islamaumaroc

شاعر من العدوتين في العهد المحمدي: جعفر ابن أحمد بن خالد الناصري

  عبد الحق المريني

العدد 289 رمضان-شوال 1412

البيت الناصري: هو أحد البيوتات المغربية الشهيرة المتضلعة في مختلف العلوم الأدبية والدينية والتاريخية، تدريسا وخدمة وتأليفا ونشرا.
وكان أبو العباس أحمد بن خالد الناصري ـ صاحب المؤلف التاريخي الذي طبق صيته الآفاق: «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى» ـ أحد أبناء هذا البيت العريق في المجد العلمي، لم يترك لنا بعد وفاته رحمه الله سنة 1315هـ تراثا ثقافيا في شتى العلوم والفنون الأدبية والإسلامية والتاريخية فحسب ، بل ترك أيضا ذرية صالحة، تخرجت من مدرسته في التاريخ والأدب والسير، وورثت سره علما وأدبا وتدوينا: محمد العربي، ومحمد، وجعفر الناصري ( 1).
فكان أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد الناصري سند والده في تخريج مؤلفاته وكتاباته، وتنظيمها وتنسيق فصولها، عكف على تربية وتثقيف شقيقه جعفر ومحمد «الفرقدين النيرين في سماء الأدب، وفرسي رهان في حلبة التفوق والاطلاع» كما وصفها فقيد الأدب المغربي الشاعر الأديب محمد بن عباس القباح رحمه الله.
 وولج محمد الناصري الأخ الأصغر بعد إتقانه العلوم العربية، المدرسة  الفرنسية، وانكب على دراسة لغتها وآدابها وحقوقها، حتى اتسعت فيها مداركه، وعلت فيها معارفه، فقام بترجمة الجزء الخاص بالدولة السعدية من كتاب والده الاستقصا إلى اللغة الفرنسية، وطعمه بتصحيحاته وتعليقاته واستدراكاته. كما قام بنشر عدة وثائق باللغة الفرنسية من تأليفه وإنشائه، نشرها بالصحف الفرنسية تحت عنوان: «بين حقيقة من القصر الملكي بالرباط».
ولم يخرج محمد الناصري عن «القاعدة الناصرية»، بل كان أيضا مؤرخا، كتب مؤلفا في أربعة أجزاء عن تاريخ المغرب القديم وعهد الفتوحات الإسلامية تحت عنوان: «تصحيح الأولى من تاريخ المغرب العربي»، وآخر عن تاريخ «الدولة العلوية الشريفة إلى عهد المولى إسماعيل».
أما ثالث الثلاثة: فهو جعفر بن أحمد الناصري، ولد بمدينة سلا سنة1310هـ، ونشأ في بيت التهذيب الروحي، والتمسك بالقيم الإسلامية، والتحلي بالأخلاق الحميدة، وترعرع في مدرسة العلم والتدريس والتأليف، حتى صار رائدا من روادها، وعلما من أعلامها.
فبعد ما حفظ القرآن الكريم، والمتون الأصولية: المرشد المعين، وألفية ابن مالك، ومختصر خليل، واستظهر المعلقات السبع، وقصائد فطاحـل الشعراء، وتعلم اللغة الفرنسيــة بالمدارس العصرية، وأصـل تحصيل العلـوم العربية، والأدبية، والفقهيـة، والحديثية، والأصولي، على أشيـاخ العدوتين الرباطية والسـلاوية، متنقـلا بين المجالـس العلمية والنـوادي الأدبية، يطالـع ويراجـع، يحاضـر ويساجل، يناقش  ويطارح.
وكان من شيوخه الذين أخذ عنهم ولازم دروسهم: العلامة أبو العباس أحمد بن عبد النبي السلاوي، والعلامة المحدث وزير العدلية الشيخ أبو مدين شعيب بن عبد الرحمان الدكالي، والعلامة القاضي محمد الهاشمي بن خضراء، والعلامة القاضي أحمد بن أبي بكر عواد، والعلامة المفتي أحمد الجريري، والعلامة القاضي أحمد بن المامون البلغيثي، وقد جمعته أيام الوظيفة المخزنية في عهد الدولتين: اليوسفية والمحمدية بكثير من  العلماء، واستفاد من محاضراتهم ومجالسهم، مثل: العلامة عبد الرحمان القرشي، والعلامة محمد الروندة الرباطي، والعلامة محمد بن العربي العلوي... وغيرهم من الأدباء والشعراء، الذين كانت تزخر بهم العدوتان الشقيقتان ( سلا ورباط الفتح) في العهد المحمدي الماجد، فنشأ بينهم، وسلك نهجهم وحذا حذوهم، في كتابة المقالة وتحرير الرسالة، ونظم القصيدة.                           
وقد التحق مبكرا بدار المخزن في العهد اليوسفي ككاتب بالصدارة العظمى، ثم عين نائبا لوزير العدل في التعليم الديني، أسندت له رئاسة لجنة الامتحانات بكلية بن يوسف بمراكش زهاء 12 سنة، وعين أخيرا مندوبا للصدر الأعظم في مندوبية الأشغال العمومية والبريد والبرق والتلفون والإنتاج الصنـاعي.
وقد وافاه الأجل المحتوم ـ رحمة الله عليه ـ يوم الأحد 16 نونبر 1980 بمستشفى ابن سينا بالرباط، بعد شهرين من وفاة رفيقته في الحياة.
حرر العلامة جعفر الناصري طوال حياته عدة مصنفات وتقاييد ورسائل ما زالت مخطوطة قابعة في خزانته العامرة، ـ ونرجو من الله أن يسهل أمر طبعها، وييسر وسائل نشرها ـ وقد حصرها بنفسه، وسجل عناوينها في تقييد خاص، تلبية لرغبة العلامة المؤرخ الأستاذ عبد الله الجراري رحمه الله. منها:
* (المحيط بالمهم من أخبار صحراء المغرب وشنقيط) «في مجلدين»: وكان الباعث على جمعه وتأليفه، ما حدث ممن الحوادث المتوالية بعد الاستقلال في مسألة الصحراء المغربية.
* (الإحصاء لما وقع بعد الاستقصا): وقد ذيل به كتاب والده الاستقصا ، وأرخ فيه للدولتين العزيزية والحفيظية، وقد نهج فيه نهج والده في كتابه تنسيقا وترتيبا وتبويبا.
* (ابن الخطيب بسلا): وهو المؤلف الوحيد لفقيدنا الذي طبعته ونشرته الخزانة العلمية الصبيحية السلاوية، وهو جزء من كتاب: « سلا ورباط الفتح وقرصنتهما»، فصله عن الأصل، لما اشتمل عليه من الشوارد والزوائد والفوائد، فاستحق أن يكون موضوعا مستقلا، وكتابا منفردا.
* (سلا ورباط الفتح وأصطولهما وقرصنتهما الجهادية): « في أربعة أجزاء ضخمة»: وهو كتاب ضمنه في جزئيه الأول والثاني تاريخ العدوتين الرباطية والسلاوية منذ نشأتهما إلى الوقت الحاضر، وقسمه ـ حسب الأزمنة والعصورـ دولة بدولة، منذ عهـد بني يفرن إلى عهد الدولة العلوية، وأتى فيه بما خلفته هذه الدول بالعدوتين من العمران والآثار.
وسجل مؤرخنا في الجزئين الثالث والرابع ما كان بالمدينتين الشقيقتين « الرقراقتين» ـ على حد تعبيره ـ من مجد وذكر في العالم الأوربي، ومن درج فيهما من رؤساء البحر وقادة الأساطيل، الذين كانت لهم السيادة المطلقة في البحر في عهد الحكم الانفصالي القائم بهما، وما أحرزوه من النصر، وما غنموه من الغنائم، وما أسروا من أسرى ، وما أسر منهم أيضا من علماء وشخصيات مشهورة، وما ترتب عن ذلك من معاهدات ، وتبادل السفارات والبعثات الديبلوماسية، لأجل افتكاك الأسرى ، وإنهاء القرصنة وإحلال السلم، وإبرام المعاهدات الاقتصادية والتجارية.
وقد أعطى المؤلف في الجزء الخامس من مؤلفه لمحة عن تاريخ الأسطول المغربي بصفة عامة، والأسطول السلاوي الرباطي بصفة خاصة، وأتى بعرض مفصل عن تاريخ القرصنة السلاوية الرباطية.
وقد خصص الجزء السادس لترجمة لمات لا يقل عن ثمانين رئيسا بحريا من رؤساء البحرية للعدوتين، وقد تخللت هذه الأجزاء نوادر وحوادث وأخبار، وأدبيات وأشعار، ومساجلات ذات أهمية واعتبار. ومن أهمها ما ذكره من أشعار في التغني بالعدوتين لمختلف الشعراء القدامى والمحدثين، الذين وصفوا مناظرهما ومآثرهما، وتشوقوا على مغانيهما، وتذكروا سالف أيامهم الزاهرة بهما، ومدحوا صلحائهما وأعلامهما وأدبائهما، وجاء تحت عنوان: (مقامة العدوتين ومنظرهما، ووصفهما من أعلى منار حسان).
* (سلا في التاريخ) الذي تضمن تاريخ سلا الحديثة.
* (الأسطول المغربي): الذي يشتمل على تاريخ الأساطيل المغربية، وما كان لها من صولة وسلطان في البحرين الأبيض المتوسط والمحيط.
* (أعمال المبشرين في المغرب وصحرائه وإفريقيا) وهو كتاب يقص علينا قصة تهافت المبشرين والرهبان على المغرب وإفريقيا، لنشر دعايتهم الدينية بالإغراء والترغيب والتمويه.
* (الجدية وأكادير مدينتان برتغاليتان بالمغرب): وهو مؤلف يشتمل على تاريخ المدنيتين وعلى ما دارت حولهما من أخبار وحوادث عند احتلالهما وتحريرهما من قبضة البرتغاليين.
*( الكتابة والكتب والمكاتب) : تحدث فيه المؤلف عن تاريخ طبع الكتب، وعن ظهور المطابع، وعن تطور الخط العربي، وعن الخزانات الخاصة وتاريخها، وخلل ذلك بذكر أخبار طريفة، وأشعار نادرة تناسب المقام، إلى غير ذلك من السير والرحلات (كالرحلة الفاسية والرحلة الباريزية) والمحاضرات، والبحوث، والمقلات في التاريخ، والأدب والإرشاد، والاقتصاد، والاجتماع، والأخلاق، المنشورة في مختلف المجلات والجرائد المغربية، إما بقلمه، أو تحت اسم مستعار، وهو: « محب العلم».                     
وترك جعفر الناصري أيضا، ديوانا شعريا، سجل فيه كلما نظمه في عهد الصبا وأيام الشباب، وقد ضاعت جل قصائده، ولم يبق منه إلا شذرات مثبتة في بعض مؤلفاته ورسائله، وبعض المساجلات الشعرية الأدبية من شعراء العدوتين، وخاصة مع شاعر رباط الفتح، الأديب الأودعي، أبي عبد الله محمد بوجندار رحمه الله.
وكان شاعرنا غير راض عنها «لأن البراعة في الإجادة، والكمال لا حد لهما» كما قال في بعض مذكراته.
وكنت جل هذه الأشعار تدور حول سلا، ومجالسها العلمية، وندواتها الأدبية المشتركة بين أدباء العدوتين.
فيقول في مدح شيخه أبي العباس أحمد ابن عبد النبي، لما ختم دراسة المرشد المعين «دراسة تحقيق وتحصيل ومزيد بيان وتفصيل»، إشادة بذكره ، وتيمنا بحلقات دروسه، مطلعها:
نـور البشــار بالمسـرة نـــورا    * وغـدا سنـا ضوء السعــادة مسفـرا
 إلى أن يقول:          
هـو الإمـام السيـد الفـرد الــذي    *  في كــل علــم قــد غدا متبحـرا
كـرم بــه  شيخـا نبيـلا بارعــا     *  ذا عـزة ومكانـة لــن تحصـــرا
يا سيـدي فاهنـأ بختـم قـد حلــت    * نفحـاته  مسكــا ذكيـا أذفــــرا
ختـم ابـن عاشـر الهمـام المرتضى * مـن نظمـه أدى العلـوم  وأظهــرا
 ولما كان شاعرنا يبحث في تاريخ سلا، ومآثرها التاريخية، نظم قصيدة يحيي بها مدينته العتيقة:
هــذه ســـلا مـأوى  الســرور     *  ومقـر أربـــــاب  الصــــــدور
وبهــا الحضــارة قـد زهـــت      *  بالعلــم فــي ماضــي العصـور
حــل الخلفيــة قصرهــــــم        *  لمـا بـه كـــــــــان  المـــــرور
 ( يعني به عبد المومن الموحدي لما مر بها في أول عهده).
وبنــو مريـــــــن شيــــــدوا      * دار الصنــــــاعة  والظهـــــور
إلى أن يقول:
منهــا الأســـاطيل جهــــزت    *   للغــزو فــــــي لـج  البحـــــور
فتكاثـــرت أجفانهـــــــــا        *   وتضافــرت تحمــــي الثغــــور
و«ابـن الخطيـب»  بهـا ثـــوى *   لنــا بــه حلــت  أمـــــور
آوى إلى النساك يرجو عفو ربهم الغفور *  وبشالة قد كـان يندب حظه بين القبور
بسـلا وطابـــت نفســــــه * وتطايــرت عنــه  الشــــرور
                         
أكــرم بهــا مـــن  بلــــدة              * فلـك السعــود بهــا يــــدور
ويشير شاعرنا في قصيدته هذه إلى ما ميز الله به مدينة سلا في ماضيها، حيث كانت « بلد الانقطاع والسكون، والإنابة على الله والركوع»، « ومدينة الهدوء والخلوة والسلوة»، « يأوي إليها الأفاضل الأخيار، ويحتمي بحماها أهل الصلاح من الزهاد الأبرار»، فلا عجب أن يختارها ابن الخطيب ملجأ للتفكير والتأمل، حتى ينعم براحة البال، وبطمأنينة النفس، بعدما عانى من مناصبه السياسية ما عانى.
يقول ابن الخطيب في ذلك:
وصلت حثيـث السير فيمن فــلا الفـلا * فلا خاطري ـ لما نأى وانجلى ـ  انجلى
ولا نسخـت كربـي بقلبـي سلـــوة      * فلــــمـا سرى  فيـه نسيـم سـلا ســلا
 كما يقول ابن الخطيب من قصيدة أخرى بعث بها إلى الأهل والولد، مشيرا إلى السلو الذي وجده في مدينة سلا، ومتحصرا على ما فات.
إن سـلا قلبــي مـن بعـد  « سـلا» * فإلـى الغـدر بـلا شـك نـــــزع
ثمــر القلــب بهــا خلفتـــــه        * هـل لقلبــي بعدهـا مـن منتجـــع
 وهذا هو ما أشار إليه شاعرنا جعفر الناصري لما وقف على قبر ابن الخطيب بفاس، « وقد سالت من عينه عبرة، وأخذته الحصرة» على ما لقيه ابن الخطيب من كيد عداته، من قصيدة جرت على لسانه.
أوتيــت إلـى سـلا تبغـي انعـزالا * وفـي فـاس تخــذت  فـاس قبــرا
وقبل أن يتأسـف ابن الخطيب على ذهاب سلوه بسلا، تمنى في قصيدته العـودة إلـى عدوة الرباط، « للتسلي برياضها، وحضر رباها» قائلا:
قل لـوادي الغبـط ( 2) هـل من عـودة * يصـل الأنـس لـديها مـا قطــــع
وسقـى شلـة عهــد مغــــــدق * همـى فـي الربـع منهــا وهمـــع
وربـاط  الفتـح يا حـي الحيـــــا * ما بنـى المنصـور فيــه واختــرع
و «ريـاض الشيـخ» ( 3) كـم مرآى لنا * فيـه يـزري بالنهـى أو مستمــــع
وعندما يتذكر جعفر الناصري ما مر في عهد شبابه بالرباط، من «أيام أفراح ونشاط، وانشراح وانبساط، وأنس واغتباط، أيام المذاكرات والمساجلات، والمناظرات، والمحاضرات المتصلة الحلقات في المجالس والمنتديات، مع أخدان وخلان                                    
صنوان وغير صنوان»، جرت مع لسانه قصيدة قال منها:
إن الربـاط سبـا لبــي وتيمنــــي * وأصبـح القلب  في شجـو وفي شجـن
لأنـه قـد حـوى مـن كـل آنســـة * مـن  الحسانـي أتت كالبـدر في الدجن
وكـل شـيء بـه مستحسـن  حســن * وكـل نفـس بـه تسلـو عـن الحـزن
 إلى أن يقـول متحسـرا على ما مضى مـن أيام قضـاها بالربـاط« ليلها كنهارها، وعشاياها كبكورها».
آه علــى زمـن مـرت  محاسنـــه  * وعيشـه قـد مضـى أحلى مـن الوسن
واليـوم قد درسـت عنــا معالمـــه * كـأن بهجتـه الغـراء لــــــــــم  تكــــن
وقد راجت مساجلات شعرية كثيرة بين شاعرنا وشقيقه محمد، ومع بعض الأدباء والخلان في مجالس الأنس التي تستريح فيها النفس، وتذكره « بالمجالس الرشيدية المامونية بدار السلام العراقية، أو بأندية خلفاء الدولة الأموية بقرطبة الأندلسية». من ذلك ما صدر منه في مجلس أدبي، مساجلا أخاه  محمد برباط الفتح أيام الصبا والشباب، لما كان « العيش غض، والزمان غلام» كما قال أبو تمام.
قال جفــر:
فيا لــه مــــن  مجلــــــس  * يزهــو بأنــس  وانبســــــاط
نلنــا بـــه كـــل المنـــــى   * مــن ابتهـــــاج ونشــــــــاط
يتيــه فخـــرا  معجـــــــبا   * بتحفـــة  مــــــن الربـــــاط
والرقبـــــــا بمعـــــــزل    * عنـــــا وذل  وانحطــــــــاط 
فرد عليه شقيقه محمد:
والليــل أرخـــــى ذيلـــــه     * عنـــا ونحـن فـــي اغتبـــاط
والساقـــي يجلـــو خمـــــرة  * حمــراء فــي حسـن  بســـاط
يديــرهــا بلحظــــــــــه       * وبالقـــــــــراح  والبـــــــواط
لا نـال مــن قـــد  لامنـــــا   * مـع الحســــــود فــي  نهـــاط
ولما مر جعفر صحبة شقيقه يوما بشارع من شوارع رباط الفتح، رأى فتاة من الإفرنج « تسقي المعجبين بها كؤوس الراح، وتلعب بالقلوب والأرواح» ـ كما قال في مقدمة مساجلته الغزلية ـ « فاقت البدر حسنا وجمـالا، والغصـن قدا واعتدالا، تذكر بالمجنـون وليـلاه، وقيس ولناه، وجميل وبثيناه». فقال شقيقـه السيـد محمد:                                            
مررت بهـا تسقي كؤوسـا من  الخمـر * فتاة مـن الإفرنج في الحســن كالبـدر
فاردف السيد جعفر قائلا:
فتحيي نفوسا شفها السقم والضنــى
وقال السيد محمد:
وتبري قلوبا من هواهـا على جمر
ثم قال السيد جعفر:
فمن وجهها الشمس المنيرة أشرقت
فقال السيد محمد:
ومن لحظها الساجي تعلم ذو السحر
وكان السيد جعفر يوما في احتفال رائق بأحد بيوت الأعيان الوزراء الرباطيين،  وكان العلامة الأديب السيد أبو بكر بناني حاضرا. فأنشد قصيدة في النسيب طلب منه أن يشطرها، منها:
أيـا حسـن الحسـان فتكـت  فينـــا        * «وصرنـا فـــي هــواك مقيدينــــا»
« بألفـاظ تذيـب الـروح لطفــــا»       * وألحـاظ تميــــــــــت العاشقينــــــا
جمعـت مـن المحاسـن كـل حســن     * « سمـوت  بها على الأغصـان ليــا»
 إلى أن يقول:
« ملكـت الـروح والأشبـاح منـــا»        * وحـزت اللطـف  والإحســـان فينـا
أدام اللـه حسنــك فـــــي ازديــــاد         * « تصـول بـه علـــى مـر السنينــا»
«ولا برحت سعـودك  في صعـود»       * علـى رغـم الوشـــــاة  الحاســدينــا
ونـود أن نختـم هـذه الشذرات الشعـرية الغزلية بنسيب لجعفـر الناصـري في مليح حـل بمدينـة سـلا مطلعه:
ألا بشـرى فقـد تــم التـلاقــــي    * بمـن فـي الحـب الـلأ رواح راقـي
إلى أن يقول:
فأهــلا بالمليـــح الفـرد أهـــلا          * فقـد كنـا إليكـم فـــــي اشتيــــاق
حللت سـلا فتاهــت منـــك عجبـا      * علـى مصر وشـام مع عـــــرا ق
لقـد حزت الجمـال فصـرت فـــردا   * على الغـزلان طــــرا  باتفــــــاق
ثم يختم قصيده قائلا:
فجـد لي بالرضـا واسمـح  بوصــل    * فـإن الـروح صارت فـي التراي
ودم واسلــم علـى مر الليـالــــي       * تفوق البـدر فـي حسـن ائتــــلاق
وكان منزل «أديب رباط الفتح وصاحب آيات الفتح» محمد بوجندار بمثابة عكاظ الأدب بالعدوتين، كما ذكر أديبنا السيد جعفر الناصري، حيث كان يتدارس فيه كل ما يروج في سوق الأدب المغربي، وتلقى فيه محاضرات نثرية، ومساجلات شعرية، من ذلك أنه لما كان أدباء العدوتين في نزهة بروضة غناء «ولما راق مجلسهم، وكابت أنفسهم» خاطب أبو عبد الله محمد الناصري أبا جندار بقوله:           

شـرب كـؤوسا أترعت فـي مجلــس     * يسقيكهــا رشــا غــدا مخمــورا
 
فأجابه بونجدار بقوله:
رشـاء إذا سكنــات جفنــه حركـت     * شمـت الضميـر بكسـره مجـــرورا 
إلى آخر المساجلة.
ومما كان يروج في النادي الجنداري أيضا، أن بعض أدباء العدوتين كانوا يتبارون شعرا في حل بعض الألغاز، ذلك أن أديب سلا أبا المسك الحاج الطيب عواد كان نشر لغزا في لفضة «دلو»، وأديبها ومحتسبها أبا العباس أحمد الصبيحي نشر لغزا آخر في لفضة «نحل»، وكان الشعراء الحاضرون في النادي يتبارون في حلمها، والجواب عنهما.
وقد ظهرت في هذا النادي أيضا بين أدباء العدوتين مراسلات أدبية، ومطارحات شعرية، تبادلوا فيها التهاني بخلق هذه الحركة الأدبية، وتمجيد من فاز في ميدانها، وفتح أقفالها. من ذلك قول الحاج الطيب عواد في مدح أدباء الرباط :
«للفتـح» أهـل فضلهــم لا يجهــل      * وعليهـم فـي المشكـلات يعــــــول
ولهم لـدى كشـف الغوامـض همــة     * مـن دونها انحـط السمـاك الأعـزل
فأجابه محمد بوجندار بقوله من قصيدة طويلة:
أهيـل سـلا الغـراء شكـرا على  شكر   * فقد أشرقت مـن فكركم غزة الشعـر
بهـرتم بآيـات أضلـت بهديهـــــا         * ولا غـرو فالإضلال من آية السحـر
وطوقتـم جيـد الزمــان  ونحـــره       * بـدر نفيس جاء من أنفــــــس  الـــدر
إذا ذكـر السـادات كنتـم، وحقكـــم      * كفاتحــة التنـزيل  فـــــي أول الذكـــر
فرد عليه أديبنا جعفر الناصري بقطعة من نفس الوزن والراوية، يقول منها مادحا:
أهيـل ربـاط الفتـح مني عليكــــم       * سلام يفوق المسك  والعنبر السحــري
فأنتـم بدور قـد عنــت لكـم العــلا      * وأنتـم بحور الفضـل من سالف الدهـر
زففتـم لنا منكـم عرائـس طوقـــت     * بمـدح سـلام تحتــال في حلل الفخـــر
إلى أن يقول في آخر قطعته:
بقينـــا أهيـل الفتـح نحــن وأنتـم       * على غاية  التبجيل في السـر والجهــر
ودمنـا كــارواح بجســم  تمازجـت   * كما امتــزج الماء الزلال مـــع الخمــر
وقـد كانت الدعـوة تتم بين وهـؤلاء الأدباء الفطاحـل لحضور جلسـة من جلسات النادي الجنداري شعرا ونظما.
فقد خاطب بوجندار الأديبين الناصرين لعقد مجلس أدبي بناديـــه بقوله: 
خــلاي يــا ابني أحمـــــــد   * الأحمــدي الأحمــــــــــدي
الفرقـدين النيــرين فــي سمـاء السـؤدد
هــل تريــــــا اجتماعنــــا   * فـــي الغــد يوم الأحـــــــد
إلى أن يقول:
ولكمــــا أن تصحبــــــــا   * مــن شئتمـــا مــن أغيــــد
وشاعــر كالشاعـر المقــرظ المفـــرد (4 )
ولتحـــــذرن أن تغفـــــــلا   * عبـــد الحميــد الأحمــــدي( 5)
ولما وصلت هذه الدعوة إلى الأسرة الناصرية، أجابه جعفر الناصري بقوله:
يــا أيهــا الخـــل ومـــــن         * قـد حــــــاز أعلـى  الســؤدد
أتــى قريضــك الــــــــذي        * يفــــوق شعــر أحمـــــد (6 )
تــــروم فيــــــه جمعنـــا          * فـي اليــوم يـــوم  الأحـــــد
فــــي مجلــس ينتابـــــــه         * كـــل أديــب  مفـــــــــــــرد
أعنــي بــــــه « القبــاح»  ذا    * المجــد الأثيــل السرمــــدي
إلى أن يقول في آخر قطعته:
لا زلت يـــــا أخــا العــــلا   * مرتقيـــــا لأسعـــــــــد
وإن دل هذا على شيء ، فإنما يدل على العروة الوثقى التي كانت تربط أدباء الرباط بأدباء سلا، وخصوصا الأديب الجندري بالناصريين، لما كانوا يتمتعون به جميعا من الروح الخفيفة، والطابع الأدبي الغض الطري.
هذه لطائف من شعر فقيد الأدب والشاعر السيد جعفر الناصري في المديح والنسيب، الذي أنشده في رحاب العدوتين، وفي أحضان منتدياتها الأدبية المشرقة في العهد المحمدي.
وقد قال شعرا آخــر في مختلف الفنون الشعرية لكنه ضاع منه، لعدم اعتنائه بتقييده وجمعه، كما ذكر طلك في سيرته الذاتية، التي دبجها بخط يده.
رحم الله الجميع، وأثاب شاعرنا على ما قدمــه من أعمال علمية جليلة للعدوتين.

  1) أجزي الشكر الجزيل، والثناء الجميل، لصديقنا الأديب السيد أحمد بن جعفر الناصري، الذي تفضل وزودني بكثير من  التقاييد المفيدة التي ساعدتني على تحرير هذا المقال، الذي هو ملخص لمحاضرة ألقيتها في الندوة العلمية للعدويتن.
  2) لعله يقصد به وادي أبي رقراق.
  3) لا ندري ما هو هذا الرياض واين يوجد.
  4) يعني به محمد بن اليمني الناصري.
  5) يعني به عبد الحميد الروندة.
  6) يعني به أبو الطيب المتنبي.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here