islamaumaroc

الدولة العلوية قائمة على هدي النبوة قبس من خلق المصطفى (صلعم)

  محمد يسف

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

لقد سما خلق النبي الكريم (صلعم) سموا شارف أفق الكمال، مما استوجب به ثناء الباري تعالى عليه في كتابه المكنون بالعظمة الخلقية فقال:
(وإنك لعلى خلق عظيم).(1 )
وخلق الرسول في عظمته، ليس سوى تجسيد حقيقي لمعاني القرآن الكريم، وترجمة أمينة ودقيقة لمقاصده ومضامينه، وهو ما أكدته أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها في ردها على سؤال من سألها عن أخلاقه الكريمة قائلة: «كان خلقه القرآن».(2 )
وما كان لخلق المصطفى وسيرته العطرة إلا أن يكون في حجم الرسالة التي أناطها الله به، ومستوى التربية الربانية التي رافقته ـ ترشيدا وتسديدا ـ في جميع مراحل حياته، منذ ميلاده إلى أن اصطفاه الله نبيا رسولا خاتما للرسل والرسالات، صانعا به وعلى يديه خير أمـة أخرجت للنـاس، بل وحتى من قبل أن يولد يوم أن كـان نـورا يتسلسل في أصلاب الطيبين مـن آباءه وأجـداده، متقلبا في أرحـام الطاهرات مـن أمهاته وجـداته. رحماه الله نسبا وصهرا ـ من أن يكـون لعيوب الجاهليـة وشوائبها وسلبياتها، سبيل إليه مجـال.
خلق كريم جبل عليه وهو فتى، فلفت به نظر بني قومه ـ وهم يومئذ أهل ووثنية، ودعاة عصبية جاهلية، وعنصرية قبلية ـ فما وسعهم إلا أن يعترفـوا بفضله، ويلقـوه بالأميـن أجله وهو وصف له                                                                                 
بُعدُهُ الحضاري، ودلالته السلوكية، وربما كان الوحيد من بينهم الذي خصوه بهذا التكريم، وبين أظهرهم من
لا ينكرون فضله من أهل الصدارة والشأن. وحتى في أحرج الظروف التي مرت بها علاقته بقومه، لم يجرؤوا على جحود أمانته، أو مس صدقه وعفافه.
فلما بلغ أشده واستوى جسدا وعقلا وروحا، اصطفاه الله نبيا رسولا خاتما، أرسله بالهدى ودين الحق شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أدواته وحي مسدد، وكلمة هادية، وسلوك قويم، وخلق عظيم، مؤيدا بالدلائل والآيات، والبراهين والمعجزات، وكان من معجزاته الظاهرة وآياته الباهرة ـ بعد القرآن الكريم ـ شمائله الزكية وسيرته المرضية.
وفي هذا السياق يقول الحافظ أبو محمد ابن حـزم مستعرضا بعض دلائل رسالته وأعـلام نبوته: «... وأيضا فإن سيرته محمد (صلعم)، فمن تدبرها، تقتضي تصديقه ضرورة وتشهد له بأن رسول الله حقا، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته لكفى»(3 )
أجل، كانت سيرته (صلعم)، وشمائله علامات مضيئة في درب السارين، يهتدي بها الحائرون في ظلمات الأنانية العمياء، وليالي الجاهلية الجهلاء.
ففي مواقف السيرة ووقائعها، وأحداثها ومشاهدها ما يدفع الشبهات، ويزيح الحجب والحواجز التي تمنع الرؤية الواضحة والاتصال المباشر، وبفضل سيرة النبي (صلعم) وشمائله استطاع فريق كبير من الذين أوتوا الكتاب، والمستنيرين من أهل الملل والمذاهب والديانات المتجاوزة، مع العزم منهم على تغيير أنفسهم، والانتصار على ذرائع الإحباط أن يهتدوا إلى الحقيقة الدينية، ويؤمنوا بأن محمدا رسول الله حقا تنطبق عليه تماما تلك المواصفات التي قرؤوها عنه في كتبهم التي بشرت به.
قصة إسلام زيد بن سعنة:
وأقدم قصـة إسلام زيد بن سنعـة، الحبر اليهودي، أنموذجا للذين اهتدوا من علماء أهل الكتاب، وهي واضحـة الدلالة على مـا يستطيع الخلق النقي أن يحققـه في مجـال بناء الإنسان وهدايتـه وتصحيح مساره.
قال زيد بن سنعة شارحا ظروف إسلامه: «إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد (صلعم)، حين نظـرت إليه إلا اثنين، لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة    الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له، لأن أخالطه، فأعرف حلمه وجهله: فخرج رسول الله (صلعم) يوما من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي فقال: يا رسول الله، إن قرية بني فلان، قد أسلموا ودخلوا في الإسلام، فكنت حدثتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدا، وقد أصابتهم سنة وشدة وقحوط من الغيث، وإني أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به.
قال: فنظر رسول الله (صلعم) إلى الرجل إلى جانبه ـ أراه عليا ـ فقال: ما بقي منه شيء يا رسول الله، قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه فقلت له: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟
فقال: لا، يا يهودي، ولكن أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا أو كذا، ولا أسمي حائط بني فلان.
قال: فقلت نعم.
فبايعني، فأطلقت هيماني( 4) فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، فأعطى الرجل وقال: أعجل عليهم وأغثهم بها.
قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، فخرج رسول الله (صلعم) في جنازة رجل من الأنصار، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان في نفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة، ودنا من جدار ليجلس إليه، أتيته فأخذت بجوامع قميصه ورداءه ، ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت: ألا تقيضي يا محمد حقي؟ فو الله ما علمتكم يابني عبد المطلب إلا تمطل.(5 )
ولقد كان لي بمخالطتكم علم، قال: فنظر إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني بطرفـه وقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله (صلعم) مـا أسمع، وتفعل بـه ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر قوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله (صلعم) ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال: أنا وهو، كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، إذ تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب يا عمـر، فاقضه حقـه، وزده عشرين صاعا مكان ما رعته».(6 )                      
قال زيد: فذهب بي فقضاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر.
فقلت: ما هذه الزيادة؟
فقال: أمرني رسول الله (صلعم) أن أزيدك مكان ما رعتك.
فقلت: أتعرفني يا عمر؟
قال: لا، فمن أنت؟
قلت: أنا زيد بن سعنة.
قال: الحبر؟
قلت: الحبر.
قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله (صلعم) ما قلت، وتفعل به ما فعلت؟
قلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفت في وجه رسول الله (صلعم) حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد أخبرتهما.
فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وأشهدك أن شطر مالي صدقة على أمة محمد (صلعم).
فقال عمر: أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم كلهم.
قلت: أو على بعضهم.
قال: فرجع عمر وزيد إلى رسول الله (صلعم).
فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فآمن به وصدقه وتابعه، وشهد مع رسول الله (صلعم) مشاهد كثيرة، ثم قتل في غزوة تبوك، شهيدا مقبلا غير مدبر رحمه الله».( 7)
في هذا الحديث لا يشهد بأن الخلق الكريم، ومصداقية السلوك تعتبر من أهم أدوات العمل الإسلامي، وأكثرها فائدة، وصدق رسول الله (صلعم) حين قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».(8 )
وعلى امتداد التاريخ الإسلامي بقي الخلق الكريم من أقوى المعايير المرشحة للقيادة المعنوية والتربوية على المستوى الشعبي، وبالنسبة للخاصة والعامة على السواء.
وبيت الأشراف العلويين في مغربنا الإسلامي الذي قاد الشعب منذ مآت السني، قام عرشه على قاعدة خلقية ثابتة،                                                               
بقيت موصولة بعميد البيت الأول ومؤسسة المولى حسن بن قاسم، الذي رشحه والده المولى قاسم من بين أبناءه له ثمانية، فاقهم خلقا وسادهم حلما.
فقد أشار المؤرخون إلى حكاية لطيفة لا تخلو من حكمة وبعد نظر، خلاصتها: إن وفد الحج السجلماسي عندما طلب من المولى قاسم بن محمد أن يبعث معهم أحد أولاده، وهو يومئذ أكبر شرفاء الحجاز ديانة ووجاهة، اختبر من أولاده من يصلح لهذه المهمة، فكان يسألهم واحدا واحدا ويقول لهم: «من فعل معك الخير، فماذا تفعل معه أنت؟» فيقول: «الخير». ومن يعل معك الشر؟ فيقول: «الشر». فيقول اجلس. إلى أن انتهى إلى المولى حسن الداخل، فقال له كما قال لإخوته فقال: من فعل معي الشر، أفعل معه الخير.
قال: فيعود ذلك بالشر، قال فأعوذ له بالخير إلى أن يغلب خيري على شره.
فاستنار وجه المولى قاسم، وداخلته أريحية هاشمية، ودعا له بالبركة فيه وفي عقبه، فأجاب الله دعوته.(9 )
وكأني بالمولى قاسم ـ رحمه الله ـ كان ينظر بنور الله، فاخترق بثاقب بصيرته حجب الغيب وأسرار المستقبل، وقرأ بفراسته، وصفاء وجدانه ما يختفي وراء المشاهدة الحسية من حركة التاريخ ووعى مشروع العمل الحضاري والعلمي الذي يستوجب اختيارا دقيقا للعنصر القادر على إحداث التحول فرفض أن يرشح رجلا عاديا، بل استصفى من بين أبنائه قدرة فاعلة، في حجم الأحداث تملك أدوات البناء والتأطير، ووسائل التأثير والتغيير، وركز على الخلق باعتباره صمام أمن الآحاد والجماعات، والأمم والدول، وسر بقاء الحياة نقية سليمة، فكان المولى حسن الداخل على موعد من التاريخ بما توفر له من شرائط بناء الإنسان، وتحقق في أبنائه وأحفاده بفضل ما غرس في أعماقهم من قيم رفيعة، أمل الأمة ولفتوا إليهم أنظار أهل الفضل والصلاح والدين في سائر أطراف الغرب الإسلامي بما فيه أهل عدوة الأندلس، فصاروا معقد آمال المسلمين ومناط رجائهم في كل عصر من عصور التاريخ، ورصيدا يلتجئون إليه كلما التبست عليهم الأمور، وتشعبت أمامهم المسالك.
كذلك قامت دولة الأشراف العلويين بأرض المغرب على هدي النبوة منذ ميلادها، إلى عصرنا الحاضر عهد مولانا الحسن الثاني، مجدد شباب الدولة،  وباعث نهضة الأمة الدينية والعلمية والحضارية، مع التزام صارم بنهج السلف، في تفتح راشد على الكون والحيـاة، والأخذ بما هـو نافع دون تفـريط في الثوابت مـن أخلاق الأمـة وقيمها ومقومـاتها الأصيلة.
ولعل ذكرى عيد العرش المجيد خير مناسبة لتمجيد هذه القيم الخلقية والحضارية التي رعاها العرش، وفرصة لتجديد العزم على مبايعتها والوفاء لها، والنضال عنها، تثبيتا لقدم الأمة على درب التأثيل والتشييد، وترسيخا لعزمها، وزاد إلى حلقها، وتحصينا لمجدها الطارف والتليد، وضمانا لبقائها وامتدادها، فبالقيم الأخلاقية تسمو الأمم، ويعلو شان الدول، ويعظم قدر الشعوب.
كيف لا، وما بعث المصطفى الأكرم إلا لبناء أمة الأخلاق، وقد قال القائد فأحسن وأجاد:

        وإنمــا الأمم الأخلاق ما بقــيت * فــإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبــوا    

 1 ) القلم/4.
 2 ) رواه أحمد والنسائي والبيهقي وابن جرير، وغيرهم.
  3) الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/231.
  4) الهيمان: كيس توضع فيه النقود.
 5 ) مطل: تؤخرون وفاء الله من دون عذر.
  6) رعته: أفزعته.
  7) أخرجه ابن حبان في صحيحه ـ زوائد ابن حبان ـ والطبراني، والحاكم في صححه، والبهيقي، وأبو الشيخ في كتاب
    أخلاق النبي (صلعم)، وأبو نعيم في الدلائل.
  8) أخرجه أحمد والحاكم في الترجمة النبوية، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد بلفظ: «إنما بعثت لأتمم صالحي الأخلاق».
  9) الاستقصا في قيام الدولة العلوية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here