islamaumaroc

دفاع علماء المغرب عن الشرعية والوحدة الترابية ( أمثلة من العصرين السعدي والعلوي )

  عبد الوهاب ابن منصور

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

لعلماء الإسلام في كل قطر من أقطاره أدوار مهمة قاموا بها في الماضي ويقومون بها في الحاضر، مخلفة أثرا كبيرا في مجرى الحياة السياسية والاجتماعية في الأقطار التي يعيشون فيها، والشعوب التي ينتمون إليها، ذلك لأنهم في نظر الخاصة والعامة هم القدوة التي ينبغي أن تتبع، وذوو الكلمة التي تسمع فتطاع، لأنهم ورثة النبوءة، وحملة الشريعة، المطلعون على أسرارها، العارفون بحقائقها، والآمرون بما يجب أن يعمل، الناهون عما يجب أن يترك، حسبما أمر به الله أو نهى عنه في كتابـه المبين، أو لسان رسوله الصادق الأمين، وقد كانت مواقفهم تعرضهم في بعض الأحيان لمصـاعب ومصائب، إما من طرف الحكام الطاغين، وإما من طرف المحكومين الجاهلين، تبعا لما يبدون من آراء قويمة مطابقة للكتاب والسنة قد تغضب الأولين، وترضي الآخرين، أو لمـا يصدر عنهم من فتاوي معوجة يحرف فيها الكلام عن مواضعه تغضب الأخيرين، وتنال استحسان الأولين.
ومن غير أن ننسى المواقف السلبية لعدد مـن العلماء المداهنين في أقطار إسلامية مختلفة، وظروف زمانية متعددة، يستحسن أن يذكر بمواقف مشرف لعلماء المغرب وقفـوها دفاعا عن الشريعة الدينية، وحفاظا على الوحدة الترابية للمملكة المغربية، ونظـرا لتنوع أوجهها واختلاف أزمنتها فسنقتص على إيراد أربعة أمثلة منها.                                                                                        
ـ اثنان يرجعان إلى عهد الأسرة السعدية.
ـ واثنان يرجعان إلى عهد الأسرة العلوية.
أما المثال الأول فهو موقف علماء المغرب من استنجاد السلطان السعدي محمد المتوكل بن عبد الله الغالب الملقب فيما بعد بالمسلوخ، بملك البرتغال (دون سيباستيان) واستعانته به على استرجاع الملك من عمه السلطان عبد الملك المعتصم، فإنه لما شـاع خبر هذا  الاستنجاد، وما تضمنه الاتفاق المبرم بينهما من تنازل محمد المتوكل لملك البرتغال في حالة الانتصار على جميع سواحل المغرب، كتب السلطان المذكور رسالة ـ ربمـا كانت من إنشاء الفقيه محمد ابن العسكر السريفي صاحب كتاب دوحة الناشر ـ بعث بها إلى علماء المغرب وشرفائه وأعيانـه، وحتى إلى علماء المسلمين في سائر الأقطار، يلوم فيها أهل المغرب على نكثهم لبيعته، وخروجهم عن سلطانهم وبيعة عمـه عبد الملك المعتصم ابن محمد الشيخ من غيـر موجب شرعي بزعمه، ذاكرا أنه استصرخ بالنصارى ـ وسماهـم حياء أهل العدوة ـ حتى عدم النصرة من المسلمين، محتجا بقـول العلماء أنه يجوز للإنسان أن يستعين بكل ما أمكنه على استرجاع حقه ممن اغتصبه، وأبرق في رسالته وأرعد، وأرغى وأزبد، وهددهـم إن لم يعدوا إلى طاعته بآية كريمة حرف فيها الكلم عن موضعـه، وهي قوله تعالى: (لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)، فرد عليه العلماء برسالة طويلة، قوية اللفظ، بالغة الحجة، دمغـوا بها جيش أباطليه، وفضحـوا بها سخيف تأويله، أورد احمد بن خالد الناصري نصها الكامل في الاستقصا (705 طبع الدار البيضاء).
وكان مما ورد فيها مشنعين عليـه عمله، ومستنكرين فعله، يبينون الأسباب الداعية إلى خلعه بعد بيعته لأجل اتفاقه مع النصارى:
«فإنك اتفقت معهم على دخـول أصلية وأعطيتم بلاد الإسلام، فيا لله ويا لرسوله لهـذه المصيبة التي أحدثتها، وعلى المسلمين فتقتها، ولكن الله تعالى لك ولهم بالمرصاد، ثم لم تتمالك أن الـقيت بنفسك إليهم، ورضيت بجوارهم وموالاتهم، كأنك ما طرق سمعـك قول الله سبحانه:(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم) قال أبو حيان وحمه الله: أي لا تنصروهم ولا تستنصروا بهم، وفي كتـاب القضاء من نزاول الإمام البرزلي رحمـه الله: «إن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللموتني رحمه الله استفتى علماء زمانه رضي الله عنهم، وهم من هم، في استنصار ابن عباد الأندلسي بالكتابة إلى الإفرنج، على أن يعينوه على المسلمين، فأجابه جلهم رضي الله عنهم بردته وكفره، فتأمل هذا مع قضيتك تجدها أحروية مناسبـة لقضية ابن عباد في عقدها (أي بيعة محمد المتوكل) ابتـداء، وإنه متى طرأ الكفر وجب العزل، وناهيك بقول النبي (صلعم) «عليكم بالسمع والطاعة»، ومما أفتى العلماء رضوان الله عليهم بردة من استنصر بالنصارى على المسلمين، فهو نص جلي في وجوب خلعك، وسقوط بيعتك، فلم يبق لك إلا منازعة الحق سبحانه في حكمه: (ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب).
وقولهم بعد ذلك يسخرون من اعتذاره عن الاستنجاد بالنصارى، بانعدام النصرة من المسلمين:«وأمـا قولك في النصارى، فإنك رجعت إلى أهل العدوة، واستعظمت أن تسميهم بالنصارى، ففـيه المقت الذي لا يخفى، وقولك رجعت إليهم حين عدمت النصرة من المسلمين ففيه محظوران يحضر عندهما غضب الرب جل جلاله، أحدهما: كونك اعتقدت أن المسلمين كلهم على ضلال، وأن الحق لم يبق من يقوم به إلا النصارى والعياذ بالله، والثاني: إنك استعنت بالكفار على المسلمين، وفي الحديث أن رجلا من المشركين ممن عرف بالنجدة والشجاعة جاء إلى النبي (صلعم) فوجده بحرة الوبرة (موضع على نحو أربعة أميال من المدينة) فقال له يا محمد، جئت لأنصرك، فقال له النبي (صلعم): «إن كنت تؤمن بالله ورسوله»، فقال: لا أفعل، فقال له عليه الصلاة والسلام: «إني لا أستعين بمشرك، وما سمعته من قول العلماء رضي الله عنهم في الاستعانة بهم، إنما هو على المشركين بأن نجعلهم خدمة لأزبال الدواب لا مقاتلة، فأما الاستعانة بهم على المسلمين فلا يخطر على بال إلا من قلبه وراء لسانه، وقد قيل قديما (لسان العاقل من وراء قلبه)، وفي قولك: يجوز للإنسان أن يستعين على من غصبه حقه بكل ما أمكنه، وجعلت قولك هذا قضية أنتجت لك دليلا على جواز الاستعانة بالكفار على المسلمين وفي ذلك مصادمة للقرآن والحديث، وهو عين الكفر أيضا والعياذ بالله ».
ومـن نافلة القول، أن نشير إلى أن السلطان المستنجد، وهو (محمد المتوكل السعدي)، والملك المستنجد به وهو (دون سيبستيان) البرتغالي، توفي كـلاهما قتيلا يوم الإثنين 30 جمـادى الأولى عـام 986هـ (4 غشت سنة 1578م)، على يد جنـود الله المجاهدين في سبيله في معـركة وادي المخازن الشهيرة، التي حضرها أيضـا عدد كبير من العلمـاء وصالحي العباد.
أما المثل الثاني: فيتعلق بتسليم السلطان محمد الشيخ المامون بن السلطان أحمد المنصور الذهبي ميناء العرائش لإسبانيا، وموقف العلماء من هذا التسليم، وقصة ذلك: أن السلطان المذكور لما انهزم أمام أخيه زيدان لجأ بأهله إلى العرائش في شهر ذي القعدة عام 1017هـ، ثم اجتاز منها إلى إسبانيا لاستصراخ ملكها، وطلب عونه لمحاربة أخيه زيدان، وتعهد له بالتنازل عن ميناء العرائش الذي طالما توشفت إسبانيا لامتلاكه، وأن يترك عنده أولاده وحشمـه رهنا حتى يوفي له بذلك، فأجابه ملك إسبانيا حينئذ إلى ما طلب من مساعدته، وأرسله إلى جزيرة بادس التي كانت إسبانيا استولت عليها من قبل، فنزل بها في شهر ذي الحجة من عام 1018 هـ، ثم خرج منها إلى قبائل الريف، وبعدها سار إلى القصر الكبير، وطلب من قواده أن يقفوا معه حتى يمكن الإسبانيين من العرائش، فامتنعوا من ذلك واستقبحوه، ولم يوافقه عليه إلا قائده الكرني، فإنه سار بأمره إليها وأخلاها من سكانها المغاربة بعد ما قتل جماعة منهم، وأقام بها حتى قـدمت عمارة بحرية إسبانية فاستولى جنودها عليها بغير قتال يوم 4 رمضان عام 1019هـ، فضج الشعب وعـج لما يلقى من إهانات على أيدي هؤلاء السفهاء الأشرار من أبناء السلطان أحمد المنصور، الذين يخربون كيانه، ويضيعون مصالحـه، وقام في فاس الشريف أحمد بن إدريس العمراني، ودار على مجالس العلم، مناديا بالجهاد، والخروج لإغاثة سكان العرائش الذين طردوا منها أذلة وهم صاغرون، ولما اشتد غضب الناس على محمد الشيخ المامون، وكثر النكير عليه لسوء ما فعل، أراد أن يستر فضيحته، فكتب رسالة إلى علماء فاس يستفتيهم في افتداء أولاده الذين تركهم رهنا بإسبانيا بالتنازل عن ميناء العرائش، ذاكرا أنه لما دخل إسبانيا كرها بأهلـه منعه النصارى من الخروج منها حتى يتعهد لهم بالتنازل عن العرائش، وأنهم ما تركوه يعود إلى المغرب حتى ترك عندهم أولاده رهنا ليفي لهم بالشرط، وسألهم هل يجوز له أن يفدي أولاده ـ ووصفهم ببضعة الرسول ـ وينقذهم من أيدي النصارى بالتنازل لهم عن ثغر العرائش أم لا؟ كأنمــا ثغر العرائش عقار ورثه عن أبيه، أو متاع من أمتعته الخاصة يتصرف فيه كيف يشاء ويريد، وكان استفتاؤه هذا مجرد مكيدة يريد بها استصـدار فتوى من العلماء يبرر بها سـوء فعله أمام الشعب المهتاج، لأنه لم يستفتهم إلا بعـد ما أخلى العرائش من سكانها المسلمين، وسلمها للإسبانيين، وفاء بما التزم لهم به، أما العلماء فقد أفتاه قليلهم بجواز ذلك خـوفا على أنفسهم مـن بطشه، سيما وقتله للفقيه الحاج الغزاوي لم ينزل حديث الساعة، لا يغيب عن أذهانهم، وخير ذلك أن هـذا الفقيه، واسمـه محمد بن علي البقال المعروف      
بالحاج الغزاوي، لما أحس بالاتصالات الجارية بين محمد الشيخ المامون وبين ملك إسبانيا أنكـرعليه ذلك، وأغلظ له في الملام، فأرسل إليه المامون أعوانه فاعتقلوه وأتوا إلى فاس فقتله بها ضربا سنة 1017هـ، وأما أكثرية العلماء فقد أبى عليها إيمانها أن تتبع هواه وتجاريه في باطله، فاختفت من الساحة، أو فرت إلى روؤس الجبال بالبادية، ولم تظهر إلا بعد ما قتل ذلك الشقي البئيس يوم 5 رجب عام 1022، بفج الفرس على يد المقدم أبي الليف، أحد شيوخ فحص طنجة، وبقي أياما مطروحا بالعراء، مكشوف العورة، حتى ووري التراب فيما بعد، ولا يفوتنا أن ننوه في هذا المقام بجماعة العلماء الذين رفضوا أن يفتوا السلطان المامون السعدي بجواز ما فعل، وفي مقدمتهم مفتي فاس وخطيب جامعها القروي احمد بن محمد المقري التلمساني، مؤلف (أزهارالرياض) و(نفح الطيب) وغيرهما من الكتب النفيسـة، ومحمد الجنان صاحب الطرر على المختصر، والحسن الزياتي شارح جمل ابن المجراد، واحمد بن يوسف الفاسي إلخ.
بعد هذين المثالين الراجعين إلى العهد السعدي، نخلص إلى مثالين آخرين من مواقف فقهاء وعلماء المغرب في العهد العلوي، دفاعا عن وحدة المغرب الترابية وشرعية نظامه.
أولهما: موقفهم من الحالة السيئة التي آل إليها المغرب في بداية هذا القرن العشرين على يد وزراء عاجزين، وحكام عابثين، انهمكوا في الملذات والشهوات، وقعـدوا عن أداء الواجبات، ولم يفهموا ـ أو لم يحاولوا أن يفهموا ـ ما بلغته الدول الأوربية من رقي معنوي، وتقـدم مادي، بسبب انتشار العلم وديمقراطية الحكم، وكان من مظاهر عجز الوزراء وعبث الحكام ضياع أجزاء كبرى من أرض المغرب في الشرق والجنوب، واحتلال وجدة والدار البيضاء ومنطقيتهما في الشرق والغرب، وإغراق المغرب في الديون الأجنبية، وفرض وصاية مقنعة على حرية تصرفه، وحرمان شعبه من المشاركة في كل ما يهم حاضره ومستقبله، فكثر التـذمر وتضاعف الاستياء، وكان العلماء في طليعة المتذمرين والمستاءين، حتى كان ما كان من قيام الخليفة السلطاني بمـراكش الأمير مولاي عبد الحفيظ بدعوى الجهاد على أخيه السلطان مولاي عبد العزيز، فتنفست الأمة الصعداء بالثورة الحفيظية، وظنت بالأمير القائم خيرا، لما كان يدعو إليه عند قيامه من جهاد، ويلوح به من إصلاح، وظنت أن ثورته ستقيل الوطن من عثرته وتعيد إليه سالف مجده وعزته، وأن الشعب سينعـم في ظل عهده بالعيش الرغيد، والحكم الرشيد، فصارت البلاد                  
تتسارع إلى مبايعته، وتـدخل تحت طاعته رويدا، ولمــا كانت البيعة في ذلك الوقت لا تتـم إلا إذا أمضاها وصادق عليها علماء فاس ـ وهي كانت عاصمة المغرب في ذلك الوقت ـ فإن هؤلاء وإن فـرحوا بتخلخل الحكم العزيزي، وظهور الحكم الحفيظي، أبوا أن يعتقدوا البيعة للسلطان الجديد، قبل أن يقدم إلى فاس لتبوإ عرش الملك بها، إلا وفق مبادئ قرروها، وطبق شروط اشترطوها، فجرت بينه وبينهم مراسلات سرية، وترددت بينه وبينهم الرسل في خفاء، حتى انتهى الأمر بالتزامه بتنفيذ جميع ما اشترطوا عليه، والبيعة كما هو معلوم اتفاق بين المُبَايِــع (بالكسر) وبين المُبَايَـع (بالفتح)، له عليهم السمع والطاعة في المنشط والمكره، ولهم عليه جلب كل مصلحـة لهم، ودرء كل مفسدة عنهم، وحينئذ انتفحت أبواب فاس أمام السلطان الجديد، وكتب العلماء البيعة المشروطة في فاتح ذي الحجة عام 1325 هـ، وضمنوها المبادئ والشروط المتفق عليها، ورسموا السبل التي ينبغي سلوكها لبلوغ الغايات وإصابة الأهداف، وللتوضيح نستشهد بفقرات من نص البيعة الحفيظية، تبين مبلغ حـرص العلماء في ذلك الوقت على مصلحة الشعب، على سيادة المغرب وحـريته ووحدة ترابه، وهي الفقرات التالية:
«ويسعى (أي السلطان الجديد) جهده في رفع مـا اضر بهم من الشروط الحادثة في الخزيرات، حيث لم توافق الأمة عليها ولا سلمتهـا، ولا رضيت بأمانة من كان يباشرها، ولا علـم لها بتسليم شئ منها، وأن يعمـل وسعه في استرجاع الجهات المأخوذة مـن الحدود المغربية، وأن يباشر إخراج الجنس المحتل من المدينتين اللتين احتل بهما، ويزين صحيفته الطاهرة بحسنة استخلاصهما، وأن يستخير الله في تطهير رعيته من دنـس الحمايات، والتنزه عن إتباع إشارة الأجانب في أمور الأمة، لمحاشاة همتـه الشريفة عن كل ما يخل بالحرمـة، وإن دعت الضرورة إلى اتحاد أو تعاضد، فليكن مع إخواننا المسلمين كآل عثمان وأمثالهـم ببقية الممالك الإسلامية المستقلة، وإذا عرض ما يوجب مفاوضة مـع الأجانب في أمـور سياسية أو تجـارية، فلا يبرم منها إلا بعـد الصدع به للأمة، كما كان يفعله سيدنا المقـدس الحافظ للذمة، حتى يقـع الرضا منها بما لا يقدح في دينها ولا في عوائدهـا ولا في استقـلالها وسيادة سلطانها، وأن يوجـه أيده الله وجهتـه الشريفة لاتخاذ وسـائل الاستعداد، للمدافعـة عـن البلاد والعباد، لأنها أهم ما تصـرف فيه الذخائر والجبايات، وأوجب ما يقدم في البدايات والنهايات،  وأن يقر بفضله العيون النفوس، برفع ضرر المكوس، ويحق رجاء خدامه وكافة رعاياه بالذب عن حرماتهم ودمائهم وأموالهــم وأعراضهم، وصيانة دينهم، وحياطة حقوقهم، وتجديد معالم الإسلام وشعائره، بزيادة نشر العلم، وتقويم الوظائف والمساجد، وإجراء الأحباس على عملها القديم، وانتخاب أهل الصلاح والمروءة والورع للمناصب الدينية، وكف العمال عن الدخـول في الخطط الشرعية، وترك ما أحدث من الجمع المستلزم لاستبداد الرؤساء بتنفيذ مراداتهم في القضايا والأغراض».
ونخلص بعد هذا إلى المثال الرابع ونختم به: وهـو موقف علماء الدين من البيعة المصطنعة التي أخذت بالقهر والافتيات لدمية أجلسها المستعمرون الفرنسيون سنة 1953 على عرش المغرب، ضدا على إرادة الشعب المغربي، المتمسك ببيعة ملكـه الشرعي الإمام المجاهد، محمـد الخامس طيب الله تراه، وبـوأه مقعدا رفيعـا في أعلى عليين، فمن المعروف أن عددا كبيرا من علماء أبوا أن يعترفوا بالسلطان الذي جاء به الاستعمار لتحقيق أغراضه، وتنفيذ متطلباته، ورفضوا أن ينقضوا بيعة ملكهم الشرعي الذي وقف حياته على الدفاع عن مصالح رعيته، وحماية كيان وطنه، وحتى الذين أُخِــذُوا منهم بالقهر من بيوتهم، وأجبروا بالكره على إمضاء بيعـة سلطـان الاستعمار، لم يلبثوا إلا بقدر ما واتتهـم الفرصة، ليعلنوا أنهم ما أمضوهـا إلا تحت الزجر والإكـراه، وأنهم مستمسكون ببيعة سلطانهم الشرعي، ولا يريدون به بديلا، فاجتمعت كلمتهم على قول الحق والجهر به، ووضعوا أيدهم في أيدي أبناء الشعب المكافح، من تجار وصناع وفلاحين، وكانت عرائضهم المرفـوعة إلى الجهات الرسمية العليا داخل المغرب وخارجه، وخطبهم المشحونة بالآيات والأحاديث الدالة على ما أعد الله من حسن الجزاء في الدنيا والآخرة للصابرين خير مشجع للمقاومين على مواصلـة النضال النضال، ومتابعة الكفاح من أجل إرجاع الملك المنفي إلى عرشـه، والاعتراف للمغـرب بسادته ووحدته، وقد تحمل العلماء والفقهاء في ذلك لغبا وعنتا، فقتـل منهم من قتل، وسجن وعذب من سجن، سيما علماء فاس، الذين اعتصم أربعون منهم بضريح الإمام إدريس الثاني، إظهارا لسخطهم على الوضع القائم، وإعلانا لغضبهم وغضب المغاربة على السياسة الخرفاء التي يتبعها المستعمرون بالمغرب، ضدا على الأوفاق الدولية، وانتهاكا لحقوق الإنسان، وحقـوق الشعوب في تقرير مصيرها، ومع أن ضريح الإمام إدريس كان على مـر الزمان يعتبر حرما آمنا، فإن السلطات الاستعمارية انتهكت حرمته،       
وفرضت على العلماء المعتصمين داخله حصارا منع من دخول الطعام إليه لتجويعهم، ثم أدخلت في الأخير قواتها إليه، فاعتقلت العلماء المعتصمين، ونقلتهم في سيارات عسكرية كما ينقل المجرمون إلى الرباط حيث سجنوا بإحدى مدارس المشور.
تلك نماذج من مواقف علماء الشريعة بالمغرب، دفاعا عن البيعة الشرعية، وحمـاية للوحدة الوطنية، وهي تدل أكبر الدلالات على ما يتحلى به علماء الدين عندنا مـن تمسك بالحق وغيرة على مجد البلاد، وإن مما يبعث الفرحة في النفوس، ويـريح الخاطر، ويهدئ البـال، أن تلك الخصال النبيلة ما زالت راسخة اليوم في أفئدة وضمائر علمائنا رغم ما طرأ على العالم من تطورات، وَتَبَــدَّل في الأفكار مفاهيم، ولا أدل على ذلك من إجماع كلمة العلماء، سواء من ينتسب منهم إلى أقاليمنا الصحراوية الجنوبية، ومـن ينتسب منهم إلى سائر أقاليم المملكة بالشمال، على أحقية المغـرب في استرجاع صحـرائه، وسيرهم في الطليعة مع السائرين لإعادتها مسيـرتها الأولى كما كانت ـ منذ خلق الله الأرض ومـن عليها ـ جزءا لا يتجزأ من جسم المملكة المغربية، ولا شك في أن المسيرة الخضراء التي انطلقت سنة 1975 على هـدى من الله ورضوان، وحققت بها الأمة ما حقت مـن مكاسب وانتصارات، ستتواصل لإحباط كيد الكائدين، وإفشال برامج ومخططات الحساد الماكرين، فيعم السلم، وترتاح الخواطر، وينبسط الهناء في طول البلاد وعرضها، وتخفت الضجات وتخشع الأصوات الناشـزة باعتراف المجتمع الدولي بوحدة المغرب من طنجة إلى الكويرة، تحت القيادة الحكيمـة الرشيدة لقائدنا الهمام، صاحب الجلالة، الملك الحسن الثاني نصره الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here