islamaumaroc

جهاد العرش في سبيل استمرارية الصحوة الإسلامية: نموذج من عصر محمد ابن عبد الله إلى الحسن الثاني

  علال البوزيدي

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992


*كلمة استهلالية:
 معالم الجهاد وواجهاته متعددة في تاريخ الدولة المغربية، وتعتبر الساحة الإسلامية إحدى هذه المعالم والواجهات التي يشملها جهاد العرش المغربي العتيد، دفاعا عن الإسلام، وتعزيزا لمكانته، ورفعا لرايته وترسيخا لكيانه، وتثبيتا لعقيدته في النفوس، وإشاعة لتعاليمه بين الناس، وشرحا لقواعده، وتوضيحا لمفاهيمه شريعة وعقيدة.
وعبر أطوار التاريخ لم تنطفئ شعلة الجهاد، ولم تخب جذوته، بل تواصلت حلقاته خلفا عن سلف، مما يؤكد العناية الفائقـة لملوك المغرب بالشـؤون الإسلامية، وممـا يتصل بها من «الأحباس» والأوقاف، وبكـل وسائـل الاتصال والتواصل مـن تربية وتعليم، وتوعية ووعـظ وإرشاد، وأعمـال إحسانية وخيرية واجتماعية.
وبتوسيع شبكة المساجد في كل جهة من جهات المملكة، وفي كل تجمع سكني على صعيد المجتمع بشطريه القروي والحضري، وكذا مواصلة الاهتمام بالتراث الثقافي الإسلامي، وما يتصل بالنصوص الفقهية، والاعتناء بنشر وطبع كتب السنة والبحوث والدراسات الإسلامية التي تعالج قضايا الإسلام، وتواكب الصحوة الإسلامية الموفقة، وتهذيب وتصحيح السلوكيات والأخلاقيات التي أصبح عليها الشباب المعاصر، وطفولة هذا العصر بفعل المسايرة بما جاء به العصر من تطورات، ومن تصادم حضاري، تعكسه في غالب الأحيان بعـض وسائل الإعـلام الغير ملتزمـة التي تغـزو البيـوت، وتستهدف بالأساس محاولـة التأثير على النفـوس الضعيفـة الإيمان، والعقـول الساذجة.
 وبما أن الأطفال هم رجال الغد، وأن الشباب هم قلب الأمة النابض، وأن الأسرة السليمة هي أساس المجتمـع السليم، فإن المـد الجهادي متواصل في هـذه السبل، صـونا وحفاظا على هـذه الروح مـن عبث العابثين، وحمايـة القيم الدينية، والمقـومات السلوكيـة والأخـلاقية، والأصـول السنية، من كل استهتار ومجون.
لذلك باءت كل المحاولات التبشيرية بالفشل، وخاب سعي أعداء الإسلام، وتأكدوا بأن الدين الحنيف في هذه الربوع المغربية أرضية صلبة وقوية، محصنة ومعززة بقوة من الله، ومحروسة بعينه التي لا تنام، وبجهاد العرش المغربي.
والحقائق التاريخية تؤكد ـ لمن في حاجة ـ إلى التأكيد بأن هذا الجهاد متواصل من طرف قادة الأمة المغربية وأعلامها من ملوك الدولة العلوية.
ولنتأمل في وقفة سريعة، وقراءة مختصرة بعض المواقف، الجهادية التي تؤرخ لبعض الأحداث التاريخية، ومن هذه المواقف، ما هو قديم وحديث، لكن، تلتقي كلها في اتجاه واحد وموحد، هو دعم الصحوة الإسلامية واستمرارها.

*لمحة مضيئة حول عصر الملك سيدي محمد بن عبد الله:
تميز عصر السلطان سيدي محمد بن عند الله ـ رحمه الله ـ ببشائر وإشراقات ظلت راسخة عبر تاريخ الدولة العلوية المجيدة، حيث رسم عهده سورة مشرقة لما ينبغي أن يكون عليه الوعظ والإرشاد، وما يجب أن ترتكز عليه مناهج التربية الدينية من قيم وأصول.
ويوفقنا البحث على محاور ثلاثة أساسية:
1) تطبيق التشريع الإسلامي حسب ما ورد في الكتاب والسنة.
2) القيام بحملات الإصلاح، ومحاربة البدع والشعوذة، والإحالة دون تفشيها في الأوساط.
3) ازدهار التأليف في المجالات العلمية والفكرية والحديثية، وتوجيه الرسائل إلى الأقاليم للتنبيه ولقمع المناكر، والانحرافات الأخلاقية المخالفة للدين.
والمستخلص من هذه المحاور بجوانبها الثلاثة المذكورة، هو أصالة التفكير، والتشبع بروح الإصلاح، والمحافظة على القيم الروحية والأخلاقية، والسعي إلى تكوين الإنسان والأسرة والمجتمع في جو   من التكامل والمثالية، بعيدا عن الانحرافات السلوكية، والأمراض الاجتماعية والانحلالات الخلقية.
والذي يهمنا بحثه وتحليله في هذا الحديث، هو الشطر الثالث والأخير من الصورة الملمح إليها، لكونه يتوافق مع صميم الموضوع.
ونعني به، مهمة الوعظ والإرشاد والاجتهاد في سبيل استمرارية الدعوة الإسلامية، والوقوف في وجه كل التيارات والتحديات المتواجدة في طريق هذه الدعوة، وذلك بتنشيط حملات التوعية، وتوسيع نطاقها، ومسايرة مختلف الاتجاهات والميولات الشعبية، وتقويم ما اعوج منها، وإصلاح ما فسد، نتيجة البدع والافتراءات التي تمس العقائد، وتهدف إلى إقحام الماديين وضعاف الإيمان في مراتع الرذيلة والفساد، ومن تجليات ذلك، أمراض العصر، والحياة المادية الشائعة، والتي جلبت للإنسانية الهوس والصداع.
والباحث في مفاخر وأمجاد الشخصية المغربية على عهد الملك سيدي محمد بن عبد الله، يتضح له بأنه كان سيفا من سيوف الله، ومتعه الحق سبحانه وتعالى بقوة الإيمان، ونور اليقين، والعلم النافع، مما جعل الرؤوس تنحني أمامه، والهامات تخضع لتعليماته، وتعمل بتوجيهاته، (وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل)، فكان جهاده المظفر في مجالات الدين، وزرع الإيمان في قلوب المسلمين، جهادا متواصلا ثابتا، هادفا إلى إعلاء كلمتي الحق والدين، فكانت مجالسه العلمية، وندواته الفكرية، حافلة بجهابذة العلماء، لإثراء النقاش، وتعميق أصول العلم والمعرفة، والغوص في الأهداف البعيدة المرامي التي لا تحوم حولها إلا الهمم العالية، والأفكار السامية، والعقول السليمة المستنيرة، وكانت هذه التوجيهات الصائبة موضوع رسائله إلى الولاة حافزة لهم على مواصلة العزم والحزم في الأخذ بزمام الأمور، وتقبل النقد الاجتماعي، والعمل بالتوجيه الأخلاقي في حدود الشريعة الإسلامية الخالدة، ومثل هذه السياسة الرشيدة، تحيي القلوب، وتبعث فيها الإشراق، وتبعد عنها الأهواء والعقائد الفاسدة، وتقي الأفراد والجماعات شرور الانحراف والزيغ عن المحجة البيضاء، التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

*صورة حية حول الهدي الديني في عصر جلالة الملك الحسن الثاني:
تلكم كانت لمحة مضيئة وصورة شاخصة، وفكرة معبرة باختصار، عن عصر ملك شهم، سجل له التاريخ المغربي صولات وجولات سارت بذكرها الركبان، ودونتها بفخر واعتزاز كتب التاريخ.      
وهاكم صورة حية ومشرقة، يزدان بها عصرنا، هذا الذي نحياه ونعيش في بحبوحته، ونمارس فيه أدوارنا في بناء الوطن، على أساس القيم الأخلاقية والروحية، بتوجيه من قائد مسيرة الظفر والاستمرار، جلالة الملك الحسن الثاني، الذي في عصره عرف المغرب البعث الإسلامي، ولبست البلاد حلة رائعة، ومظاهر ومعالم بارزة، تتجلى في الإصلاح، سالكا نهج الآباء والأجداد، وسائرا على أثر أسلافه لإبراز الأمجاد، باعثا الإسلام في هذا العصر، الذي استبدت فيه الحياة المادية، وطغت طغيانا محسوسا على الحياة الروحية، متكالبة على ظروف المادة ومع مختلقات ومفتعلات العصر وتطوراته العلمية والمذهبية والإيديولوجية، لتغزو الفرد المسلم بكل ما تملك من مفاتن ومغريات، ووسائل وإمكانيات، غير أن أساليب التحصين والحماية والوقاية حالت دون تسرب أوبئة الإلحاد والإباحية، بل فإن حملات الوعظ والإرشاد بالمرصاد لكل المحاولات الهدامة، التي تسعى لإقحـام الفرد في عالمها المظلـم، وإبعاده عـن الإشراق القلبي، والاطمئنان النفسي، والاستضاءة بنور الإيمان الصحيح، الذي منزلته في الحياة الروحيـة كمنزلة الرأس من الجسد.
فالهدي الديني في العصر الحسني، تبرز معالمه وتجلياته في النشاط المكثف الذي تقوم به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمجالس العلمية، والمؤسسات الدينية التي تغطي مختلف أنحاء البلاد، مما يعكس العناية الفائقة، والاهتمام الكبير، الذي يوليهما حامل الأمانة العظمى، والمطوق بالبيعة الكبرى، جلالة الملك الحسن الثاني أدام الله عزه وعلاه، الذي يعزز بتوجيهاته حملات الوعظ والإرشاد، والتوعية الدينية، وترسيخ العقيدة الإسلامية وتعميق الأخلاق المحمدية، وفق الكتاب والسنة وما طبع المصحف الحسني، وإنشاء المجالس العلمية، وتوجيه الرسالة الملكية إلى العالم الإسلامي بمناسبة طلعة القرن الخامس عشر الهجري، وإحداث أكاديمية المملكة المغربية لمعالجة القضايا الكبرى التي تثيرها تطورات العصر، ومواقف الشرف.
وازداد مع الأيام هذا السلوك رسوخا كرسوخ الإيمان في القلوب، وتتبين ملامح ذلك في كل الخطوات التي يخطوها المغرب، بقيادة عاهله في درب الجهاد عبر الساحة الإسلامية، وهي ملامح تضيء الطريق للعاملين في المجال الإسلامي. ورؤية جديدة لتاريخ الأمة المحمدية، التي تحاول بعض التيارات الموجهة، والتحديات الصليبية، تحريف وتشويه حقائق هذا التاريخ .                                                                      
غير أن واقع الحال في هذا العصر يؤكد بأن الإنسان الحديث في كل مكان، أصبح على اقتناع تام بضرورة رجوعه إلى الإسلام، وأن حاجته أكيـدة لخوض هذا الاتجاه، كعقيدة أساسية في ممارسة حياته الإنسانية كاملة، وطريق لا محيد عنه للبناء الفكري، الذي على أساسه البناء الحضاري بكل مقوماته ومستجداته، علما بأن الدين الحنيف صالح لكل زمان ومكان، وتلك حقيقة أدركها كبار المفكرين وفطاحلة الأعلام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here