islamaumaroc

الملك المتفائل.

  محمد الحلوي

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

لعل من أبرز العوامل التي حقق بها كثير من ساسة العالم وقادته نجاحاتهم الباهرة: عامل التفاؤل الذي طبع كل أعمالهم ومخططاتهم، والذي كان يمدهم بطاقة متجددة، وحيوية متوقدة، ويمنحهم القدرة على التحدي ومواجهة المستقبل بكل ما يخبئه من مفاجآت...أكثر هؤلاء الذين صنعوا أحداث التاريخ واجهوها بنظرهم إلى الأفق البعيد، وتجاوزوا ما حولهم لقراءة مستقبلية فقرروا، وكانت النهاية السعيدة لما اتخذوه من قرار.
بعض القادة لا يمتلكون هذه الطاقة لمواجهة الأحداث، ولا الإرادة الصلبة لتحدي الأهـوال ولا يهاجمونها حتى تهاجمهم، ومثل هذه النماذج يخجل التاريخ أن يتحدث عنها لأنها ليست خيرا من الكراسي التي كانت تقتعدها!
 وبعض القادة المتفائلين ممن صنعوا التاريخ، وشغلوا الدنيا والناس، كانوا واقعيين، تحكم توجهاتهم الواقعية فلا يجمح بهم الخيال فيسرفون، ولا يهيمون في أحلامهـم الوردية فيتيهون...وكثير منهم كان مهووسا بالعظمة، مسكونا بروح المغامـرة والاندفاع، شيد على رمال تفاؤله قصورا لم تلبث أن عصفت به وبها الأعاصير!
فأين نضع في هذا السياق جلالة الحسن الثاني؟ وما هو مكانه بين هؤلاء القادة الذين ساسوا وحكموا، وكان لهم قرار ورأي في صنـع الأحداث وكتابة التاريخ؟                     
لن ننتظر طويلا، فما أسرع ما يأتي الجـواب من كلام جلالته في أكثر من مناسبة، وهو يتحدث عن التفاؤل الذي يراه ضرورة سياسية لكل حاكم مسؤول عليه أن يـزاول مهامه باقتدار، ويواجهها بإرادة لا تعرف الضعف، وروح لا يتسرب إليها اليأس، وعزم لا يعرف التردد...وفي أكثر من خطاب لجلالته، يقرب إلى أذهان مخاطبيه طبيعة السياسة وقيمـة الرجـل السياسي، فيشبهها بالفلاحة التي لا يمكن أن تعطي نتائجها ومحاصيلها إلا بعد مرور الزمـن الضروري، شأنها في ذلك شأن الفلاحة التي لا بـد أن تحترم مـواسمها.
ويتميز التفاؤل عنـد جلالته بالعقلانية والإيجابية، فهـو عقلاني، لانطلاقـه من سلطة العقل وتوجيهه، ومن النظرة العلمية للأحداث وملابساتها، وإيجابي، لأنه لا يجنح للخيال ولا يتعلق بالمستحيل. ولأنه يستمد روافده من مدرستين أصيلتين: «مدرسة الرسول» الذي جـاء بالصدق وصـدق به، والذي صابر ورابط من أجل تبليغ الرسالة، وعذب وأوذي فلم يضعف، واضطهد وحوصر، فلم ييأس ولم يستسلم، وكـان تفاؤلـه بالغلبة لدين الله الذي وعـده بالنصـر مصدر قوته وانتشار دينه، الذي لا مكان فيه لليأس ولا للضعف والانهـزامية.
ومدرسة محمد الخامس الذي ضرب بصموده في وجه الأجنبي المحتل أروع مثل، وبلغ في تحديه وثباتـه أعلى قمة. وكان المناضل الذي لم يضعف ولم يعرف  اليأس، والسياسي المتفائل بالنصر هو في أحرج المواقف وأحلك الظروف، من هذين المنبعين استقى جلالة الحسن الثاني ومنهما تشكلت فلسفته في الحياة، ونظرته للأحداث، بحاسة المومن الذي ينظر بنور الله.
وعزز هاتين المدرستين الأصيلتين طبع أصيل لم يكن له فيه اختيار، ولا لأي مكونات خارجية يد في خلقه وصياغته. كان يجنح به دائما إلى التفاؤل، لثقته بنفسـه واعتداده بصواب رأيه، وليتحول بعد ذلك في مسيرته إلى ممارسة وسلوك، ويصبح به أكثر الناس تفاؤلا كلما كانـوا أكثر تشاؤما، لقدرته على قراءة الأحداث والتاريخ، واستخلاص النتائج من المقدمات، وإعطاء الأسبقية للمهمات، وما أكثر ما صدقت ظنونه ولم تخب، وتحققت تفاؤلاته ولم تختلف، وكأن المتنبي لم يقصد غيره حين قال:

تجاوزت مقـدار الشجاعـة والنهى *  إلى قـول قوم أنت بالغيب عالـم           
وجلالته أكثر إيجابية في تفاؤلـه كلما كان في موقف يدعمه الحق وتسنده المشروعية، مما يزيده تصميما على انتزاع الحق، واستماتة في التمسك به، غير آبه بما يظهر على بعض النفوس من ضعف، وما يخامرها من ملل، وكأنه المعني والمراد بقول الشاعر:

وأثبت في مستنقع المـوت رجلــه  *  وقال لها من تحت أخمصــك الحشر

وبعد، فسيكتب الناس كثيرا عــن الحسن المناضل والعالم السياسي، ولكن التاريخ الذي لا ينسى أبطاله الذين صنفوه سيتحدث بالصوت الجهيز عن الحسن المتفائل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here