islamaumaroc

التلاحم المقدس بين العرش والشعب

  أحمد مجيد ابن جلون

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

ويشاء خالق الكون أن يضفي على هذا الوطن الغالي إرادته، ويمتعه بسامي رعايته، ويلتقي فيه ملك مؤمن طموح بشعب أبي تواق، على غرار ما عـرفه المغـرب عبر تاريخه العـريق، فتتعزز تلك الآصرة التي نسجها امتحان الأجيال، ورسم معالم اتجاهها الوعي المتبادل بقداسة اللقاء، ووطـد جذورها عزيمـة القائد واستعـداد الرعية، فخاضـا معا معركتهما الكبرى، قابلين التحـديات، مهما كانت جرأتهتا، ومتطوعين، عن إرادة، وإدراك للتصـدي للمشاكل وإن استعصـت، والعـراقيل ولو صعبت، والامتحـانات مهما كان ثمنها.
هكذا سيصف التاريخ، وهو محق في تقديره، تلك الحقبة التي عشناها منذ تحقيق الاستقلال بتوجيه حكيم من جلالة الحسن الثاني العظيم، منفذين أوامره ونصائحه، وشاكرين صنيعه، وموفرين الثقة لأمتنا، والمناعة لوطننا، والازدهار لاقتصادنا، والتربية لأفرادنا وأبنائنا، والسمعة الطيبة لبلادنا، والطموح المشروع بتنسيق أهدافنا وغاياتنا، والنجاح الذي ضمنته أخلاقنا، والمبادئ العليا التي جعلنا منها ركيزة انطلاقتنا، ومصدر اختياراتنا، وقاعدة رفضنا للرخيص المغري والحلول السهلة.
لم يكن المغرب في حاجة إلى تلقين المبادئ وهو بلدها، وإلى اكتشاف المذاهب وهو الحامل للواء الإسلام، وإلى الانتماء إلى العقائد المادية، لأنه كان ولازال يجد في تاريخه العريق ما يغنيه عن البحث، ويقيه مشاكل التقليد، وخطر التبعية، إلا أن حقيقته هذه كانت أمانة في عنقه تفرض      
عليه صيانتها،  ففعل، وتوجب الممارسة النقية والاختيار الوجيه، فقام بواجبه على الوجه الأكمل بفضل ذك الجهد البديع، والتلاحم العميق الذي يطبع علاقات الملك والأمة، والذي يكون ميزة نظامنا، وخاصية عبقريتنا.
إنه لمن الطبيعي إن تعترض مسيرة الأمم عراقل ومشاكل، فتمتحن مؤسساتها وإدارتها، وتؤثر على حياة أفرادها، ومستقبل أبنائها، وتوجه خطاها وجهة تساعد على توفير حاجياتها ورصيدها المادي والخلقي. وبهذا يتجلى مظهر كل أمة ومؤهلات الشعوب، فإذا ما نظرنا من هذه الزاوية إلى المغرب، كانت الرؤيا مقنعة، والنظرة مفحمة، والنتيجة مرضية، لأن النظام الديمقراطي الذي اختاره ملكنا وقانا المخاطرات والمغامرات، وجعلنا نقطع المراحل والأشواط في تجاوب تام ومستمر بين القمة والقاعدة، فكانت الصعاب مشتركة، والحلول مشاعة، والمواقف ثابتة ومرضية.
من خصائص أمتنا أن الإنسان المغربي كان دوما غاية لا وسيلة، ومحط اهتمام جلالة الحسن الثاني، الذي يكرم أفراد رعيته تكريما إيجابيا يتجلى في كل الميادين، وإذا ما أصبح العالم يتكلم اليوم وبإلحاح على حقوق الإنسان، فالمغرب ما فتئ عبر تاريخه المقنع يؤكد هذه الحقوق، ويجعل منها القاسم المشترك بين مختلف فئات شعبنا، لا لأنها من صميم عقيدتنا فحسب، ولكن، لأنها أيضا تؤدي بتطبيقها إلى تنسيق مجتمع متكامل الجوانب، سليم في عناصره ومؤهلاته،  قوي بقدرات أفراده، هادف إلى ما يحقق الغد الأفضل، لنبذه لكل ما من شأنه أن يصيب معنوية أبنائه.
منذ أن تربع جلالة الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين، وصرح دون تردد، وأعلن في إيمان راسخ، عن عزمه على العمل على ازدهار الأمة على جميع المستويات، وإذ يشهد له الواقع اليومي والحقائق الملموسة بأن الإله سبحانه وتعالى أعطى القوس، باريها وأن ملكنا المقدام استعاد الكرامة باستعادة الثقة، وحشد العزائم حول تحقيق ما هو أفيد، ونسق المسار طبقا لتصميم محكم، وجعل من المغرب ورشا لمختلف النشاطات، وجعل من مبدأ الاكتفاء الذاتي هدف اقتصادنا، ومن التربية والتعليم أساس نهضتنا، فهو يشهد له أيضا بأنه حرص على صيانة الحريات، وتكفل بالسهر على ضمان الحقوق، وأسس أجهزة عهد إليها بالدفاع المشروع عن المواطن، وحمايته في حياته وصحته وماله وعرضه.
لم تعترض طريق مسيرتنا نحو الرقي أية مشكلة إلا وتصدى لها عاهل البلاد المحبوب ببعد نظره الثاقب، وإيمانه القوي وعزيمته المثلى، وشغفه بشعبه، وحسن تدبيره، وكفايته وجدارته، فأعطاها الحل المناسب، وكم من حلول ابتكرها فبهرت بعد أن فاجأت…!
فعندما أعلنت محكمة العدل الدولية عن وجود علاقة بيعة بين المغرب وقبائل الصحراء، إبان احتلال هذه من طرف إسبانيا، كانت المسيرة الخضراء الخالدة التي لم يتمكن أي من إيجاد وسيلة لمقاومتها. انطلقت المسيرة رغم كل التهديدات، وواصلت زحفها دون أن يجد خصومها وسيلة لصدها، وتوقفت عندما انتهت مهمتها…!
وعندما ظن خصوم وحدتنا الترابية أنهم أصبحوا طرفا في ميدان الاستفتاء، ألقى جلالته حفظه الله ذلك الخطاب التاريخي الذي أعلن فيه: «إن الوطن غفور رحيم»، وإذا بإخواننا المحتجزين بتندوف يسارعون إلى الفرار من سجونهم وإلى الالتحاق بالوطن الأب.
وعندما كثرت البطالة في صفوف المثقفين كان المجلس الوطني للشباب والمستقبل.
وعندما تنامى الحديث عن حقوق الإنسان كان المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان...
إنها أمثلة فقط، وليست على سبيل الحصر.
إنها نماذج من مبتكرات عبقرية جلالة الحسن الثاني، الساهر على تحقيق طموحات شعبه، المالك لقلوب أمته، المتصدي لكل ما من شأنه أن يعرقل مسيرتها المظفرة.
يشق المغرب طريقه نحو ازدهار أفكار أبنائه، ونماء مقوماته، في امن وأمان واطمئنان واستقرار، بفضل الآصرة الوثقى القائمة بينه وبين عاهل البلاد، الذي يبادله المحبة والتقدير، ويشاطره الوفاء بأسلوبه المقنع الذي يرمي قبل كل شيء إلى صيانة الكرامة الفردية والمصلحة العامة، في إطار ما يوصي به ديننا الحنيف، ومصداقا لقوله تعالى: (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله اللذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله اللذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله اللذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين).
هذه حقيقتنا (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم).
صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here