islamaumaroc

من كتاب السلطان سيدي محمد بن عبد الله الأديب العروضي محمد بن الطيب سكيرج

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 289 رمضان-شوال 1412

مرت على المغرب فترات قاسية بعـد موت المولى إسماعيل، نظرا لما نشأ عن موته من اضطراب داخلي، ناتج عـن وجود بعض الفتن المترتبة عن عـدم الاستقرار الحكمي بعده، فقد كثر الخلاف بين أبناءه، وتسببت وضعية جيش البخاري في أحداث شغب متصـل، ولم يتغلب المغرب على هذه الفتن إلا باعتلاء المولى محمـد بن عبد الله على عرض أسلافه الكرام.(1 )
لقد استطاع هذا الملك العظيم أن يحمي الثغور، وينشر الأمن، ويربط العلاقات الودية بينه وبين عدد من دول العالم، وأن يسعى بكل مـا لديه من وسائل إلى التفاوض مـع بعض الدول المجاورة، لإطلاق سراح عدد من الأسرى المسلمين، فازدهرت بسببه السفارات المغربية التي تعهــدها بعطفـه ورعايته، واختار لها عـددا مـن الأدباء والعلمــاء ورجـال السياسة فنجحوا في سفاراتهم، ودونوهـا في رحلات ما زالت إلى الآن تنيــر الطريق أمام الراغبين في دراسة التاريخ المغربي أثناء هذه الحقبة.(2 )
ولقد كان المولى محمد بـن عبد الله حريصا على نشر وسـائل الثقافة في بلادنا، وعلى إحياء معالمهـا، والسعي في إصـلاح التعليم، سواء كان دينيا أو أدبيا، مع العمل على تشجيع الأدبــاء والفقهاء ورجـال الحديث، ليعتنوا بالتأليف المنظـم المـركز، القادر على جمع المعاني في قالب يسهل معه استحضار المضمون، وربط بعضه ببعض.
ولم يكن هـو نفسـه بعيدا عـن الميدان العلمي، فقـد ألف الكتب، ورتب أبوابها، وحـاول أن يكـون متحـررا في أفكـاره، بعيدا عن الجمود المطلق، والتقليــد الأعمى. ( 3) وكان يقرب إليه ذوي المواهب من الأدباء والعلماء، لتزدهـر الدولة بهم، ولتنمو الحركة العلمية بمواقفهم واجتهــاداتهم وإبداعاتهــم.
ومن بين الذين كان لهـم حظ في الارتباط بالخدمـة المولوية الأديب الشاعر محمد بن الطيب سكيرج، فقد كان ضمن كتـاب الدولة، وكـان يمتاز برقة الطبع، وجمال الخط وسرعة البديهــة، ويعتبر ضمن الشعـراء الذين كان لهـم وجـود أدبي في هذه الحقبة، وكـانت بينه وبين ابن الونان المعاصر له مساجلات كلامية بلغت إلى حد الهجـاء المتبادل، إذ من المعلوم في تاريـخ الأدب المغربي أن ابن الونان نظــم قصيدة في مدح السلطان سيدي محمد بن عبد الله، اشتهرت بالشمقمقية، مزجهـا بمختلف الأغراض من غزل وفخر ومساجلة . قال في مطلعهـا:
مهــــلا على رسلــك حــادي الأينــق        ولا تكلفهـــا بمــــــا لــم تطـــــــــق
فطالمــا كفلتهــــــــــا وسقتهـــــــــــا         سـوق فتــى مـن حالهــا لـم يشنــــق
وأثناء الفخـر بنفسه وبقبيلتــه اليمنية ذات المجد التالد، والمواقف الحاسمة قال:
هـم فخـرت ثـم زاد مفخـــــــــري           بــأدبي الغــض وحسـن منطقـــــــي
وزان علـمي أدبــي فلـن تــــــــرى          مـن شعـره  كشعــري  المنمــــــــق
فإن مـدحت فمـــديحي يشتفــــــــى           بــه كمثــل العســـــــل المـــــــروق
وإن هجــوت فهجــائي كالشجــــــا           يقـف في الحلــق ومثـل  الشـــــــرق
فبشــرن ذات الحســـــود إنـــــــــه           يظفـر في بحــر الهجــــا  بالغــــرق
وقـل له إذا اشتكــى من دنــــــــس           أنت الــذي سلكــت نهــج الزلــــــق
وقفــت في الجــرأة خاصـــي أســد          فمـت بغيظــك وبالريــق أشـــــــرق
ومــا الــذي دعـاك ياخــب إلـــــى            ذا الأفعـوان ذي اللســن الفــــــــرق
                                                                       
طقــت بالـزور أمـــا كنت تعــــــي            أن البـــــلا مــوكــل بالمنطــــــــــق
لــم تخــفي من شاعـر مهمـا انتضـى           سيـف الهجـا فرى حبـال العنــق (4 )
فقد أشار الجريري، شارح هذه الأبيات لقصيدة، أن ابن الونان حينما كان يوجــه لجـام غضبه على هذا الحسود إنمــا كان يقصد بذلك الأديب محمد بن الطيب سيكــرج،  لكن ماذا كــأن موقف هـذا من ذلك؟.
إنه تصدى هــو أيضا لابن الونان بقصيدة اشتهرت في الأدب الهجــائي المغربي، الذي يمثل هذا النــوع مـن الأغراض الشعريــة فقال:
ألا قــل لغمــر جاهــل وحســــــود                 غبـي بليــد الطبــع حلــف  جمــــود
ينافــس في العليــاء حبـرا مهذبــــــا                 لـه  في مقــام المجــد خيــر شهــود
لعمــري لقد أرقيت نفســك  للعــــــلا              بــلا سلــم إذ لـم تبـــــــــؤ بفريــــــد
وحاولــت أمــرا لست تعلــم أنـــــه                 تمنـــع عـــــــن ذي منعــة وعديـــــد
فكـم ظلت أسعــى في رشــادك  علنـي             أراك حــذورا مــن شديـــد  وعيـــدي
فهــا أنــذا مستجمــع الفكــر راكبـــا                مطيــة فخـــر فــــي  مقــام شهــــود
تيقــظ لقولــي واستمــع كــل حجـــة                فإنــك يا ابــن القيـــن بيت قصيـــــدي
وخـذ من قرى الأبطـال ما أنت طالـب              فلســت على راجــي النــدى بشديــــد
ولا تأس إن أبصــرت زلــزال بـــارق              تقـــــــدمــه نكبـــاء ذات خلـــــــــود
وإنــك مــــــا نبهـــت منـي نائمـــــــا                فللطعــن فاصبــر واعتجــز بضمــود
فأمــا اكتساب المجـد مــن عهد يعـرب               فمــا هــو عـــــن أسلافنــــا ببعيـــــد
وأمـا العلا فاسـأل تـرى فضـل  أهلنــا               فكـم حملــوا للمصطفـى مـن  بنــــود
وأمــا رعـــــايات الــــــذمـــام فإنهـــا                بأذيالنــــا نيطــت بغيــر جحـــــــود
وأمــا النــدى فانظــر بعينـك حينــــا                 فإن عيــون المــرء خيـــر شهيـــــــد
تخبرك الأنـــام عنــي حقيقــــــــة                   بأنــي فــــي لخـــم أعــــز  وليـــــــد
ذوي الحســب الموفـور والحلــم والتقــى           وكــــل فخــار داثــــــر  وجديــــــــد
إذا بــرزت يومــا طلائـع حزبهـــــم                 تـرى العــز يومـــي نحوهــا بسجــود
تراهــم لدى الهيجــاء أســدا فواتكــــا                وفـي السلــم سباقــا لكـــل  مشيــــد
تهــابهم الأســد القواصـم في الوغــــى              ويألفهــم فـــي السلــم كـــــل وليــــد  
أكفهــم تجــري على كلـل حالــــــة                    بحــرب وسلــم مـن نـدى وجسيـــد ( 5)
وهي قصيدة تأخذ نفسا تقليديا في المواجهة الشعرية، تذكرنا بما كان يقع بين الفرزدق وجرير، وقد أبرزت روحا قوية، وأبانت عن قيم مثلى كان يعتز بها الشاعر، ويعلم أن معاصريه إذا سمعوهــا أحبوه من أجلها، إنهــا الروابط التي تربطه بالأنصار، حيث أن أجــداده ينتمون إلى هؤلاء الذين آزروا الرسول (صلعم) ونصروه وعززوه.
ومن المعلوم في تاريخ الأدب المغربي، أن أسرة سكيــرج التي ينتمي إليهــا محمد بن الطيب كانت أســرة شاعرة، وأن بعض أجــداده كان ممن له شأن في المدح النبوي، فقد قال أحــد شعرائهــا الذين عاشوا قبله بزمن قليـل، وهو محمــد المدعو حمــو بن عبد الوهــاب  في أبيات وجهها إلى النبي (صلعم)، يتشوق إلى زيارتـه، ويبدي فيها لواعـج حبه، وصدق هيامـه ما يأتي :(6 )
إليـك رسول اللــه شوقـي وبغيتــــــي        ومنتهــى أغراضـي وسؤلــي وأسوتي
لتغفــر أوزاري وتقضـي حوائجــــــي        وأرجـو مــــن الله القبــول لتوبتــــــي
تداركنـي يا مــولاي بالعفــو والرضـــا       وعجــل بفضـل منك حجــي وزورتـي
وإنهـا لأبيات تصور مدى تعلق المغاربة بتلك البقاع الطاهرة، وتسجــل الشوق المتواصـل الذي لا ينطفـئ أنواره، ولا تنقضـي بواعثه.
ولعل اهتمام أسرة سكيرج في مدينة فاس بالعلـم، وانتماءهــا إلى الأنصار، كانت من بواعث التقدير لهذا الأديب الناشئ،  الذي أضاف إلى ما ورثه عن آبائــه من عطاءات ما يساعــد على استمرار نشاطهم العلمي والفني، فقد كان حاضر البديهة، دقيق الملاحظة، يجمـع بين النظم الأنيق، والنثر البديع، والقوة على التوضيح، بحيث لا تحس وأنت تقـرأ ما كتب بغموض في القول، ولا بتعقيد في المعاني، وبذلك وصفه كثير ممن ترجموا له قديما وحديثا.
قـال عنه الجريري شـارح الشمقمقية: «إنه  كـان آية في علـم المعقول والمنقول، وهـو ابن مقلة زمانه في ترصيف الخط وإبداع الرسم، مما تضرب به الأمثال في ذلك مخترعا فنانـا في بسط الخط المغربي والمشرقي والكوفي»(7 ).      
وقال عنه المؤرخ محمد بن عبد الســلام الرباطي الملقب بالضعيف ما يأتي: «إنه ركب يوما مع
السلطان سيدي محمد بن عبد الله القارب للتعدية بين الرباط وسـلا في وادي أبي رقراق، فأنشد بيتين أجازه عليهما بمائتي دينار، وهما قوله»:
ولمــا رأيت البحــر في الجــود آيــــة        ومــن جــود الــدر النفيس  المقلـــــد
سألتــه من في النــاس علمــك النـــدى        فقــال أميــــر المؤمنيــن محمـــــــــد
وممن ترجم له، المؤرخ سيدي سليمان الحوات، وقد نقل عنه الأستاذ المنوني في مقال له عن ملامح الحركة الأدبية في العصـر العلوي الثاني بالعدد الثامنة من مجلة دعوة الحق الغراء من السنـة الخامسة عشرة عام 1973م.
وقد اطلعت على ترجمته في كثير من المراجع الحديثة.  أذكر منها ما رأيته في ورقة بخط المؤرخ عبد السلام ابن سودة رحمه الله، ذكر فيهـا أنه نقلها من كتابه (زبدة الأثر ممن مضـى من الخبر في القرن الثالث والرابع عشر) وتشتمل على ما يأتي:
توفي في جمادى الأولى من سنة 1194هـ الفقيه العلامة الأديب الكاتب الشاعـر المقتدر أبو عبد الله محمد بن الطيب بن عبد القادر سكيـرج الأنصاري، من أولاد سكيـرج المعروفين بفاس، وهم ينتمون إلى الأنصـار. كان صاحب الترجمة كاتبا بحضرة السلطان سيدي محمد بن عبد الله علامة مشاركا، شاعرا يقول الشعر بديهة، حلاه أبو الربيع سليمان الحوات بقوله: صاحبنا خاتمة أهل الأدب، الذي كانت قريحته تنهـل من البلاغة على كل حـدب، يتيمة الدهر، في سلوك جواهر الفخر، له نظم رجز سمـاه (الشافي في علم العروض والقوافي)، وله حواش على شرح الشيخ ابن مرزوق على الخزرجية إلى غير ذلك، ولـه شعر متوسط الجودة.
ومن خلال هذه الترجمة، نرى أن مساهمته في التأليف كانت موجهـة إلى علم العروض، فهو من جهة كتب بعض الحواشي على شرح الخزرجية، ومن جهة وضع نظما رجزيا في علم العروض.
والغالب أن وضعه لهذا النظم كان منه مساهمة في تسهيل تلقين هذا العلـم، نظرا لكون الرامزة الخزرجية صعبـة التناول كثيرة العـروض.
اطلعت على هـذا الرجز بخط مؤلفه عنـد الأديب السيد عبد الكريم سكيرج رحمه الله، وهو  خط واضح جيد، وفي صفحته الأولى يقول:
الحمد لله، وضعت هذه الأرجوزة في ربيع الثاني من عـام 1176هـ، وأخرجتها  من مبيضاتها في رمضان من السنة المذكورة، وبالله التوفيق.
ويقول في صفحته الأخيرة:
انتهت بحمد الله وعونه، والحمد لله الذي هدانا لهـذا وما كنا لنهتدي لولا أن هـدانا الله، بخط مؤلفها الفقير إلى رحمة الله تعالى، محمد بن الطيب بن عبـد القادر سكيرج الأندلسي، لطف الله به، وأجاره في الدارين، وأماته على حسن الخاتمة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وتمتاز هذه المنظومة بجمال الأسلوب ورونق العبارة، وتحديد الرموز وتفسيرها وتعيينها. يقول في مقدمتها ما يأتي:
حمــدا لمن  بسط أبحــر النعـــــــم              ومــن مديـد طولــه يؤتــي الحكــــم
ثـم على خيــر الورى صلاتــــــــي            وآلـــــه وصحــــــبـــه الهــــــــــداة
والتابعيــن نهجهـــم على الــــــدوام            مــا مدحــه صيـــــغ بنثـر ونظـــــام
وبعــد فالشعــر له ميــــــــــزان                بــه يلــوح النقـــــص والرجحــــــان
وذلـك الميــزان سمـــه بالعــــروض           فكــن بــه على الـدوام ذا نهــــــوض
وهــو ما معــتدل وزنــــا عــــرف              بـه وراجــح وناقــص  وصـــــــف
فالنظـم مــا قصــدت فيـه وزنــــــا               وكـــان ذا قافيـــــــة ومعنــــــــــى
والشعــر نظـم مـن كــلام العـــــرب            أو مــن تلاهــم بكــلام عربـــــــــي
أبحــره (فيـه) تقــوم مــن سبـــــب              ووتـــد وذا المقـــــال المنتخـــــــب
طــول مديــد البســط وقــر كاملـــن             بهــزج رجــزج وأرمـــل سارعــــن
وســـــرح الخفيـــف  للمضــــارع             واقتضب المجتـــث قـرب  السامـــــع
واجعــل حـروف أبجــد  للأبحــــــر            عــلامة للسيــن فافهــم خبـــــــري
أول نطــق المــرء حــرف حركـــــا             إن زدت ثــــان سبـب قـد سبكــــــا
وعلمــوا بالصفــر للمحـــــــــرك               وساكــن بألــف كــــــــذا حكــــــــي
قــال للخفيــف وثقليــه عــــــــل                 ووتــد إن زدت حــرفا يجعــــــــل
وســم  بالمفـروق فعــل وفعـــــــل              لضــــده والجــزء من جنسيــن حـــل
هــو خماســــي وسباعــي  الأصــول           أربعــة والفــرع ســـــت فتقــــــو ل
فعـولن أول مفاعيلــــن  مفــــــــا                علتــن أفرق فـــاع لاتـــــن بالوفـــــا
والفــرع فاعلــن كــذا مستفعلــــــن              وفــاعلاتــن  متفاعلـــــن حســـــــن
كذاك مفعــولات مــع مستفــع لـــــن             مفــروقة الوتــد فاحفظهـــا وصــــن
ورتبـن لهـــا حــروف  أبجـــــــد                 للــــــــــيــــــــــــا وأول لأول ورد
                                                                                 
وإنمـا المصــراع منهــا  يبنـــــــى              والبيــت مصراعــان  فـــادر المبنـــى
وهــو اليتيـــم والثـــلاث نتفـــــه                 والعشــر قطعــة فاحـــكـــم وصفـــــه
تمـــام عشريــن هـــو القصيـــــد                 أتــى عــن الفـــــــراء ذا التجريـــــــد
دوائــر الخليـــل خفشـــق وهــــي               مختــلــف مؤتلــــــــــف فانتبـــــــــــه
مشتبــــه مجتلـــب متفــــــــق                    وزن لجــــــــزء مثلــــــــه تحـــــــــق
وهكذا استمر في نظمهـا إلى نهايتها، ويمكن تحديد مضمونها فيما يأتي:
أولا: التعريف بعلم العروض.
ثانيا: التعريف بالشعر، وسار في ذلك على القول الذي يجعل القصد أساسا في حقيقة الشعر، إذ لا يكفي أن يكون الكلام موزونا مقفى، إذ لا معنى في إدخاله في باب الشعر، لأن هـذه الأوزان قـد تأتي عفوا دون قصد في كلام نثري، سـواء كان نثـرا عاديا، أو كـان حديثا، أو كـان قرآنا، فليس من الشعر قول الله تعالى:
          لــن تنالوا البــــر حتــى          تنفقـــوا ممــــا تحبــون
 رغم التوازن النغمي، لأن ذلك ليس مقصودا، وقد كان العرب يعرفــون ذلك، ولذلك لم يستطيعوا أن يستدلوا على قولهـم حينما نسبوا الرسول إلى الشعر. فهم حين قراءتهــم للقرآن اضطربـــوا، وأزالــوا هذا الحكم بذاتهم لأنهـم وجدوا سبك القرآن أسمـى من قوانين الشعر، وأقوى من ظواهره.
وكذلك ليس من الشعر قول الرسول (صلعم)
       أنـــا النبــي لا كـــــذب   *  أنـــا ابــن عبــد المطلب
فإن مجرد التوازن الصوتـي لا يجعل الكلام شعـرا ما لم يكن مقصودا ومكررا ومرتبا حسب قوانين الشعر المعروفة.
ثالثـا: الإشعار بأنه يسير على مذهب الخليل في تحديــد أوزانه بخمسة عشرة بحرا.
رابعـا: انتقاؤه للقول الذي يرى أن الأبحر إنما تقوم من الأسبـاب والأوتاد فقط، دون الاحتياج إلى ذكر الفواصل وقد قال: إن هــذا هو القول المختار المنتخب.
وهو رأي سار عليه ابن عبد ربه قديمــا، والغالب أن سبب هذا الاختيار راجع إلى  الصورة التركيبية ، وليس راجعا إلى الصورة المرئية، مع أن الشعر يحتاج إلى الاعتبارين معا، لأنه محتــاج للانسجام والإيقـاع. وإذا كان الانسجـام داخليا فإن الإيقاع مرتبـط بالقوافي، والشعر في تفاعيله يحتـاج إلى الأسباب والأوتـاد، ولكنه في إيقاعـه يحتاج إليهمـا وإلى الفواصل، وهـذا هو السبب الذي دعــا الخليل إلى وضع المصطلحات الستة، ولم يقتصر على الأربعة التي سار عليها صاحب المنظومة، لذلك نرى أن هـذا الانتخاب الذي ارتآه الناظم راجع إلى عدم التنبـه إلى الوجهة التي كان يراها الخليل رحمه الله.
خامســا: الحديث عن التفاعيل الأصلية والفرعية، وقد كـان دقيقا في شرحها
سادســا: التعريف بحد القصيدة، وقد سار على مذهب القراء، وهـو مذهب غير مشهور يخالف ما عليــه الجمهور الذي يحـدد القصيدة بسبعة أبيات فأكثر.
سابعــا: الحديث عن الدوائـر الخليلية بدقة،  إلا أنه سار على القول الذي يسمى الدائرة الثالثة بدائرة المشتبه، والرابعـة بدائرة المؤلف ، مع أن العكس هو المشهور.
وهكذا انطلق في تفصيل هـذا العلم فيما بقي من الأرجوزة، واستخدام الرموز والإشـارات الدالة على الاستدلالات المعهودة المتداولـة بين علماء العروض شأنه في ذلـك شأن أصحاب المنظومات الأخرى.
إن المنظومـة العروضية ليست ذات قيمة،  إلا من حيث تكثيفها للمعلومات، وإلا فهي محتاجـة احتياجا ضروريا للاطلاع على الشعر الخارجي، وحفظ ما هو ضروري ، لتمثل القوالب الشعرية العامة، بل إن الحفظ يجب أن يكون على نوعين: حفظ الشواهد العامـة، وحفظ ما يوازيها من الشعر الجيد.
أما الشواهـد العامة فللقدرة على الاستفادة من المنظومات، وأما ما يوازيها فللقدرة على الإبداع، وللتمكن من الوسائل الفنية المواكبة للعلم، إذ لا فائدة في علم العروض إذا لم يكن مؤازرا باستعداد ذوقي وفني، يخرج القواعد من إطارها الجـاف إلى إطـار يحيي الذوق وينعش الأدب.
فالمنظومات على هذا الأساس هي تلخيص لما هو موجود لا انطلاق إلى ما هو مفقود، وهذا هو الأساس الذي يجب أن توظف عليه، أما إذا جعلت هي المنطلق للعلم، فإن ذلك سيكون عسيرا ولهــذا كان ينبغي في شرح المنظومات التعليمية أن تبدأ بشرح المضمون العلمي مستقلا عن النظم حتى إذا استوعبه القارئ، وعلم محتواه، قدم إليه النظم على أساس أنه خلاصة لما قـدم، وفي ذلك فائدة كبرى.
ولحد الآن لم أجد من اتبع هذه الطريقة في شرح المنظومات، مع أنها حسب ما يتضح تعتبر منهجا سديدا.
وعلى أساس المنهاج القديم تولى أحد العلماء المغاربة شرح المنظومة المذكورة وأعني به الفقيه أبا العباس أحمد سكيرج، الذي وفق في هذا الشرح، نظرا لذوقه  الأدبي، ولكثرة استدلالاته، ولوفرة نقوله.(8 ).
وهذا الشرح ما زال مخطوطا يتجاوز مائتي صفحة من الأوراق ذات الحجم المتوسط ، ولقد سماه بـ (منهل الورد الصافي، والهدى من فتح الكافي، في شـرح الشافي، في علمي العـروض والقوافي)، وتعمد  أن تكون حروف العنوان ـ إذا قوبلت بالأعداد ـ تاريخا لإتمام تأليفه، وهو سنـة 1321هـ وهو شرح يتجاوز مائتي صفحة من الحجم المتوسط، يمتاز بسعـة المعرفـة، ودقـة العبارة وشمولية الاطلاع، رغم أنه ألف في أيام شباب هذا المؤلف القدير رحمه الله.
قال في مقدمة شرحه لما وقفت على الشافي في علمي العروض والقوافي، نظم ابن عم جدنا الأعلى، المرحوم بكرم المولى السيد محمد بـن الطيب بن عبد القادر بن ج حمو سكيرج، كاتب جلالة السلطان المغمور في رحمة الله سيدي محمـد بن مولاي عبد الله وألفيته نظما عجيب الصنع، حادى به رامزة الخزرجي في الوضع، وأظهر فيه مـا انبهم من المعاني، بأوضـح عبارة في رفيع المباني، وشيد فيه من قصور الزوائد، ما يرى من أعظـم القواعد، عزمت على شرحه، وفتح أبواب صرحه، لينال به كل طالب قصـده من هذين العلمين، فيعــود النفـع على الجميع إن شاء الله من غير مين.
والواقع أنه حاول أن يجعل هذا الشرح عمدة علمية، جال فيه جولة العارفين، ونقل فيه نصوصــا من مختلف كتب الأقدمين واستخدم الجانب الذوقي في اختيار الاستدلالات الرائقة المنسجمة مع ذوق الأدباء وذوق المتصوفين، وأكثر فيه من الإحالات. مما يدل على سعــة اطلاعه، وقـوة خبرته، ولو تيسر طبعه لأفاد في بابه.
ولقد اطلع على هذا الشرح نخبة من الأدباء المغاربة، فقرظوه تقريظا حسنا، وأبانوا عن الواقــع المغربي في أوائل هذا القرن من حيث الاطلاع والاهتمام بالجوانب الأدبية والجــوانب اللغوية، ولقد تيسرت لي الظروف أن اطلع على هاته النسخة المخطوطة، وبملحقهـا المخصص للتقريظات المعبرة عن قيمة هذا الكتاب وقيمة مؤلفه.
مـن ذلك، تقريظ أستاذه الشريف مـولاي إبراهيم العلوي، وتقريظ شيخه الحاج عـبد الكريم بنيس زيـادة على مـا كتبه علماء أجلاء، وأدباء مشهـورون في بلادنا، وهـم حسب الترتيب الزمني في التقريظ.                                             ـ مولاي عبد الرحمان ابن زيدان الذي اطلع عليه سنة 1324 هجرية.
ـ عبد السلام بن محمد العلوي المدعو بالمحب اطلع عليه سنة 13265هـجرية.
ـ  مولاي المدني  ابن الغازي الرباطي اطلع عليه سنة 1331هجرية.
ـ أبو العباس سيدي أحمد بن الموازن، اطلع عليها سنة 1332 هجرية.
ـ الحيه بن شيخه الشيخ ماء العينين، اطلع عليه سنة 1356 هجرية.
ـ السيد عبد الله بن العباس الجراري الرباطي اطلع عليه سنة 1357 هجرية.
وإن اهتمام المؤلف بهذا الشرح لمِمًَّا  يدل على إعجابه بمحتواه، فهــو كان يرى فيه صورة من شبـابه يعرضه على العلماء كلما واتته الفرصة، ويعتز بذلك اعتزاز الظافــر بالظفر، ويفتخر افتخــار الغازي بالانتصار.
وإن من أحسن ما يبقى عالقا بالأذهان، محتوى هاته  التقريظات المكتوبة بخطوط منشئيها، فهي صورة أدبية رائعة تمثل بعض ملامح الأدب المغربي في القرن الرابع عشر، شعــرا ونثرا.
ولا بأس أن نقدم إتماما للفائـدة نموذجا منها، لنرى من خلاله هذه الظاهــرة الأدبية الرائعة، وقد وقع اختياري على ما كتبه الشريف السيد أحمد بن المواز فقد قال:
الحمد لله الذي جعـل العلم شرفا للأقدار، وسبيلا للنجاة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المنــزل عليه، (يرفع الله الذين آمنــوا منكم والذيــن أوتوا العلم درجــات)، وعلى آله أســوة الاقتداء وصحابته نجوم الاهتداء.
وبعد، فلما أتحفني حبيبنـا العلامة البارع، المدرس المطالع، ذو الخلال الرائقة والشمائـل المتناسقة، أبو العباس سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج، بمطالعة تأليفـه: (شرح الشافي في العـروض والقـوافي)،  سامرت خرائد معانيه، وأجلت النظـر خلال مبانيه، فألفيته بحيث لـو اتصل بالخليل لاتخذه خليلا، ولو غنج بصر الأخفش لما ابتغى عن العلاج به بديلا، ولـو هز نخلته ابـن مرزوق لنال من بسرهــا ارتزاقا، ولو طالعـه ناظم المتن لفتـح لسليله أحـداقا، وقال: هكذا يحيي الخلف أثر السلـف سيرا وفاقـا.

فمــا هـــو إلا منهــــل طــاب  ورده      ومرعــى لـرواد المناجــع يقصــــــد
تـزف به خــود العــروض عرائســــا    وزهــر القوافي مـن مـراقيه  ترصـد
وضمــن مـن صرف ومــن لغــة ومـن     بيــــان وآداب  أساليــب  تحمــــــــد
                                                             
ومستدركـات يقــدح الفكــر زنــدهـــا   * ومستطــــردات للبــراعــــة تسنــد
زهــا بـه تقريــض يؤرخــه وفــــى    * بـاتقاتـــه نيــلا سكيــرج أحمـــــــــد
وبالجملة، فلله در صاحبه من مشارك أديب، وظافر من أسباب البلاغة بأوفـر نصيب زاد الله في معناه، وأثابـه على نيته الصالحة فيما حرر مضمونه ومبناه، وأورده وإيانـا من رضى الله منهلا صافيا، وألحقنا وجميع عباده من لطائف ستره ثوبا وافيـا، بجاه سيـد الأنام، عليه وعلى آله أزكى الصلاة والسلام.
والواقع أن هذا التقريظ لـم يكن ناتجا عن مجاملة أو محاباة، وإنما كان مرجعه إلى قيمـة هذا الشرح شكلا ومضمونا، فهـو يمتاز بكثـرة النقول، وبالتدخـل في التفاضل بينهـا ومن الدلائل على ذلك، قوله حين الحديث عن البسيط:
« ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن في الخماسي والسباعي الكائنين في الحشو بحسن فيهما، قال الدماميني ويظهر أن الخبن في السباعي إنمـا يحسن في أول الصدر، وأول العجز. والطبـع السليم يشهـد له، فينبغي أن يكـون في غيرهما صالحا، وأمـا فاعلن في العروض الأولى، وضربها الأول، فالخبن فيه ملتزم، وإنمـا التزم خبنه لأن السبب فيه يعتمـد على الوتد بعده اعتمادا قويا».
فنحن نلاحظ أنه لم يكتف بالنقل وإنمـا أدخل عنصر الذوق في الحكم، دليلا على أن ذوقه الأدبي كان رائعا. هذا وإن الإشارة إلى المصدر لمِمَّا فيدل على النزاهة في الإحالة، وإلا فإننا نجد بعض الذين يكتبون في هـذا الموضوع يوحون أحيانا بأن أذواقهم جعلتهم يميزون بأن الخبن في مستفعلن الموجــودة في أول الشطرين مستحسنة، دون أن يشيروا إلى مصدر ذلك،  ومن هؤلاء الدكتور إبراهيم أنيس رحمه الله في كتابه (موسيقى الشعر).
وعلى كل حال، فإن شرح هذه المنظومة قد أعاد للأديب محمد بن الطيب سكيرج ذكره اللائق به، وأبان عن قدرته الفنية، وعن مساهمتـه في إحياء الأدب العربي على عهد السلطان سيدي محمد بـن عبـد الله تغمـده الله برحمته.
وإني لأرجو أن تجد هذه المنظومة بشرحها هذا سبيلا إلى النشر من لدن بعض رجال الأدب،  ليتناولهـا النقاد برعاية، وليبينوا ما تحتوي عليه من تجديد في منهجهـا التلقيني، وما يحتوي عليه شرحها من عيون الأدب، وحسن التطبيق.

 1 ) امتدت أيام حكمه من سنة 1171هـ إلى 1204هـ.
 2 ) من بين هذه الرحلات السفارية رحلة الغزال ثم رحلة ابن عثمان المكناسي إلى إسبانيا ، ورحلة الزياني إلى تركيا.
 3 ) يمكن الاستدلال على ذلك بكتبه الحديثة، وبكتابه (طبق الأرطاب) الذي شرح فيه الحديث المتعلق بأركان الإسلام الخمسة،
= الموجود بمخطوطات خزانة القرويين تحت رقم 745.
  4) أنظر: القصيدة بكتاب (النبوغ المغربي) لعبد الله كنون رحمه الله ج3، ص: 834
 5 )( النبوغ المغربي) ج3، ص: 704، إلا البيت ما قبل الأخير.
 6 ) نقلت هذه الأبيات من ورقة كانت بخزانة الفقيه الحاج أحمد سكيرج رحمه الله، مكتوبة بخط العالم المرحوم السيد العربي
   الشامي.
 7 ) وظف الفقيه المنوني هذا النص أثناء الحديث عن الوراقة المغربية في عهد السلطان العلوي محمد الثالث (أنظر دعوة
الحـق/ العـدد الثاني مــن السنة الثامنة عشرة/ مـارس 1977).
 8 ) جعلت هذا الشرح من مصادر كتابي الذي ألفته في علم العروض المسمى (تيسير علم العروض والقوافي). المطبوع
    بمطبعة محمد الخامس الجامعية الثقافية بفاس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here