islamaumaroc

العرش العلوي استمرار واستقرار

  محمد حدو أمزيان

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

يخلد المغرب كلما حل الثالث مـن شهر مارس عيد العرش السعيد، الذي يوافق اعتلاء سيدنا المنصور بالله صاحب الجـلالة الحسن الثاني حفظه الله وأيده وأعز أمـره، عرش أسلافه الكـرام المنعمين.
وإن الشعب المغربي إذ يخلد هذه الذكرى، ويجعل من هذا اليوم والأيام التي قبله وبعده أيام أعياد، يعبر فيها عن مكنون إخلاصه، وآيات ولاءه للسدة العالية بالله، أقول: إن الشعب المغربي إذ يخلد هذه الذكرى المجيدة، ويحتفل بهذه المناسبة السعيدة، فإنما ينطلق من مبدأ مقدس شريف، هو إكبار المثل والإشادة بها، والتحدث بنعمة الله على هـذه الاستمرارية وهـذا الاستقرار، الذي تميز بـه هذا الجناح الغربي مـن أرض الإسلام.
ثم إن هذا الوفاء والولاء لمن حافظوا على مقدساته، وحموا ذماره، إنما يرجع إلى حسن الخلافة والاضطلاع بها، وأداء أمانتها، وحسن الخلافة يتجلى في إنجاز الأعمال الصالحات، والمحافظة على المقدسات، وتعميم العدل بين الناس، والتضحية بالنفس في المصلحة العامة، وإيثارها على المصلحة الخاصة، وتوطين النفس على الجهاد في سبيل نصرة الحق والعدل.
هذه كلها أسباب الحب والولاء، والقرب من الله ومن الخلق.
والنفوس منذ خلقها الله مجبولة على حب من أحسن إليها.
وقد قيض الله لهذه الأمة الإسلامية رجالا حملوا الأمانة بعد رسولها ونبيها،  وكانوا في مستوى المسؤولية، وحققوا لهذه الأمة رغائب وأماني، وحافظوا على المد الإسلامي عبر تاريخ هذه الأمة، والتف حولهم شعوبهم، ولا زال ذكرهم يملأ السمع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وعن تاريخ مغربنا زاخر بالبطولات والأمجاد التي خلفها أسلافنا الكرام على مر القرون والأعوام، فكم خاض مغربنا من ميادين بطولية خلدت اسمه في العالمين، وأرهبت عدوه الصليبي إلى حين.
ومن يوم أن عرف هذا البلد هدى الإسلام وهو يحمل مشعله شمالا وجنوبا، وشرقا،وغربا، في غير توان ولا تأخر.
وإن الرسالة التي تحملها أبناؤه عن وعي تام، وإيمان صادق، وحب متفان، جعلتهم الدرع الواقية لهذا الجناح الغربي من العالم الإسلامي.
ولكل زمان دولة ورجال كما يقولون:
ولقد توالت على المغرب أسر مالكة، حافظت على مسيرته النضالية، وقامت بواجب الحفاظ على ثوابت الأمة، ومقدساتها: من حماية الثغور: وتثبيت الأمن: والاستقرار، والنفرة كلما دعا داع إليها، امتثالا لتعليمات الرسول الأعظم، والفاتح الأكبر، محمد (صلعم) إذ قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا».
ولقد اتخذ ملوك المغرب هذا الحديث مبدأ ومنهج، وقاموا بواجب الدفاع عن حوزة الإسلام داخل المغرب وخارجه.
ويطول بنا الكلام إذا نحن استعرضنا الملامح البطولية التي خاضها هذا الشعب المغربي بكل إخلاص وتفان بقيادة ملوكه الأشاوش.
وفي وقت عصيب تفاقم الداء وعز الدواء واستأسدت الصليبية على المغرب، باحتلال ثغوره، واختلت الأمور، توجه الشعب المغربي من جديد باحثا على من فيه الأهلية للقيام بأمره، والدفاع عن مقدساته، وتحرير ثغوره، توجه إلى أسرة مجيدة شريفة من آل البيت النبوي، عرفت بالفضل والدين، والقيام بفريضة الجهاد والرباط بالثغور، فعرضت عليها الأمر عرضا، فلم تجد مفرا من الاضطلاع به بعدما تعين، وبعد الإجماع الذي تم، ضامنة بذلك الاستمرارية، استمرارية المشروعية، وقيام الدولة، ومحققة الاستقرار الذي كان ينشده الشعب المغربي في هذا الظرف العصيب.
والتاريخ خير شاهد، إنها ما استولت على البلاد قصرا، ولا انقضت على حكمه انقضاضا، ولكنها العناية الإلهية الذي أرادت أن تبعث في هذا البلد روحا جديدة، ودما جديدا، للقيام بعبء المسؤولية في عهد جديد. هذا العهد الذي شهد تحولات                             
عالمية اجتماعية وصناعية وسياسية، فكـان لا بد أم تكون القيادة في مستوى هذا العصر الجديد الذي يشهده العالم.
فقامت الأسرة العلوية الماجدة بأعباء المسؤولية، ومراسيم الخلافة التي أحيتها بعد اندراسها، بسبب الفتن والانقسامات، والكيانات والتشرذم، الذي عرفه المغرب في أواخر عهد السعديين.
كان أول عمل قامت به هذه الأسرة هو إعادة الاستقرار والأمن والطمأنينة إلى نفوس الشعب، وذلك بالقضاء على الفتن، وتوحيد الشمل، وجمع الكلمة.
ثم توجهت إلى تحرير الثغور من الوجود الأجنبي، فمد الشعب يده إليها، وبايعها بيعة شاملة كاملة ووفى لها، وهكذا توالت على كرسي الخلافة من هذه العائلة الشريفة شخصيات وملوك ضمنوا هذه الاستمرارية وهذا الاستقرار.
ولقد ظلت صامدة أمام الغزو الصليبي، محافظة على رسالتها التي أدتها عبر القرون بكل أمانة، مستميتة في الدفاع عنها.
«ورغم الحروب التي خضناها ـ يقول جلالة الملك ـ في الشمال والشرق والجنوب ضد أمم قوية، ورغم كل المكايد التي حاكتها هذه الأمم في صفوف القبائل ذات الحيوية فقد أمكن الحفاظ على إمبراطوريتنا الشريفة، وتدعيم وحدتها، وإصلاح أوضاعها المالية، مما أعانها على تطـوير تجارتها مـع بريطانيا وألمانيا وفرنسـا تطويرا جعلها تسهم إسهامـا مرموقا في المعـرض العالمي الذي افتتح في بـاريس عام 1867».( 1)
بعد هذا كثرت الأطماع، وحيكت المؤامرات، وأرغم المغرب على قبول قـروض أرهقت كاهله. «لهذا فإن المغرب المكره والمغلوب على أمره، كان عليه أن يرزح تحت أعباء ضغط مزدوج من الخارج والداخل معا، حتى إذا كان 30 مارس 1912م، أرغم المغرب على توقيع معاهدة فاس التي فرضت الحماية، وهكذا سلخت بلادنا وجزئت عنوة إلى مناطق ثلاث».(2 )
وقد احتج المولى عبد الحفيظ الذي امتد عهـده من سنة 1908م إلى 1912م، وكان ممـا جاء في هذا الاحتجاج ما نصه:
«نؤكد أنه لم يسبق أن وقعت استشارة جلالتنا من قبل، ومـن المعلوم أن المغرب دولة ذات مميزات تامة السيادة، ولا يمكن تحديد مصير سبعة ملايين من المسلمين دون الأخذ باعتبار مشاعرهم السلالية والدينية. والواقـع أن جنابنا الشريف يمثل شعبا لم يسبق استعماره قط، كما أنه لم  يكن خاضعا لأي سلطة أجنبية، ولا مستعبدا من طرفها، ويتعلق الأمر بإمبراطورية ظلت متمتعة بكامل الاستقلال منذ قرون وأجيال».(3 )
وهكذا أسقطت البلاد في يد الاستعمار كآخر بلد إسلامي، ومعقل جهادي، يظفر به العدو الصليبي.
ويمكن هنا أن نضع سؤالا، كيف وجد المستعمر المغرب لما بسط نفوذه عليه، واستعمر بلاده؟
الجواب على هذا السؤال يأتي من المستعمر ذاته «والحق ما شهدت به الأعداء». يقول الماريشال ليوطي سنة 1916:
«أما في المغرب فقد وجدنا أنفسنا نواجه إمبراطورية تاريخية ومستقلة، إمبراطورية غيورة كل الغيرة على استقلالها، ثائرة على كل محاولة استعباد أو إخضاع لها».( 4)
«إن العرش العلوي ـ يقول جلالة الملك الحسن الثاني ـ قد حال دون تحقيق هدف ضم بلادنا، وهو الهدف الذي تطلعت إليه إسبانيا وفرنسا، وعندما تجد أية أمة نفسها مرتبطة بأمتين أقوى منها، وتجد نفسها معزولة، وعمليا غير مسلحة، يكون عليها تجنب اللجـوء إلى القوة لئلا تسقط ضحية استعباد جديد أكبر. فالتضحية بجيل من الشباب، ودفعهم إلى الموت لا يعني تحريرهم، ولا يجوز التطويح بشعب في معركة تستهدف اقتحام السماء».( 5)
ولكن ما الذي حدث بعد 1912م، هل استكانت هذه البلاد؟ وهل رضيت بالأمر الواقع؟ كـلا، وكيف ترضى والله يقول: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
يقول جلالته: «وإذا كان الشعب المغربي لم يتقوقع على نحـو من الرتابة المادية، فإن الفضل في ذلك يعـود إلى وفائه وإخلاصه، كما يعود إلى غناه المترسخ في الأعماق، والنابع من طبيعته الروحية والأخلاقية، وكلها مميزات، من واجب الملوك العلويين أن يكونوا حراسها والمحافظين عليها، وملوكنا الذين لم يتخلوا أبدا عن أداء هذا الواجب المقدس، يرجع إليهم كذلك فضل إبقاء الشعلة الإسلامية منيرة وضاءة، رغم أن الشعلة أخذت تذبل أحيانا في أماكن أخرى، وأكثر من ذلك، فإن نور الشعلة لم يسبق أن كان أكثر سطوعا هنا في المغرب من سطوعه يوم أن كان على حراسه أن يواجهوا أقسى التجارب والمحن».( 6)
فما أن اعتلى جلالة المغفـور له محمد الخامس عرش أسلافه الكرام حتى تقدم إلى شعبه بالخطاب التالي: «إن الشعب المغربي ينتظر منا، مـن بين ما ينتظر، مجهودا مستمرا لا من أجل تنمية سعادته المادية وحدها، ولكن لنكفل له أيضا الانتفاع من تطور فكري يكـون متلائما مع احترام عقيدته، ويستمد منه الوسائل التي تجعله يرتقي درجة عليا في الحضارة بأكثر ما يكون من السرعة».( 7)
ويضيق المجال عن عرض شريط المواقف البطولية التي خاضها المغفور لـه جلالة محمد الخامس طيب الله ثراه من أجل الإبقاء على شخصية المغرب، واستمرار دولتـه، التي أراد الاستعمار أن يمسخها، حتى توجت أعماله ومواقفه رحمه الله بالنصر والظفر، بعد المحنة التي اجتازها هو وولي عهده جلالته الملك الحسن الثاني حفظه الله.
وها هو خلفه ووارث سره، والذي حقق الله فيه فراستـه، فإنه لما علن بازدياده حفظه الله وهو في فرنسا، ولم يكن في وسعه أن يحضر اليوم السابع من ولادته حفلة العقيقة، أصدر تعليماته إلى رجال القصر الملكي قائلا في رسالته لهم: «اجعلوا الشريف سمي جده، راجين من الله الكريم الوهاب أن يجعله على أثره صالح الدين والدنيا».( 8)
قلت: وقد حقق الله في جلالة الملك الحسن الثاني فراسة أبيه، فما أن تربع على عرش أسلافه الميامين، حتى أخذ العهد على أن يكون عند حسن ظن أبيه، فحقق الله به كل الأماني، ويسر الله إليه كل عمل توجه إليه.
وهكذا عرفت البلاد في عهده الزاهر ـ أدام الله أيامه وزكى أعماله ـ ازدهارا مطردا، وتقدما سريعا، وإنجازات متنوعة: اقتصادية واجتماعية وثقافية، وكلل تلك الأعمـال والمنجزات بأعمال القرن، حدث المسيـرة الخضـراء، التي استرد المغرب بها حقـه في الصحراء، بتلك التعبئة الكاملـة وراء جـلالته حفظه الله.
وها هو الشعب المغربي اليوم معبأ كعادته لاجتياز مرحلة مصيرية من حياته، مرحلة الاستفتاء التأكيدي لمغربية الصحراء وراء ملكه وحامي حماه، والضامن لاستمرارية الدولة واستقرارها، جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله.                                                   
فنسأله تعالى أن يديم عليه نعمة الصحة والعافية، وأن يبارك في عمره، ويسدد خطاه، ويحفظ ولي عهده الأمير سيدي محمد، وصنوه الأمير مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الكريمة، إنه سميع مجيب.
وأن يمطر شآبيب الرحمة والرضوان على روح فقيد العروبة والإسلام، جلالة المغفور له محمد الخامس، وأن يجعله في مقام صدق مع من أنعم عليهم من النبيئين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

  1) كتاب التحدي ص: 11.
  2) كتاب التحدي ص: 13.
  3) كتاب التحدي ص: 14.                     
  4) كتاب التحدي ص: 15. 
  5) كتاب التحدي ص: 16.
  6) كتاب التحدي ص:17-18.
  7) كتاب التحدي ص: 19.
  8) كتاب التحدي ص: 25-26.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here