islamaumaroc

عناية جلالة الملك الحسن الثاني بالتربية الإسلامية بجاليتنا بالخارج.

  عبد القادر العافية

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله…) المزمل/ 20.
فابتغاء الرزق، و طلبه بالسير في الأرض، عمل محمود باركه الله تعالى، و قارنه بالجهاد في سبيل الله، وأعضاء جاليتنا بالخارج يبتغون من فضل الله، ويعملون من أجل صيانة كرامتهم، وتوفير الحياة الكريمة لأنفسهم، وأبنائهم وأسرهم، فعملهم المقرون بالنية الخالصة هو عمل في سبيل الله، هذا مع العلم أن وجودهم بالمهجر يجعلهم في شوق دائم إلى وطنهم، وتشبث مستمر بانتمائهم الديني والوطني.
ومن أهم الروابط التي تربط المهاجر المغربي بوطنه رابطة الدين المتمثلة في عمق العقيدة الإسلامية في النفوس، وتجدر العـواطف والمشاعر الدينية في كيان المهاجر المغربي ووجدانه، ورابطة الدين تحتل عنده المرتبة الأولى من بين الروابط التي تجمعه بوطنه. لأن الدين ببلادنا ـ ولله الحمد ـ ما زال يشكل مظهرا اجتماعيا فريدا من نوعه، ومن هنا ندرك سر تشبث الجالية المغربية بانتمائها لدينها ووطنها، وسر تشبثها لولائها لملكها ورائدهـا، وهي في كل وقت وحين تؤكد بيعتها وإخلاصها لأمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني نصره الله، الذي هو رمز العزة والسيادة والكرامة لوطننا العزيز، ومن أجل هذا التعلق بالمقدسات الوطنية، احتلت جاليتنا بالخارج مكانـة رفيعة في نفـوس إخواننا بالمغرب، ومن أجلـه أيضا كان لسائر  أفرادها اعتبار متميز عند عاهل البلاد حفظه الله ورعاه، فهو نصره الله يشمل جميع أفرادها بعطفه السابغ، ورضاه المستمر، ويرعاهم بأبوته الحانية، ويتفقد مختلف أحوالهم الدينية والاقتصادية والاجتماعية والمهنية.
ومنذ البداية، وجدوا فيه الساهر الأمين على مصالحهم، ووجدوا أنفسهم محاطين ومحفوفين برعاية جلالته واهتمامه، فهو ـ حفظه الله ـ حريص على راحتهم واطمئنانهم، ويعمل باستمرار لتحسين أوضاعهم وتسهيل مهمتهم، وتقديرا لعواطفهم الدينية، ووجدانهم الروحي، اهتم نصره الله بحاضرهم ومستقبلهم الديني، وبفضل توجيهاته السامية عملت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تعهدهم بالتوعية الدينية، وقامت بتنظيم مواسم ثقافية من أجل توعيتهم، وتعريفهم بأمور دينهم: عبادة، ومعاملة، وأخلاقا، وأدبا...فبعثت إليهم البعوث العلمية، وخولتهم بالموعظة في كل المناسبات،  وبخاصة في شهر رمضان المعظم، حيث تكثف الوزارة ـ مشكورة ـ عملها في هذا الميدان.
ولشهر رمضان عند جاليتنا بالخارج نكهة خاصة، حيث يحتفلون بهذا الشهرالكريم احتفالا كريما، ويستعدون لصيامه وقيامه، ولسماع الموعظة والذكر خلال ساعات ليله ونهاره، وطقـوس وعادات هذا الشهر الكريم تذكـرهم كل التذكر، وتربطهم تمام الارتباط بوطنهم وبمقدسات بلادهـم، وتبعث في نفوسهم ذكريات دينية، ووطنية، وهم في كل ذلك يهدفون إلى صيام هذا الشهر على الوجه الأكمل إرضاء لربهم وتلبية لعواطفهم الدينية الصادقة، فتراهم يحافظون على الصلوات، ويتنافسون في إحياء ليالي رمضان بالذكر والعبادة، وصلاة التراويح...وتتميز ليلة العاشر من رمضان بإحياء ذكرى وفـاة بطل العروبة والإسلام مولانا محمد الخامس قدس الله روحـه، فيترحمون عليه بالمساجد، ويبتهلون ويتضرعون إلى الله بأن يجازيه بما يجازي به سبحانه المخلصين والصديقين والأنبياء والشهداء، ويرفعون أكف الضراعة والدعـاء بالنصر والتأييد لوارث سره وموحـد البلاد، وضامن عزها أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني نصره الله، وفي الأيام الأخيرة من رمضان يستعدون لإخراج زكاة الفطـر، ولصلاة العيد ويتأهبون للاحتفال بيومه بإظهار الزينة، وبسط الموائد، ولبس أحسن الثياب. وتبادل الزيارات، وصلة الأرحام.
هذه الشعائر الدينية تحرص جاليتنا على إقامتها بالمهجر، تلبية لنداء الإيمان المتعمق في نفوس أفرادها، واسترشادا  بتوجيهات أمير المؤمنين حفظه الله، الذي يبارك عواطفهم ومشاعرهم الدينية، والوطنية.
وهذه العواطف النبيلة في نفوسهم تجعلهم يترصدون المناسبات الإسلامية، فيحيون الذكريات المجيدة للإسلام: كإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، وذكرى الإسراء والمعراج، وذكرى الهجرة النبوية المجيدة، وإقامة شعائر عيد الأضحى المبارك، وصوم يوم عرفة وعاشوراء، وصيام أيام من رجب وشعبان...وبالمشاهدة لاحظنا أن هذه الشعائر الدينية لها مكانة هامة في نفوس جاليتنا بالمهجر، بفضل الجهود المبذولة في هذا الميدان.
ومن أبرز مظاهر التشبث بالدين عند جاليتنا ما قامـت من فتح لعدد من المساجد، والعمل على صيانتها وتأثيثها بما يلزم من الأثاث المحترم، قصد إظهارها بالمظهر اللائق بإقامة شعائر الدين، فالمساجد التي أقامها أفراد جاليتنا مفروشة بالزرابي، ومجهزة بالمنابر، وبمكبرات الصوت، وبخزانات الكتب، وبوسائل النظافة، وبكل ما يجعل المصلي يشعر بالاطمئنان وراحة البال.
ومن مظاهر التشبث بالدين كذلك، ما يوليـه إخواننا بالمهجر من اهتمام كبير لدروس الوعظ والإرشاد، فهم يتنافسون في المواظبة على حضور حلقاتها، ويهيئون الجو المناسب لإلقائها، ويحترمون أبلغ الاحترام العلماء الذين يقومون بها، ويسألونهم عن كل ما يختلج صدورهم من أمور دينهم، التي يودون معرفتها وفق مقاصد الشرع الحكيم، فتراهم يسألون ويلحون في السؤال، ويهتمون بالجوانب غاية الاهتمام، مما يدل على تعطشهم لدروس التوعية الدينية.
ومن مظاهر هذا التشبث أيضا حرص أفراد جاليتنا الشديد على تعليم أبنائهم لكتاب الله العزيز، عملا بتوجيهات أمير المؤمنين، التي تحض على العناية بالأطفال، وتؤكد على وجوب تعليمهم القرآن الكريم منذ البداية، ليكون أول ما يتعلمونه ويحفظونه كلام الله عز وجل.
ومما أثلج صدور جاليتنا بأوروبا، ما قامـت به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من تعيين أئمة قارين بأهم المساجد، تنفيذا لتوجيهات أمير المؤمنين حفظه الله، واستجابة لرغبة جاليتنا، وهذه الخطوة المباركة تدخل ضمن مخطط الاهتمام بالمستقبل الديني لجاليتنا بأوروبا، والأئمة الذين انتدبتهم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للقيـام بهمتهم النبيلة، يتوفرون على مؤهلات تجعلهم يقومون بمهمتهم على أحسن وجه، وتجعلهم في نفس الوقت قادرين على   توطيد صلتهم بإخوانهم في المهجر، وبذلك يصبحون سندا معنويا لهم، يجد فيهم إخوانهم هناك، من عمال وتجار، وطلبة وموظفين... خير موجة ومرشد، والرائد الأمين الذي لا يكذب أهله، و خصوصا في مثل أجواء أوروبا التي تتصارع فيها الأفكار والآراء، وتتلاطم فيها الاديولوجيات والمعتقدات.. إن الإمام القار باستطاعته إن يتمن صلته بإخوانه، أن يعمل على كسب ثقتهم و مودتهم، ومن خلاله يزيد تعلقهم بوطنهم، ومقدسات بلادهم... لأن التربية المستمرة، والتوعية المنتظمة الهادفة، لها دور فعال في إحياء النفوس، وتهذيب العواطف والمشاعر، وهداية الحائر والأخذ بيده، وتوجيهه نحو الطريق الصحيح، طريق الخير والجدية، والاتصاف بالأخلاق العالية التي يرضاها الله سبحانه لعباده المهتدين. وبمثل هذا يكون التخطيط للمستقبل الديني لجاليتنا بأوروبا، لأنه بعد سقوط الإيديولوجيات الملحدة التي تنكر وجود الله عز وجل، والتي لا تؤمن إلا بالمـادة، ,والمحسوس والملموس.
بعد سقوط هذه الإيديولوجيات، تبين انه لابد للأجيال التائهة من أن تبحث عن الطمأنينة، والاستقرار النفسي، والتماسك الخلقي...وهي لن تجد ذلك في غير الإسلام.
وجاليتنا بالخارج يرجى لها أن تكون على جانب من الوعي بأمور دينها، وعقيدتها، وعلى بصيرة بما يتضمنه دينها من قيم سامية، ومبادئ خالدة، وأسس أخلاقية نبيلة، وأكثر من ذلك أن تكون على بينة مما تتضمنه قواعد الإسلام من عوامل الاطمئنان النفسي، والاستقرار العاطفي، فالاعتقاد الخالص بوحدانية الله سبحانه، وبكونه المعبود الحق، والمستعان في كل الظروف والملمات، مما يطبع النفس على الخير، وينمي فيها بواعث الصدق والخلق الكريم، ويقويها على العمل النافع المجدي.
والصلاة عماد الدين، ومن أهم ما يتقرب به العبد إلى مولاه الخالق، الرازق، المحيي، والمميت.
والصيام جنة، ووقاية من الأمراض الجسمية والنفسية والعقلية، ووقاية من تسلط الأمارة على الكيان الإنساني فترديه.
والزكاة عبادة تتضمن التكافل والتعاضد بين المسلمين، والتراحـم والتـوادد بينهم، وضمان لحاجات المحتاجين، بها يظهر الأغنياء حسن نواياهم نحـو إخوانهم في الدين والعقيدة، ونحو مجتمعهم بالرحمة والمواساة...وبها يقيمون الدليل على مبلـغ طموحهم لإنشاء مشاريع الخير ومنشآت التضامن والتعاضد...التي هي  من أهم مظاهر الحضارة الإسلامية، ومن أبرز سمات التقدم والرقي...
وبالحج إلى بيت الله الحرام، يزداد المسلم تعرفا بأحوال إخوانه في العقيدة. وعلى إحساسهم ومشاعرهم، وآلامهم وآمالهم...هذا مع العلم أن الوعي بأمور الدين يرتفع بمستوى التفكير، ويجعل من بني الإنسان أعضاء نافعين، يعيشون لتحقيق أهداف سامية، ومقاصد نبيلة، مما يؤكد للمؤمن أن هذه الحياة لم تخلق عبثا، ولا بالصدفة، ولا من نفسها، وإنما هي بتدبير مدبر حكيم، عالم خبير، قادر، (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) (آل عمران / 191)
وبتعمق المسلم في فهم أسرار دينه، ينشرح صدره لعمل الخير، ويهجر كثيرا من عاداته السيئة كالأثرة، وحب الذات، وعدم الاهتمام بالآخرين، وعندما تتعمق مبادئ الدين في النفوس تطمئن القلوب، وتصغر المصالح الشخصية في اعتبار المؤمن، ويدرك ويتأكد من أن العمل لصالح الجماعة الإنسانية من أسمى ما تتطلع إليه النفوس الكبيرة، ويدرك كذلك معنى قول الرسول (صلعم): «أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده» أخرجه الطبراني في الكبير.
فالإسلام بمبادئه المتميزة، ومثله العليا، يزيل الحجب الكثيفة عن أذهان الناس، حجب تنسجها شهوات النفس، وحب الذات...
وللمزايا التي تتضمنها قيم الإسلام يكون هذا الدين ضروريا لإنارة الطريق أمام البشرية جمعاء، وتكون معتقداته القويمـة خير سبيل للوصول بالإنسانية إلى سعادة الدنيا والآخرة، فالدين سر من أسرار الحياة، ولا قيمة للحياة بدونه، لأنه بلمسها، ولطفها وجمالها، ولقد جمع الدين الإسلامي كل الخصال الممتازة، وتميز بخصائص نبيلة، وتفرد بها دون سواه.
ويجب أن يتأكد أفراد جاليتنا بأوروبا، الذين يحيون يوميا مظاهر حضارة الغرب القائمة على العلم، يجب أن يتأكدوا أن ديننا الإسلامي يدعو إلى الإيمان والعلم معا، فلا إيمان بدون علم، ولا علم بدون إيمان، وديننا جعل طلب العلم فريضة على المسلمين، لأن العلم نور لا حياة بدونه، قال تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (الزمر / 9).
وتاريخ المسلمين حافل بأمجادهم العلمية في مختلف مجالات الفكر والعلم، وبإسهاماتهم العلمية والحضارية، مهدوا الطريق نحو التقدم العلمي، والازدهار الحضـاري، ونحـو اكتشاف الكثير من أسـرار هـذا الكون، وبذلك بقيت بصماتهم واضحـة في مختلف فروع العلم والمعرفة، فديننا الإسلامي يتميز بكونه يوازي بين   العلم والإيمان، ويلائم بينهما، لأنه دين العلم والحضارة، والخير والمحبة والسلام، وهذا هو سر انجذاب بعض علماء الغرب ومفكريه نحو اعتناق مبادئه السامية، بالرغم من أوضاع المسلمين الحالية، والمراكز الإسلامية ومساجد المسلمين بأوروبا وأمريكا خير شاهد على ذلك.
ديننا الإسـلامي يسـوي بين النـاس أجمعين قال تعـالى: (يا أيها النـاس إنا خلقناكـم مـن ذكـر وأنثى وجعلناكم شعـوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عنـد الله أتقاكم، إن الله عليـم خبـير)(الحجرات / 13).
إن دينا في مثل هذا المستوى الرفيع من السمو والنبل جدير بأن يكون دين المستقبل، به تسعد الإنسانية، وبه تستطيع أن تحل جميع مشاكلها، ومن هنا كان الاهتمام بالمستقبل الديني لجاليتنا بالخارج سياسة حكيمة انتهجها عاهلنا المفدى حفظه الله، وباركها بآرائه النيرة، وتوجيهاته السديدة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here