islamaumaroc

خصوصية النظام السياسي في المغرب

  محمد فاروق النبهان

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

لكل نظام سياسي مقومات ومبادئ تحكم مسيرته وتحدد إطاره، وترسم له أهدافه وغاياته، ووضوح هذه المقومات والمبادئ يفسر كثيرا من غوامض المواقف، ويجيب عن كثير من التساؤلات، ويساعد الباحثين والدارسين على حسن الاستنتاج ودقة التحليل وسلامة التوقع.
والنظام السياسي الذي يجهل هويته المتمثلة في وضوح مبادئه وأهدافه، سرعان ما يسقط في منزلقات التناقض والتيه، وهذا مؤشر على هشاشة النظام وضعف خبرته وضآلة تجربته.
والنظام السياسي في المغرب، من أكثر النظم السياسية في العصر الحديث وضوحا في مبادئه. لأنه وليد تراث سياسي يمتد لمدة اثني عشر قرنان منذ بداية الحكم الإسلامي في المغرب، وخلال هذه الفترة الزمنية الطويلة، كان النظام السياسي في المغرب بالرغم من تعدد العصبيات التي حكمت المغرب، وتنافس الأسر الحاكمة، يرسي دعائم الدولة المغربية ذات الهوية الإسلامية، وذات الإشعاع الثقافي والفكري، الذي يجسد انتماء المغرب إلى الحضارة الإسلامية.
ولو تتبعنا تاريخ المغرب السياسي، لوجـدنا أن كل دولة كانت تمثل امتدادا للدولـة السابقـة، وهذا الامتداد التاريخي عَمّـقَ شعور المواطن المغربي بأهمية التلاحـم بين العرش والشعب في مواجهة الأخطار الخارجية، التي كانت متلاحقة ومستمرة وقاسية، وهذا هـو السـر في قدرة المـغرب على الصمـود، وعلى إبراز هذا  التلاحم في كل موقف يتطلب إبراز وحدة كلمته.
والتلاحم بين العرش والشعب في المغرب ظاهرة حضارية واضحة الدلالة على عمق التواصل بين الأجيال المتعاقبة، فالشعب المغربي يجد في سلطان المغرب رمزا لوجوده وكبريائه، وهو امتداد للوجود المغربي، ويعود سبب هذا التلاحم إلى العوامل التالية:

أولا: الطبيعة الدينية للدولة المغربية:
وهذه الطبيعة من أهم خصوصيات النظام السياسي في المغرب، فالمغرب دولة إسلامية، هكذا عرف سابقا واشتهر في التاريخ وفي وجدان المواطن المغربي، ولما دون الدستور المغربي بعد الاستقلال كرس هذه الحقيقة بنصوص دستورية واضحة، حددت انتماء المغرب إلى هوية فكرية ذات طبيعة شمولية، وهي أدق دلالة من كل انتماء قومي أو لغوي أو قبلي، فالمغرب دولة إسلامية، وهذا انتماء عظيم الأهمية لحضارة متميزة، وثقافة واسعة، وعقيدة واضحة، وتاريخ من الانتماء إلى أمة ممتدة من مغرب الأرض إلى مشرقها، عبر أقطار مختلفة في لغاتها، متباينة في تقاليدها.
وأمير المؤمنين في المغرب، لقب دال على هـذه الحقيقة التاريخية، وهـذا اللقب ليس مستحدثا ولا مخترعا ولا متكلفا، فجميع الملوك كان يطلق عليهم هذا اللقب، انطلاقا مـن الطبعة الدينية لهذا النظام السياسي، لا تتوقف دلالـة هـذا اللقب على مجـرد استعماله في المخاطبات الرسمية، وإنمـا تتجسد دلالتـه في تمثل ما يتطلبـه  هـذا اللقب لبديني مـن مسؤوليات في مجـال التوجيـه السياسي، أو الاختيـار الثقافي.
وأبرز مظاهر الإمارة الدينية أن يكون أمير المؤمنين عالما بأحكام الإسلام، مستوعبا لكل ما يتعلق بالحلال والحرام، معتزا كل الاعتزاز بمظاهر السلوك الإسلامي، إماما للمسلمين في فضائله وأخلاقه محبا للعلماء، مكرما لجهودهم، معترفا بدورهم في التوجيه و النصح والإرشاد، مشجعا لهم على أداء دورهم في هداية المجتمع ونصحه وتوجيهه إلى الطريق المستقيم.
وكان ملوك المغرب يعتزون بهذه الخصال، ويتنافسون أحسن التنافس في رعاية العلم والعلماء، والاستعانة بهم في مجال الرأي والاجتهاد.
وكانت مجالس العلم تعقد في قصور الملوك في أيام معلومات، وفي شهر رمضان، وما زالت مظاهر هذه الرعاية والتكريم في المغرب حتى اليوم، لأن هذه الظاهرة هي جزء من خصوصية النظام السياسي بالمغرب، ولا يمكن أن يتخلى أي نظام عن خصوصيته، ومن هذا المنطلق يشهد هذا الجيل التي تنتمي إليه بعض مظاهر الخصوصية المغربية كالدروس الحسنية التي تعتبر إحدى أهم معالم النظام السياسي في المغرب، لأنها تجسد الطبيعة الدينية للنظام المغربي، وتمثل اعتزاز ملك المغرب بالعلوم الإسلامية، ورعايته لعلماء الأمة، وسماع رأيهم، والإنصات لحديثهم.
وأحيانا، نلاحظ أن جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله يتدخل في بداية درس أو ختامه، أو في حفل اختتام هذا الموسم الثقافي العظيم في رمضان المبارك، بإعطاء توجيهات سامية، تصحح مسارا أو تقدم نصحا، أو توضح أمرا، مؤكدا بهذا التوجيه السامي مسؤولية أمير المؤمنين الدينية عن رعاية شؤون الدين، وحماية القيم الإسلامية، والحفاظ على كل مظاهر الأصالة المغربية.
ومن هذا المنطلق أعطى جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في شهـر رمضان الأخير أوامره السامية، بأن يحافظ العلماء المغاربة على مناهـج الأصالة في دراستهم العلمية، وأن يتمسكوا بالخصوصيات المغربية في مجال الإلقاء والدرس والمحاضرة، لأن ذلك من خصوصيات الشخصية العلمية المغربية المعروفة عبر التاريخ، بحسـن استشهادها بالقرآن الكريم، والسنـة النبوية الشريفة، وحسن استظهارها للمتون والشواهـد والأمثال.
وهذا التوجيه السامي جديـر بأن يكون في موطن الاعتزاز والفخار، لأنه تجسيد لقيم أصيلة، وتنبيه إلى أهمية الأصالة في المناهـج، فالحداثة ليست تنكرا للأصالة، وليست طمسا وتجاهلا للخصوصيات، وإنما هي وعي متجدد بأهمية المخاطب في لغة التعبير، وسلامة لغة الخطاب، والأصالة هي أداة التواصل بين المخاطب والمخاطب، وهي إرث حضاري عظيم الأهمية في تواصل المعرفة.

ثانيا: الإرث التاريخي للدولة المغربية:
ينطلق التلاحم بين العرش والشعب مـن شعور نفسي بالثقة، واطمئنان لسلامة القرار.
وهذا الشعور النفيس، لا يتـولد لدى المواطن بسهولة، وإنما يحتاج إلى فترة من الزمن قد تكون طويلة في بعض الأحيان، يجد المواطن فيـه أن قيادته السياسية تحميه من الأخطار، وتدافع عن مصالحه، وتكون كالحصن الذي يحتمي المواطن فيه  في لحظات الشدة ومع الأيام، تنمو مشاعر الثقة، فالعرش يجد في المواطن سنده في مواجهة التحديات، والمواطن يجد في العرش رمز وحدته وأداة حمايته.
والإرث التاريخي عامل هام من عوامل استقرار الدولة، والدولـة المدعمة بإرث تاريخي أقوى من الدولة المستجدة، التي ينظر المواطن إليها بدهشة وتساؤل، ويعتريه الخوف منها في بعض الأحيان، لأنه لا يثق باختياراتها، ولا يطمئن إلى قدرتها على حمايته.
والمغرب دولة ذات تراث تاريخي عظيم، والنظام السياسي فيه يدعمه تاريخ من التلاحم والتناصر والتكاثف بين النظام والشعب، والمواطن في دولة الإرث التاريخي يشعر بانتماء أقوى إلى وطنه، وتشده إليه ذكريات قديمة، منذ الطفولة الأولى، وذكريات ينقلها الآباء والأجداد، ثم تكون محفوظة في ذاكرة الأجيال تنمي شخصية المواطن، وتعزز مشاعر الانتماء في كيانه، ويجعله قوي الصلة بوطنه، ولو اضطر إلى الهجرة لفترة طويلة.
والمواطن المغربي يحفظ الكثير من تاريخ المغرب السياسي، ويعلم عن تاريخ ملوكه الكثير من الأخبار، ويتداول العامة روايات تاريخية، ويذكرون مـواقف وطنية، ويميزون بين العهود والملوك من حيث سلامة الاختيارات، وصلابة المواقف، وعظمة المنجزات.

ثالثا: الالتزام بمبدأ البيعة:
والبيعة: مصطلح إسلامي يدل على شريعة الحكم، وهي عقـد وعهد بين الحاكم والمحكوم، يتعهد الحاكم فيه بتنفيـذ أحكام الله، والحكم بين الرعية بالعدل والحق، وتتعهد الأمـة ممثلة في أهل الحل والعقد، بالطاعة والنصرة، وبذلك يتحقق التكافل والتناصر بين الإمام والأمة، ويستقيم أمر المجتمع.
وانطلاقا من خصوصية النظام السياسي بالمغرب من حيث قيامه على أساس إسلامي، فإن البيعة ظلت إحدى أهم دعائم السلطة السياسية في المغرب.
وتتم البيعة الشرعية بشروطها، ويبرمها أهل الحـل والعقد من علماء الأمة، وأهل المكانة والمنزلة، ومن تثق الأمة به، من حيث نزاهته وورعه.
وما تزال البيعة عظيمة الأهمية في بناء علاقة شرعية بين العرش والشعب، بحيث يلتزم ملك المغرب بما تفرضه عليه البيعة الشرعية، من دفاعه عن كيان المغرب  وعقيدته، ووحدته وثقافته الإسلامية وأصالته، كما يلتزم الشعب المغربي بما تفرضه عليه البيعة من طاعة أمير المؤمنين ونصرته، والثقة بسياسته واختياراته.
والبيعـة في النظام الإسلامي دعامة من دعائم الفكر السياسي الإسلامي، وركيزة من ركائزه، لأنها تجسـد معاني من التكافل والتناصر بين الحاكم والمحكوم، ولهذا عكـف علماء الفكر السياسي الإسلامي على دراسة موضوع البيعة الإسلامية، ومدى ما يمكن أن يترتب عنها من التزامات.
وبفضل البيعة الشرعية، يبرز دور الأمة في إبداء الرأي في اختيار الحاكم، وهو دور يؤكد مكانة أهل الحل والعقد في المجتمع الإسلامي، كرموز موثوق في برأيها واجتهادها، لكي تعبر عن رأي الأمة في قضاياها الأساسية.
والنظام السياسي في المغـرب ـ نظرا لطبيعته الدينية ـ يحافظ على جميع ما يقرره الفكر السياسي الإسلامي من ضوابط وأحكام، وفي تاريخ المغرب القديم والحديث، صـور رائعة من تطبيقات عقد البيعة، مـن حيث إبراز دور العلماء وأصحاب الرأي، والمكانـة في مبايعة أمير المؤمنين، ونصـرته، والدفاع عن شرعية الحكم.

رابعا: قنوات الاتصال المباشر بين العرش والشعب:
يتميز النظام السياسي في المغرب بقرب القنوات التي تربط العرش بالشعب وعمقها، بحيث يكون القـرار السياسي معبرا عن إرادة شعبية، مجسدا آمال أكثرية المواطنين.
ولهذا، يحرص ملك المغرب على أن يخاطب شعبه في كل مناسبة، لكي يشـرح له قضاياه الوطنية، ناشرا بذلك وعيا سياسيا فيما تواجهه الأمة من مشكلات، وسـرعان ما يستجيب المواطـن لكل نـداء ملكي، مؤكـدا بذلك ثقة الشعب المغربي بأمير المؤمنين، مؤيدا رؤيته السياسيـة، مدعمـا مواقفه واختياراته.
وبفضل هذا الاتصال المتجدد، تتجدد صلات التلاحم، وتنمو مظاهرها، ويطمئن المواطن إلى مستقبله، ويشعر بالأمـن النفسي، وفي الوقت ذاتهن تخطو الدولة إلى الأمام خطوات رصينة، واثقة في نفسها، مطمئنة إلى سلامة اختياراتها.
ومن اليسير على أي متتبع لنظام المغرب السياسي، أن يلاحظ خصوصيته المتميزة، التي ضمنت لهذا النظام الاستقرار والاستمرار، وكفلت له تلاحما بين العرش والشعب، وأضفت عليه من مظاهر الأصالة ما جعلته من الأنظمة العريقـة ذات الجذور الراسخة في الوجدان المغربي.
وتبرز عظمة هذه الخصوصية في مواطن الشـدة، وأيام الأزمات، حيث يجتاز المغرب أقسى الأزمات بفضل وحدة كلمته، وتضامن شعبه، ومواجهة التحديات بموقف وطني موحد، يبرز قوة المغرب ونضج تجربته السياسية، وتكافله في المواقف الوطنية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here