islamaumaroc

التوجهات الحسنية لدراسة العلوم الإسلامية

  أحمد أفزاز

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

 إن ذكرى عيد العرش المغربي التي نقف لإحيائها كل يوم ثالث مارس بمناسبة تربع أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله ونصره على عرش أسلافه الكرام، تذكرنا بخصوصيات العرش العلوي بصفة عامة، وبميزات الفكر الحسني ومنهجيته الشاملة بصفة خاصة، لما حباه الله به من فكر ثاقب، ونظر صائب وتوجهات مركزة في الاختيارات التي يصمم بها للحاضر، ويخطط بها للمستقبل، هادفا إلى الوصول بشعبه المغربي المسلم إلى مكانته الحقيقية ومقعده الصحيح بين تاريخ الأمم والشعوب، وما على الباحث إلا أن يعود إلى خطب جلالته وأحاديثه وكلماته وتوجيهاته، ليلمس هذه الظاهرة في الفكر الحسني، والطموحات التي يسعى للوصول إليها، عبر النصح السليم، والإرشاد القويم والتوجيه المبني على أسس ومقومات تاريخ الأمة وثوابتها الحضارية.
وسنقف في هذه المناسبة مع حديث جلالته ليلة السابع والعشرين من رمضان الماضي 1411هـ، لنشاهد ـ  بالواضح لا بالرموز ـ التوجهات التي قدمها أعزه الله للرفع من مستوى الدراسات الإسلامية، والوصول بها إلى إعادة بناء المدرسة المغربية في العلوم الإسلامية: تفسيرا وحديثا وبلاغة ونحوا، وغيرها من العلوم التي كان للمغاربة فيها النفس الطويل، والعمق البعيد، حتى أصبحت المدرسة المغربية الأندلسية تكون منهجا له خصوصياته داخل المذهب المالكي.                                 
إن حديث أمير المؤمنين نصره الله، ليلة السابع والعشرين من رمضان، كان بمناسبة اختتام الدروس الحسنية التي تلقى بين يدي جلالته بقصره العامر طيلة شهر الصيام، لمدارسة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويفتتح خطابه أعزه الله بهذا الحديث: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
بهذا الحديث، يقدم جلالة الملك أمد الله في عمره لتوجيهاته في دراسة العلوم الإسلامية، وهو تقديم مؤسس على نص ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبين الظرف الروحي الذي يحيط بالمؤمنين الذين يجتمعون لتلاوة القرآن الكريم ومدارسته وتفهم آياته وأحكامه وتدبر معانيه ومقاصده واكتشاف أسراره وعجائبه، ومدارسة كتاب الله تلحق بها مدارسة سنته صلى الله عليه وسلم، فهي المصدر الثاني للتشريع، وهي المبينة لما أجمله القرآن. فالاجتماع على دراسة حديث رسـول الله صلى الله عليه وسلـم يكـون نفس البيئة التي تتم فيها مدارسـة كتاب الله. ويزيـد أميـر المؤمنين أعـزه الله، إيضاحات وتفصيلات في حديثـه لمعرفة                                                
عمق توجهاته وتصوراته لدراسة العلوم الإسلامية، فقال حفظه الله: «إلا أننا رغم ما سمعناه منذ سنين، واستفدنا منه، حينما نقول نحن، أعني المجموعة المغربية، ومن يتمتع بما سجل أو نشر من تلك الدروس الحسنية، رغم ما استفدنا منه وتمتعنا به، فإننا لسنا قانعين، لأن هذا العلم، أي: علم تفسير القرآن وعلم الحديث ليس فنا اختصاصيا كجميع الفنون الأخرى، بل هو منتهى العلم، حيث إن القرآن هو المعجزة الأولى للإسلام، معجزة ليس فقط بما فيها، ولكن معجزة كذلك باللغة التي جاء بها القرآن من بلاغة وبيان وسهل ممتنع، السهل الممتنع الحقيقي، والسجع من غير سجع، والشعر من غير شعر، والبحث عن الكلمة الصحيحة الدقيقة، بحيث لا يمكن لأي أحد كيفما كانت براعته في معرفة اللغة العربية أن يقول ربما لو استعملت الكلمة الفلانية في الآية الفلانية لكانت أقرب للمعنى، ولكانت أشفى للغليل.
 كما أن تفسير القرآن وتفسير الحديث، يقتضي زيادة على علم اللغة والبلاغة المعرفة الحقيقية والعميقة للنحو، وعلم الصرف أو التصريف، وعلو الاشتقاق، زيادة على ما يجب أن يتحلى به مفسر القرآن أو المعلق على الحديث من علم الكلام، ومن الفقهيات الصحيحة».
فجلالة الملك رعاه الله في هـذه السطور يبين أن الـدروس الحسنية آتت أكلها كل سنة بإذن الله، وفتحت الآفاق لمعـرفة خصوصيـات العلـوم الإسلامية التي لا توجـد في مـيادين المعـرفة الأخرى غير الإسلامية.
فالقرآن الذي هو المعجزة الكبرى الدائمة المستمرة، نجده جاء بلغة العرب، ولكن لغته ليست في متناول الإنشاء الإنساني، متحديا العرب الذين جـاء القرآن بلغتهم: (قل فاتوا بعشر سور مثله) (الآية 13 من سورة هود)، وقولـه تعالى: (وإن كنتم في ريب ممـا أنزلنا على عبدنا فاتوا بسورة مـن مثله) (الآية 23 من سورة البقرة).
فالإعجاز القرآني يكون مادة من مواد العلوم الإسلامية.
وعلم البلاغة، هو الآلة الصحيحة التي بها يمكن الوصول إلى معرفة نوع الإعجاز القرآني، وبجانب هذه المادة هناك مجموعة أخرى من العلوم المرتبطة بتفسير القرآن الكريم، فهناك علم اللغة، وهو معرفة الدلالات اللفظية، وعلم النحو الذي يعطي                                            
المعرفة للتمييز بين أنواع الكلمة، وأقسام كل نوع، وموقع كل كلمة للوصول إلى المعنى الكامل للجملة حسب الدلالة المقصودة منها.
ويحتاج المفسر إلى معرفة بعلم الصرف، لمعرفة وزن الكلمة، وما فيها من حروف أصلية، وحروف زائدة، وهو علم له قواعد وله أصول، ومن شأن معرفتها الوصول إلى عمق الدلالات.
فعلـم الاشتقاق، يعطي المعرفة بأصل الكلمة، ومصـدرها، والصيغ التي تركب مـن حروفها، وبهذا يزداد المفسـر عمقا في البحث عـن المعاني اللفظية، ليؤدي بها المعنى الإجمـالي والتفصيلي للآية القرآنية.
ومعرفة علم الكلام تعطي للعالم المفسر منهج الحوار والمجادلة والمناظرة، المبني على قواعد منطقية، تؤدي بعد النظر إلى المقدمات إلى قبول النتيجة والاقتناع بها والإيمان بمؤداها. ولعلم الكلام في الثقافة الإسلامية مكانة مخصوصة، زودت العلماء والمفكرين المسلمين بمناهـج الإقناع والاقتناع.
ثم في ختام العلوم التي أشار إليها حديث جلالة الملك تأتي مادة الفقه، والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العلمية المكتسب من الأدلة التفصيلية، ذلك أن المفسر ينتقل مع القرآن من آيات العقيدة إلى القصص القرآنية إلى الأخلاق، وهو ينتقل بين هذه الآيات سيمر بآيات الأحكام، سواء منها الأحكام المتعلقة بقواعد العبادات، أو الأحكام المتعلقة بضبط المعاملات، أو الأحكام المتعلقة بالأسرة. وفي هذه الميادين لا بد للمفسر من الاعتماد على قواعد وأصول الفقهاء، وهو بهذا سيعمل على تأصيل الأحكام الفقهية، بإرجاعها إلى الآيات القرآنية المستنبطة منها.
 وبهذا الخطاب الملكي الذي ألقي في ليلة لها روحانيتها الخاصة، يكون أمير المؤمنين أعزه الله، قد وضع تصورا واضحا لمسيرة دراسة العلوم الإسلامية، وإقلاع حقيقي للعطاء في ميدان الدراسات الإسلامية.
فالعمل الذي يجب القيام به لصنع العالم المغربي هو الدراسة المعمقة لعلوم القرآن وتفسيره، وعلوم الحديث وشرحه، والاطلاع الواسع على علم اللغة وعلم البلاغة وعلم النحو وعلم الصرف وعلم الاشتقاق وعلم الكلام وعلوم الفقه، فهذه تسعة مواد، تكون ـ عندما يحيط بها الدارس ـ عالمـا قادرا على التعامل المباشر مـع المصدرين الأصليين للتشريع الإسلامي، وهما كتاب الله وسنة      
رسوله (صلعم)، وحرص جلالة الملك على التركيز عليها، يبين مدى اضطلاعه الواسع على أصول الثقافة الإسلامية وركائزها، وقد أخذ منها حظا وافرا في حياته الدراسية وبعدها، جعلتها ينظر إليها على أنها الوسيلة الصحيحة لإعادة المدرسة الفقهية المغربية بكمالاتها الأفقية والعميقة.
إن اهتمامات أمير المؤمنين حفظه الله بهذا الموضوع كانت في مقدمة الأوليات التي فكر فيها وعزم على تحقيقها منذ تربعه على العرش العلوي المجيد سنة 1961، ولعل هذا ما دعاه إلى تأسيس دار الحديث الحسنية، لتكون مقرا لدراسة علوم التفسير والحديث، وانطلقت هذه المؤسسة في أداء رسالتها التربوية والعلمية حسب البرنامج المعد لها.
ولمحدودية عدد الأساتذة الذين يلتحقون بها، والمستوى الدراسي المطلوب للمشاركة في المباراة، أمر أعزه الله في مرحلة لاحقة بإحداث الكراسي العلمية، وإحياء ما اندثر منها في مجموعة من العواصم الجهوية، توجت أخيرا بالكراسي العلمية لعاصمة المملكة.
وأخذت هذه الدراسة طريقها في نشر الثقافة الإسلامية، معتمدة على دراسة ست مواد، كلها وردت في الخطاب الملكي لتلك الليلة المباركة.
ومن أجل ترسيخ جذور هذه العلوم في الدراسات المغرية، أمر نصره الله بإحياء الدراسة في جامع القرويين حسب المنهج القديم بحلقات تحيط بالعالم، وهو على كرسيه يشرح المادة المقررة، وما قاله فيها أصحاب الحواشي والتعليقات والموسوعات الكبرى إذا سمحت له الظروف، يتابعه في ذلك الطالب، وهو على علم سابق بموضوع الدرس، وعلى اطلاع بما قاله الشراح، وما انتقدوه أو أضافوه، وقد نفذ السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية التعليمات الملكية، وعادت الحياة إلى الجامع كما كانت في تاريخها الطويل، مصدر إشعاع ثقافي وحضاري للعالم الإسلامي، وهذه السنة تتابع الدراسة في الطور الثانوي في مستوى جيد من حيث التحصيل والتفقه في العلوم الإسلامية.
ولعل أمير المؤمنين، أعز الله أمـره، رأى أن إعداد الفقيه المغربي في جامـع القرويين، بمتابعة سنوات الدراسة سيحتاج لفترة ليست قصيرة، وفي انتظار تخـرج أفواج العلماء مـن فاس، متمكنين من العلوم الإسلامية، كمـا كانت عليه الحال في الـمدرسة القديمة، في انتظار الوصول إلى هـذه المرحلـة، رأى جلالتـه أنه مـن الواجب الشروع في عمـل جاد في هـذا الميدان، فكلف لجنـة ساميـة مـن كبار الفقهـاء والعلماء                                
«ليضعوا لنا نموذجا، لكي نعطي لهذا العلم ولهذه المعرفة بعلم التفسير نفسا جديدا، ودما جديدا»، كما ورد في الخطاب الملكي.
وبالنسبة لمكانة المتخرج في هذه الدراسة طبقا للبرنامج المهيأ يقول أعزه الله: «وليكن جميع العلماء والطلبة الذين يشاركون أو يريدون أن يصيروا من هذه النخبة المختارة من بين العلماء، عليهم أن يعلموا أنهم سوف يكونون محل اعتبارنا وتقديرنا». هذه مكانة العلماء عند أمير المؤمنين أطال الله عمره، وهي مكانة يعطيها حفظه الله للدين وللعلوم الإسلامية التي تفقـه فيها العالم، وحصل منها ما جعلـه متبوئا هـذه الرتبة الرفيعـة، تحقيقا لقـول الله عـز وجل: (يرفع الله الذين آمنـوا منكـم والذين أوتوا العلـم درجات)(الآية 11 المجادلة).
وقد نوه جلالة الملك أيده الله بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لمتابعتها لتوجيهاته وتعليماته، وتنفيذ الرغبة السامية في أقصر الآجال وأقرب الآماد، فقال أعزه الله في ختام حديثه: «إننا وجدنا في وزارتنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية حقيقة المعين المنتظر بل السباق إلى المشاركة في هذا العمل». ونستنتج من ذلك، مدى اهتمام جلالته بمشروع إيجاد العالم الفقيه المفسر، ونحن لا نستغرب هذا من جلالته، وهو العالم المطلع، وابن العالم، وحفيد العلماء والمفسرين، والذين يقرأون تراجـم الملوك العلويين يجدون فيها المكانة العلمية الرفيعة التي كانوا يحرصون على نيلها.
 فجـزى الله أمير المؤمنين، وجعله من ورثة الأنبياء والمرسلين، حتى يحقق العـز و النصر للمسلمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here