islamaumaroc

تاريخ الدراسات اللغوية بالمغرب الأقصى

  دعوة الحق

32 العدد

ان من يتتبع تاريخ الثقافة العربية في البلاد المغربية وما أنتجه علماء المغرب في مختلف فروع المعرفة، ويدركه العجب من عظم اهتمامهم بالبحوث اللغوية والنحوية والصرفية، مما يطلق عليه اسم علوم العربية، ومن كثرة انتجاتهم القيمة في هذا الباب.
وفي الحقيقة لا غرابة في هدا، لان عرب المغرب _ بابتعادهم عن موطنهم الاصلي_ كانوا يتشبثون بلغتهم ويحدبون عليها، ويخافون عليها من الفساد والاختلاط باللهجات التي كانت سائدة قبل الفتح الاسلامي باسبانيا والمغرب فاقبلوا على دراستها وتعليمها ونشرها بالتأليف وضعا وشرحا وترتيبا ونقدا واختصارا للمؤلفات التي كانت تصدر بالبلاد المشرقية.
وقد اشتهرت مؤلفات الأندلسيين في هذا الشأن خصوصا في نهضتنا الحديثة حيت أقبل العلماء في كافة البلاد العربية على دراسة ما خلفه عرب الفردوس المفقود من أثار علمية وأدبية، لذلك أريد أن أخصص حديثي اليوم بتاريخ الدراسات اللغوية في المغرب الأقصى، لان هذه الناحية مجهولة اليوم بالبلاد المشرقية، لما طرأ على هذه الناحية مجهولة اليوم بالبلاد المشرقية، لما طرا على علائقنا في القرن الأخير بسبب السدود والحواجز التي كانت المطامع الأوروبية إقامتها لقطع الصلة بين جناحي العروبة المشرقي والمغربي. و الا فانه هذه العلائق كانت في كل العصور الى ايام حملة نابليون حتى انك لا تكاد تجد عالما من علمائنا ليست له أجازات من علماء المشرق مباشرة أو بواسطة، وكان اذا ظهر كتاب في المشرق مباشرة او بواسطة، وكان اذاأظهر كتاب في المشرق مثلا يقرظه علماء المغرب، وكان السفر لقضاء فريضة الحج يلعب دورا هاما في تمتين هده العلائق ففي كل سنة يقصد المشرق عدد من علماء المغرب ويأخدون معهم نسخا مما جد في عالم التأليف ببلادهم وينشرونها في البلاد التي يمرون بها، بل الكثير منهم ينتهزون فرصة وجودهم بالديار المشرقية لزيارة كل مراكز العلم، حتى التي لا توجد  على طريقهم، مثل الديار الشامية العراقية والرومية، وفي أثناء تنقلاتهم يجتمعون مع علماء البلاد التي يزورونها وادبائها، ويأخدون منهم كذلك مؤلفاتهم ويتدارسون واياهم  الفنون التي لهم فيها اختصاص، وهكذا يرجعون للمغرب وقد ازدادوا علما بعد ان أفادوا واستفادوا وكان كذلك كثيرا منهم يستوطنون البلاد المشرقية حيث يقع عليهم الإقبال، ويشتهرون بها حتى ان منهم من أشتهر وذاع صيته في حين انه لا يعرف في وطنه.
أما اليوم فقد صار من الضروري أن يقوم أهل المغرب بالتعريف بمشاهيرهم في مختلف نواحي الثقافة، حتى نعيد ربط حاضرنا بماضينا ويستفيد بعضنا من بعض. وإنني في هذه العجالة سوف أتعرض لثلة ممن اشتغلوا بالخصوص بالأبحاث اللغوية محاولا أن أعطي نظرة مجملة عن تاريخ هذه الدراسات منذ أيام المرابطين والموحدين إلى العصر الحديث.
وليس من الغريب أن يكون أول النصوص التي وصلتنا في هذا الموضوع كتاب لأحد علماء سبتة في ما يسمى بتقويم لحن العامة وهذا دليل على ما قدمناه من غيرة أهل المغرب على صفاء اللغة العربية وعملهم على المحافظة عليها ومنع تسرب اللهجات الأعجمية إليها.
وهذا الباب في البحوث اللغوية له فائدة عظيمة لتاريخ تطور اللهجات العربية، وقد اشتغل به كثير من علماء اللغة منذ فتحه علي بن حمزة الكسائي بكتابه في لحن العمة واشتهر بالكتابة فيه يحي بن زياد الفراء المتوفي سنة 207هـ (822م) و أبو عبيدة المتوفي سنة 209هـ (824م)، وأبو حاتم السجستاني المتوفى سنة 291(904) ومحمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي المتوفى سنة 379(989) وأبو هلال العسكري المتوفي سنة 597 (1201) وغيرهم ممن يطول تعدادهم.اما العالم المغربي الذي كتب في هذا الموضوع فهو ابو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي السبتي من أهل القرن السادس، المتوفى سنة 577(1181) وكان من رجال العلم و الأدب، روى عن أبي بكر بن العربي والمسند الكبير أبي الطاهر السلفي، وكان له تضلع في علم اللغة، وله فيها تأليف: منها شرح الفصيح لثعلب وكتاب الفصول والجمل في شرح أبيات الجمل وفي إصلاح ما وقع في أبيات سيبويه وشرحها للأعلم من الوهم والخلل.
ومن مؤلفاته شرح مقصورة ابن دريد قال عنه الصفدي في الوافي بالوفيات (1)" وهي من أحسن الشروح كتبتها بخطي في زمن الصبا، والكتاب الذي وضعه في لحن العامة من أهم مؤلفاته واسمه_ "المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان" _.وقد تنبه إلى قيمته العلمية العلماء قديما وحديثا، فقام بترتيبه احد مواطنيه من أهل سبته سنعرض له فيما بعد، وسمى هذا الترتيب إنشاد الضوال وإرشاد السوال، واختصر هذا الترتيب ابن خاتمة الأنصاري المتوفي سنــة 775 (1369) وسماه ايراد اللئال نم إنشاد الضوال- ومن اهتمام العلماء المتأخرين بهذا الكتاب إن نشر الأستاذ كولان المدرس بكلية الأدب بجامعة الرباط إيراد اللئال هذا في مجلة الكلية (2).
وكتب الدكتور عبد العزيز الاهواني مقالا قيما عن كتاب ابن هشام نفسه، ونشر منتخبا منه في عددين من مجلة معهد المخطوطات العربية. وكانت غاية ابن هشام في وضع كتبه أن يرد على الزبيدي، وابن مكي الصقلي (3)ا كتباه في موضوع لحن العامة.إلا انه تعدى ذلك إلى عدد كبير من الألفاظ العامية المحرفة من العربية أو الداخلية من البربرية أو الاسبانية وأعطى مرادفها العربي.وجل الأمثلة التي اختارها الدكتور الاهاني في المقال المشار إليه من هذا القبيل. ومن ذلك قول ابن هشام:" ويقولون لعنب اسود طويل كأنه البلوط : أصابع السودان، وإنما تقول له العرب أصابع العذارى، وأطراف العذارى تشبيها بأطراف العذارى المخضبة" ومن ذلك قوله : ويقولون هذا بابة فلان للذي يربيه، وهو عند العرب بمعنى الغاية.يقولون هذا بابة فلان أي غايته".والغريب أن العامية المغربية لا تزال تحتفظ على هذه اللفظة بمعنى قريب مما أشار إليه ابن هشام في إصلاحه. فبابة الإنسان عندنا ما ينبغي أن يفعل. ومن ذلك : "ويقولون للخرقة التي تجعل  في عنق الصبي لتصون ثيابه من اللعاب ببطير وإنما تقول العرب : الهرشفة. و الهرشفة أيضا: صوفة الدواة، ولا نزال نسمي بالمغرب الخرقة التي ينشف بها الماء عند تنظيف المنزل : جفافة أما صوفة الدواء فهي الليقة عندنا.
وتوجد من هذا التأليف نسختان مخطوطتان بخزانة الاسكوريال وثالثة عند الأستاذ كولان بالرباط. وهو ن الكتب التي يتعين نشرها كاملة نظرا لقيمتها العلمية. ومن علماء اللغة المبرزين بالمغرب الشاعر الشهير مالك بن المرحل السبتي من رجال القرن السابع، وقد ولد بمالقة من عائلة مغربية مصمودية، وكان جده الأعلى قد انتقل إلى الأندلس، لكنه رجع هو إلى وطنه الأول واستوطن سبته، وبها ظهر نبوغه ثم انتقل إلى اس وعاش  بها زمنا طويلا وتوفى معمرا قد قارب المائة. ولا تعنينا الان ناحيته الادبية، وانما الذي يهمنا انه كان متضلعا من العلوم اللغوية وله فيها كتابات منها: نظم الفصيح لثعلب واسمه الموطاة وشرحه.وتوجد من المنظومة عدة نسخ بالمغرب وهي كاسمها سهلة لتفهيم كتاب ثعلب الشهير.والشرح يوجد بخزانة الرباط من جملة الكتب التي كانت في خزانة الجلاوي .وله ترتيب كتاب الامثال لابي عبيد على حروف العمجم وله مؤلف بديع سماه كتاب "كان ماذا" وهو من مؤلفاته النادرة واوضاعه الغريبة على حد تعبير المقري في نفح الطيب.
ولهذا الكتاب قصة وهي انه وقع في شعر مالك ابن النرحل قوله كان ماذا لان ذا اذا ركبت مع وصار اسما واحد من أسماء الاستفهام فانه يجوز ان يعمل فيها ما قبلها، فأنكر ابو الحسين بن ابي الربيع على ابن المرحل هذا الاستعمال، ووقعت بينهما مناظرة في ذلك بسبتة وكان ابن ابي الربيع من أئمة النحو فقال ابن المرحل:
عاب قوم كان ماذا
                 ليت شعري لم هذا؟
واذا عابوه جهلا
                 دون علم كان ماذا؟
ثم الف هذه المسألة والاحتجاج لها من كلام العرب والرد على المنتقد تأليفا اسماه" كان ماذا" والمقري يسميه: كتاب الرمي بالحصى والضرب بالعصا ويقول عنه : وفيه هنات لا ينبغي لعاقل ولا لذي طي في البيان أن ينشرها وفي ذلك قال الأستاذ أبو السين رحمه الله:
كان ماذا ليتها عدم
                 جنوبها قربها ندم
ليتني يا مال لم أرها
                 أنها كالنار تضطرم
وهكذا تطلعنا هذه القصة على تعلق القوم بلغتهم والذب عنها والمحافظة على صفائها بهذا الحماس الذي لا يتجلى عادة إلا في العقائد و المبادئ وقد تبوأت عندهم اللغة مكان العقيدة والإيمان.
ومن علماء اللغة ابو عبد الله محمد بن علي بن هانئ اللخمي ن اهل سبتة المتوفى سنة 733 (1333)، كان أعلم اهل زمانه بعلوم العربية، الف شرحا على التسهيل لا بن ماللك قال عنه ابن الخطيب في احاطته "ابدع فيه وتنافس فيه الناس" ودون ترسيل رئيس الكتاب ابي المطرف بن عميرة المخزومي.ومن تأليفه ما أشرنا اليه انفا من ترتيبه لكتاب مواطنة ابن هشام اللخمي من لحن العامة.ويؤسف لكون هذا الترتيب لم يصلنا لا نه وضع قريبا من مائتي سنة بعد المدخل الى تقويم اللسان، ولا شك انه قارون بين ما كانت عليه اللغة وقت كتابته وفي ايام ابن هشام.أما المختصر الذي وضعه ابن حاتمة لهذا الترتيب فانه لا يكفي لمثل هذه المقارنة.
وفي أيام الوطاسيين أي في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) خمدت شيئا ما الأبحاث اللغوية تبعا للحالة العامة في البلاد حيث بدأت الخملات الصليبية البرتغالية والاسبانية على الشواطئ المغربية مما جعل الناس ينصرفون للدفاع عن حوزة الاسلام حتى أيام السعديين الذين يرجع لهم الفضل في القضاء على النفوذ المسيحي في المغرب بانتصارهم في وادي المخازن على الحملة الصليبية التي تزعمها ملك البرتغال " دون سبستيان" وقد لقي حتفه في هذه الموقعة الشهيرة سنة 986(1576).
وفي أيام السعديين انبعثت نهضة جديدة للعلوم والآداب، وممن هر من علماء اللغة في هذا العصر أحد كبار أطباء المنصور السعدي ووزرائه أبو عمر القاسم بن محمد ابن ابراهيم الغساني من اهل فاس، وقد كان بيت  الغساني بيت علم ووزارة وكتابة وقد تقلد كثير من رجاله خطة الوزارة حتى صار يطلق على هذه العائلة اسم الزير وهم لا يزالون موجودين الى اليوم بفاس حيث يعرفون بأولاد الوزير.
أما أبو عمر هذا فقد اشتهر بكتاب في المفردات الطبية. وهذا النوع من الابحاث اللغوية ازدهر بالمغرب وله فائدة عظيمة الى الان، الن الذين اشتغلوا به لم يكونوا رجال علم نظري فحسب يكتفون بالرجوع الى المصادر المكتوبة، بل كانوا في نفس الوقت علماء نباتيين وأطباء وكيما ويين، يقفون بانفسهم على الاعشاب والاحجار والحيوانات التي يحتاجون اليها في تركيب ادويتهم، ويعرفون أعيانها واسماءها باللغة العامية، وهكذا يستطيعون تطبيقها على أسما ئها العربية الفصيحة.
والكتاب الذي وضعه الوزير الغساني اسمه: حديقة الازهار في شرح ماهية العشوب والعقار، وقد انتهى من تأليفه في السابع  والعشرين من ربيع الاول سنة 994هـ الموافق لثامن عشر يناير سنة 1586م وهو لا يزال مخطوطا، وتوجد منه عدة نسخ بالمغرب، واختصره في كتاب سماه كشف الرموزوقد صار هذا الاصطلاح علما على المؤلفات التي توضع في شرح معاني المفردات البية وايراد مرادفها من اللهجات العامية، حتى سمي أحد الأطباء من أهل الجزائر وهو عبد الرازق حمدوش  (4)ا له في المادة الطبية" كشف الرموز".
ومن المؤلفات الموضوعة في هذا الفرع ن اللغة كتاب تحفة الأحباب في ماهية النبات والأعشاب، وهو مجهول المؤلف وقد نشر بالرباط مع ترجمة فرنسية وتعاليق مفيدة للغاية بعناية المستشرقين الدكتور رونو و الأستاذ كولانو هو كتاب له قيمة كبيرة على صغر حجمه، ويعين في تعريف أعيان النباتات ونحوها، ومن أمثلة ذلك قوله آذريون هو نوار آزويول فنعرف في الحين انه يعني الزهرة التي تسمى علمياLC ALENOULO OFFICINALIS أي Souciبالفرنسية هذه الزهرة تسمى كذلك بفاس وبعض النواحي الجمرة.
ومنه قوله : لسان الحمل: هو المصاصة فنعرف في الحين أنه يعني النبات المسمى علميا .     
Plantago Coronupus أيPlantain
بالفرنسة. ومنه قوله : الجنا _ يسمى باللنج وهو أساسنو:فنفهم ان المقصود هو النبات المسمى علميا:  Arbutus Unedo L    أي بالفرنسية Arbousier   وهكذا الان – الالفاظ العامية المرادفة من آزويول ومصاصة واساسنو كلمات حية يعرقها الناس ويستعملونها فيمكن التعبير عنها بلغة عربية فصيحة.
ومن العلماء الذين برزوا في ميدان اللغة أبو زيد عبد الرحمن الفاسي الملقب سيوطي زمانه لكثرة ما ألف من الكتب والرسائل، وقد أوصلتها في بخحث كنت نشرته بمجلة هسيريس الى نحو المائتين.وكان أبو زيد الفاسي المتوفي سنة 1096 (1685) عالما مشاركا ولم يترك فرعا من فروع المعرفة الاكتب فيه مؤلفا أو عدة مؤلفات وقد جمع كل ذلك في موسوعة منظومة سماها الاقنوم في مباذئ العلوم قسمها الى واحد وثمانين ومائتي فصل، وعمد الى شرحها ليتوسع في المسائل العلمية التي طرقها في "الاقنوم" مما لايأتي مع النظم، وانما استعمل أولا طريقة النظم ليسهل على الطلاب حفظها حسب المناهج التعليمية في تلك العصور وفي الاقنوم طبعا فصول في علم اللغة .وله دون ذلك في العولم اللغوية احدهما يسمى المسالك  المبلغة أصول علم اللغة ويعتبر ضائعا اليوم، والثاني من نوع كشف الرموز سماه تفسير الاعشاب.ويعتبر كذلك ضائعا الا انه الى اوائل هذا القرن كان لايزال معروفا حيث اعتمد عليه مؤلف ضياء النبراس الذي سنتكلم عليه فيما بعد.
ومن اهتمام المغاربة باللغة انهم كانوا يدرسون كتب اللغة في جامعة القرويين وحتى المعاجم الكبرى خصوصا القاموس للفيروز باذي، وقد اولوه عناية خاصة، ومن أول من بلغنا خبر كتابته حوله احد علماء القرن الثاني عشر أبو العباس أحمد الجرندي المتوقي سنة 1125هـ (1713) وهو من تلامذة شيخ الاسلام ابي السعود الفاسي، قد الف حاشية  على القاموس.
وفي نفس هذا القرن اشتغل احد علماء اللغة من اهل فاس بكتاب القاموس وهذا العالم هو ابو العباس احمد بن علي الوجاري المتوفى بفاس سنة 1141هـ (1729). وقد الف اختصارا للقاموس توجد منه نسخة مخطوطة بالخزانة العامة بالرباط.
وبعدهما نبغ اكبر علماء اللغة بالمغرب في كل عصر، ونعني به أبا عبد الله محمد بن الطيب الشرقي الصميلي من أهل فاس، ويلقب من الالقاب المشرقية بشمس الدين لانه كان له صيت ذائع بالمشرق.
وبعدهما نبغ اكبر علماء اللغة بالمغرب في كل عصر، ونعني به ابا عبد الله محمد بن الطيب الشرقي الصميلي ومن أهل فاس، ويلقب من الالقاب المشرقية بشمس الدين لانه كان له صيت ذلئع بالمشرق.
ولد ابن الطيب الشرقي بمدينة فاس سنة 1115هـ (1698) ودرس بجامعتها آخذا عن مشاهير علماء وقته خصوصا عن أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن المسناوي الدلائي.وتولع من صغره بالدراسات اللغوية فقرأ على شيخه المسناوي كتاب القاموس المحيط قراءة بحث وتمحيص وسمع كثيرا من مباحثه وفوائده على الشيخ ابي العباس الوجاري، وكان من اكابر علماء اللغة والنحو بالمغرب.وبعد ان انهى دراسته اقبل على التدريس بدوره، كان له شغف بالاسفار، فتنتقل في جل مدن المغرب وبواديه.وفي سنة 1139هـ قصد الحجاز لقضاء فريضة الحج، ورجع في السنة بعدها الى افاس بعدا ان لقي كثيرا من مشاهير علماء وقته خصوصا في مصر، ونذ رجوعه وهو منكب على التعليم والتاليف، وقد اشتهر وامه الطلبة من كل حدب وصوب وتخرج على يديه الجم الغفير من العلماء خصوصا في علم اللسان، وقد صار امامها المتفق على علو كعبه فيها، واكنت له حافظة قوية اعانته على التبحر في هذه العلوم الت تتوقف على الحفظ والاستحضار.
ويظهر انه رغم اقبال مواطنيه عليه وتقديرهم لمكانته العلمية، لم تسعه البلاد المغربية، فقصد مرة ثانية المشرق، ولا نردي هل كانت نيته الاستيطان أو المقام مدة ثم الرجوع الى وطنه الا أنه بعدا ان طاف بجل مراكز العلم بالمشرق استقر بالمدينة المنورة الى أن توفى بها سنة 1175هـ (1757-1756) .
وقد تخرج عليه بالبلاد المشرقية عدد لا يحصى من العلماء ذكر بعضهم المرادي في سلك الدرر.وكان كل من يقصد الحجاز لاداء فريضة الحج من العلماء يحرص على ملاقاته والاخذ عنه. واشهر تلامذته الشيخ مرتضى الزبيدي شارح القاموس وهو عمدته في كتابه العظيم كما صرح بذلك في مقدمته حيث قال في أثناء كلامه على من شرح القاموس من المتأخرين :" ومن أجمع ما كتب عليه مما سمعت ورايت شرح شيخنا الامام اللغوي ابي عبد الله محمد بن الطيب بن محمد الفاسي" ثم قال " وهو عمدتي في هذا الفن والمقلد جيدي العاطل بحلي تقريره المستحسن، وشرحه هذا عندي في مجلدين ضخمين".
ومن أكابر تلامذته من المغاربة ابو العباس الهلالي العالم اللغوي، وسنتعرض له بكلمة بعد، والزيادي صاحب الرحلة، والشيخ التاودي ابن سودة وغيرهم.
ولابن الطيب الشرقي مؤلفات كثيرة يهمنا منها ما وضعه في علم اللغة وأهمها حواشيه على القاموس قال عنها الاستاذ محمد العابد الفاسي مدير خزانة جامعة القرويين في بحثله عن ابن الطيب الشرقي: "أما حواشيه هذه فهي في مجلدات أربعة وهي لعمري المعجزة الوحيدة للمغاربة عموما ولاهل فاس خصوصا، وناهيك بمرتبة القاموس عند العلماء في كل البلاد واعتمادهم عليه فهو عندهم بمنزلة المختصر الخليلي في الفقه استنادا اليه واحتجاجا به، وقلما تجد في العصور الماضية ببلادنا عالما يعرف معنى العلم ولا يكتب نسخة من القاموس بخط يده مع مزيد الاعتناء وضبط الكلمات .وربما ذكروا حتى اختلاف الروايات عن المؤلف في بعض الاحيان، وكم من نسخ وقفنا عليها مكتوبة بخط اعيان المغاربة،ةوبأول صحيفة منها سندهم لصاحب الكتاب".
ولهجة ابن الطيب الشرقي في هذه الحواشي لهجة العالم المعتمد بعمله الذي لا يجحم عن انتقاد الفيروزابادي والحمل عليه انه ينسبه للقصور والتقصير قال في مادة البث: "والمصنف أغفل ذلك كله اعراضا عن العلوم الصرفية، لانه لا عارضة له فيها".وقال في محل اخر "وبه تعلم ما في كلام المصنف من التقصير والقصور والتخليط".الى غير هذه العبارات التي لا يبيحها الا ما كان عليه ابن الطيب من مقدرة فائقة وشدة الحفظ واتساع الاطلاع مما يظهر في كل مؤلفاته .وحواشيه هذه لا تزال مخطوطة مثل كتبه، على أنه يم يبق منها الا قليل، ومن ذلك شرح نظم فصيح ثعلب.وانتم ترون ان المغاربة كان لهم كبير اهتمام بهذا التليف شرحا وتدريسا. ومنها حواشي درة الغواص للحريري والمسفر عن خبايا المزهر للسيوطي ومنه مخطوطان بالزاوية الحمزوية بالمغرب ومن مؤلفاته التي ينبغي التنبيه عليها وان كانت في غير علوم اللغة رحلته الاولى وقد ضمنها اخبار سفره من فاس الى مكة على طريق الصحراء، وتوجد منه انسخة فريدة في خزانة جامعة لا يبسك بألمانيا (5)نت وقفت عليها هناك وهي من يهتم على اغلاط لراحلين الذين كتبوا قبله.وله رحلة ثانية وصف فيها تنقلاته بالبلاد المشرقية ما بين القاهرة ودمشق واسطنبول وغداد ومكة والمدينة الا انها تعتبر الى حد الان ضائعة.
وبمناسبة رحلته الحجازية الاولى الموجودة بليبسك، ننبه الى غلط وقع فيه بعض المستشرقين حيث جعل من ابن الطيب الشرقي شخصين، وتبعه في هذا جرجي زيدان في كتابه تاريخ الاداب العربية (6)ث ورد ان  لا بي الطيب نور الله رحلة من فاس الى مكة" وسبب هذا الغلط هو انه وجد على مخطوط لا يبسك هذه العبارة:" هذه رحلة السيد ابو (كذا) عبد الله الشهير بالطيب نور الله ضريحه وفتح علينا بركاته" فظن بعضهم أن " نور الله " اسم وتبعه غيره في ذلك وليس هناك الا ابن الطيب الشرقي رحمه الله ونور ضريحه.
وقد أشرنا من قبل الى أن احد تلامذته برز في علوم اللغة، وهذا العالم الجليل هو أبو العباس احمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي ولد سنة 1113 بناحية تافيلالت التي كانت تسمى قديما سجلماسة، واخذ العلم عن شيوخ المغرب ثم رحل الى المشرق مرتين ورجع في الاخير الى وطنه حيث استقر بمدغرة ينشر العلم ويؤلف الكتب الى ان توفى رحمه الله سنة 1175هـ (1721)، ومن جملتها فيما يهمنا الان، فتح القدوس في شرح خطبة القاموس، توجد منها نسخة بخزانة الاستاذ محمد العابد الفاسي قال عنها: "وهي من أغرب الشروح الموجودة تقه في جلد ضخم، وللهلالي كذلك اضاءة الادموس ورياضة الموس من اصطلاح صاحب القاموس، وهو مطبوع بفاس طبعة فاسية أي على الحجر .وقد نظم هذا التاليف احد علماء فاس المتأخرين هو ابوعبد الله محمد الكردودي المتوفى سنة 1267هـ(1752) وطبع مع اضاءة الادموس.
ومن العلماء المتأخرين كذلك خدموا اللغة ابو الحسن علال بن عبد الله الفاسي المتوفى سنة 1314هـ(1896). وكان طبيبا ماهرا وله في ذلك تاليف منها فيما يتعلق باللغة : تجريد المفردات الطبية الواردة في القاموس للفيروزابادي مع شرحها.
ومنهم العلامة الشهير محمد محمود الشنقيطي المتوفى سنة 1322هـ (1904) الذي ظهر فضله في هذه البلاد المشرقية، وبقي أثره في تعالقه وتحقيقاته على عد كبير من المخطوطات القيمة، وكان امام وقته في اللغة، وأخذ عنه وانتفع به كثر من علماء الجيل السابق.أما من تآليفه فلا نعرف إلا رحلته الى بلاد السويد والنرويج المسماة"الحماسة السنية الكاملة المزية في الرحلة العملية الشنقيطية التركزية" طبعت في القاهرة في مجلد سنة 1319هـ وهي عبارة عن تسع قصائد ومقطوعتين نظمها بمناسبة ايفاده  مندوبا من لدن سلطاان تركيا للمشاركة في مؤتمر المستشرقين المنعقد باستوكهلم وكريستانيا عاصمتي السويد والنرويج سنة 1889.
ونختم هذا البحث بالكلام على شخصية فذة، كان من اخر اولائك العلماء الذين كانوا يربطون المغرب بالمشرق وهو في نفس الوقت اول المغاربة الذين اقبلا على الدراسات العلمية الحديثة، ونعني به العلامة الطبيب عبد السلام بن محمد العلمي المتوفي سنة 1323هـ(م1905)رحمه الله.
العلمي هذا ولدبفاس سنة 1246هـ(1830م) ودرس بجامعتها وظهرت نجابته من صغره وكان اذ ذاك السلطان مولاي الحسن رحمه الله يبحث عن شبان اذكياء يوجههم لمختلف عواصم العلم بأوربا وبالمشرق، وكانت تلك حركة مباركة،الا أنها مع الاسف لم تكن لها كل نتائج المنتظرة بسبب دسائس البعثاث الدبلوماسية الاجنبية التي رأت في تلك المحاولات افلات المغرب من الوقوع في ايدي الدول الغربية التي كانت تتوزع البلاد الافريقية والاسيوية.وكانت حركة مولاي الحسن في تطوير المغرب وتاسيس المعامل اللاسلحة ونحوذلك تشبه حركة اليابان التي نجحت في حين لم يكتب لحركة المغرب النجاح إذ ذاك. وعلى كل فان العلمي كان من جملة اولئك الشبان الذين وقع عليهم الاختيار لتوجيههم للخارج قصد دراسة العلوم الحديثة من طب وهندسة ونحوهما، وكان من نصيبه ان وجه لتعلم الطب بمصر. فدخل مردسة قصر العيني وقضى بها مدة يتعلم على شيوخها من الاطباء المصريين والفرنسيين الى أن حصل علما جما ورجع المغرب واخد ينشر علمه بالتعليم والتأليف والمداواة .واول ما وجهه في علمه ما لا نزال نهتم به الان، هو مسألة المصطلحات، وكلام العلماء يختلف عن كلام العامة، ففكر في وضع كتاب يضم كل المصطلحات الطبية والكيماوية والنباتية ونحوها مع شرحها وذكر المترادفات ان كانت مع اللغة الفصيحة، والمصطلحات القديمة والاستعمال العامي.وبدأ في هذا المشروع، وسمي هذا الكتب " الاسرار المحكمة في حل رموز الكتب المترجمة" الا ان احد تلامذته استعجله في تخريج كتاب صغير يمكن ان ينتفع به في الحين، ويفيد في شرح المصطلحات الفصيحة الطبية بلغة اهل فاس، فعمد الى تذكرة الشيخ داود الانطاكي، وجرد كا مفرادتها وفسرها بلغة اهل فاس وختم الكتاب بالمفردات الحديثة وشرحها وقرب معانيها وسمي هذا المؤلف" ضياء النبراس في حل مفردات الانطاكي بلغة فاس" وقد طبع طبعة فاسية سنة 1318هـ (1900).
وهذا الكتاب مفيد للغاية على صغر حجمه لان مؤلفه كانت له حاسة ملا حظة قوية، وكان عند دراسته بمصر يسعى في الوقوف على أعيان  الاعشاب وغيرها من المواد الكيماوية ونحوها .فهو يذكر في كتابه اسمها ومقابله بلغة اهل فاس، ويعتمد كذلك على كثير من المؤلفات في هذا الموضوع مما أشرنا اليه انفا، وحتى ان من مصادره ما يعتبر ضائعا الان مثل تفسير الاعشاب لابي زيد الفاسي.
ولكن أكثر اعتماده على مشاهداته فنراه كثيرا ما يقول رأيته بالمحل الفلاني وهو موجود بمصر مثلا ويسمى بها كذا، وبفاس كذا وعند الانطاكي كذا، وياتي احيانا بالاسم الافرنجي لانه تعلم ذلك على شيوخه بالقصر العيني.
وبالجملة فهذا المؤلف اخر حلقات هذه السلسة الطويلة التي اهتم بها اهل المغرب خاصة، والتي تعين على تطبيق الالفاظ العلمية على المسميات العامية.وهو من المؤلفات التي يتعين اعادة طبعها لامن الطبعة الاولى كانت على الحجر، وقد صارت نادرة جدا مثل اكثر المطبوعات الفاسية.
هذه نظرة وجيزة ولمحة قصيرة اردت بها أن أعرف ببعض مجهودات أهل المغرب في علوم اللغة، والموضوع يتسع لاكثر من هذا الا ان المقام استلزم هذا الاقتضاب والاختصار، والله الموفق للصواب.

من آداب مجالسة الملوك
اننا فزنا بالملك وشركناك فيما انت فيه
" قال الشعبي دخلت على عبد الملك فصادفته في سرار مع شخص فوقفت ساعة لا يرفع الى طرفة، فقلت ياأمير المومنين  عامر الشعبي، فقال لم ناذن لك حتى عرفنا اسمك فقلت نقدة من امير المومنين فلما أقبل على الناس رايت رجلا في الناس ذا هيبة ورواء ولم أعرفه فقلت يا أمير المومنين من هذا؟ فقال الخلفاءتسأل ولا تسال هذا الاخطل الشاعر، فقلت في نفسي هذه أخرى قال وخضنا في الحديث فمر له شيء لم أعرفه فقلت في نفسي هذه أخرى قال ةخضنا في الحديث فمر له شيء لم أعرفه ف فقلت اكتبنيه يا أمير المومنين فقال الخلفاء تستكتب ولا تستكتب، فقلت هذه ثالثة، وذهبت لاقوم فاشار الي بالقعود فقعدت حتى خف من كان عنده ثم دعا بالطعام فقدمت اليه المائدة فرأيت صحفا فيها مخ، وكان من عادته ان يقدم اليه المخ قبل كل شيء، فقلت هذا ياامير المومنين كما قال الله تعالى وجفان كالجواب وقور رأسيات فقال ياشعبي مازحت من لم يمازحك فقلت هذه رابعة فلما فرغ من الطعام وقعد في مجلسه واندفعنا في الحديث وذهبت لا تكلم فلما ابتدأت بشيء من الحديث ال الاسئلة مني فحدث الناس وربما زاد على ما عندي ولا انشده شعرا الافعل مثل ذلك فغمني وانكسر بالي، فما زلنا على ذلك بقية نهارنا فلما كان اخر وقت التفت الي وقال يا شعبي قد والله تبينت الكراهة في وجهك لما فعلت وتدري أي شئ حملني على ذلك؟ قلت يا امير المومنين لا قال لئلا تقول ان فاز هؤلاء بالملك قد فزنا نحن بالعلم فأردت ان أعرفك انا فزنا بالملك وشاركناك فيما انت فيه ثم امر لي بمال فقمت من عنده وقد زللت أربع زلات".


(1) الجزء2صحـ1301من طبعة اسطامبول سنة 1949
(2) انظر هسبريس سنة 1931صحـ10-23-
(3)تاب الزبيدي: اسمه كما على مخطوط اسطمبول" كتاب فيه لحن العوام" أما كتاب ابن مكي ويوجد منه مخطوط كذلك باسطمبول، فاسمه "تثقيف اللسان وتلقيح الجنان
(4) رجال القرن الثاني عشر هجرية (الثامن عشرم)، وقد طبع كشف الرموز بمدينة الجزائر سنة 1904 وترجم الى الفرنسية بقلم الدكتور Le Clerc   سنة 1874 والمؤلف يعتمد على مصادر مغربية فيما يرجع للتفسير باللغة العامية.
(5)ت رقم 746 من فهرس Vollers
(6) 3 صحـ325.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here