islamaumaroc

وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

  عبد السلام الإدغيري

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

ليس منا ـ نحن الذين عشنا تحت نير الاستعمار وذقنا مرارته ـ من لم يختزن في صدره قصة أو ذكرى عزيزة حول العرش وأعياده، نظرا لما يحمله هذا الاحتفال من المعاني السامية، ومن الوطنية الصادقة، ومن المحبة التي تقرب من درجة التقديس للجالس على العرش.
ولكن المغاربة اشتهروا في التاريخ أنهم لا يسجلون ذكرياتهـم الشخصية إلا لماما، اعتقادا منهم أن ذلك فيه عجب وافتخار، أو يفسر على أنه حب الظهور أو أي تفسير آخر قد يعطي لمن يذكر ذكرياته، ويتحدث عن نفسه.
واعتقد أن هذا غلط فاحش، إذ الذكريات هي ملك للأجيال المقبلة قبل أن تكون ملكا لصاحبها، فاحتكارها هو التكبر الحقيقي، فذكرها واجب وطني، لأنه تاريخ حي وأصيل تجب كتابته ونشره، سواء كان يحمله المثقفون أو مطلق عامة الناس.
فلو كتب كل منا ما عنده من الذكريات لتكون تاريخ حافل وعظيم يستفيد منـه من لم يحضر في عصر الذكرى، لأنه يصـور الواقع في وقتـه طريا، ويصير واضحا في الذهن صحيحا في مستقبلـه، وكتمان ذلك يجعـل تاريخنا غير واضـح، مما يجعل الأبناء والأحفـاد يتنكرون لمـا فعلـه الآباء والأجـداد من الأمجاد.
وصـدق الله العظيـم إذ يقول:
(وذكر فإن الذكرى تنفع المومنين).                                       
ذكرت هذه العجالة لأقول:
إن الاحتفال بعيد العرش هو الذي لفت نظري إلى أن الوطن محتل، ويجب أن يتحرر. بل هو الذي فجر في نفسي منذ طفولتي حب الوطن، وحب الملك، ومنه تعلمت الوطنية الحقة، وهو الذي كره لي الاستعمار والمتعاملين معه.
كنت حفظت القرآن وأنا لا أعرف عن الوطنية شيئا له بال، إلا ما هو معروف عند كل مواطن بالضرورة من أن النصارى يحكمون علينا، وأنهم أعداؤنا وغلبونا، وما كنت أسمعه من الوالدة عندما ترى النحل قد خرج من خليته، وكون كتلة واحدة مجتمعة على سلطانه : لو اجتمعنا على سلطاننا مثل هذا النحل لما دخل الكفار إلى بلادنا.
هذا كل ما كنت أعرف، فلا أقرأ جريدة، ولا أسمع خبرا في إذاعة، ولا سمرا في جماعة، إلا خطبة الجمعة، التي لا أفهم منها إلا القليل، وهي لا تخرج عن الصلاة والصيام والزكاة وفعل الخير مع الناس جميعا، وأما التطرق إلى قضية وطن أو وطنية فمحظور، ولقد استعمل أحد العلماء كلمة في الخطبة تدل على وطنيته، وظن أن الاستعمار لن ينتبه إليها لغرابتها ومجازها، ولكن ما أن ذهب إلى منزله حتى وجد الشرطة السرية تنتظره، والكلمة هي قوله:
«....لقد كنا وِقرا فأصبحنا وَقرا...»(1 ) يشير إلى أننا كنا عظماء، فأصبحنا ضعفاء محكومين بالأجنبي بعد تصدعنا، وعدم اتحادنا.
في هذا الجو القاتم سمعت ـ صدفة ـ ضابطين متقاعدين من الجيش الإسباني يتحدثان عن مجيء السلطان إلى طنجة.( 2) والاحتفال الذي هيأه الطنجويون، والفرحة الكبرى التي غمرتهم لأول زيارته لمدينة البوغاز.
والذي جرني إلى الإصغاء هو كلمة «سلطان»، وصرت أصغي بكل جوارحي لما يقولانه، قال أحدهما للآخر: «وما الغرض من هذه الزيارة وهذه الاحتفالات كلها» فأجابه صاحبه: إنهم يريدون الاستقلال، يعني خروج النصارى من بلادنا ونحكم أنفسنا بأيدينا».
وما أن سمع هذا حتى غضب غضبا شديدا، ولم يستطع إخفاء غضبه وهو في ساحة المسجد، فلقد احمرت وجنتاه، وانتفخت أوداجه، وظهر خبثه وجهله، مما جعلني أكرهه وأمقته كلما رأيته. فقال لصاحبه: «قلت: يطردون النصارى من .                                    
البلاد؟ وهل يستطيعون؟ فما هي معداتهم الحربية التي يطردون بها النصارى؟ إن هذا غلط فاحش، ولن يستطيعوا إخراج الإسبان من البلاد لأني رأيتهم في الحرب الأهلية مدوا جسرا على نهر كبير في دقائق معدودة، ومروا فوقهم بجيوشهم الجرارة، فهل هؤلاء لهم الاستعدادات ليجابهوا بها النصارى؟ والله لو نادى علينا أصدقاؤنا الإسبان للقضاء على هؤلاء لأسرعنا للقضاء عليهم في مدة وجيزة».
ثم قاما للصلاة، وكأن شيئا لم يقع في نظرهما.
وكانت هذه الجملة مع ما سمعته من مجيء السلطان إلى طنجة، وما هيئ له من الاحتفالات لاستقباله كافيا في فتح ذهني خارج مدينتي التي قضيت فيها طفولتي، ومحاولة الخروج منها إلى طنجة، ولكن السفر إلى طنجة ليس كما هو اليوم، بل يساوي صعوبة السفر إلى أمريكا أو أشد، لأن السفر إلى هذه يحتاج إلى المال فقط، أما السفر إلى طنجة فيحتاج إلى الإذن بالخروج من المنطقة الإسبانية، وهذا يكون بعد البحث الدقيق، ومعرفة السبب لهذا السفر، وقد يؤدي ذلك إلى الاعتقال.
وعلى كل حال، فقد استطعت أن أدخل إلى طنجة فيما بعد في عيد العرش، لأمتع نفسي بالحرية التي لا أجدها في تطوان، ولأحتفل كما يحتفل سكان طنجة الذين كانت لهم الأسبقية في هذا المجال في الشمال، نظرا للوضعية السياسية للمدينة.
دخلت طنجة فوجدتها قد لبست حلة قشيبة وهي في عرس حقيقي، كلها رايات وأعلام وصور جلالة الملك سيدي محمد الخامس طيب الله ثراه، وصور ولي عهده آنذاك جلالة الملك الحسن الثاني أطال الله عمره، ومولاي عبد الله رحمه الله، وصور للاعائشة، وهي تخطب، فكانت هاته الصور المتفرقة في كل مكان، وعلى أقواس النصر المكونة من أشجار النخيل. والمحاطة بالأعلام الملونة والمنظمة والمبثوثة في الشوارع، في الطرقات، في الشرفات، في النوافذ، في الدكاكين، على السيارات الصغيرة والحافلات الكبيرة والعربات بكل أنواعها...إلخ.
هذه المناظر ما هي إلا تعبير صادق على المحبة والإخلاص والتفاني في حب الملك والعرش، ولا يمكن لأي شخص مهما كانت طبيعته ورأى هذه المناظر ألا يتأثر أو لا يتفجر قلبه وطنية وإخلاصا للعرش، لذلك كان السكان خارج المدينة يقصدونها ليحتفلوا بهذا العيد السعيد، وليسمعوا إلى الخطاب السياسي الذي يلقيه الملك عادة بالمناسبة، والذي يطالب فيه بحق الشعب.                         
المغربي في الحياة الكريمة، وممارسة سيادته في جميع الميادين.
وسمعت خطبة الملك كما سمعها الناس جميعا بخشوع واطمئنان ونظام، من أجهزة الراديو التي لم تكن واضحة مثل اليوم، فكان الناس يبحثون عن الجهاز الجيد، ويقصدونه للاستماع، والكل يرحب.
وهذا النوع من الاحتفال لم يكن في أول الأمر في تطوان، لأن الاستعمار الإسباني يكره الحرية بطبعه، ويحرم أبناءه أولا منها، فكيف ومن فرض عليهم الحماية بالقوة، فلا يسمح بالتجمعات ولا بالاحتفالات السياسية أبدا، ومع ذلك كانت مدن الشمال أول الأمر ـ ولا سيما تطوان ـ تحتفل، ولكنها استيحاء، وحسب الوعي والظروف المناسبة، ولكن انقلب الوضع رأسا على عقب لما امتدت اليد الأثيمة إلى صاحب العرش سنة 1953م، لقد كان رد الفعل قويا، وأظهر أهل الشمال ما كانوا يخفونه ـ قهرا ـ أظهروا من الوطنية العارمة، والمحبة الفائقة إلى ملكهم سيدي محمد الخامس، وإلى العرش العلوي المجيد ما لم يكن يتصوره المحتل للوطن، سواء في الجنوب أو الشمال، ولم يوقفوا الاحتفالات بعيد العرش بالرغم من وجود الملك في المنفى، لأنهم لم يعترفوا بالفعل الشنيع الذي ارتكبته فرنسا بمد يدها الأثيمة إلى رمز الدولة، وضامن استمرارها، لذا بقيت خطبة الجمعة مستمرة، والدعاء للملك على المنابر كذلك.
والاحتفالات التي كانت تقام بعيد العرش في هذا الوقت بالذات، كانت تحمل معان كثيرة:
أولا: أن المواطنين لا يعترفون بالذي نصبته فرنسا على العرش.
ثانيا: الدفاع والتضحية بالنفس، وبكل ما يملكون لإرجاع الملك إلى عرشه، ولا يريدون له بديلا.
ثالثا: ما يترتب عن إرجاع الملك من الحرية والاستقلال، لأنه هو الضامن لهذا، والثقة الكاملة فيه، حاضرا وغائبا.
ولذلك، استمر هذا الاحتفال الذي هو نوع من الاحتجاج، وإظهار للتشبث بالملك والعرش، حتى يظهرون ذلك  للعالم، وحتى ينشر الوعي في كل مكان وفي كل بيت وفي قلب كل شخص، وإن المنظمين لهذه الاحتفالات كانوا على مستوى رفيع من الوعي  والإدراك والذكاء ومن تنظيماتهم أنهم نصبوا السرادقات في الأماكن الرئيسية، في المدن، وجعلوا فوقها صورة الملك مـن الحجم الكبير، وهيأوا سلما يصعد الناس عليه ليأخـذوا صـورة مع الملك بحيث تخـرج الصـورة وكـأن الإنسان جالس في حجـره، وكـان التهافت على أخذ هذه الصورة كبيرا، وكأن الملك جالس بجسمه لا بصورته.
ولقد أعجبني هذا المنظر مثل الناس جميعا، فحاولت الصعود إلى مكان الصورة، ولكني كنت أخفق المرة تلو الأخرى حتى حققت المبتغى في النهاية. وبينما أنا نازل على السلم، إذا برجل يتهافت هو الآخر ليأخذ صورة مع الملك، ولكنه لا يستطيع لكبر سنه، فساعته في الصعود، وعند تفحصي فيه وجدته هو المتقاعد الذي قال سنة 1947م :«هو مستعد ليحطم الذين يدعون الوطنية إذا طلب منه  أصدقاؤه الإسبان ذلك». فتعجبت عجبا شديدا لهذا الرجل الذي كنت أحمل له حقد الطفولة، وما أشد حقد الطفولة على الإنسان، إنه يضر في القلب، ويرسم السواد، ولا ينساه صاحبه أبدا لكونه صغيرا لا قـدرة له على الدفاع، أو رد الفعل، فيخزن ذلك في صدره إلى حين رد الفعل أو الانتقام، وقد يكون هذا شديدا من البعض عند كِبَرهمْْ، عندما تشتد سواعدهم.
ابتعدت عن السرادق، وفتحت المجال لغيري ليأخذ الصورة مع الملك، ولم أبارح المكان، بل بقيت أرقب هذا الرجل وفعله، هل ما يقوم به من أخذ الصورة هو رياء أمام الناس أم هو حب الملك حقيقة انفجر في قلبه وأراد به الله خيرا؟
رأيت الرجل خاشعا مطمئنا، وهو يأخذ مقامه أمام صورة الملك، وعلامة الحب ظاهرة على وجهه، فتيقنت أن الرجل تاب توبة نصوحا، ولكن الصورة السوداء الكامنة في قلبي نحوه جعلتني أتقدم إليه بعد نزوله، وأجري معه حديثا حول الاحتفال بذكرى عيد العرش، وصاحبه في المنفى، قلت بعد أن سلمت عليه: إنك أخذت الحلوى، وشربت الشاي لما أخذت الصورة مع الملك. قال نعم: قلت له: ولكن الملك في السجن في المنفى، كيف يحلوا لك الشاي في هذه الذكرى، وإن كانت عزيزة، ولكنها ناقصة بعدم وجود صاحبها معنا؟
ولم أتمم كلامي حتى رأيت الرجل ينفجر بالبكاء ويقول: والله لو وجدت السلاح لكنت أول من يجاهد ويموت في سبيل إرجاع السلطان إلى عرشه، قلت له ولكن إسبانيا تمنعك من الالتحاق بالمجاهدين، قال لا أخاف من إسبانيا. لأنها لن تستطيع أن تقف في وجهنا إذا كنا نحمل السلاح، وعزمنا على الجهاد.
وهنا انمحت من صدري النقطة السوداء التي انطبعت فيه منذ الصغر، وتيقنت أن الملك دخل كل القلوب حتى التي كانت متحجرة وضالة. وأن العرش الذي يكون بهذه الصفة لن تستطيع قوة في العالم أن تزيله أو تزحزحه من مكانه.                                                          
لأنه في القلوب لا في الكتب، والقلوب لا تمزق مثل الكتب.
وأخيرا، فإن الذكريات تربط الماضي بالحاضر فيتقوى هذا، ويندفع إلى الأمام، ليحقق آمال الأمة وعزتها، والشجرة تروى من جذورنـا، فلو قطعت عنها لذبلت.
فاحتفالنا بعيد العرش هو احتفالنا بالانتصارات التي حققه الترابط المتين الموجود بين الشعب وملكه، وستحقق المعجزات دائما إن شاء الله ما دام هذا التلاحم بين العرش والشعب مستمرا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بحول الله وقوته.

 1) الوقر بالفتح: الصدع في الساق، والوقر بالكسر: الحمل الثقيل ـ السحاب المثقل بالماء 
2  ) كان هذا سنة 1947م. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here