islamaumaroc

أمير المومنين سيدي محمد بن عبد الله وآثاره الخالدة

  أحمد ابن شقرون

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

شاهد المغرب منذ عهد بعيد مشاهد مختلفة، وعايش الكثير من التطورات المتنوعة، حتى اشرأبت إليه الأعناق وتوجهت إليه الأطماع، في كثير من الظروف، لموقعه الجغرافي، ومناخه الجميل، وأرضه المعطاء، ومناظره الخلابة، ومياهه العذبة المنسابة هنا وهناك.
وكم مثلت على مسرحه من روايات، وكم جرت على أرضه من معارك، فكان يصمد أمامها أحيانا، وتجرفه سيولها أحيانا أخرى.
وفيما المغرب يشكو التمزق والانحلال، والتفرق والانقسام، هبت نسمات طيبة من الشرق الإسلامي، وبالضبط من ينبوع النخيل، تحمل بين جوانبها الأمن والأمان، والهدوء والاطمئنان، والبشر والإسعاد، والزهر والازدهار، ولم تكن إلا الدولة العلوية الشريفة، التي تيمن المغرب بأول داخل إليه من شرفائها، وكان مولاي الحسن الداخل.
وقد مالت القلوب إلى هذا البيت النبوي الشريف، والتمس الجميع فيه الخير، والزهد، والاطمئنان، تحت الاستظلال بظله الوريف، وهذا ما كان، فمنذ اعتلاء أول ملك من ملوكهم عرش المغرب أحس المغاربة بالاطمئنان والهـدوء، حيث وقـع الاستعداد للقضاء على الفتـن والاضطرابات، سواء مـن الداخل أو الخارج، ونظمت الأمـور تنظيما محكما، وظهـر المغـرب إذ ذاك بمظهر الدولـة القوية، الصامدة أمام كل التحديات.                                                                                                             
وإذا كان ملوك هذه الدولة، المقدسون، لم يألوا جهدا في سبيل إسعاد المغرب والدفاع عن حوزته، فإننا نقصر حديثنا اليوم، على علم من أعلامها، ورائد فريد من روادها، ومصلح كبير من مصلحيها، وعالم مطلع من علمائها، هو المولى محمد ابن عبد الله بن إسماعيل، مجدد الدولة، بعد جده إسماعيل العظيم، ونافخ روح النهضة العلمية والإصلاحية، ومحيي الآثار الإسماعيلية، ومعيد بهجتها.
فلنستعرض مواهبه الخلاقة، في الاضطلاع بمهمة الملك، ومبلغ استعداده للقيام بشؤون دولة عظيمة كدولة المغرب.
فهو الذي جدد تنظيم الجيش، وعاود ترتيب الأسطول البحري المهم، وحصن كثيرا من الثغور، جدد العلائق التي كانت بين جده إسماعيل وبين الدول، وأنشـأ روابط أخرى، مع دول أخرى، فقد كانت له علاقات ودية خاصة، مع بعض ملوك الدولة العثمانية، بحيث كان يبعث لهم بالأموال الكثيرة، والأعتدة الحربية الممتازة، إعانة لدولتهم، عدا ما كان يصرفه من الأموال المهمة في افتكاك الألوف من الأسرى الأتراك، وإنقاذهم من رقبة الأسر، ومذلة الاغتراب والقهر، على أن افتكاكه للأسرى لم يكن خاصا بالأتراك، فقد كان يبذل أموالا طائلة في افتكاك العدد العديد من الأسرى، من مختلف الأقطار الإسلامية التي كانت القرصنة الأوربية تهاجمها، وتسترقها استرقاقا.
ومن شدة اهتمامـه بالأسرى، نظم عـدة سفارات، كانت نتائجها النجـاح، والطمأنينة، لأولئك المسلمين المأسورين.
 ففي سنة 1179هـ، بعث كاتبه أحمد بن المهدي الغزال، سفيرا لدى ملك اسبانيا ـ كارلوس الثاني، وكلفه بالنظر في شؤون الأسرى المسلمين، الموجودين هناك، ودفع المعونة إليهم، فكان ينتقل في أنحاء البلاد، باحثا منقبا عنهم، وقد استجابت الحكومة الإسبانية إلى جميع مطالبه، التي منها تسريح الشيوخ والمصابين بأعضائهم من أي بلد كانوا، وكان ذلك يقابل باحتفال وإكرام، في جميع البلاد الأسبانية، كما سجل ذلك الغزال في رحلته.
كما بعث ملك إسبانيا في 1182هـ إلى المولى محمد بن عبد الله، يلتمس منه التوسط مع الجزائر لتبادل الأسرى، فبعث أيضا كاتبـه الغزال في تلك المهمة، ليتولى الأمر بنفسه، واستمر جو العلائق صافيا مع اسبانيا، إلى أن وقع حصار سبتة سنة 1185هـ، غير أن تلك الغيوم ما لبثت أن انجلت بسرعة، وعاد الأمر لما كان عليه.
وفي سنة 1191هـ، وجه المولى محمد بن عبد الله إلى المملكة الإسبانية محمد بن عثمان المكناسي، ليجدد الصلح مع إسبانيا بمعاهدة جديدة، اشترط فيها ملك إسبانيا             
أن يعقد السلطان صلحا مع ولده ملك نابولي، كما أنه في سنة 1199هـ، التمس منه ملك إسبانيا التوسط له في افتداء أميرة من البيت الملكي، أسرها قرصان الجزائر، أثناء ذهابها لنابولي، فامتنعوا من فدائها، فكتب المولى محمد بن عبـد الله للسلطان عبد الحميد التركي، فأمر أهل الجزائر بإطلاق سراحها، إلى غير ذلك من افتكاكات مختلف الأسرى.
على أن للسلطان سيدي محمد بـن عبد الله روابط أخرى مع غير الدولة المذكورة.
فهناك معاهدة مع دولة السويد، بواسطة نائبها المفوض، الذي وجهه لطلب المهادنة، وهي تشتمل على ثلاثة وعشرين شرطا، وهناك معاهدة مع ملك الدنمارك، تشتمل على واحد وعشرين شرطا، كما عقد معاهدة مع انجلترا في عهد ملكها جورج الثاني.
ولا ينسى له التاريخ عمله العظيم، في إنقاذ مدينة البريجة أي الجديدة، من يد البرتغال، الذي كان مستوليا عليها سنة 1182هـ، حيث أتم بذلك عمل جده المولى إسماعيل، في إجلاء المحتلين بموانئ المغرب، وإثر ذلك، جاءته رسلهم، يحملون الهدايا الفاخرة، ويطلبون الهدنة، ثم قام بتحصين مدينة آسفي، وغيرها من الثغور البحرية، التي كان المغرب يوتى من قبلها، ثم بنى مدينة الصويرة وفضالة (المحمدية)، وجدد مدينة آنفا (الدار البيضاء)، وحاول استرجاع مدينتي (سبتة ومليلية)، وفي هذه الظروف كانت السفن المغربية تشق عباب البحر المحيط، والمتوسط، وكانت الدول تخشى عواقب هذه الجولات، وتود تحاشيها واجتنابها، فكانت تخطب وده، وتسعى إلى مهادنته، ومسامحته، فيهادنها ويسالمها، على ما كان يقع مع بعضها من الوقائع الحربية، والمظاهر العدائية.
أما سيدي محمد بن عبد الله العالم، فقد كان له رحمه الله ـ زمن خلافته ـ عناية زائدة بمطالعة كتب الأدب، والتاريخ، والسياسة، وأحـوال العرب، وأيامها، ووقائعها، وأنسابها، حتى فاق في ذلك معاصريه، وصـار المرجوع إليه فيه، وقد ذكر الزياني وغيره، ممن عاصره وخالطه أنه كان يستحضر كل ما يطالعه حتى كاد أن يحفظ كتاب الأغاني برمته، لا يعزب عنه منه إلا الناذر.
  ولما تولى الملك، أكب على مطالعة كتب السنة، وولع بسرد كتب السيرة النبوية والحديث، وزهد في غيرهمـا، فحصلت له بذلك ملكة في السنة وأحكامها، وجلب من كتب السنة من المشرق ما لم يكن موجودا في المغرب، كمسند الإمام أحمد بن حنبل، ومسند أبي حنيفة، والشافعي، وغير ذلك، من مهم المتون والشروح، وأصدر أوامره                                                             
المطـاعة للعلماء بشرح مؤلف الإمام الصغاني الحديثي، فكان ممـن قام بشرحه الشيخ التاودي بن سودة.
وكثيرا ما كان يجالس العلماء ويذاكرهم في الحديث، والفقه، والأدب، وأيام العرب، وينوه بهم، مع ما كان يحصل له من النشاط بتبادل الآراء معهم، مع ما كان له معهم من الباع الطويل في العلوم، وكانت له أوقات خاصة، لسرد الأحاديث النبوية، مع كبار العلماء الذين اختار جماعة منهم لمجالسته ومسامرته.
وكثيرا ما كان يتعرض في مذاكرته معهم، إلى مشكلات في الحديث والسير والأخبار، والعلوم العربية، فيفض عويصها ويحل مشـكلها، وقـد ألف الكتب التالية:
1) الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية، التي تشفى بها القلوب الصدئة، جمع فيه ما اتفق عليه  الأئمة الستة: ـ مالك ـ أبو حنيفة ـ الشافعي ـ أحمد بن حنبل ـ البخاري ـ مسلم.
2) الجامع الصحيح للأسانيد المستخرج من ستة مسانيد.
3) مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين في تعليم الصبيان.
4) رسالة في منهج التعليم.
4) رسائل في اختياراته المذهبية.
وقد أوقف رحمه الله المساند على الخزائن الإسلامية في شرق البلاد وغربها، ووقف لقراءتها وتدريسها كثيرا مـن الأوقاف، كان يتسلمها العلماء المختارون لتدريسها بفاس والرباط وغيرهما.
كما عني عناية كبرى بالتعليم وتنظيمه، فدعا إلى نبذ المختصرات التي لا تفيد القارئ بقدر ما يتعب في تفهمها وإدراكها، ودعا إلى التمسك بالكتب السلفية القويمة المفيدة.
وقد بلغ مـن اهتمامه بالثقافة والتعليم، اقتناؤه لنفائس المؤلفات وتوزيعها على خزائن المعـاهد العلمية.
وفي ميدان العـدالة اهتم بتنظيم العدلية، تنظيما محكمـا يعلم بالاطلاع على نصـوص من كتب التاريخ المغربية.
أما أعماله فيما يخص تشييد المساجد والمدارس والمعاهد، فقد عد صاحب كتاب الاستقصا نحو ثمانية وخمسين ما بين مسجد ومدرسة في مختلف مدن المغرب.
 وبعد، فشخصية كشخصية سلطان، عالم، مثقف، واع، متفتح، مطلع، مصلح، خبير بشؤون الحياة ومجرياتها، عارف بالطبائع وتفاعلاتها، جديرة بأن تُخص بالتآليف.
فرحمه الله ورضي عنه، وأثابه على ما قام به من جهاد في سبيل الله، والدين، والعلم، والوطن.
       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here