islamaumaroc

فصول من تاريخ طنجة في العهد العلوي الزاهر.

  عبد الصمد العشاب

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

مدينة طنجة في تاريخ المغرب عريقة الأصـول، بعيدة الغور في أعماقه، شاهدت عصـر الفينيقيين والقرطاجيين والوندال والرومان والفتح الإسلامي والدول المتعاقبة على المغرب في ظل الإسلام منذ إدريس الأول إلى الحسن الثاني نصره الله،
من أحواز هذه المدينة، انطلق الجيش الإسلامي لفتح الأندلس، وفي هذه المدينة، بويع الملوك، وانتصر القادة، وازدهر سـوق العلـم والأدب، وفيها اصطفت الجيوش قديما، ونظمـت الحملات لمقاومة المحتلين والغاصبين كما كانـت مـلاذ المقاومين، وموطـن عمـل للحركـة الوطنية ضـد الاستعمـار في العصـر الحاضر.                                              
إن موضوع هذا البحث خاص عن مدينة طنجة في عهد الشرفاء العلويين، وقد وفد الجد الأعلى لهذه الأسرة الشريفة من أرض الحجاز من منطقة تسمى ينبع النخل، وهي الأرض التي كان رسول الله (صلعم) قد أقطعها للإمام علي ابن أبي طالب، فاستقرت ذريته بها، وتناسلوا فيها.
وكان أول من وفد على المغرب من أبناء هذه الشجرة المباركة، الشريف حسن بن قاسم المعروف بالحسن الداخل، وذلك في أواخر القرن السابع الهجري، وقد جاوز الستين سنة على عهد السلطان يعقوب بن عبد الحق المر يني.
دخل هذا الشريف إلى المغرب، بطلب من أهل سجلماسة الذين أبدوا له رغبتهم في اصطحابه معهم إلى المغرب، تبركا به وبنسبته الشريفة، وذلك حين عودتهم من أداء فريضة الحج.        
ولما استوطن سجلماسة، تناسل أبناؤه وأحفاده بها، وبرز منهم على ساحة الأحداث، حفيده الأول المولى علي الشريف ابن الحسن بن محمد بن الحسن الداخل، الذي كان من الصلاح بمكان، مجاب الدعوة، كثير الأوقاف والصدقات، حاجا مجاهدا، ذا همة سنية، وأحوال مرضية، تنقل في بلاد المغرب، وعلا صيته في حركات الجهاد التي كانت شواطئ المغرب مسرحا لها ضدا على الغزو الاستعماري البرتغالي( 1) وتعدت شهرة المولى علي الشـريف بلاد المغرب إلى الأندلس، فكـان أهلها يكاتبونهم كلما حلت بهــم كوارث الصليبيين.
ويحفظ لنا تاريخ تلك الفترة قصيدة شاعر أندلسي اسمه عبد العزيز بن ربيع الغرناطي، بعث بها على لسان أهل الأندلس يمدح فيها المولي علي الشريف، ويغريه بالقدوم على الأندلس للجهاد مطلعها:

أيا راكبـا  يطوي المفاوز والقفــرا * رشـدت ولقيت السلامـة والخيــرا

وقد خلد هذا الشاعر معارك الاستشهاد التي كانت طنجة مسرحا لها، وساهم الشريف المذكور فيها.
يقول الشاعر:
بطنجـة قـد  طاب الممات  لزمـرة     *  بنصرتهـا ترجو من الملـك الأجـرا
دعاهـا بأقصى السوس قوم  فاسرجوا * من الصافنات الجرد لم يأخذوالحذر ( 2)
ثم يوجه الخطاب إلى المولي علي الشريف بقوله:
أليس الذي لبى نداء أهــل طنجــة * وجمع أهـل الغرب من حينـه  طـرا
وأقـــع بالكـفار أي وقيعــــة * فمـن لم يمـت بالسيـف ما له ذعـرا
وأصبح ثغـر الديـن أشنب باسمــا * وأرهق وجـه الكفـر من حـزن قترا
وتجدر الإشارة إلى أن أهل الأندلس، رغبوا ـ أثناء إقامة الشريف علي بينهم ـ أن يبايعوه ويُمَلِّكُوه عليهم، فرغب عن ذلك، وَرَعـاً منه وزهدا، أما معارك طنجة التي أشار إليها الشاعر الأندلسي السابق الذكر فهي تلك التي كانت سنة (841 ه ـ 1437م) ضد البرتغال( 3).
ولما توطدت دعائم الدولة في عهد المولى الرشيد، كانت مدينة طنجة في أوليات اهتماماته، وكانت آنذاك، خاضعة للإحتلال الإنجليزي، فبعث إليها خيلا للجهاد وذلك في السنة التي توفي فيها.
وفي سنة (1080ه ـ 1678م)، واصل الملك المظفر المولى اسماعيل حركة الجهاد لإجلاء الأنجليز عن المدينة، فعقد للقائد علي بن عبـد الله الريفي على جيش كبير، فكان النصر حليفه (في ربيع الأول 1085ه /1684 م)، وانتزع المجاهدون من المحتلين قصبة المدينة بأبراجها الأربعة، وذلك أواخر شهر محرم من السنة المذكورة.
ولما طال الحصار على الإنجليز، عمدوا إلى أصوار المدنية وأبراجها فهدموها وخربوها، فلما دخلها المجاهدون بقيادة علي الريفي، رمم ما تهدم من أسوارها، واستوطنها مع جنده. ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا القائد حاكما لطنجة، ثم من بعده ابنه احمد، الذي تعدى نفوذه طنجة إلى تطوان. وذلك بعد موت المولى اسماعيل واستبداد البواخر.
كان للقائد أحمد وهو باشا طنجة اتصالات وثيقة مع رؤساء جيش البواخرة، وقد غامر بنفسه في المؤامرات التي كانوا يدبرونها، فانتهى به الأمر أخيرا إلى القتل في معـركة على مشارف فاس سنة (1156 ه ـ 1743م)، ومباشرة بعد المعركة قصد السلطان مولاي عبد الله مدينة طنجة ودخلها، متتبعا حاشية القائد احمد من عمال وكتاب ومقربين، وأقام بها حوالي أربعين يوما، ثم غادرها إلى فاس.
ونجد أن هذا الأمر يتكرر مرة أخرى على عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، فقد كان القائد عبد الصادق بن احمد الريفي عاملا على طنجة. ولكنه لسوء تصرفه انتهى به الأمر إلى السجن. وتولى عمالة طنجة محمد بن عبد الملك، الذي هو أيضا من آل القائد الريفي الجد. وأرسل السلطان إلى طنجة حامية عسكرية لحراسة المدينة. وقمع رؤوس الفتنة بها، وكان بالمدينة إضافة إلى تلك الحامية. ثلاثة آلاف وستمائة جندي، كلهم من أهل الريف، ويتقاضون رواتب قارة.( 4)
في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وقع الاعتناء بتحصين الوقائع الدفاعية للمدينة. فجدد صقائلها وأبراجها. وكان ميناء طنجة سنة (1202 ه ـ 1787 م) ترسوا على شاطئه عشرون سفينة حربية، يتدرب على ظهرها ألف شخص من آيت عطا وعبيد تافيلالت.
وقد ذكر المؤرخ أبو القاسم الزياني في كتابه (البستان الظريف في دولة مولاي علي الشريف) أن أولئك المتدربين أقاموا بطنجة تحت إشرافه (... وفي كل يوم يركبون السفن ويتطاردون بها فيما بينهم، فتارة يخرجون إلى البوغاز، وتارة يطرقون سواحل إسبانيا).
يدلنا هذا النص، أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله، قد أنشأ في طنجة مدرسة بحرية لتدريب وتخريج أفراد البحرية العسكرية المغربية، وهو أمـر كان المغرب متقدما فيه، لأن الملوك العلويين كانوا ولا زالوا يحرصـون أشد الحرص على سلامـة شواطئ المغرب وأراضيه مـن اعتداء المعتدين، وأطمـاع الطامعين.
وفي سنة (1208ه ـ 1793 م)، استقبلت طنجة عاملها الجديد سيدي الطيب، وهو أخ السلطان المولى سليمان. استبدل به عامل المناطق الجبلية الشمالية. الذي لم ينجح في إخماد الفتنة التي أثارها محمد بن عبد السلام الخمسي المعروف بزيطان بقبيلة الأخماس. فلما تولى سيدي الطيب. اتخذ طنجة قاعدة له، ومنها كان يرسل حملاته التأديبية ضد زيطان وأتباعه، حتى أخضعهم لقوة الحكومة الشرعية.( 5)
والظاهر أن مدينة طنجة كانت مخزنا للذخيرة الحربية في عهد المولى سليمان ومن بعده من الملوك، فمنها كانت تستورد المدافع والذخيرة، ليستعان بها على إخماد الإضرابات التي تقع بين فينة وأخرى. ( 6)
ولذلك نجد المولى سليمان يعتني كسلفه بصقائل طنجة وأبراجها، خصوصا عند زيارته لها سنة (1236 هـ / 1820 م). وكان مرسى طنجة في هذا الوقت المرفأ الوحيد الذي تخرج منه سفن الحجاج إلى بيت الله، وفيه يستقبلون عند عودتهم ومنه يخرج الركب الرسمي الموفد للديار المقدسة.        
وبقيت هذه العادة حتى الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1967م، إذ صار الحجاج ينقلون إلى البقاع المقدسة بواسطة الطائرات.
وشهدت طنجة في عهد المولى سليمان خروج ابن أخيه ابرهيم بن يزيد عن طاعته، وتورط قاضي طنجة احمد الفلوس في هذه المشكلة، فكاد أن يبايع لإبراهيم لولا التدخل الحازم لعامل طنجة في تلك الفترة، وهو محمد العربي السعيدي، الذي أمر بنفي القاضي عن المدينة، وقدم مكانه لقضاء الفقيه الأديب أبا البقاء خالد العمري، وكتب بنتيجة إجراءاته إلى الملك الشرعي للبلاد.( 7)
ولما تولى عرش المغرب السلطان الحازم مولاي عبد الرحمان، قام في أول ولايته ببناء ما تهدم من مرسى طنجة، واستهلك في ذلك ميزانية كبيرة كما يقول المؤرخ الناصري في الاستقصا، وعاد المرسى حصنا عتيدا، وقام أيضا ببناء برج الفنار على ساحل البحر بالمنطقة المعروفة بأشقار.( 8)
وكانت طنجة قد تعرضت في العهد الرحماني لهجوم الأسطول الفرنسي، وذلك سنة (1260هـ1844م)، في مخطط للضغط على المغرب من أجل التخلي عن حماية المجاهد عبد القادر الجزائري، والامتناع عن إمداده بالعدة والعتاد، ولما وقع الهجوم على طنجة، بادر القائد أحمد أشعاش، بتوجيه تقرير إلى السلطان يخبره بواقع الحال، وكان الهجوم المذكور يوم الثلاثاء (20 رجب 1260هـ، 1844م) ومكث الأسطول الفرنسي محاصرا طنجة إلى يوم الخميس 22 رجب، فبعث السلطان فورا بعثة لتقصي الحقائق في عين المكان، وقد سجلت البعثة في تقريرها إلى المولى عبـد الرحمان أن حامية طنجة آخذة بأسباب الحـزم فيما يخص الحـراسة داخل البلد وخارجها، ليلا ونهارا على أكمـل وجـه مـن الضبط والترتيب، وأن أبـراج المدينة التي تعرضت للهجوم متيسر إصلاحها ولم تصب بعطب كبير، غير أن البرج الجديد الذي طريقه مارة أسفل البلد الموالي للمرسى والبرج المتصل به من أعلى قد تهدم الكثير منه، وأصيب سور المسجد الأعظم الموالي للبحر، وكذا سقفه. وأحصي ما نزل بالمسجد من الكور فكان ستا وثلاثين كورة، أما الكور الواقع خارج البلد فشئ كثير، ويضيف التقرير أن الأمين الحاج احمد الرزيني قد جمع مما وقع داخل البلد بالخصوص فألفى عدده (3000 كورة) وأودعه بالبرج الذي بإزاء باب المرسى. على أن مجموع ما قصفت به المدينة كان نحو ستة آلاف قذيفة.
وهناك ملاحظة تقنية سجلها التقرير، وهي أن الرزيني المذكور أكد للبعثة أن القذائف التي اجتمعت عنده كلها صالحة، نظرا لوجود نظير مدافع الفرنسيين عند حامية طنجة بالميناء.( 9)
والواقع الذي لا يمتريه شك، أن طنجة كانت ولا تزال محطة عناية ملوكنا ورعايتهم خصوصا بعد أن بدأت أطماع أوربا تتجه نحو المغرب. ولهذا كان السلطان محمد بن عبد الرحمان (1859 ـ 1873 م) يحرص على تجنب الصراعات التي يخلقها ممثلوا الدول في طنجة.( 10)
 ولما تولى الحسن الأول (1873 هـ ـ 1894م) كان عرشه على فرسه، يتفقد الأحوال بنفسه، ويرعى كل منطقة بمزيد العناية، وهكذا خص طنجة بزيارة تفقدية، وحل بها يوم الأحد 26 محرم 1307 ه موافق 22 شتنبر 1889 م، وأقام بها نحو عشرين يوما، وكان الأسطول الأنجليزي بجبل طارق قد حضر لتحية السلطان، وإظهار عواطف بريطانيا نحوه. ( 11)
كان المولى الحسن، رحمه الله ـ تواقا إلى تأسيس الدولة العصرية بالمغرب، وتجلى طموحه لتنفيذ هذه الغاية من السنة الأولى من ولايته، فشرع في إيفاد البعثات الطلابية إلى الخارج لدراسة العلوم والاطلاع على الحضارة الجديدة، وكانت مدينة طنجة في الغالب مستقر البعثات الطلابية، فيها يتلقون دروسهم في إتقان اللغات الأجنبية.
ففي سنة 1292 ه ـ 1875م)، توجهت من داخل المغرب بعثة مؤلفة عن خمسة عشر طالبا لدراسة اللغات الأجنبية والتوجه بعد ذلك إلى دول أوربا (انجلترا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ إيطاليا ـ إسبانيا)، وكان النائب السلطاني بطنجة هو الذي يتولى مراقبة تقدم الطلبة في دروسهم، ومدى استعدادهم لذلك وكتابة التقارير المتصلة بهم إلى السلطان. فمن ذلك رسالة ملكية من المولى الحسن إلى النائب السيد محمد بركاش، موضوعها جواب عن تقرير بعثة النائب المذكور، يتضمن نتائج اختبار قام به النائب للطلبة المتوجهين من داخل المغرب إلى طنجة لتعلم اللغات.
وهذا نص الرسالة:
«خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله وبعد: وصلنا كتابك بأنك اختبرت الطلبة الذين كانوا وُجِّهُــوا لطنجة لتعلم اللسان والقلم، فألفيت فيهم من لا يقبل التعليم أصلا، وثقيل الفهم مع أجنبيته من التمدن وبينت كلا الفريقين بطرته، ومن عداهم نجيب يحصل منه المراد في المستقبل، وطلبت إبدال ما لا قابلية فيه بغيره، وزيادة نحو الخمسة على الاثنين المبدلين لما في زيادتهم من المصلحة التي ذكرت، ويكون الجميع من صغار أبناء الحاضرة  النجباء، فقد أمرنا خديمنا الطالب عبد السلام السويسي بانتخاب سبعة من أبناء أهل الرباط على الوصف المذكور، وتوجيههم على يدك للمحل المذكور، والأمناء بأن ينفذوا لهم ما يتوقفون عليه لسفرهم واللذان لا قابلية فيهما وجههما لحضرتنا العالية بالله، والسلام في 20 محرم فاتح عام 1293 ه.( 12)
واعتنى المولى الحسن كذلك بالتكوين العسكري لأهالي طنجة وضواحيها، فأصدر في سنة 1292 ه بتاريخ 10 صفر ظهيرا موضوعه التجنيد الإجباري لأهل طنجة وأهل الفحص والغربية، ينص في البداية على (...أن قصدنا بحول الله بهذا العسكر السعيد، الذي شرح الله صدرنا بجمعه، هو أخذ الأهبة والاستعداد، وإظهار أبهة الإسلام الذي أمر الله به، وعليه فنأمرك (الخطاب موجه للسيد علي المسفيوي) أن تجمع ثلاثمائة من العسكريين خدامنا أهل طنجة وأهل الفحص والغربية، واخترهم متأصلين معتبرين في قوسهم من أهل النجدة والفائدة، صغارا أصحاء أقوياء على الخدمة، سالمين من العيوب التي تنافي الخدمة العسكرية.
ثم يتطرق الظهير إلى كيفية تدريبهم ومؤونتهم ورواتبهم، ويختم بهذه العبارة (... فإن تم العدد المذكور، وكمل جمعه وترتيبه على الوجه المطلوب، فيبقى هناك مقابلا لحراسة ذلك الثغر السعيد المحروس بعناية الله، إلى حين الاحتياج إليه.( 13)
ولقد تجلى جيدا في تاريخ طنجة أنها المدينة التي كانت أكثر أهمية عند الأوربيين إبان فترة التدخل الأجنبي في عهد الحسن الأول ومن بعده. ففي سنة 1887 م، شرع الإنجليز في مد أسلاك التلغراف بين طنجة وجبل طارق، ووقفت حكومة المغرب في وجه هذا العمل بشكل احتجاج، درءا لما ينتج عن ذلك من طلب دول أخرى امتيازات مقابل ما قامت به إنجلترا، (نجد هذا في رسالة إلى الحاج محمد العربي الطريس النائب بطنجة تاريخها 27 جمادى الأولى 1304 موافق 21 فبراير 1887).
كذلك أيضا أرادت إسبانيا أن تفتح بطنجة مدرسـة للطب (رسالـة مؤرخـة ب 1 جمادى الأولى 13/ 25 فبراير1887م)، وعينت لذلك طبيبا يقوم بالإشراف على هذه المدرسة لتعليم فن الجراحة بها، وعينت حكومة المخزن الطلبة المغاربة الذين سيدرسون بالمدرسة المذكورة ليصبحوا أطباء في الجيش القصد لم يكن علميا، إنما من اجل البحث عن منفذ لمنافسة إنجلترا).
وفي وثيقة أخرى مؤرخة ب 29 ربيع الثاني 1305 هـ / 14 يناير 1888 م، تتضمن جواب المغرب على طلب إسبانيا إنشاء تلغراف بين طنجة وطريفة، على غرار تلغراف جبل طارق الذي أحدثته إنجلترا. رغم احتجاج الحكومة، فقد نفذت إنجلترا، مشروعها وكانت الأسلاك تدخل إلى المدينة ليلا بدون رخصة، بل تعدت إلى العزم على مد أسلاك تلغرافية نحو العرائش، وبعض المراسي.
من جهة أخرى، كان للحركة التبشيرية (التنصيرية) نشاط ملحوظ في مدينة طنجة، فقد أنشأ احد الأساقفة (الأب ميشال سيرزال) سنة 1868 م، مركزا تنصيريا بطنجة، وتوالى بعد هذه السنة إنشاء عدة مؤسسات تابعة للبعثة التبشيرية الإسبانية، بطنجة، منها: مستشفى، ومطبعة بالعربية والإسبانية ومأوى للفقراء، ومدرسة للذكور، وأخرى للإناث.( 14)
وقد حاول السلطان عبد العزيز( 15) وبعده أخـوه المولى عبـد الحفيظ( 16) تلطيف حـدة ذلك التدخل الأجنبي بممارسة حق الإشـراف التام على تصـرفات الممثلين الأوربيين، ووكـلاء الـدول الأجنبية بطنجة، وذلك عــن طريق المؤسسة الدبلوماسية المعروفة بدار النيابة.( 17) وكان الحدث السياسي البارز في هذه الفترة زيارة غيلوم الثاني إمبراطور ألمانيا لمدينة طنجة يوم الجمعة فاتح مارس 1905م (24 محرم 1323 ه)، وتصريحه الشهير الذي قال فيه: «أنا أقوم بزيارتي هذه لسلطان مستقل، أتمنى أن تبقى سلطته  العليا حرة، ويصبح المغرب مفتوحا للتدخل السلمي من جميع الأمم، دون احتكار أو امتياز على أي شكل من الأشكال».( 18)
ولكن الجو السياسي العام في المغرب من جهة، وما يقابله من أطماع أوربية معضدة بالتقدم التقني، والدهاء السياسي، جعل المغرب يفقد مقاومته بالتدريج، حتى وقع تحت أسر الحماية سنة 1912 م وأصبحت طنجة بعـد ذلك تخضـع لنظام دولي ابتـداء من سنة 1924م، ووقع الفصـل بين المواطنين بسبب تعدد أنواع الحمايات.
فلما تولى محرر المغرب جلالة الملك محمد الخامس سنة 1927 م، أخذت المدرسة الوطنية التحريرية بقيادة جلالته تعمل جاهدة على الانعتاق من ذل الحماية وكسر طوقها، فزار طنجة في أبريل 1947، وألقي بها خطابه التاريخي الذي هـز أركان الاستعمار وأعلـن انتماء المغـرب لحظيرة العروبة والإسلام، وأكـد وحدة المملكـة، وعبر عـن أماني شعـبه في الحـرية والاستقلال، وأشهد العالم أجمـع على إرادة الشعـب في التحرر.
ولقد أجمع مراسلوا الصحف العالمية الذين حضروا مراسيم هذه الزيارة التاريخية، على أنهم لم يشاهدوا شعبا يحتف بملكه كما شاهدوا شعب المغرب يحتفل بعاهله العظيم، أبدى صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن (الحسن الثاني) في هذه الزيارة نشاطا سياسيا، وثقافيا ملحوظا، وذلك بخطابه في العديد من التظاهرات، كما كانت الأميرة للاعائشة بخطبتها ذات أثر ملحوظ.
وتميزت تلك الزيارة الخالدة بتدشين عدد من المؤسسات التعليمية، منها المدرسة الإسلامية الحرة التي أنشأتها العلامة السيد عبـد الله كنون وشـرفها ولي العهد ـ الحسن الثاني ـ بخطابه السامي في حفـل وطني جليل، كمـا شرف مؤسسة معهد مـولاي المهدي التي أنشاها العلامـة الشيخ محمـد المكي الناصـري بخطاب سياسي عظيم، وتم وضع الحجر الأساسي للمدرسة الإسماعيلية ـ مدرسة محمد الخامس  ـ بحضور جلالة الملك قدس الله وروحه، وولي العهد والأمراء، وألقى بساحتها ولي العهد خطابا بالمناسبة، وتبرع لها محمد الخامس بمليون فرنك من ماله الخاص، كما تبرع لها الحاضرون من الشخصيات الرسمية المرافقة لجلالته، وتكونت للإشراف عليها لجنة من أعيان المدينة، من بينهم العلامة السيد عبد الله كنون والعلامة السيد العربي التمسماني قاضي طنجة، والباشا بها سابقا، والوجيه السيد أبا عقيل، وغيرهم.
لقد كانت رحلة 9 أبريل 1947م إيذانا بنهاية الاستعمار، ونشطت منذ تلك الزيارة الحركة الوطنية عن ذي قبل، حتى آلت إلى مواجهة مسلحة، وكانت طنجة تساهم بالحظ الأوفر في جلب السـلاح وتسريبه إلى المجاهدين مـن أفراد جيش التحرير والفدائيين.
وفي عهد الاستقلال، حظيت طنجة بزيارة محمد الخامس في شتنبر1957م، وكان لخطاب جلالته أهمية خاصة، إذ أعلن فيه انضمام طنجة إلى الوطن الأب ورفع ذل التبعية الأجنبية عنها. وذكَّرَ بعدد من الامتيازات التي منحت لهذه المدينة ولا سيما إحداث المنطقة الحرة والاعتناء بالميناء. وذلك في المؤتمر الذي انعقد بمدينة المحمدية يوم 8 أكتوبر 1956 تحت إسم: «مؤتمر بشأن طنجة» وكان جلالته قد نص في خطاب مؤتمر المحمدية على ثلاث نقط أساسية.
 1) وحدة السيادة المغربية على جميع القطر المغربي بما في ذلك منطقة طنجة.
 2) رغبة المغرب في تعاون دولي على أساس ميثاق الأمم المتحدة.
 3) اهتمام جلالته بصيانة المصالح الأهلية والأجنبية في مدينة طنجة.
تلك كانت مكانة طنجة عند جلالة محمد الخامس، وهي نفس المكانة التي تحظى بها عند وريث سره جلالة الملك الحسن الثاني أدام الله عزه، فإنه لما استأثرت عناية الله بوالده سنة 1961 م ( 19) كان من أوليات المسائل الوطنية التي رعاها جلالته بثاقب فكره حفظه الله، مسألة إنعاش طنجة، ففي زيارته لها بتاريخ 7 غشت 1962 م، ألقى خطابا أمام أعضاء اللجنة الاقتصادية الإفريقية بمناسبة انعقاد دورتها الثالثة، وكان الامتياز لطنجة في هذه الزيارة أنها  أصبحت عاصمة صيفية لجلالته. وفي زيارته لها في 9 شتنبر 1964 م، ألقى جلالته خطابا أمام الهيآت المنتخبة، اشتمل على امتيازات أخرى لإنعاش هذه المدينة، وتقدم نموها واقتصادها.
فمن ذلك:
* أن طنجة أصبحت ملتقى المنظمـات الدولية كما هـو شأن المكتب الاقتصادي لهيأة الأمم المتحـدة بإقريقيا.
*تطبيق بعض الإجراءات في المجلات التجارية والصناعية والاقتصادية، مثل إلزام الاستيراد والتصدير عن طريق طنجة لجميع البضائع الصادرة عن منطقة الشمال، أو الواردة عليها، وتمتيع المستوردين الطنجيين بمقادير خاصة من العملة الصعبة، ومنح مزايا خاصة لتثمير الأموال في الأغراض الصناعية بطنجة.
* اتخاذ تدابير التخفيف الجبائي في الضرائب المباشرة.
* تشجيع توظيف الأموال في قطاع الفنادق بالنسبة للمجال السياحي.
* الزيادة في ميناء طنجة سواء التصدير أو الاستيراد.
* توسيع المنطقة الحرة الصناعية.
* تشجيع السياحة، وتوسيع مرافقها بالمدينة (توسيع المطار وتجهيزه وبناء مدخل جديد لمدينة، وإنشاء طريق القصر الصغير، وبعض الطرق الأخرى).
* وضع شاطئ طنجة تحت تصرف المجلس البلدي.
وحث جلالته الملك في الأخير أعضاء الهيأة المنتخبة والسكان قاطبة على مضاعفة الجهود لرفع مستوى هذه المدينة التي حباها الله بكل خير.
وبعد، فإن مدينة طنجة كباقي مدن المغرب ومناطقه كلها، تحظى بالاهتمام الفائق لراعي هذه الأمة المحظوظة، جلالة الملك الحسن الثاني، موحد البلاد وقائدها إلى التقدم والازدهار، أعز الله أمره، وسدد خطواته الموفقة لخير المغرب والعروبة والإسلام.

 1) في سنة 841 هـ 1437 م، تعرضت طنجة لهجوم القوات البرتغالية وافدين عليها من مدينة سبتة التي كانت تحت    سيطرتهم، فاصطدموا بمقاومة المغاربة الذين أوقعوا بهم، وهزموهم وأسروا رئيسهم (فرناندو) الذي لبث في سجن فاس حتى = = مات فيه، ثم أعاد البرتغاليون الكرة بجيش كبير، وذلك سنة 869 ه ـ 1464 م، فتم لهم الاستيلاء على طنجة،  واستقروا بها،  إلى أن تسلمتها منهم إنجلترا مهرا لملكها (شارل الثاني)، الذي اقترن، (بكاترين دوبوارا كانس) شقيقة ملك البرتغال سنـة 1074 هـ/ 1663 م ووقع جلائهم عنها في حدود سنة 1095 هـ /1683 م.
  2) الاستقصـا : للناصري.              
 3)   نفس الهامش رقم 1.
 4) إتحاف أعلام الناس لابن زيدان.
 5)ولما زار السلطان المولى سليمان مدينة طنجة سنة 1236 هـ ـ 1820 م كان زيطان هذا من بين الوافدين عليه بعد أن
  حسنت سيرته. فأحسن إليه السلطان غاية الإحسان.
 6) رسالة المولى عبد الرحمان بن هشام إلى السيد علال الزمراني خليفة القائد عبد الخالق أشعاع نصها: خليفة خادمنا القائد عبد الخالق أشعاع الطالب علال الزمراني، السلام عليك ورحمة الله، وبعد: فيرد عليك المعلم بوعلي الطنجي، فمكنه من مهراس (مدفع) فرقة خمسة وأربعين، ومن خمسين بينة (قذيفة)من الفرقة المذكورة، وما يحتاج إليه من الإقامة (المعدات).
ووجه عزما، فنحن في أشد الاحتياج إليه. والسلام في 20 ذي القعدة عام 1248 هـ (نظر كتاب إيقاظ السريرة في تاريخ    الصويرة).
 7) نتيجة لهذه الاضطرابات التي شهدتها فترة السلطان مولاي سليمان، أصدر المذكور أمرا عاما بمنع حمل السلاح على  غير أفراد الجيش النظامي، ولكن هذا الأمر عكس في المدن المغربية الشاطئية قضية خطيرة، حيث بدأت حملات التهديد من طرف السفن الأجنبية من الإسبان والبرتغال تهدد امن المدن، في حين بقي المجاهدون مكتوفي الأيدي انصياعا لأمر السلطان، فتصدى  
علماء النواحي (تطوان والعرائش وطنجة) لمراسلة علماء فاس واستفتاؤهم في الأمر، فكان موقفهم هو ما عبر عنه المؤرخ الضعيف في كتابه ص 313 قال(قلما وصل المسؤول إليهم (أي إلى علماء فاس)، سكتوا وتبرأوا من  الكلام مع السلطان.
 8) وصف المؤرخ ابن زيدان فنار أشقار الذي بناه السلطان محمد بن عبد الرحمان على البحر بأنه يسرج فيه ضوء ساطع قوي يظهر للسيارة في البحر ليلا من مسافة بعيدة، وصير عليه ما لا له بال، وكانت المراكب تنشب بذلك الساحل كثيرا، إذ لم يكن لها علامة تهتدي بها في البحـر. ثم جلب لذا الفنـار ماكينة للاستصباح، بواسطة وزير خارجيته الطالب محمد بركاش.
 9) أجاب السلطان مولاي عبد الرحمان قائد أشعاش برسالة هذا نصها:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
خديمنا الأرضي القائد أحمد أشعاش وفق الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، فقد وصل كتابك مخبرا بإقلاع مراكب عدو الله الفرنصيص أهلكه الله عن طنجة بعد واقعة غدره بثلاث، وتوجهها بالبحر الكبير، وما شاع على الألسنة أنها متوجهة إلى الصويرة أو لرباط الفتح وللعرائش وتفعل فعلها بطنجة وتعود لتطوان فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، فقد صار أمره منا على بال فإن فعل فسيلقى بحول الله وقته البلاء والوباء، فإن المسلمين على حال يقظة وثبات، وحزم وإقدام وعزم، فلقد لقي بطنجة من النكبة ماألبسه الحزن والخيبة، وهي ما هي، فكيف بغيرها رد الله كيده في نحره، وأعاد عليه شؤم غدره ومكره، وما ذكرت من أنه لا أرب له في النزول في البر، وإنما أربه الإفساد والعبث في البلاد، فلا ينبغي الاغترار بتلبيسه، ولا ما يشبع = = من خداعه وتدليسه، فقد حاول بذلك بطنجة، فرده المسلمـون على أعقابه، وأذاقوه ســوء عقابه، فإن ما يحاول ـ قصمه الله ـ العزة، متى وجدها، وانتهاز الفرصة متى شاهدها، خيب الله سعيه، وعجل هلاكه ونعيه، بحوله وقوته، وانتهى
المراد منه (في 28 رجب 1760 هـ
 10) كمثال على ذلك. عملية احتكار الحبوب وتهريبها عبر الميناء، وقد عرفت طنجة وبعض نواحي الشمال في تك الفتـرة =
ارتفاعا في ثمن الحبوب التي يقتات منها الناس، فاهتم محمد بن عبد الرحمان لهذا الأمر، وكتب لبعض عماله بالمملكة يأمرهم بجلب الحبوب من الأسواق القريبة والبعيدة (انظر نص الكتاب في إتحاف أعلام الناس ج 3 ص 378) وكان السلطان المذكور
قد اشترى في سنة (1279هـ / 1862 م) لفائدة طنجة. رحى طحن الحبوب المجلوبة. ومما جاء في وصف الرحى عند ابن زيدان قوله: « ومنها الرحى التي جاء منها إلى ثغر طنجة، فإن الأحاديث عنها من الأعاجيب، ويذكر أنها كانت تطحن عددا كثيرا من الأوسق في ليلة واحدة،».
وهذه الرحى كانت توجد بحي دار البارود بالحومة المعروفة إلى اليوم بحومة (الماكينة).
 11) بعد يومين من وصول الحسن الأول إلى طنجة، حل بها طرادان إنجليزيان، لتحيته، وذلك بتاريخ 24 شتنبر 1889 م، وتم
استعراض البخارة الإنجليز في الشارع الرئيسي بطنجة، وكان السلطان يتابع هذا الاستعراض من نافذة الدار التي أعدت لنزوله (انظر كتاب تاريخ العلاقات الإنجليزية المغربية ـ ص: 280 وما بعدها).
 12) من بين الرسائل في هذا الموضوع كذلك، رسالة بعث بها الحسن الأول إلى باشا مدينة طنجة القائد الجيلالي بن حمو،   وهي تتعلق ببعثة طلابية: «الأرضى، القائد الجيلالي بن حمو.
وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله. وبعد فقد وجهنا صحبته خمسة عشر من نجباء الطلبة بقصد التوجه بر النصارى لتعلم تطجت (المدفعية) والهندسة وغير ذلك من أمور الحرب، يعد تعلم الكتابة واللسان بطنجة، ليسهل عليهم مباشرة التعلم بين النصارى، وأمرنا خديمنا الطالب محمد بركاش بأن يقر كل فريق منهم بالمحل الذي يناسبه، حتى يتعلموا ذلك ويوجه كل فريق منهم للمحل المعين له، كما أمرنا الأمناء بان ينفذوا لهم مؤونتهم مدة إقامتهم بطنجة وأعلمناك لتكون على بال وتنزيلهم بالمحل الذي ناسبهم، والسلام في 25 رجب عام 1292 (الوثائق عدد 3، ص 441). 
  13) (العز والصولة في معالم نظم الدولة) للمؤرخ عبد الرحمان بن زيدان.
 14) الحركات التبشيرية بالمغرب الأقصى رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا للأستاذ بلقاسم لحناشي من تونس.
 15) ولد السلطـان مولاي عبد العزيز عام (1298 هـ /1880 م) وبويع بـد وفاة والده في 3 ذي الحجـة 1311 ه موافق
6 يونيه 1894م. وتنازل عـم الملك لأخيه المـولى عبد الحفيظ في رمضـان (1325 هـ/ 1908 م)، وتوفي بطنجــة في 8 جمادى الثانية (1362 ه ـ 8 يوليوز 1943 م) ونقل جثمانه إلى فاس حيث دفن بضريح مولاي عبد الله. 
 16) كان مولاي حفيظ خليفة لأخيه بمراكش. وهناك أعلن ثورته عليه يوم الجمعة 6 رجب 1325 هـ ثم بويع بفاس يوم الجمعة 22 ذي القعدة ذي 1325 ه وأمضـى معاهدة الحماية فــي 30 مــارس 1912 م. وتنازل عـن الملك يوم   
28 شعبان 1330 ه وتوفي في(22 محرم 1356 ه ـ 14 أبريل 1937م)
 17) انظر بحثا للكاتب بعنوان (من التاريخ الدبلوماسي لمدينة طنجة ـ دار النيابة) نشر بمجلة الأحياء التي تصدرها رابطة     علماء المغرب (المجلد الخامس ـ الجزء الثاني).
 18) (تاريخ المغرب) للعلامة التهامي الوزاني (ج 3، ص: 80).
 19) توفي الملك محمد الخامس عشية الأحد 10 رمضان 1380 هـ موافق 26 فبراير 1961م إثر عملية جراحية أجريت   
له بعيادة القصر الملكي بالرباط.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here