islamaumaroc

مدخل إلى الشروح الشعرية في الأدب المغربي -2-

  عبد الجواد السقاط

العدد 289 رمضان-شوال 1412

إن المتأمل في عملية الشروح الشعرية بالمغرب، ينتهي ولاشك إلا أنها تتميز بالخصوبة والتنوع، وأنها تمزج في مادتها بين الإنتاج المغربي والعربي بوجه عام، (1 ) ذلكم المزج الذي يمنح هذه الشروح خصوصية متفردة، ويسلكها في مجال متسع يدعو إلى شيء غير قليل من الاهتمام والبحث .
وإذا كانت هذه الحقيقة ثابتة لا جدال حولها، فإن ما يهمنا في البحث أن نعرض لنشأة هذه الشروح، وتطورها عبر العصور المتلاحقة، وكذا الأهمية التي تحظى بها باعتبارها تشكل مصدرا مهما من مصادر الأدب المغربي، ووجها بارزا من وجوه التعامل مع النصوص الإبداعية في أغراض شتى.

* نشـأة  الشــروح:
عندما نحاول حصر نشأة الشروح الشعرية بالمغرب ـ بمعناها التصنيفي ـ نستطيع أن نرجعها إلى أواخر العصر الموحدي وأوائل العصر المريني، انطلاقا مما استطعنا الوقوف عليه من إشارات أو عناوين مبثوثة في مظان مختلفة، إذ تطالعنا في هذه الحقبة شروح نجدها مرتبطة إذ ذاك لأحد اتجاهين اثنين:
أحدهما: الاتجاه الذي يرمي إلى خدمة الدين الإسلامي، وذلك عن طريق الوقوف على متون فقهية أو صوفية أو مـا إليها مما يدخل في المجال الديني، والتعامل معها تعاملا يفضي إلى بلورة القيم الإسلاميـة التي يسعف بها المـتن المشروح، وإبراز النفحات الصوفية التي يعكسها ويحـويها، مثال ذلك :
*« اللآلي الفريدة  في شرح القصيدة» لحمد بن الحسين الفاسي( ت : 656 هـ ) وهو شرح على القصيدة الشاطبية المشهورة في القراءات والتجويد ( 1)
*«فرائد المعاني في شرح حرز الأماني ووجه التهاني» لمحمد بن محمد ابن داوود الصنهاجي المعـروف بابن آجـروم ( ت: 723هـ )، وهـو شرح على قصيدة أبي القاسـم الشاطبي في القراءات كذلك( 3).
وثانيهما: الاتجاه الذي يرمي إلى خدمة اللغة العربية، وتمكين الإنسان المغربي منها، باعتبارها لغة القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ونذكر من نماذج ذلك: «شرح أبيات سيبويه» لأبي زكريا يحيى الزواوي( 4) (ت : 628هـ ).
ويبدو هذان الاتجاهان معا مستقيين من مجموعة عوامل، سواء منها ما كان داخليا أو ما كان خارجيا، تظافرت فيما بينهما ولا شك، لتخلق هذا النهج الجديد إذ ذاك في التعامل مع الشعر، والربط بينه وبين الإسلام واللسان العربي الذي جاء به. وقد نكتفي من هذه العوامل بالإشارة إلى:
أ ـ التوجه الذي عرفته عملية الشروح الشعرية في القرنيين الأولين للإسلام بالمشرق، ذلكم التوجه الذي كانت فيه عملية الشروح وجها من وجوه البحث العلمي الذي تنوعت أضربه خدمة للنص القرآني، وكذلك اللغة العربية.
ولا شك أن الاتصال الذي كان قائما بين المشرق والمغرب قد كان سببا في تأثر المغاربة بشراح المشرق، ومحاولتهم السير في ركابهم، خاصة وأن بعض شروحهم الشعرية كانت من بين الكتب المتداولة في حلقات الدرس بالمغرب، والمصنفات التي يقرأها التلامذة عن شيوخهم فيها،  المختلفة.
ب ـ الممارسة الأندلسية في مجال الشروح، خاصة وأن الوحدة بين المغرب والأندلس منذ العهد المرابطي إلى العهد المريني، قد أتاحت تمازج الاهتمامات العلمية والأدبية بين المنطقتين، كما أتاحت فرص التلاقح والتأثر بين علمائهما وأدبائهما، وفي مستويات متعددة، من بينهما مستوى الشرح، سواء كان المتن المشروح شعرا أو نثرا.
وعلى سبيل المثال نشير ضمن خدمة الدين الإسلامي إلى:
* «شرح شواهـد نزهة القلوب في غريب القرآن» لمؤلفه أبي بكر بن محمـد عزيز، وهو شرح وضعه أحمد بـن عبد الجليل التدميري أحد علمـاء الأندلس، والذي وفـد على المغـرب وتوفي بمدينـة فاس عام 555هـ ( 5).
وضمن اتجاه خدمة اللغة العربية نشير إلى:
*«شرح أبيات الإيضاح» لعلي ابن عصفور الإشبيلي (ت :670هـ )، وهو كذلك من علماء الأندلس، الذين وفدوا على المغرب.( 6)
ج ـ وجود شروح وضعها أصحابها على متون نثرية تخدم هذا الاتجاه أو ذاك من الاتجاهين سالفي الذكر سواء كان أصحابها مغاربة أو كانوا أندلسيين أقاموا بالمغرب، ولعل هذا الوجود قد مهد الطريق أمام متون شعرية تتابع بها المسيرة، ويتعامل معها على غرار المتون النثرية، وخاصة منها مقامات الحريري التي شرحها أكثر من واحد.
نذكر منهم من الأندلسيين:
* أحمد بن عبد المومن القيسي (ت: 619هـ) وقد أقام بالمغرب زمانا( 7).
ومن المغاربة نذكر:
* أبا القاسم الزيات ( ت: 656هـ )(8 )
* محمد بن سعيد الرعيني (ت : 778هـ )(9 ).                    
د ـ تشجيع بعض الخلفاء المغاربة على الشروح التي تخدم الدين أو اللغة، فقد جاء في إعلام العباس بن إبراهيم حول علي بن محمد بن خروف الإشبيلي (ت: /// 60) قوله:
« ورفع إلى الناصر من بين عبد المومن نسخة من( شرح كتاب سيبويه) بخطه في أربعة مجلدات، فأثابه عليه بأربعة آلاف درهم»( 10)
ولعل هذا السلوك يصدر عن هذا الخليفة يمكن توقع مثله من غيره من الخلفاء وإن لم تفصح المصادر بذلك.
هـ ـ على أن هناك عاملا خامسا يمكن إدراجه في هذا المجال، ويتعلق الأمر بارتباط الشروح الشعرية، بعملية التدريس، إذ أن العلماء كانوا يلقون دروسهم سواء في رحاب المساجد أو غيرها، فيشرحون متونا من بينها ما هو شعر، ويدونون هذه الشروح، أو يملونها على تلاميذتهم، يدونونها نيابة عنهم.
ولعل هذه الأمالي ـ وهي في المغرب امتداد لما كان عليه الأمر في المشرق والأندلس كذلك ـ وتعتبر مظهرا من مظاهر التصنيف العلمي والأدبي ببلادنا، وفي اتجاهات شتى من بينها اتجاه الشروح الشعرية التي هي مدار بحثنا هذا .
و ـ وقد نضيف عاملا سادسا، ويتعلق خاصة بخدمة اللغة العربية، هذه اللغة التي وصلت إلى البلاد المغربية مع الفتح الإسلامي والتي احتاجت ولا شك إلى قيام حركة لغوية تسعى إلى تقريبها من الإنسان المغربي، وربطه أكثر بهذه اللغة التي لم تزل تزاحمها إذ ذاك اللغة الأمازيغية. ولعل لهذا السبب وجدنا المتون الشعرية التي شرحها المغاربة في بداية الأمر من إنتاج المشارقة خاصة ـ وكذا الأندلسيين ـ حيث اللسان العربي الفصيح، حتى تؤخذ هذه المتون ومثيلاتها نماذج تستقى منها اللغة العربية الفصحى، وتلتمس لديها الصياغة السليمة والعبارة الفصيحة.
هذا إلى جانب السعي نحو تقعيد بعض المفاهيم الأدبية، وحصر بعض الأدوات الشعرية، كما يدل على ذلك:
* وصل القوادم بالخوافي في ذكر أحكام القوافي لابن رشيد السبتي( ت: 721هـ)( 11) وهو شرح لقوافي شيخه حازم القرطاجني  ويبدو أن هذين الاتجاهين ـ خدمة الدين الإسلامي وكذلك خدمة اللغة العربية ـ قد رافقا عملية الشروح الشعرية بالمغرب في المرحلة الموالية لمرحلة النشأة، وعند أكثر من شارح.
ويتضح لنا ذلك من خلال زاويتين اثنتين:
أولاهما: جانب الممارسة الفعلية التي ترتبط بهذين الاتجاهين، ونقتصر للتدليل على ذلك من الفترتين  المرينية والسعدية في المجال اللغوي:
* أحمد بن محمد الدقون الفاسي (ت : 921هـ) ، الذي وضع شرحا على شواهد الشريف شارح الآجرومية سمام « بداية التعريف في شرح شواهد الشريف»(12 ) .
وفي المجال الديني على:
* محمد بن أحمد بن مرزوق (ت 781هـ) صاحب «إظهار صدق المودة في شرح البردة»(13)
* عبد الرحمان الجادري الفاسي (ت ـ  818هـ) شارح البردة كذلك( 14)
ومن العصر العلوي نقتصر في المضمار اللغوي على:
* محمد بن عبد القادر الفاسي (ت: 116هـ) شارح شواهد ابن هشام ( 15)
* ابن الطيب الشرقي (ت: 1170هـ ) شارح:
0 شواهد الكشاف(16 )
0 شواهد البيضاوي( 17)
0شواه التوضيح( 18)
0 شواهد التلخيص(19 )
ونقتصر في المضمار الديني والصوفي على:
* علي بن محمد بناصر الدرعي الذي شرح قصيدة لامية لوالده في التصوف تعرف بالوسيلة( 20)
* محمد المكي الناصري(توف يبعد 1170هـ)، صاحب «البرق الماطر في شرح النسيم العاطر»، وهو شرح على قصيدة في القطب أحمد بن محمد بن ناصر بعنوان:      
«النسيم العاطر في مدح القطب أبي العباس، بن ناصر»(21 )
وثانيتهما: جانب الإلحاح من الشارح نفسه على هذه العلاقة القائمة بين الشرح الذي يضعه وبين خدمة كل من الدين واللغة، وهو إلحاح قد يقصد به صاحبه إلى تبرير إقدامه على شرح متن شعري، وتأكيد اعتبار هذا الشرح ليس غاية ف يحد ذاته، وإنما هو أداة يتوصل بها لشارح لإشباع نهمه الديني أو اللغوي على السواء.
ونكتفي في هذا المجال بإيراد عبارة لمحمد بن زاكور الفاسي (ت 1120هـ)، قدم بها لشرحه على لامية العرب إذ قال: « فإن معرفة كلامهم» ( 22) وسيلة إلى معرفة كلامه ( 23) وما أنزل الله وسبب، فكان لذلك من أعظم الوسائل وأجل القرب ، فلذلك شرحت لامية العرب(  24)   
 
* تطـور الشـروح: 
وإذا كانت الشروح الشعرية بالمغرب قد بدأت مبكرة كما أسلفنا، فإنها أخذت مع امتداد العصور في التكاثر والنمو، وخاصة في القرنين الهجريين الحادي والثاني عشر، إذ أصبحنا نجد أنفسنا أمام مجموعة واسعة من الشراح، يتعاملون مع المتون التي يشرحونها، إما من منطلق الاتجاهين اللذين حددناهما من قبل، كما تدل على ذلك مثلا شروح بردة البوصيري وهمزيته، ومقصورة المكودي ( 25)، أو من منطلقات أخرى جديدة يمكن أن نتبينها كالتالي:
* منطلق يستهدف غاية لغوية تعليمية، يرمي صاحبه إلى جعل فهم المتن الشعري سهلا ميسرا، وخاصة إذا كان الشارح معتقدا صعوبة النص، أو قصور القراء عن فهمه وإدراك أسرار لغته، ومن هذا القبيل شرح الحسن بن مسعود اليوسي (ت: 1102هـ) لداليته في مدح شيخه محمد ابن ناصر الدرعي( 26). إذ طرح أمامنا مقدمة أوضح فيها سبب وضعه لهذا الشرح قائلا:           
«فقد كنت سنة سبع وسبعين قلت قصيدة امتدح بها شيخنا الرباني وأستاذنا العرفاني، أوحد زمانه في العلم والدين، وشيخ أوانه في تربية المريدين، سيدنا أبا عبد الله محمد بن ناصر الدرعي، متع الله بوجوده، وأسبغ عليه وعلينا سوابغ وجوده، وأهنيه بمقبله من حجته الثانية، فرأيت كثيرا من رواتها تنبو أفهامهم عنها، ويستغربون كثيرا منها، فيعدون منها الدهش (تحير ووله مــع شدة اللذة من سياقها الأنيق المطرب) ضرسا (صعبا)، والسلس (السهل اللين المنقاد من معانيها ومبانيها) شكسا ( صعبا عسيرا). وما ذلك إلا لعموم الغباوة والجهل على أبناء الدنيا، وتقاصر هممهم عن العلوم، ولا سيما علم اللسان، فأردت أن أصنع تقييدا مختصرا يبين لحفاظها ما عسى أن يشكل من ألفاظها، غير متصد لتقدير معانيها، وتحرير ما لم يكن عنه بد من مبانيها، إذ ذاك يتسع ويطول، ويفتقر إلى أزمان وفصول»( 27)
وقد يلتقي هذا المنطلق التوضيحي مع الاتجاهين السابقين في شرح واحد، إلى جانب اعتبار المتن الشعري ديوان العرب، ومجمع مفاخرهم ومناقبهم، الشيء الذي يوجب شرحه وتوضيح غوامضه وأسراره، على غرار ما نلمسه مــن المقدمة التي صــدر بها سعيد الماغوسي ( ت: 1016هـ) شرحه (لامية العرب) ( 28) إذ جاء في قوله:
« ... وبعد، فلما كان الشعر ديوان العرب، والترجمان المفصح عما لهم من الأدب، والصوان الحافظ لمآثرهم، والسلك الجامع لمفاخرهم... وكان الفحص عن غرر حقائقه، والغوص عن درر دقائقه، مطمحا لأعين الفضلاء، ومسرحا لأفهم الأذكياء، لا سيما شعر العرب العرباء... اخترت من بين قصائدهم لامية العرب، وتتبعت أبياتها بشرح يبلغ منها أقصـى الأرب، لأن ألفاظها أصبحت من الهجران في غداة قرة، ومعانيها باتت من عدم الاعتناء بايلـة جرة، والذي دعاني إلى ذلك غرضان سيان:
أحدهما: ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه حظ على تعليمها وتحصيلها، ونص على تقديمها وتفضيلها.
والثاني: أن أسعفت طالبيها بقواعد تصريفية في فصول لغوية أمهدها، وأتحف قاصديها بفوائد نحوية في عوائد معنوية أسردها، لعلمي أن فهم كلام الله لا يتيسر على الوجه الأحكم، ولا يتبين معناه على الطريق الأقوم، إلا بمعرفة دقائق اللغة والإعراب، والإحاطة بما يوجد من النكت في كلام الأعراب » (29 ).
* منطلق يستهدف تقديم بديل عن الشروح السابقة لنفس المتن، وكأن الشارح هنا يتحول إلى متذوق ناقد، لا يرتاح إلى ما وضعه أسلافه من شروح حول متن معين، فيأخذ البادرة أو يتلقى الدعوة لوضع بديل يكون أحسن من السابقين، ويشفي غليل المتأمل المتبصر.
وفي هذا المضمار، نعود مجددا إلى الماغوسي المتقدم، لنقتطف مقطعا من الخطبة التي صدر بها شرحه لـ : (للامية العجم) ( 30)، يقول فيه: «... وبعد، فإن القصيدة اللامية المنسوبة إلى... الطغرائي... اشتمل عقدها من نفيس المعاني على درر مكنونة، وانتظم في سلكها جواهر من عيون اللطائف كانت عن أيدي الابتذال مصونة، مع الجزالة والحلاوة في اللفظ والمعنى، ورقة انسجام تزيل كربه عن المعنى... بيد أن شارحيها لم يشفوا غليل المتأمل، فمن مقصر مخل، ومن مطول ممل، فأشار من تتعين علي طاعته( 31) ولا يسعني مع الأدب مخالفته، عند قراءتها عليه، وتصحيح ألفاظها لديه، بأن أضع عليها شرحا يكشف القناع عن وجوه محاسنها ، وإبراز أسرارها المحتجبة في مساكنها، فلبيت دعوته بقدر الاستطاعة، وإن كنت فيما يحتاج إليه مزجي البضاعة ، وأمليت عليها إملاء يشيد مبانيها، ويوضح بعون الله ما ابنهم من معانيها. مؤثرا لما يلائم طبع المتأمل من المعاني اللطيفة، متجنبا لما يعده المنتقد من المباحث السخيفة» ( 32).
* منطلق يستهدف تصحيح أخطاء النساخ لشروح معينة، كما نصادف مثلا عند التهامي الشفشاوني في شرحه لـ (لامية العجم)؛ فقد جاء في مقدمة هذا الشرح قوله عن شرح صـلاح الدين الصفدي لهذه القصيدة: « فألفيت الناسـخ له في أكثر مجاله، يحـرف الكلم عن مواضعـه...» إلى أن يقول: « طمحت نفسي أن تثني عنـان العزم إلى اختصـاره، وتلتفظ دررا نفيسـة من لآلي بحـاره.. مقتصرا على ما سلم من تحريف نساخه» ( 33)                                               
* منطلق يستهدف الوقوف عند القيمة الأدبية للمتن المشروح، وذلك عن طريق الغوص في القضايا النحوية واللغوية والبلاغية والفنية عموما، ومن هذا القبيل الشرح الذي وضعه اليفرني( تـ : بعد 1155هـ)، على موشحة ابن سهل الإسرائيلي( 34)، إذ نجده يقول  في مقدمة هذا الشرح:
« طلب مني بعض من اتخذ ترداده وردا، ( 35)» وارتوى من زلال معانيه المترقرقة على صفا ألفاظه وردا، وجعله في ساعة الفرح تيمية من الترح، أن ا:تب عليه ما يوضح غامض معانيه، ويأخذ بمجامع قلب معنيه، ويسفر عن وجوه لطائفه، مسدل الحجاب، ويدير على حفاظه من سلافه كؤوس الإعجاب... فلما رأيت أنه لا بد من صنعا ( 36)، أجبتهم وإن كنت لا أحسن صنعا». ( 37)
* منطلق يستهدف الوقوف عند مضمون المتن المشروح، لا لتوضيح لغته وأسرار صياغته، ولكن لتوضيح مضامينه ومحتوياته، باعتبارها تمثل نوعا من الجدة والطرافة، أو تمثل جانبا من جوانب الحياة الإنسانية يستوجب شيئا من العناية والدرس. وفي هذا المجال نشير اختصارا إلى:
* «الفريد في تقييد الشريد» لأبي القاسم بن عبد الجبار الفجيجي (ت 1021هـ). وهو شرح وضعه على قصيدة عمه إبراهيم الفجيجي المشهورة بالصيدية، والتي سماها صاحبها «روضة السلوان»، تعرض فيها لعملية الصيد بكثير من الجزئيات والتفاصيل.( 38)

* أهمية الشروح:
وإذا نحن حاولنا الوقوف عند أهمية الشروح الشعرية بالمغرب، أدركنا أنها أهمية تتظافر في تأكيدها عناصر متعددة نوجزها في ما يلي:
1) تعتبر الشروح الشعرية بالمغرب مصدرا مهما من مصادر الأدب المغربي عامة، والشعري منه خاصة، إذ أنها وجه ومن وجوه المصنفات العديدة التي وضعها المغاربة في بشتى أنواع المعرفة، التي يرجع إليها الباحث اليوم، ليستخرج منها مجموعة من النصوص  الإبداعية: كمصنفات التاريخ، والتراجم، والرحلات، وغيرها لا داعي إلى بسطها هنا.( 39)
ومن ثم، فإن هذه الشروح تكون مادة أساسية لا يستغني عنها الدارس المتتبع، ولا يمكن إلا أن يعدها مصدرا لا تقل أهميته عن الدواوين والمجموعات وما إليها.
هذا، علاوة على ما يقف عليه الباحث فيها من تراجم الأدباء والشعراء، وما يمكن أن يخرج به من تصـور عن البيئـة المغربية في حقبة ما مـن الحقب، سواء كان ذلك مـن الوجهة الثقافية أو الاجتماعية أو غيرها.
2) تمثل هذه الشروح الثقافية الموسوعية للشراح، تلكم الثقافة التي تتميز باتجاهات عدة منها الديني والتاريخي واللغوي والأدبي... إذ تجمع هذه الشروح بين المادة التاريخية واللغوية والدينية والفقهية والأدبية التي كان الشارح متسلحا بها، والتي تبرهن على سعة هذه الثقافة عنده، وشموليتها التي تضرب في أكثر من اتجاه. ولعلنا نلمس هذه الظاهرة في العديد من الشروح الشعرية، وخاصة منها ما صدر عن شراح القرنين الحادي والثاني عشر الهجريين، أمثال اليوسي، وابن زاكور، واليفرني وغيرهم....
وليس بدعا أو غريبا تكشف الشروح الشعرية عن الثقافة الموسوعية لأصحابها طالما أن مصادر هذه الثقافة متنوعة متعددة، كما تشهد بذلك كتب الفهارس والبرامج، وكذلك الإجازات التي كانت تصدر عن الشيوخ في حق من نبغ من تلامذتهم، واستووا علماء مشاركين متصدرين للتدريس والتصنيف، وأيضا طالما أن عملية التصنيف لدى المغاربة عموما، ـ وأيا كان الموضوع الذي نتجه إليه ـ كانت تتميز بالتنوع والتعدد، ولم يكن المصنف يقتصر على ما يتصل بموضوع التصنيف فحسب، وإنما يستطرد في المصنف الواحد إلى مجموعة من المواضيع والقضايا التي تمثل سعة أفق المؤلف، وتزاحم الأفكار والقضايا على ذهنه أثناء عملية التأليف. 
ومن هنا جاءت الشروح الشعرية بدورها وجها من وجوه هذا التزاحم وضربا من الممارسة التصنيفية التي طبعت المؤلف المغربي في كافة المجالات ـ أو معظمها ـ وعلى امتداد المسيرة التاريخية التي عرفتها الساحة التصنيفية ببلادنا.
3) تعتبر هذه الشروح ـ إلى جانب كونها مصدرا للنصوص والتراجم أحيانا ـ مصدرا مهما، يطلع منه الباحث على مسيرة النقد الأدبي بهذه الربوع، سواء كان هذا النقد انطباعا أو تطبيقا أو كان جملة من المواقف والآراء النقدية التي تسعى إلى وضع بعض من
القواعد والأسس  ، سواء أيضا أصدر هذا النقد عن الشارح باعتباره يتعامل مع متن لغيره من الشعراء الأدباء، أو باعتباره يتعامل مع أحد متونه هو بصفته شاعرا مبدعا.
وسنكتفي هنا، بما ورد في المقدمة التي صدر بها الحسن اليوسي المتقدم شرحه لداليته في مدح  شيخه الدرعين إذ نجده يطرح بعض انطباعاته النقدية على هذه الدالية، وإن كانت انطباعات أقرب إلى التفريط والتنويـه، منها إلى النقـد الذي يستنبط محـاسن المتن ومساوئـه كذلك، ولا يقتصـر على الجانب الأول دون الثاني .
يقول اليوسي في هذه المقدمة:
« فإن القصيدة بحمد الله تعالى من بركة الممدوح بها، قد اشتملت من العلم على أنواع في كل منها مجل رحب للركض (استحثات الفرس للعدو وتحريك الجناح) والإيضاع (الإسراع في السير)».
فمن فنون العرب ثمانية: النسيب والأمثال والحكم والوصايا والوقائع والمديح ولاستعطاف والتهنئة.
وفيها غير ذلك، كالأوصاف والافتخار وسير المطايا. ونحو ذلك.
ومن فنون التصوف أربعة: الوعظ وشرح الملكة الإنسانية، وآداب السلوك، ومنازل السالكين، على ما يتبع ذلك كنسب الطريقة، وصفة القدوة، ونحو ذلك، وفيها مع ذلك جملة وافرة من اللغة ينتفع حفاظها.
هذا إلى ما احتوت عليه من براعة المطلع، وحسن التخلص، والانتهاء إلى ما ركبت عليه من ضروب البلاغة، وما دبجت عليه من أفنان البديع، وكل ذلك بحمد الله تعالى على أبلغ وصف وأبدع رصف. وحسبك منها أنها قد طالت إلى نحو خمسمائة بيت وأربعين بيتا، ولا يوجد فيها روي مكرر، ولا ضرورة تستنكر. وإذا تأمل ذلك كله وغير ذلك من محاسنها اللبيب المصنف، عدها كرامة من كرامات الشيخ الممدوح بها، فإني والله ليس لي فيها قوة ولا حول. وإنما هي نفحة من نفحاته، وبركاته...
ومن محاسنها أن نسيبها جار على أسلوب معظم القدماء، ومن بكاء منازل الأحباب والأثر على التحقيق لا بد على مجرد الفرض، كما هو حال معظم المحدثين.( 40)

  1) أنظر مقالنا بعنوان:( مدخل إلى الشروح الشعرية في الأدب المغربي)، مجلة دعوة الحق، عدد 286/ صفرـ ربيع الأول ـ ربيع الثاني، 1412هـ ، موافق شتنبر ـ أكتوبر 1991م                                                                    
  2) ذكره . عباس الجراري في :( الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحـدي)/ دار الثقافة، الدار البيضاء 
1394 هـ /1994م.ص: 71.
  3) ذكره د. محمد بنشقرون في (الحياة الفكرية المغربية على عهد المرينين والوطاسيين) ( باللغة الفرنسية)، مطبعة محمد    الخامس. فاس 1394هـ/1974م، ص: 209.
  4) الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي، ص 79.                
  5) «الإعلام بمن حـل مراكش وأغمات من الأعلام» : للعباس ابن إبراهيم السملالي، المطبعة الملكية، الرباط 1974، ج2، ص: 69.
  6) «الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام» ، المطبعة الملكية، الرباط 1400هـ /1980م ، ج9، ص: 136.
  7) « الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام»، ج2 ، ص: 133.
  8) «النبوغ المغربي في الأدب العربي» لعبد الله جنون، دار الكتاب اللباني للطباعة والنشر، بيروت، ج1، ص: 161.
  9) « الحياة الفكرية المغربية على عهد المرينيين والوطاسيين»، ص: 279.
  10) «الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام»، ج9، ص: 64.
  11) ذكره عبد العزيز بن عبد الله في مقال بعنوان: « الشعر والشعراء بالمغرب الأقصى»، مجلة دعوة الحق، عدد 276،  صفر الخير1410هـ/ شتنبر 1989م، ص: 47.
  12) « النبوغ المغربي»، ج1، ص: 220.
  13) مخطوط بالخزانة العامة بالرباط، رقم 1713د.
  14) مخطوط بخزانة القرويين بفاس رقم 643.
  15) « النبوغ المغربي » ج1، ص: 305.
  16) نفس المرجع أعلاه.
 17)نفس المرجع أعلاه.
  18) نفس المرجع أعلاه.
  19) نفس المرجع أعلاه.
  20) «الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية» للدكتور محمد الأخضر، دار الرشاد الحديثة ، البيضاء 1977. ص:   88.
  21) نفس المرجع، ص: 266.
  22) الضمير يعود على العرب.                                        
  23) الضمير يعود على الرسول (صلعم).
  24)  «تفريج الكرب عن قلوب أهل الأرب في شرح لامية العرب»، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط رقم 157د. الورقة 59.
  25) «أنظر مقالنا مدخل إلى الشروح الشعرية في الأدب المغربي». مجلة دعوة الحق، عدد 286، صفر ـ ربيع الأول ـ  ربيع الثاني ـ 1412هـ موافق شتنبرـ أكتوبر نونبر 1991م.
  26) سمى هذا الشرح: «نيل الأماني في شرح التهاني»
  27) « ليل الأماني»، دار العلم للجميع، ص : 2.
  28) سماه « إتحاف ذوي الأرب مقاصد لامية العرب».
  29) « إتحاف ذوي الأرب بمقاصد لامية العرب ». تحقيق وتقديم: ( محمد أمين المؤدب)، القسم الأول، ورقة 1 ـ 3،   (مرقون بخزانة كلية آداب الرباط).
  30) سماه «إيضاح المبهم من لامية العجم».
  31) هو السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي.
  32) روضة الآس، ص: 232، 233.
  33) شرح لامية العجم للشفشاوني، المسمى « إحياء النسـم، بنسيم الزهر، الذي أرج وبسم، من أفنان دوحة لامية العجم»   ( المخطوط غير مرقم).
  34) سماه: « المسلك السهل في شرح توشيح ابن سهل».
  35) الضمير يعود على موشح ابن سهل.
  36) اقتباس من قول الراجز  لا بد من صنعا وإن طال السفــر * وإن تحنى كل عــود ودبـــر
   (أنظر: لسان العرب، مادة: ص ـ ن ـ ع). 
  37) توجد نسخ مخطوطة لهذا الشرح بالخزانة العامة بالرباط، منها واحدة تحت رقم 4198.
  38) توجد نسخ مخطوطة لهذا الشرح بالخزانة العامة بالرباط، منها واحدة تحت رقم 4198.
  39) بسطنا القول فيها في بحث بعنوان: « مصادر الأدب المغربي ومراكزها» هو الآن قيد الطبع بمجلة المناهل.
  40) « نيل الأماني»، ص: 2 ـ 3.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here