لمجتمعاتهم.
ولا أقول إن كل ما قيل من علمائنا القدامى صحيح ومناسـب لظروفنا اليوم، وأن كل ما قاله الآخرون خطأ، ولا أقـول إنه لا ينبغي أن يكـون عدد من علمائنـا يختص في أكفار وحلول المجتمعات غير الإسلامية اليوم، بل أرى أن ذلك مهـم جدا، إلا أنه لا ينبغي أن يهتـم بذلك كل علمائنا، وإنما أفراد منهـم متخصصون في بعض لجوانب، حتى لا تؤدي دراسة الأمور الخارجة عن الإسلام إلى إهمال الفكـر الإسلامي الأصيل. وهذه مع الأسف ظاهرة موجودة عند كثر من المثقفين المسلمين اليوم.
وإن كنا من المسلمين الأوروبيين، فلا أرى أننـا نفقد شيئا من ذلك إذا كان تفكيرنا إسلاميا صحيحا، وأخلاقنـا إسلامية أصيلة، فنرى أننـا مع ديننـا الحنيف وقرآننـا نملك الحق الكامل في بقاء مجتمعنـا متميزا عن غيره، دون أن ننكـر ذلك الحق لغيرنا.
كذلك ونرى أن مهمة العلماء لا تنحصر في المحافظة على المجتمع المسلم في هذه المناطق، بل تتعدى إلى إيجاد وعي كامـل عند المسلمين حول دور المسلمين في المجتمع عبر التاريخ، وعبر التفكيـر الإسلامي الصحيح، والأخلاق الإسلامية السليمة، مع إيجاد طرق مناسبـة للاستفادة من المجتمع الأوروبي المحيط بهم ومعارفه المعاصرة.
السبب الثاني:
 ضرورة تقويــة العلاقة الروحية والماديـة بين الأقليات المسلمة، مثل مسلمي شرق أوروبا، والمراكز الإسلامية القويـة، في سبيل تقوية شعـور المسلمين بالوحدة الروحية، التي أمر بها القرآن والسنة،  بغض النظر عن بعـد المكان، والتقسيمات السياسية، ورد فعـل الأعداء، فالمسلمون أمـة واحدة كمــا ورد فـي الصحيفـة المدنيـة التي كتبهـا الرسـول (صلعم) سنـة 622 م، فكـان شعـور الوحدة الفكرية    بارزا عند العلماء المسلمين بصورة خاصة طيلة التاريخ الإسلامي الطويل، نرى ذلك واضحا في المراجع، والمؤسسات الإسلامية، والعلماء الذين تعلموا في أي منطقة من المناطــق الإسلامية، من المحيط الأطلسي إلى السور الصيني. ويجب الاستمرار في  المحافظة على هذه العلاقات لأنها أساس  الأمور الأخرى كلها.
وربما لا يذكرنا بأهمية الوحدة من الجانبين المذكورين الروحي والتاريخي ـ ونحن في غفلتنا هذه ـ إلا ضربات الأعداء المدروسة، التي تهدف إلى إضعافنا، وهدم الكيان الإسلامي في المنطقة، ومن ذلك محاولة إيجـاد الفصل التـام بين كل قديم عند المسلمين، والدعــوة إلى كل جديد معاصـر يتعارض مع القديم.
وخير دليل على ذلك، إلغاء الكتابة بالحروف العربية في كثير مناطق أوربا والبلقان، وإبدالهما بالأحرف اللاتينية، حيث صار المسلمون عموما، وعلماؤهـم خصوصا، ضعيفين في معرفة الإسلام، بل كانوا يمثلون الامية في مجتمعهم، وحرمت الأجيال الجديدة  من معرفة تراثهـا القديم، كمـا أبدلت اللغات الشرقية المشهورة ـ العربية والتركية والفارسية ـ باللغات الأوروبية.
 ياله من تناقض عجيب! أولئك الأوروبيون، يحيـون تراثهم وعاداتـهم القديمـة في كل مكـان، يحاولون أن يكرهونا تراثنا وثقافتنا، وللأسف الشديـد، نحن نساعدهـم على ذلك في أحيان كثيرة.
نحن لا ندعي أن علماء الإسلام القدامـى ينبغي أن يحلوا مشكلاتنـا الحاضرة ، لكن نقول إنه يجب علينــا المحافظة على العلاقة القوية بين الفكر الإسلامي الأصيل وعملنا اليوم، فبسب إهمالنـا تعاليم الإسلام الصحيحة استطاع الأعداء أن يفرقوا بيننا، ويضعفوا علاقتنـا بجعل الحواجز السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية قائمـة بيننا. فأصبح الكثير منا، وإن كان لا يحول بينه وبين أخيـه يغر جدار البيت أو الشارع أو النهر، كان بيننا مسافة آلاف من الكيلومترات، وجهـود العلماء في هذه الظروف ينبغي أن ترتكز على بيان وأهمية تلك الحواجــز الاصطناعية بين المسلمين وإزالتهـا، وإدانة الذين يقيمونهـا بيننا، سواء على مستوى الفرد أو العائلة أو الجماعة أو المنطقة، فالأمـور التي تجمع مسلمي أوربا الشرقية والبلقان أكثر بكثير من الأمور التي تفرق بينهم، وهـذا يساعد العلماء وغيرهم في مهمتهم.
فإذا كان هـذا المؤتمر خطوة إيجابية في هذا المجال، ونرجو أنه كذلك، فيمكن أن نعتبره ناجحـا.


*) ساهم الكاتب بهذا البحث في الملتقى الأول لمسلمي أوروبا الشرقية الذي انعقد بسراييفو بجمهورية
    يوغوسلافيا يومي 24 ـ25 صفر الخير 1412هـ موافق 3 ـ 4 شتنبر 1991م.

 

 


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here