islamaumaroc

خطاب العرش الذي ألقاه مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده الذي وجهه -حفظه الله- إلى الأمة بمناسبة الذكرى 31 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين.

  الحسن الثاني

العدد 289 رمضان-شوال 1412

وجه مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصـره الله وأيده صباح يوم الثلاثاء 27 شعبان1412هـ / موافق 3 مارس 1992م خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة عيد العرش المجيد وحلول الذكرى الواحدة والثلاثين لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين.
وقد كان جلالته ـ رعاه الله ـ أثناء توجيهه لهذا الخطاب ـ الذي نقل على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة ـ محفوفا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سيدي محمد، وصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي هشام.
وفيما يلي النص الكامل للخطاب الملكي السامي.
الحمد لله
والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
شعبي العزيز،
نستقبل في مثل هذا اليوم من كل سنة ذكرى عيد العرش المجيد، نرتاد في غمرة الأفراح والمسرات مغانيها، ونتوقف عندها نستجلي دلالاتها، ونتملي مغازيها نستلهم منها العزم على مواصلة البناء والتشييد.
ونستشرف على عتبة كل ذكرى الطموح إلى المزيد .
إن هذه الذكرى التي قيض الله لنا ـ أنت وأنا ـ أن احتفلنا بها طيلة إحدى وثلاثين سنة ليست عيدا كسائر الأعياد، ولا تخلد إقامتها مجدا واحدا بين الأمجاد، بل هي عيدك الوطني الأسمى، جماع المفاخر، والرباط الذي يشد حاضرك إلى تاريخك القديم الزاهر، حيث اكتمل  لتأسيس العرش أزيد مـن إثني عشر قرنا، عاشتها بلادنا في ظلاله تألقا ومساهمة ومنى.
وإذ نحتفل بهذا العيد، ممجدين ما يرمز إليه من قيم سامية، ومكبرين فيه ما يمثله ويحتضنه من مثل زاهية، فإننا نقف بذلك وقفة في موعد مع التاريخ، تستحث  منا الهمم على التشبث بتلكم المثل والقيم، وتهيب بما أن تؤلف عهودنا ـ ماضيـا وحاضرا ومستقبلا ـ لوحة زاهية الألوان، أو تحاكي شجرة سامقة ممتدة الغصون، يانعة الأفنان، لا انفصام بين جذورها الضاربـة في القدم،  ونتاجها المعطاء الموصول، ولا قطيعة بين ما حفلت به بالأمس من عطاء، وما تحفل به اليوم ومـا هو منتظر منها في الغد ومأمول ، لنصرف بذلك فعلنا في جميع الصيغ والأزمان وليكون حاضـر المغرب خليقا بماضيه الزاهر، ومستقبله أعطى وأزهى مكاسب ومفاخر.
إن هذا العيد ـ شعبي العزيزـ عطاء من والدي المرحوم والجيل السابق من شعبه، فرضاه وانتزعا الاعتراف به في ظروف عصيبة من عهد كفاح التحرير كان يراد فيها من المغرب أن ينسلخ عن جلده ويجتث من جـذره، فكان التعلق بالعرش تشبثا بالكرامة والتاريخ والسيادة، وكان التحام الملك والشعب الدرع الذي تكسرت عليه المؤامرات والمكائد، وانتصرت به في النهاية إرادة الشعب والقائد.
وقد ورثنا ـ أنا وأنت ـ الاحتفاء بهذا العيد سنة حميدة، ومآثر فريدة، ومعها ورثنا ما ترمز إليه من مفاخر وأمجاد، حققتها الأجيال السابقة من مواكب الآباء والأجداد.
وإذا كان الله قد استأثر بواسع رحمته والدنا وهو وشعبه ينعمان بموصول المحبة المتبادلة، فقد انتظمت بيني وبينك منذ أن ألقى الله إلي بمقاليد أمورك رابطة حب مكين، تناغم فيه قلبانا، وهما في الحقيقة قلب واحد، مثلما تمكنت فيه بالأمس رابطة الحب بين الشعب ووالده القائد، وفاء لعهد نحمد الله عليه أن ظل بيني وبينك موصولا، إن العهد كان مسؤولا.
شعبــي العزيز:
إننا ونحن نحيي اليوم الذكــرى الواحدة والثلاثين لتربعنا هذا العرش العظيم، تغمرنــا نشوة العزة والفخار بما حققنا معا من منجزات طيلة العقود الثلاثـة الماضية، حيث عملينا لإنجازهـا بإرادة مشتركة وصادق يقيـن، وبعزم لا يكل ولا يليـن.
ولقد واجهتنا على طريقنا صعوبات ذللناها، وحاولت أن تصدنا عن مواصلة السير مكائد حطمناها. وكانت الحصيلة ـ الحمد لله ـ إيجابية فما كان الله ليخذل من التجأ إليه، ولا لخيب رجاء من توكل عليه.
ويعود نجاحنا في اجتياز مسيرتنا الظافرة إلى التحام الجبهة الداخلية المرصوصة من حولنا والتي نعي أنها خشبة النجاة، فلا نفتأ نصونهــا ونلحمها. جامعين شتات الأمة، رائين صدعها، دافعين عنها غوائل الشرور والأضرار مؤمنين لها في سيرها توقي التعثرات والأخطار.
إن الجالس على عرش هذه البلاد، الذي تدعوه الأقدار. وتصطفيه لقيادة الشعب، يصبح بمقتضى تسنمـه ذرى المسؤولية العظمى القائد المضطلع بشؤون الأمة وأعبائها، والأب العطوف الراعي للأسرة الكبيرة. الدافق قلبه بحب أعضائها المترفع فوق خلافاتها ونزعاتها وهيآتهـا، فالأمة كلها له بمجاعاتها وأفرادهـا مثلما هو للأمة جمعاء، لا ينبض قلبه إلا بمشاعرها وأحساسيها.
وهذا الدور الأساسي الخطير أوكلته التقاليد المرعية على مدى العصور إلى ملك المغرب، وكرسه الدستور في مقتضيات أقرتها إرادة الأمة، التي جعلت من العرش  مؤسسة المؤسسات. ومن النظام الملكي النظام الوطني الثابت للأمة.
وتقيدا بذلك حرصنا طيلة سنوات عهدنا على القيام بدورنا التاريخي الدستوري كامـلا، فمارسنا سلطاتنا كأمير المؤمنين، وحامـي الملة والدين، والحارس اليقظ لسيادة المغرب ووحدة الكيان, والقائد الموجه والممثل الأسمـى للأمة، لـم نبخل في هـذا السبيل بوقت أو جهد أو تضحية، مسترخصين في ذلك كـل ثمن ولو كان الأغلى، موثرين تحمـل المكـاره في حـق المثل والقيم، فـذلك عندنا أطيب وأحلى، متزودين من مدرسة كفـاح والدنا أغنى الـدروس، وهي المـدرسة التي استرخصت في سبيل الله الأرواح والنفـوس.
ولقد كانت الرهانات التي راهنا عليها عندما أنيطت بنا المسؤولية العظمى، وأنطنا بكسبها سياسة حكمنا من الحجم الكبير. كانت تبدو في كل مجال صعبة المنال، وتظهر في شكل تحديات تعز مغالبتها. لكننا جعلنا منها خياراتنا الأساسية التي لا رجعة فيها. ووطنـا العزم على التغلــب عليها، مراهنين على قدرتنا وقدرة شعبنا على اقتحام كل عسير.
كانت ـ شعبي العزيز ـ هذه الرهانات تتمثل في استكمال الاستقبال وبسط السيادة على تراب المغرب الموحد في حدوده الحقة، باسترجاع ما بقي مغتصبا من تراب مملكتنا، كما كانـت تتمثل في جعل الاستقلال أساسا وغاية لتحرير الفرد وتعزيزه، بتوفير الحريات الفردية والجمــاعية. وكان من بين هذه الرهانات تأهيل شعبنا وتمتيعه بنظام الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية التي هي غاية الديمقراطية السياسية. إذ هـذه بدون الأولى مجـرد شكلية مظهرية.
كما كان من بينها تحرير الاقتصاد الوطني من التبعية، وإقامة ليبرالية سياسية عن طريق التعددية . التي أمسكنا بقصب السبق إليهـــا داخل عالم الجنوب في وقت مبكر. عندما نص دستور سنة 1962 على أن الحزب الوحيد ممنوع، ودستــور سنة 1970 ودستور سنة 1972 على أن الحزب الوحيد نظام غير مشروع.
كما راهنــا على إقامة المغرب العربي الكبير وعلى تبوييء بلادنا مكانتها بين الأمم، وقيامها بدورهــا التاريخي الرائد في العامل العربي والإسلامي.
وإذا كنا أقررنا في الدستور أن الإسلام دين الدولة، فقد كنا دائما حريصين على تطبيق تعــاليم الإسلام في انفتاح وسماحـة تقيـدا بالإسلام الحق وعملنا على أن يظل المغرب النافذة المفتوحة على العالم والمنعطف الواصل بين القارات، وأرض الحرية واللقاءات في إيمان لا يتزعزع، بفوائد التعاون الدولي، والالتزام بمقتضياته.
 ومن فضل الله علينا وتوفيقه، أننا نجحنا في تطبيق معظم هذه الخيارات، وفي كسب أغلبية هذه الرهانات، فالمغرب في الداخل يتميز بميزة الاستمرار وطابع الاستقرار، وله في الخارج مكانته الفضلى وسمعته المثلى.
 فحمدا لله على جميع ذلك وشكرا، إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا.
 شعبي العزيز،
 تتلاحق السنون ولا تتشابه إلا في  النادر، وهذا بخلاف القول المأثور:
«التاريخ يعيـد نفسه»
نعم، إن الأحداث الدولية التي عشناها أخيرا لم تكن في غالبيـها سوى استمرار لما سبقهــا من أحداث، لكن يبقى أن كل حقبة تتميز بوقائعها في الظاهر على الأقل، وهو ما يجعلها غير معزولة تماما عما قاربها من أحــداث في الماضي القريب.
 إن العالم يتغير على مسمعنا وتحت أبصارنا، وأننا نشهد نشوء خريطة سياسية جديدة تزحزحت بفعلها أرضية التحالفات بعد أن كانت ثابتة صلبة أمس ولقد هيمن على عالم ما بعد الحرب طوال أزيد من أربعين عاما عملاقان، وكانا يتصارعان في حر ب دائمة باردة بالنسبة لهما، لكن حقيقية وساختـة في أقطار وجهات كانت تنوب عنهما في خوضها.
وقد انهار أحد العملاقين بأفول نجم الشيوعية وسقوط النظام الشمولي الذي كان يشكل ركيزتها. وهكذا أصبح العالم  يعيش ظاهرة أحادية القطب، فهل نشكو من هذا الوضع الجديد أم ننشرح لقيامه.
هذا السؤال المطروح.
وفيما يخصنا، لا يمكننا إلا أن نعتبر أمرا إيجابيا التقدم الذي حققته الديمقراطية، وما ترتب على ذلك من فوز المبادئ والقيم التي تعد أساس حياة الشعوب والأمم المحبة للعدل والحرية.
لكننا مـع ذلك، لا نغالط أنفسنا، علما منا أن الديمقراطيـة التي يهفـو إليها جميع الناس، والتي تصلـح لهـم يجب ـ إذا أريد لها النجاح  ـ أن تتوطن وتمـارس بمقادير مدروسـة، ليتم تكييفها مـع الواقع المعيش.
فالديمقراطية ـ قبل أن تسجل في القوانين أو الدساتير ـ هي أولا مجموعة من التقاليد التي يرثها جيل عن جيل، والتي تقتضي هي نفسها نمطا معينا من الحياة، فإذا أريد زرعها عنوة، وبشكل عنيف في مناخ يفتقد الجذور الملائمة، انتاب المجتمع خطر التفجر الذاتي والأمثلة وفيــرة في المجموعات الإنسانية أو المجتمعات التي لم تقـو على هضم ما يراد  تغذيتها به هذا المجال، فلم تنجح فيها التجربة. 
 نحن نعتقد أنه عندما تحل المحنة يستحب أن تسود الحكمة، وهذه الحكمة تلازم السياسة المتبعة تجاه الأشقاء والحلفاء والفرقاء، ولقد سجلنا بعظيم الارتياح التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين جزائريين من المستوى الأعلى، المؤكدة تمسك الجزائر الشقيقة تمسكا عميقا باتحاد المغرب العربي، وعزمها على بذل قصارى الجهــود لتعزيز الاتحاد وإنمائه، وهـذا يدخل بالغة السرور على كل مواطن من مواطني المغرب الكبير.
 إن دستور اتحاد المغرب العربي يلبي حاجـة  ماسة لجميع شعوبنا، التي كانت منـذ توحدها في كفاح التحرير تطمـح دائما إلى إقامـة مجمـوعة متجانسة متراصـة، لمواجهة التحديات، مجتمعة على كلمـة سواء.
 واليوم يتعين أكثر من أي وقت مضى أن لا نخيب رجاء شعوبنا، وأن نظل أوفياء لطموحاتها المشروعة، إن المصاعب كثيرة. والطريق ما يزال محفوفا بالأشواك، والمسافة طويلة. لكن إرادة الوحدة يجب أن تبقى عندنا راسخة لنتخطى الحواجز التي تعترض سبيلنا.
 إننا نتطلـع بكل إخلاص وصدق إلى بناء اتحاد المغرب العربي في ظل الأخوة والتضامن والوفاء ليكون ذلك البنيان المرصوص الي يشد بعضه بعضا. وليشخص بذلك ـ حقا وصدقا ـ  إرادة شعوبنا في تمتين عرى التفاهم والتآخي  بين مجموعته، مما يجعل منه الحصن المنيع وما يوفر التقدم والنماء والاستقرار في كنفه للجميع.
 إن المغرب بحكم موقعه الجغرافي وتاريخيه العريق الذي تخللته عبر القرون تيارات شتى، وحضارات عدة، بلد منفتح كل الانفتاح على البلاد التي تحيط به.
 وقد لعب المغرب دائما دور رابطة الوصل بين مختلف القارات.
 لذا علينا أن لا ننغـلق أو ننكمـش على نفسنا، وأن نظل نتابع باهتمام ما يجري حـولنا ويحيط بنا.
 ويدخل في همومنا هم عالمنا العربي وقد أحدثت حرب الخليج في الجسـم العربي شرخا عميقا، وما يزال الجرح لم يندمل كما نتمنى، ولئن كانت الخلافات تضاءلت حدتها ـ وذلك من طبيعة الأشياء ـ فإن سوء التفاهم ما يزال مستحكما بين الأطراف،  ونحن نأمل أن الحكمة التي طبعت دائما علاقات العرب بعضهم ببعض ستمكنهم ـ وهذا ما نتمناه من صميم القلب ـ من التغلب على سوء التفاهم  حتى لا يبقى إلا العمل الذائب لخير الأمة العربية، وخدمة مصالحها المشتركة. 
وما يجري اليوم على الساحة العربية ربما قد يساعد على توحيد الصف العربي، فالمفاوضات التي تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تتواصل بين البلاد العربية وإسرائيل وبالإضافة إلى بلاد المواجهة المعنية مباشرة بالنــزاع. هناك معظم البلاد العربية المهتمة، ومن ضمنها المغرب، ومهمة هؤلاء وأولئك ليست سهلة، فليست ثمة عصا سحرية قادرة في لحظة على طي صفحة القطيعة التي امتدت عدة عقود، لكن حقوق الوطن العربي تظل غير  قابلة التفويت، ولا يمكن بأي وجــه إنكار الحق العربي، أو تجاهل ضرورة إعادة الأراضي العربية التي احتلت بالقــوة وبغير  الحق، وأن الإجماع الدولــي ليتحقق يوما بعد يوم حول هذه القضية التي ستحل لا محالة في النهاية على الرغم مـن تعنت إسرائيل، ونفس الوفاق الدولي يلاحظ أيضــا فيمـا يرجع للقضية الفلسطينية.
إن حقوق الشعب الفلسطيني لا يلغيها أي تقادم، فهي ثابتة راسخة، وبخاصة منها حقه في تقرير مصيره، وإقامة دولته على أرضه وأن هذا لمن الأهداف الأساسية للمفاوضات الجارية الآن، وعند تحقيقه ربما نشهد نهاية النزاع المحتدم في المنطقـة منذ أزيد مــن نصف قـرن.
ولقد شاركنا في الأيام الأخيرة في اجتماع القمة لمجلس الأمن الذي عقد في نيويورك، وهو أول اجتماع مـن نوعه منذ إنشاء هيأة الأمم المتحدة، وقد انتهزنا الفرصة قبل كل شيء للاجتماع بالعديد من رؤساء الدول الصديقة، وتناول حديثنا معهم الحــالة الدولية، وعلاقتنا الثنائية، كما أبلغنا فيهــا صوت العرب والمسلمين المنادي بإنصاف القضية العربية.
وكانت مداولات هذه القمة مفيدة مثمرة بناءة على عدة مستويات وبوصفنا رئيس لجنة القدس ألححنا بصورة خاصة على الاهتمام الخاص الذي يوليه العالم الإسلامي لمصير القدس، وفي اعتقادنا أن نداءنا وجد آذانا صاغية.
وقد كانت العلاقات بين الدول وبين الأمم بطبيعة الحال في صميم محادثــات القمة المذكورة، ذلك أن نظاما عالميا جديدا يتهيأ، ونحن نأمل أولا أن يحقق هـذا النظام بين مختلف الدول توازنا أفضل. وندعو من جهة أخرى الدول العظمى إلى سلوك يطبعه شيء من التواضع، وغير قليل من الكرم والعطف في علاقاتها بالآخرين. فبهذا يستتب السلام، وتؤمن الرفاهية والرخاء لبني الإنسان.    
شعبي العزيز،
إن مشكلات العالــم على أهميتها لا يسوغ أن تخفـي عنا مشكلاتنا الداخلية، بل بالعكس أن مشكلاتنا هي همـنا الأول، ومحظ اهتمامنــا في كل لحظة.
إننـا لننظر بعناية تامة لحالة جميع فئــات مجتمعنا، ونسهر عليها بنفـس اليقظـة والعطف، وخصوصا منها الفئــة المعسرة، وللأسف الشديد كثيرا ما نصطدم في هذا السبيل بصعـوبات وعراقيل بالرغم مما لنا مـن عزم صادق، وإرادة راسخة. لتحسين مستـوى شعبنا، وتمتيعه بعيش رغـد كريم.
ذلك ما هو ملقى على عاتق الدولة من تكاليف وأعباء جسام يجعل من الصعب علينا ترجمة نوايانــا كاملة إلى الواقع، وتطبيق عزيمتنا في وجهة ما نؤمله ونبتغيه، وما نظل رغم الصعوبات نطمح إلى تحقيقه وطيلة ست عشرة سنة تضاعفت أعبـاء الدولة، وثقل حملها بما بذلناه من جهود من كل نزوع في أقاليمـنا الجنوبية المسترجعة.
 لقد أعلينا فوق تراب الصحراء ورمالها مدنا بكاملهـا، مجهزة تجهيزا عصريا، وسهر أعواننا: عسكريون ومدنيـون، لا على أمن الصحراء ورفاهية رعايانـا القاطنين بها فحسب، ولكن على تحقيق ثـورة اقتصادية واجتماعيـة تعرفها صحراؤنـا، وتثير دهشة زائريها.
واعتبارا منا وتقديرا لجهود هؤلاء العاملين من عسكريين ومدنيين من كل رتبة ومستوى، وهم يعيشون ظروفا استثنائية صعبة. متعناهم بنظام الراتب المزدوج،  وهو حق مشروع لا يقبل الجحود، وإن كان يلقي على الدولة تكاليف وأعباء جديدة وعلى سبيل المثال، نقتصر على القول: إن تكاليف الرواتب والأجور التي تؤديها الدولة في الصحراء تبلغ مليارين وأربعمائة مليون درهم.
إن مصير كل واحد م رعانا يهمنـا وإنا لجادون في بلورة هذا الاهتمام فيمـا نقوم به من أعمـال، وما ننهجه من سياسة، وهذا من سياسة، وهذا الاهتمام يمليه علينا أساس الاحترام العميق الذي نكنــه لكرامة الإنسان وهو من جهة أخرى ثمرة تعلقنـا بالقيم والمبادئ، التي يقوم عليهــا كل مجتمع تسوده العدالة والمساواة، ويأخذ بأسباب المعاصرة.
ولقد مكننا هـذا الاستعداد الفكري من رسم معالم إطار حياتنـا في روية وإمعان نظر، فبمجرد اعتلائنـا العرش، حرصنا على بلورة الرغبة التي عبر عنها والدنـا المنعم طيب الله ثراه، فاخترنا الديمقراطية التعددية في السياسية  والاقتصاد والاجتمـاع منهجا لنا، وسلكنا هذا المسلك في وقت كان فيه النزوع إلى نظام الحزب الوحيد يهيمن على مجموع بلاد العالم الثالث، وطغى فيه التقليد الأعمى لاتجاه الاتحاد السوفياتي وتطبيقه حرفيا.
وهكذا زودنا البلاد بنظام كنا نرى ولا نزال أنه أصلح النظم لمجتمعنا، ولم يكن هذا النظام حين نشأته بالغا الدرجة المثلى من الكمــال، ولكنه كان عملا إنسانيا يمليه الإخلاص والخلق الحميد، الذي يتحلى به من ينهض به،  نظاما قابلا للتدرج نحـو الكمال، ونحن نوازن دائما بين تصوره النظري وتطبيقه العملي، في نظرة توفيقية تجعله دائم التلاؤم مع مقتضيات تطور شعبنا.
ولم نتصلب قط أو نجمد في تصوراتنا ومواقفنا، بل العكس كنا وما نزال نتابع ونواكب التقدم الحاصل في هذا المجال عند غيرنا، وما يزال موقفنا هو نفسه دون تغيير، علما بأن ما هو أساس ينبغي أن يبقى راسخا، ذلك أن ديمقراطيتنا هي قبل لك شيء اقتناع وسياسة وسلوك.
شعبي العزيز،
إن المبادئ الديمقراطية والمفاهيــم الخلقية التي أشرنا إليهــا، وما لنا من إيمان بوجوب سيادة دولة الحق والقانون هي التي دعتنا إلى إيـلاء حقوق الإنسان عنايتنا الفائقة، بحيث تصدرت اهتماماتنا ومشاغلنا، ونحن نعتبر فكرة حقوق الإنسان مرتبطة بدورها في المجتمع، وهذا الدور يقتضي تحقيق نوع من التوازن بين حماية حقوق الإنسان وحماية المجتمع من كل ما يهدد الإنسان في حياته وممتلكاته وأمنه الاجتماعي،  ومن هذا المنظور أسسنا إلى جانبنا المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان فتقدم إلى أنظارنا بعدة اقتراحات قبلناهـا برمتها، اقتناعا منا بصبغتها البناءة. وتمس معظم الاقتراحات مجالات الحراسة النظرية، والاعتقال الاحتياطي، وحـالة السجون مـن الوجهتين القانونية والإنسانية.
 كما أنشأنا أيضا قنوات للاتصال والإعلام، لتنوير الرأي العام الدولي حول الموضوع. بما فيه المنظمات الرسمية والمنظمات غير الحكومة.
تلكم هي تصوراتنا، والمبادئ التي ألهمت عملنا، وذلكم هو السلوك الخلفي الذي طبع خياراتنا.
وهناك مشكل آخر يستقطب اهتمامنا، مشكل الشباب العاطل، الذي نوليه عطفنا وجدبنا، وخاصة حاملي الشهادات، ولذلك أنشأنا لمساعدتنا في هذا المجال المجلس الوطني للشباب والمستقبل، الذي استطاع في يظرف وجيز أن يترجم إلى الواقع الفلسفة التي ألهمتنا إنشاءه.
وبفضل المنهجيــة التي اعتمدهـا، والتي تقوم على تلقي المعلومات، والاستماع إلى الأطراف المعنية، أمكنه التوصل إلى اقتراحات وأعمال ملموسة وواقعية.
وهو يشكل من الآن فصاعدا أداة للاقتراح، وجهازا دافعا في مجال التشغيل مندمجا في مختلف مؤسساتنا الوطنية.
وقد عقد مجلس الشباب والمستقبل دورتين:
أولاهمـا:
خصصها لقضية استيعاب الشباب حاملي الشهادات، وانبثق عنها برنامـج استعجالي يستهدف تنشيط الاستثمار والتشغيل.
وقد عبرت مختلف الفرقاء من إدارة وجماعات محلية وقطاع خاص عن قبولها المساهمة في عملية توظيف الشباب، وهذه العملية مستمرة، ولحد الآن أفضت إلى نتائج مشرفة، حيث تم توظيف عدد الشبان الذين تم إحصاؤهم.
لكن القطاع الخاص مدعو لمضاعفة الجهود لإنجاح العملية، وذلك بشحــذ التفكير في الموضوع. وتنشيط الجهود، وتلافي أي تباطؤ أو تأخير، للإسهام في هذا المجال الحيوي الذي يكتسي صبغة الاستعجال.
ومن جهة أخرى، تبين على ضوء عمل المجلس أن مواصفات عدد من الشبان حاملي الشهادات لا تلبي الحاجات التي عبرت عنها أهم القطاعات، وتفاديا لذلك النقص يعمل المجلس بمساعدة الفرقاء على إنجاز برنامج وطني لتيسير إدماج حاملي الشهادات بتمكينهم من الإفادة من تكوين تكميلي.
أما الدورة الثانية لهذا المجلس، فقد كانت مخصصة لتوظيـفي الشبان في الوسط القروي.
هذا، وأن الظرفية التي نحياها تلح على الجميع بأهمية هذا المشكل، وضرورة تنفيذ برنامج للعمل لصالح العالم القروي.
ويكمن برنامج العمل هذا في مجموعة أعمـال مستعجلة وملموسة، تساعد في آن واحد على تحسين البيئة الإنتاجية وعلى دعم البنية التحتية الاجتماعية التربوية الثقافية.
وهكذا نأمل في أن توصل تدريجيا إلى إبطال أسباب الهجـرة نحو المدن والقضاء على عواملهــا وسيساعد التطبيق التدريجي لهذا البرنامج بعد مدة علـى إيجاد ما يقارب مائة وخمسين ألف وظيفة.
شعبي العزيز،
إن أمامنا مشاكل عديدة يختلف بعضها عن بعض، ونحن نجتهد في مواجهتها بحــزم، وبرغبة أكيدة في تذليل الصعاب التي تعترض سبلنا، ونـرى شخصيا أن المشكلات جميعا مهمة. لأنها تتحكم في مصير مجتمعنا وتوجهه.                                                             
غير أن ثمة مشاكل أكثر حدة من غيرها، لكون حلها يؤدي إلى حل طائفة من المشاكل المرتبطة بها، وفي طليعتها بالطبع مشكلة وحدتنـا الترابية.
إن المغــرب استعاد مـن الوجهتين القانونية والسياسية أقاليمه الجنوبية في إطار الشعرية التامة.
واستنادا إلى مقتضيات الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية نظمنا المسيرة الخضراء الخالدة، التي مكنتنا بطريقة سلمية من استرجاع صحرائنا، التي كان اغتصابهـا المد الاستعماري.
وللأسف، اعترض طمع البعض وغروره نوايانا الطيبة هذه، مع أنهــا لا تعكس إلا مقتضيات الحق والقانون والشرعية، وتمضي في منطق التاريخ الشاهد على حقنـا المشروع.
 وبعد سنوات من المماطلات والمناورات المبيتة من خصومنـا، تم إقرار الاقتراح الذي تقدمنا به لتنظيم استفتاء لتقرير المصيـر في أقاليمنا الجنوبية، وعهد إلى هيأة الأمم المتحدة بتنفيذه، والإشراف على سلامته وتأكيد شرعيته.
ليس هـذا المشكل جديدا بالنسبة غلينا، فقـد كان مطـروحا قبل سنتين ـ وكنا قررنا رغبة من في أن تكون الأمور واضحة، وأن تتسم بالنزاهة والصدق ـ أن نضيف سنتين إلى أمد نيابة منتخبينا المحليين والوطنيين.
واليوم، ها نحن أمام نفس الوضعية أو نكاد نجد أنفسنا فيها، فنيابة جميع المنتخبين ستنقضي بعد دورة الربيع البرلمانية، بيـد أن عناصر مشجعة تبدو في الأفق، لأن بعثة الأمم المتحدة على الصحراء حاضرة في عين المكان. وتتقدم في أعمالها.
وفيما يخصنا ـ سعيا منا وراء تأخير مسلسل الاستفتاء ـ قبلنا الخطة الأخيرة التي وضعها السيد خافيير بيريز دي كويار على ما فيها من نقص، والتي صادق عليها مجلس الأمن في قراره رقم 725. ثم إننا في معرض محادثتنا الأخيرة مع الأمين العام الجديد لهيأة الأمم المتحدة السيــد بطرس غالي ركزنا على ضرورة إقفال ملف الصحراء في أقرب وقت ممكن.
ونحن لا نشك في نتيجة الاستفتاء، فلا يمكن أن يكون بالنسبة إلينا تأكيديا. لأن مغربية الصحراء لا مراء فيها. ولا مراد لها.
لكننا نريد أن تمر انتخاباتنا الداخلية في شفافية كاملة، بعيدا عن أية شبهة أو لبس، ونريد بعزم وطيد وإرادة قويــة أن تجــري في الوقت المحـدد لها.
إنه لا مفر مـن أن يترتب على الصراعات الحزبية ـ وهي مشروعة في أي نظام          
ديمقراطي تعددي ـ جو اجتماعي تعلو سماءه أحيانا ظلال قاتمة.
ونحن نسعى إلى أن لا تحجب عنا تلك الظلال الصورة الحقيقية، أو الأقرب إلى واقع شعبنا، ولا تبرز هذه الصورة بجلاء ووضوح إلا من خلال انتخابات حرة نزيهة تحظى بالمصداقية، ونحن نعلم أن هذه هي رغبة الجميع، وأن هذه النتيجة ستساعد كل واحد على معرفة الرتبة التي يتبوأها في الحياة الوطنية، وأن يقيس بالتالي بقياس سلوكه السياسي على ضوئها.
شعبي العزيز،
إن المغرب يقطع على طريق التقدم خطوات شاسعة، ويطــرد نهوضـه في جميع المجالات من سنة  لأخرى، إنه يتهيأ بعزيمـة صادقـة، وإرادة ثابتة، ليخطو على عتبة القرن الحادي والعشرين، مسلحا بما يلزم من وسائل التقدم والنهوض.
ولقد كان ولا يزال شغلنا الشاغل وهمنا المتواصل، أن لا تتباعد الفجوة بين التطور الذي يعيشه شعبنا والمؤسسات التي تشكل إطار السياسة التي ننهجها في الميـادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ولقد آمنا أن هذه المؤسسات مهما كانت قيمتها وفـوائدها لا يمكـن ولا يجوز أن تظل بعيدة عن كل تغيير، بل أكثر مـن ذلك استقر العــزم دائما على أن يبقى توجهنا مسايرا للتغييرات التي يعرفها مجتمعنا، والتي يطمئن إلى خياراتها شعبنا.
ومن هذا المنطلق. قمنا أحيانا بإعـادة النظـر في مؤسساتنا، لجعلـها ملامة لتطور شعبنا، ولمستوى نمائه وتقدمه.
واليوم، نعتقد أن الظرف الحاضر ملائم لإنجاز ما كنا أعلنا عنه منذ أزيد من سنة بشأن إعادة النظر في مقتضيات الدستور الحالي.
لذا، سنتقدم إليك شعبي العزيز بمشروع دستور مراجع، وسنعرضه عليك بواسطة الاستفتاء لإقراره.
سيشمل المشروع بصفة أخص مراجعة مقتضيات الدستور الحالي المتعلقة بتنظيم العلاقات بين الجهاز التشريعي والجهاز التنفيذي، على أن يظل استقلال القضاء مضمونا، وخيارا لا رجعة فيه، وستتضمن المقتضيات المطروحة للاستفتاء أيضا إقامة توازن أحسن وأفضل بين سلطتي التشريع والتنفيذ، وسنحرص على توفير المزيد من العدالة للمواطنين. وللمزيد من الفعالية لممارسة السلطة من لدن المسؤولين، سـواء منهم من يستمد مسؤوليته من نيابة شعبية. أو من يمارس مسؤوليته على صعيد الإدارة والحكومة.                                         
وهكذا سيدخل المغرب في أحسن ظروف النجاح بحول الله وقوته العهد الجديد الـذي ينتظره.
شعبي العزيز:
في هذه اللحظة التاريخية المجـددة للقائنا بك على عتبـة الذكرى، يكـون لزاما علينا أن نقف وقفة اعتبار وإذكار، وأن نترحم بخشوع وإكبـار على روح باني المغرب الكريم، ومحرره القائد العظيم أب الأمة المغربية، وحامل مشعل الكرامة والحـرية، جلالة والدنا المنعم محمد الخامـس المكرم.
إن فضله علينا وعلى هـذا البلـد فضل تتوالى الأجيال على النطـق بشكره، وتتسابق للإشادة بقدره، ولا غرو فالشعوب سخية في طباعها، تظل وفية لمن أحسـن إليها، ومتعلقة معتزة بمن خدمهـا ورعاها وحدب عليها. ولقد أعطـى والدنا لشعبة بدون حساب، ولأمته، ومن أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة.
فاللهـم نسألك أن تبوئه أطيب مثاب، وتجزل له الرحمة والثواب. وتجعله في جوار النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.
ولنلتفت التفاتة العطف والرضى إلى قواتنا المسلحة الملكية، وقوات الدرك والأمن والقوات المساعدة، وخاصة من يقفون منهم لدرء غائلة العدوان على ثغر الصحراء، ساهـرين على أمنه، وسلامة سكانه، رعيانا الأوفياء المتشبثين بمغربيتهم، المتمسكين بهويتهم، المرابطين في ذلك الثغر المجاهد، صادقي الولاء. وملبي النداء، ليعيش المغرب من أقصاه إلى أقصاه في وحدة كاملة لا تمتد إليها يد طامع، ولا يحول دون استمرارها التاريخي عائق أو مانع.
ونتوجــه إلى الله العي القدير، أن يمطر شآبيب الرحمة الرضوان والثواب والغفران على أرواح شهدائنا الأبرار، الذين وهبوا أنفسهم في معركـة التحرير، واستشهدوا بعزم وإصرار.
اللهم إنك عليـم بذات الصدور، وأنت تعمل كوامن صدري، وتعلم أني نذرت لشعبي قلبي، وأخلصت له حبي، وأني منذ أوليتني أمره سعيت ـ ما استطعت ـ لإسعاده، وأني ما أزال أطمح إلى أن أعطيه أكثر، وأوفر لـه من التقـدم والنمـاء ما هو أوفر، فاجعل لي اللهم منـك وليا ونصيرا، وقونـي ، وكن لي معينـا وظهيرا.
ومتن اللهم رابطة المحبة بيني وبين شعبي، وأدم علينا نعمة تبادلها، وألهمني أن أكون على ما أوليتنـي وأوليته ذلك العبد الشكور لنعمة مـولاه، والحمد لله الذي هدانـا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانـا الله.
صدق الله العظيم.
والسلام عليك ـ شعبي العزيز ـ ورحمة الله وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here