islamaumaroc

عناية الملوك العلويين بخطة التوقيت.

  محمد العرائشي

العدد 288 شعبان 1412/ مارس 1992

من المعلوم أن ضبط أوقات الصلوات الخمس، ووقتي الإمساك والإفطار في شهر الصيام، واستخراج سمت القبلة، وتخطيط المزاول (الرخامات الشمسية)، وغير ذلك من علوم فن التوقيت، يتوقف على عمل الموقت، لكن بشرط أن يكون عارفا بقواعد فن التوقيت، فقد قال أبو القاسم بن أحمد البرزلي المتوفى سنة (842هـ/1439م) في فتاوية: «ظاهر المذهب عندنا قبول العدل العارف مطلقا، أي: في الغيم والصحو، في الصلاة والصوم، إذا كان عارفا بالأوقات».
وبناء على ذلك، فقد اهتم علماؤنا الأقدمون، بدراسة هذا الفن ونشره بين الطلبة، بواسطة التأليف والتدريس، ونبغ فيه علماء أصبح يشار إليهم بالبنان، منهم ابن الزرقالة أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى النقاش التجيبي الطليطلي، المتوفى سنة (493هـ/1100م)، وأبو العباس أحمد بن محمـد الأزدي المراكشي، المعروف بابن البناء، المتوفى سنة (721هـ/1321م)، والتاجوري عبـد الرحمان بن محمـد المغربي، المتوفى سنة (999هـ/1590م)، وعبد الرحمـان ابن عبد القادر الفاسي، المتوفى سنة (1096هـ/1685م)، وشيخـنا محمـد بن محمد العلمي، صاحـب التآليف العديدة في الفن وغيـره، المتوفـى سنـة (1373هـ/1954م).
وقد كان للملوك العلويين اهتمام بفن التوقيت، فقد كـان الموقت لا يفارق الركب الملكي في جميع تنقلاته، وأسفـاره القريبة والبعيدة، وأدل على ذلك، أن خطـة التوقيت كانت تسند إلى الموقـت بظهير شريف، ولا يمنح الظهير إلا لمن كان ماهرا في الفن، عالما بقواعده، متمكنا من معرفة أصوله وفروعه.
وكمثال على ذلك: ففي مدينة مكناس، كان المنتصبون لخطة التوقيت بالجامع الأعظم وغيره، علماء برزوا في عهود الملوك: المولى إسماعيل، والمولى سليمان، والمولى عبد الرحمان بن هشام، والمولى الحسن الأول.
ففي العهد الإسماعيلي، أسندت خطة التوقيت بالمسجد الأعظم بمكناس إلى الشيخ عبد الرحمان بن محمد الفاسي لقبا، المكناسي دارا ومنشأ وقرارا، بظهير إسماعيلي شريف.
ونص الغرض منه:
بعد البسملة والصلاة على النبي وآله وصحبه.
عن الأمر الإمامي المنصور الإسماعيلي، أمير المؤمنين المجاهد في سبيل رب العالمين، الشريف الحسني إسماعيل الشريف، أيد الله تعالى أمره، وأعز بحوله وطوله ونصره، وأطلع في سماء المعالي شمسه المنيرة وبدره، آمين.
يستقر هذا الظهير الكريم والخطاب الجسيم، والأمر المحتم الصميم، بيد حامله، الرجل الصالح، الناسك المرابط، الخير الدين، الساعي للناس في المصالح، أبي زيد السيد عبد الرحمان ابن السيد محمد الفاسي لقبا، المكناسي دارا ومنشأ وقرارا، الشاوي أصلا، المعزاوي من أولاد عمارة، أحد أولاد السيد بن حمدون الموقت مزوار المؤذنين بالجامع الأعظم الكبير، من حضرتنا العلية بالله، مكناسة الزيتون، حاطها الله تعالى وجعلها محفوظة ملحوظة مقصودة، وبعين الله التي لا تنام، منظورة مرصودة آمين، يا رب العالمين، يتعرف من يقف عليه، أننا جددنا له حكم ما بيده من ظهائرنا الشريفة، الطاهرة المنيفة، وأقررناه على وظيفة الشريف، الغني بشهـرته عن التعريف، وبسطنا يده على أمـور وظيفه، وتكليفه الديني على عـادة الموقتين والمزاوير قبله.
وجـاء في ختامه:
ونعهد إلى خدامنا وجميع ولاتنا المتصرفين في هذه الحضرة العلية بالله عن أمرنا، أن يوقروا هذا الرجل المبارك في نفسه وأولاده، بحيث لا يناله ولا يعمه شيء مما عسى أن يعم أو ينال أهل بلاده، وأن يعملوا بمقتضاه، ولا يتعدوا ما أبرمه الأمر الشريف وأمضاه. والسلام.
في الثالث عشر من ذي الحجة الحرام عام ثلاثة وعشرين ومائة وألف.( 1)
وفي العهد السليماني، تولى نفس الخطة بالمسجد الأعظم بمكناس السيد عبد القادر          
نجل الموقت المذكور مع مساعده أخيه الأكبر منه سنا، ونصه:
بعد الحمدلة والصلاة على النبي (صلعم).
«سليمان بن محمد بن عبد الله غفر الله له وتولاه».
كتابنا هذا، أسماه الله وأعلى أمره، يستقر بيد حامليه: الطالب الموقت السيد عبد القادر بن عبد  الرحمان بن البركة المرحوم السيد سعيد الفاسي وأخيه ويعلم منه أننا بحول الله وقوته، أبقيناهما على ما كان عليه أسلافهما مع أسلافنا الكرام، من التوقير والاحترام، والرعي المستدام، وأفردناهما بالتوقيت في المسجد الأعظم من محروسة مكناسة، لمعرفة عبد القادر المذكور بقوانينه، وقدرته على القيام بهذا الوظيف، وما شاركناه مع الغير حين مات جده، إلا لأجل صغره، أما الآن، فيذهب من كان يشاركه إلى حال سبيله، ويختص به وحده، ويقبض التسعين أوقية المعدة لذلك كاملة، فنأمر ناظر الأحباس أن يدفعها له عند استهلال كل شهر، يستعين بها على هذا المقصد الأحمد، وعليه بالمحافظة والاحتياط والتحري، فإن هذا المقام الذي أقمناه فيه هو عمود الدين، وعلية مداره، بحيث لا يقبل عذر من فرط فيه، والله يتولى رشده، وينفعنا بأجرهما آمين. والسلام.
في ثامن شوال عام خمسة وعشرين ومائتين وألف.( 2)
وفي عهد المولى عبد الرحمان بن هشام، جدد لعبد القادر وأخيه المذكورين، ظهير توليـة خطة التوقيت بنفس المسجد وبنفس المرتب، وهو مؤرخ بثامن شعبان عام واحد وأربعين ومائتين وألف.( 3)
وقد عقب صاحب المصدر المشار إليه في التعليق رقم: (1) . بأن المرتب المذكور إذ ذاك، له شأن وبال، فيه ما يكفي لشراء الضروريات اللازمة مع ترفه، وزاد في تعليق له: كان إذ ذاك قيمة شاة لا تتجاوز فرنكا، وقس على ذلك.
وفي العهد الحسني، تولى نفس المهمة بنفس المسجد السيد السعيد المعروف بالسعيدي المنوني الحسني، المتوفى في 26 ذي القعدة عام (1334/1916م)، بظهير حسني مؤرخ بـ 12 ربيع الثاني عام 1309هـ ، ونص الغرض منه:
بعد الحمدلة والصلاة على النبي (صلعم).
(الحسن بن محمد الله وليه ومولاه).
يعلم من شريف كتابنا هذا، لازال كوكبه في فلك السعادة سابحا، وسمـاك عزه في سمـاء المعالي رامحا، أننا بحول الله                                                                   
وقوته، وشامل يمنه ومنته، عينا ماسكه الطالب السعيدي بن محمد المنوني لخطة التوقيت بمنار الجامع الأعظم بمحروسة مكناس، وقلدناه القيام بوظيفها المبني في الشرع على أساس، وأقررناه في ذلك مقر الطالب الجيلاني الرحالي ( 4) رحمه الله، وجعلناه في مكانه وأجريناه مجراه، على أن يسلك في حسن القيام بذلك، المسلك المعتبر، ويجري فيه على الضبط المقصود، والشرط المقرر إلخ.
ويضيف الظهير إلى تكليفه بمهمة التوقيت، الإذن له في قراءة الفرائض مع الطلبة بالمنار، جريا على عادة سلفه في ذلك.(5 )
وبالإضافة إلى ما ذكر، فقد كان من الملوك العلويين، من له إلمام بالغ، ودراية متينة بفن التوقيت، وبالأخص فن تخطيط المزاول (الرخامات)، ذلك هو السلطان محمد الرابع.
فقد جاء في كتاب (مظاهر يقظة المغرب الحديث) للأستاذ محمد المنوني (6 ) نقلا عن كتاب (السعادة الأبدية، في التعريف بمشاهير الحضرة المراكشية) للعلامة بن الموقت بن السلطان محمد الرابع، كان عارفا بطريقة تسطير الرخامات، ومما ينسب له تخطيط المزولتين بسطح جامع ابن يوسف بمراكش:
إحداهما: الرخامة المنكوسة الموضوعة بلصق المنار، وهي للتوقيت طول السنة، وتشتمل على وجهتين:
الأول: شمالي للأشهر الستة التي تكون فيها الشمس بالبروج الشمالية.
والآخر: جنوبي للأشهر الستة التي تكون فيها الشمس بالبروج الجنوبية.
أما الثانية: فهي للساعات، وتعطي الوقت من الساعة الثامنة صباحا حتى الرابعة مساء.
وفي المصدر أيضا نقلا عن الشيخ المكي البطاوري في كناشة قديمة له:
وبأعلى المنار ـ منار جامع ابن يوسف ـ رخامتان مرسـومتان على طريـق التوقيت لأخـذ الارتفاع، مـن صنعة أمير المؤمنين، سيدي محمـد ابن عبد الرحمان أيام خلافته بمـراكش فيما يقال، لأنـه كانت                    
له مشاركة ويد في هذه العلوم، وقد كتب على إحدى الرخامتين ـ نقشا ـ هذه الأبيات:

ظهــرت ظلالي في ضيـاء  محمــد * نجـل الإمـام المالـك بـن هشـــام
وبــرزت كالغـيداء فـوق صفيحتـي * هـذي الخطـوط  تلـوح مثـل وشـام
وازددت واو العطـف في مراكـــش * فـزرت بتاريخـي مصــر وشـــام

وقد أشار بكلمتي مصر وشام إلى تاريخ قول الأبيات وهو 1267هـ، وذلك بعد إلغاء الميم المكرر.
ونقش على الأخرى هذه الأبيات:
خ
ير الملــــــوك  كلهـــــم * محمــد نجـــل الأميـــــــر
أمــر أن ترســـــم لـــــي * باليمـــــن هـــذه السطـــور
ومــــن يـــرد تاريخـــــه * يجـــده أوقــات الســــــرور
ويتكون التاريخ من مجموع الشطر الأخير 1267هـ.( 7)
كما جاء في المصدر أيضا ( 8) أن السلطان محمد الرابع المذكور، اخترع آلة لاستخراج المطالب التوقيتية، ووضع في طريقة العمل بها رسالة سماها: «نخبة الملوك لمن أراد إلى الأوقات أو القبلة السلوك»، وكلف بعض أصحابه محمد بن محمد الأشحم الزرهوني بصنع تلك الآلة، طبق تصميم وضعه لها.
أما في عهد جلالة الحسن الثاني، فنظرا لانعدام الإقبال على فن التوقيت في العصور المتأخرة، ونظرا لكون الذين لهم إلمام بالفن أصبحوا يعدون على رؤوس الأصابع، فقـد أمر جلالته بإحداث كرسي خاص بعلمي التوقيت والفرائض، ضمن المنهج الدراسي للكراسي العلمية الذي يضم التفسير والحديث والتجويد والفقه والبلاغة والأدب.
ولأجل أن يعاد لهذا العلم اعتباره، ومكانته التي تبوأها في العصور المتقدمة، فإني أقترح أن لا تبقى دراسته مقتصرة على طلبة الكراسي العلمية، وذلك:
أولا: بإدماج مادة التوقيت في المناهج الدراسية الثانوية والعليا، وجعلها مادة أساسية في الامتحانات، تلقن للطلبة بطرق حديثة، وبأساليب مبسطة، بالإضافة إلى تعليمهم طرق استعمال آلات وهذا الاقتراح موجه لوزارة التربية الوطنية.
ثانيا: إبقاء العمل جاريا بما كان عليه في العهد القديم، وذلك بتنصيب موقتين بغرف التوقيت بمساجد المغرب، يرجع إليهم عند الاقتضاء، فقد لوحظ فراغ بعض مساجد مدن المغرب الكبرى من الموقت، وذاك ما آمل تحقيقه.

  1 ) ج5 من (الإتحاف) للمؤرخ الشهير المولى عبد الرحمان ابن زيدان / ط.1، من: ص: 285 إلى 287.
  2) المصدر من: ص: 334 إلى 335.
  3 ) المصدر ص: 335.
  4) هو الجيلاني بن عزوز من ذرية أبي محمد رحال الكوش، دفين زمران، المتوفى عام 1309هـ، كما ورد في ج3 من    (الإتحاف) ص: 112/ط.1.
  5) عن كتاب (وثائق ونصوص) للأستاذ محمد المنوني ص:132.
  6) ج1/ ص: 160.
  7) المصدر السابق ص: 161.
  8) المصدر السابق ص: 164.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here