islamaumaroc

أصول الثقافة المغربية-1-

  دعوة الحق

32 العدد

ليست الثقافة إلا تعبيرا دقيقا عن خلجات الفكر الإنساني وتجاوبه مع  الطبيعة والزمان...فهي وليدة الإنسان عندما يستعمل فكره لمعالجة مقتضيات الحياة وتفهم مظاهر الطبيعية والكون محدودة في بيئتها وزمان إنتاجها..ولكن مع ذلك فصلتها قوية بالتاريخ لان مركزها الشخصاني يقر دائما صلتها التسلسلية (بالماضي كعمل تجريبي، يمد الفكر بالخبرة(وبالمستقبل) كهدف لنشاطها، وصلتها قوية كذلك بالشخص نفسه لأنه نقطة ارتكازها يتسلسل فيه عمل الوراثة والتكوين الفسيلوجي.
ولتحقيق التجاوب بين الشخص وبيئته يتحتم علينا في عصر الحضارة أن نهتم بالثقافة اهتماما بليغا حتى ليظل توجيه الثقافة إيحاء عفويا وأنا نسعى إلى تخطيط معالمه ومدى تناسقه مع معطيات البيئة والشخصية، وذلك لتوتي الثقافة إنتاجها بطريقة رياضية واضحة، ولذلك فليست الثقافة كما عبر احد علماء الاجتماع: (إلا عبارة عن إجماع ما يتبقى للشخص ليعمل به في حياته وسلوكه) بل هي مدارك النشاط الخلاق، وإذا أردنا أن نعرف اليوم نوع الثقافة التي يجب أن نفزع إليها، فان ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بالشخص المواطن، وعملية التاريخ السلالي في تكوين معالم تفكيره، وبالبيئة نفسها وما تستجيب له من مطالب وتستوحيه من معطيات .
لان المثل العليا في كل شعب من الشعوب مستوحاة من مطالب البيئة وأهداف استمرار الحياة، وهذا المثل الأعلى هو العنصر الأول في تكوين الثقافة وتمايزها بحسب البيئات والأزمان وتطور الإنسان، إذ أن الثقافة هي التكوين العام المعد لتحقيق الرغبات الإنسانية، وها تختلف المثل العليا في سائر الشعوب فهي في الواقع ترجع إلى ثلاثة أهداف، هي تحقيق الخير، وإقرار الحق، والتأثر بالجمال وعلى قدر نمو هذا الهدف في الأفراد والشعوب تنمو الثقافة وتسمو أو تهزل وتنحط.. وتبعا لذلك فالثقافة وسيلة لتحقيق هدفا سامي لابد لها من الاستعانة بقيم روحية، وأدوات مادية للوصل إلى المثل الأعلى الذي يتجدد مع التطور الإنساني ويستمر باحثا عنه.
وأن ثقافة كل شعب هي لبنة في هيكل الثقافة العامة الإنسانية تتفاعل مع بعضها ويؤثر كل واحد منها في الأخر ولا غنى لهذه عن تلك مهما ظهر لنا أن بعضها ضئيلا ضعيف التأثير.
والثقافة لها وظيفة سامية هي تجهيز الشخص بالاستعدادات العقلية والنفسية واليدوية لمواجهة الحياة ومشاكلها والتغلب على صعابها، ومن تم فلا بد من تآزر الثقافات المختلفة لتقوية الشخصية الإنسانية إذ لا يمكن انعزال الشخص في مجتمع خاص وعدم اتصاله بمختلف الثقافات الأخرى وإلا فسيبقى متخلفا عن ركب التطور العام ولعل أقوى دليل على تطور حضارة كل بلاد وتقدمها هو مقدار تعرفها على مختلف الثقافات واستيعابها لهذه الثقافات المختلفة، ومن نتائج الثقافة وانصهارها وخروجها إلى حيز الوجود يبدو لنا ما يسمى بالحضارة الإنسانية إذ الثقافة هي دافعة إلى تنظيم النشاط والخلق والإبداع وكلما ارتقى الإنسان في عمله وتنظيمه وخلقه فهو يكون في الواقع يشيد حضارة إنسانية، وتسمو الحضارة كلما سمت الثقافة وأعطت طاقة من الجهد والابتكار والتحويل والبناء.
وإذ أردنا أن نبحث في شعب ما عن درجة ثقافته وماهيتها فنحن في حاجة إلى التعرف سيكولوجية أفراده وجماعاته والى التعرف على الأدوات المادية التي أعانت تاريخه على التحرك لنعرف مدى سمو عقله وروحه...ومتانة شخصيته. 
وقد شاع خطأ أن المغرب معبر الثقافات، وذلك نظرا لموقعه الجغرافي بين الشرقية والغربية، وأظن أن هذا الرأي يفسد علينا قوة شخصيتنا وهو يكاد يتهمنا بفقدان ذاتية الثقافة المغربية فلسنا معبر ثقافات، وإنما نحن شعب له ثقافته الخاصة وذاتيته الأصلية وسوف نجد من خلال   العرض التاريخي جزءا من هذه الشخصية واستقلالها، وهي ككل الشخصيات المستقلة تأخذ وتعطي، وتحتفظ بما يصلح لمقوماتها وتلفظ عنها الرواسب.
وقد ابتدع بعض المفكرين فكرة الشرق والغرب وأخذوا يضعون الشعوب في الطرفين حسبما تمليه مصالحهم تارة ف هذه الكتلة الشرقية وأخرى في تلك الكتلة الغربية وأنا لا أصدق نفسي حين أساير هذه النزعة، فلن يقر لتاريخ أبدا هذه الفكرة، وهي إلى الاصطلاحات الجغرافية اقرب منها إلى الاصطلاحات العلمية، ولو شئت أن تقيم الفرق على أسس  دينية فان هذا التقسيم سيفاجئك نهاية في كل بلاد من البلدان، وإذا أردت أن تقسمها على أساس الثقافة فان هذه الثقافة تسلسلت مع الإنسان في الأزمان، فليست الفلسفة اليونانية وليدة الغرب بل هي متطورة على أسس الفكر الشرقي وليست الشيوعية وليدة الشرق أو الشرق وليست الشيوعية وليدة الشرق أو الشرق الأوربي فلها أصول من العهد القديم ونظريات بعض الفرق الإسلامية وفلسفة هيجل وفورباخ وماركس الخ...والذين يعمدون إلى البحث على الفوارق يستندون على أجزاء مبعثرة من الماضي والحاضر، ويتكلفون لذلك ادعاء هو إلى الخطابة والجدل أقرب منه إلى الفلسفة والبحث العملي.
وإثارة شرقية المغرب أو غربيته هي فكرة خاطئة لا تحمل لنا كثيرا من اليمن ولا تساعدها آية مستندات على اعتبارها كحقيقة واقعية والشيء المحقق تاريخيا هو أن الصلة بيننا وبين الشرقيين كانت مستمرة ومنظمة وكانت ذات اثر في حياة المغرب العقلية والسياسية والاقتصادية.
 ولكن ليس معنى هذا أننا جزء من العالم الشرقي، فاقد لشخصيته وكيانه، وكل ما نملك من علم وثقافة هو عن باب هذه بضاعتنا ردت إلينا حسب تعبير الصاحب بن عباد، والشيء المحقق حاضرا هو أننا اتصلنا بالغرب اتصالا وثيقا، اتصلنا به مكرهين واتصلنا به راضين، وتأثرنا به على أية حال من الأحوال...ولنا طبائع تميز شخصيتنا كشعب بارزة في حياتنا كأفراد مستقلين وفي مجتمعنا كأفراد في هيئة.
والرجل المغربي مشهور بذكائه الخارق ونظرته إلى الأشياء نظرة شمولية كلية وفي محاولته دائما أن يربط النتائج بعضها ببعض وكان مؤسس علم الاجتماع (ابن خلدون) نموذجا لهذه الشخصية ذات الفكر الشمولي المحلل كما أن المغربي دقيق الملاحظة قلما يسلم احد من انتقاده ولا يجازف في الاستسلام حتى يحيط بجوانب النقص والكمال، ولذلك كان ابن شرف وابن رشق القيروانيين من أعلام الفكر الانتقادي في الدراسة الإسلامية والغربية، ولذلك أشتغل رجال الفكر في المغرب بالشرح والتعليق أكثر من التأليف، وقد انتقد بعض الشرقيين على المغاربة اشتغالهم بالتعليق والشرح والتنبيه، وأتهم فكرهم بالضحالة والمحل فأجابه مغربي على البديهة بقوله: نحن يشغلنا تصحيح أغلاطكم على التأليف. كما أن من خصائص نفسية المغربية أفراطه في الاحترام حين تظهر له أمارات الاستحقاق وهذا الإفراط في يظهر في الغالب بمظهر التقديس والجلال ومظاهر هذا التقديس، كالسجود لمن يتولى أموره فيخلص له العهد، والإفراط في الغيرة عن الشرف إلى حد ستصغار العظائم واستعذاب الموت، والجندي المغربي مشهور بشجاعته الفائقة حيت تأكل الحمية قلبه ويرى في القتال طريق الثار والانتصار.
والمغربي على العموم يألف بلاده ولكنه شغوف التنقل والسياحة ولذلك تضم الخزانة المغربية ألاف الكتب في الرحلات كما أن المعجم التاريخي يحتوي على مات الرحال كتب عنهم كثير من المواطنين في القديم والحديث وكثير من المستشرقين أمثال ماسنيون وغيره. وهذه المظاهر قد يشارك المغربي فيها كثير من المم ولكنها أصيلة في أفراده متكتلة في شخصية سكانه.

الحضارة المغربية القديمة
وكانت الحضارة المغربية القديمة مرتكزة في عدة مدن مغربية صميمة عريقة في القدم مؤسسة قرب المروج والينابيع كما هو الشأن في المدن القديمة  (1)ذكر من مراكز الثقافة القديمة مدينة سلا التي ذكر الزياني في الترجمانة الكبرى أن بناتها كانوا برابرة؛ ومدينة سجلماسة ودمنات وفي كتاب الاستبصار في عجائب الامصار لعدة مدن عريقة في القدم كقنط قرب أسفي وازور المؤسسة قبل العهد الفينيقي، ويذكر ميكيل طارديل في( بحث عصر الفينيقيين الأول بالمغرب) أن العلاقات البحرية بين طرفي البحر الأبيض المتوسط أقدم من الفينيقيين بكثير ولعلها نشأت في العصر الحجري الجديد ويؤكد هذا بما الكتب المقدسة عن قوارب صيد وكذلك يوصف هيردوت تجارة الذهب وبما ذكره شرابون وتيميو وأقاصيص المسيولوجيا اليونانية. ولكن الثقافة التي كانت مرتكزة في هذه المدة في عليها التاريخ إذ القرطاجيون محقوا معالمها كما قضى الرومان على الحضارة قرطاجنة من بعد وكما فعل الو ندال بحضارة الرومان من بعدهم ونقل مؤلف (مظاهر الحضارة المغربية) عن الفريد بيل في كتابة ديانة الإسلام ف بلاد البربر، أن البرابرة بعد احتلا الو ندال فقدوا كل ما استمرؤوه من الحضارة القرطاجية والرومانية على انه من كل ما تبقى يمكن أن نلخص الثقافة المغربية في هذه الحقبة المظاهر الآتية:1 في الفلاحة2في العوائد 3في الدراسة.
اما في الفلاحة والزراعة فان الالات البدائية المستعملة دالة على أن البربر كانوا شعبا فلاحيا وانها تماثل الحياة الفلاحية التي كانت منتشرة في حوض النيل وبلاد آسيا، مما يدل على ان هناك تبادلا تجاريا في أساليب الري والفلاحة.وفي الاثار الموجودة مايبرهن على وحدة التقاليد الفلاحية أو على الأقل ما يبرهن على أن البرابرة من سلالة أسيوية نقلت عوائدها إلى الغرب بعد مرورها بوادي النيل.
وأما في العوائد فان هناك مظاهر متحدة بين حياة العرب في الخيام وحياة البربر في النوايل أيضا حيث تشابه جو البيئة البدوية في الجزيرة وبعض أطراف المغرب إلا أن البربري في الجبال كان يأوي إلى الكهوف و المغاور.
وتطورت السكنى في المغرب إلى البناية الكبرى المعروفة (بالمدشر) كما تطورت إلى القرية في المجتمع العربي أما لباسهم فانه البرنس الذي لا يختلف كثيرا عن العباءة لان الطقس البارد في فصل الشتاء يتطلب دثار أكثر إحاطة بالجسم كله.
وكانوا يؤثرون أن يحلقوا شعورهم ويحتفظون (بالقرن) الذي هو من بقايا الطوثمة البدائية في المغرب بعكس العرب الذين يحتفظون بالشعر نظرا للحرارة في إقليمهم أما المرأة فكانت تتزين وتتبرج وتهتم بوشي وجهها ويديها وتخصب بالحناء وتضع في أرجلها الخلاخل الفضية.
أما الاقتصاد فقد نظام المبادلات حياتهم وكانوا ينتجون بعض الالات الفلاحية والاسلحة البدائية للدفاع عن حوزتهم مع صباغة بعض أنواع الجواهر كما تاجروا في الحيونات المفترسة مع الرومان؟، وفي عاج الفيل الافريقي الذي انقرض نهائيا من غفريقيا اما المعتقدات فقد كانت الوثنية منتشرة ف المغرب في عهد ماقبل التاريخ حيث عبدوا الشمس ومظاهر الكون وحملوا بعض عوائد الفراعنة أثناء هجرتهم عبر وادي النيل وحيث وضعا موتاهم في كهوف نحتت في حجارة الجبال بعد صبغها ودفن الأثاث بجانبها استعداد لحياة ثانية، وعرفوا صلواتهم السجود وهو من مظاهر العبادات الشرقية ودال على نسبة أرومتهم إلى بلاد المشرق كما كانوا يختتنون حسب التقاليد السامية القديمة.والمرأة البدوية سيدة منزلها قد ينتسب إليها الأبناء وسادت عادة تعدد المرأة، ويرى اندري جوليان في (تاريخ إفريقيا الشمالية) أن عادة شيوع المرأة لرجال متعددين لم تكن معروفة عندهم، والمرأة نشيطة في ميدان الصناعة حيت تنسج الزرابي وتنقش الأواني وتشارك في الرعي...والحياة الاجتماعية لها طبعها الخاص حيث كان نظام المشيخة والحكم الجماعي هو القانون المعمول به والمستمد من العوائد المعبر عنها بازرف والشيخ ينتزع وظيفته من شجاعته العسكرية عندما تبتلي القبيلة بحرب فيظهر قوة بأسه في الدفاع عنها.
أم الثقافة الخطية فقد عرفوا الخط الحميري وكتبوا به بعض آثارهم في الحجارات التي عثر عليها في الأطلس الصحراوي قرب كلومب بشار.
وجماع هذه التقاليد والعوائد والأنظمة هو الذي نعبر عنه بالثقافة لمغربي القديمة وهو نواة الثقافات التي حلت بعد بهذه الديار ولاشك أن عوامل تشابه البيئة العربية والبيئة المغربية في كثير من مظاهر الحياة أقامت وحدة بين العنصرين بعد الفتح الإسلامي كما سترى بعد ذلك.
وترك لنا التاريخ معالم هذه الثقافة سواء ف الأدب اللسانية أو في المظاهر المعمارية إذ هناك حكايات ونوادر وأقاصيص على السنة الحيوانات أوردها الكاتب البربري( ابوليوس) في العهد الروماني، وعرفت في البلاد الرومانية وتأثر بها الأدب الفرنسي كما خلف لنا (اليزلان) من الأطلس المتوسط قصائد شعرية تمجد البطولة والفروسية أما في المظاهر المعمارية فهي تبدو جلية في بناء القلعة والمدافن الهرمية التي قلنا سابقا أنهم تأثروا فيها بحضارة وادي النيل، تم تطور هذا الفن بعد الاتصال بالرومانيين والحضارة الإسلامية فيما بعد.
وكان التعبير الجماعي عن الفرح بفن الرقص المعتمد على الإيقاع والتصفيق والنقر. وكان (الحيدوش والاحواش) رقص يعتمد على الموسيقى المحركة، وعلى المظهر الأنيق حيث يكون استداريا وقد أسس( يوبا الثاني) معهدا موسيقيا بمدينة شرشال في العصور القديمة (في القرن الثاني قبل المسيح) ثم ألف أول معجم في المعارف، وفي الأنساب البربرية.
وكان التمثيل شائعا عند البربر القدماء عرف ف عهد يوبا الثاني في مدينة شرشال والغالب أن له أصولا مصرية إذ هو في الأصل أناشيد و تصاوير يستعطف الرب ويتوسل إليه بواسطته.
كما عرفوا البربر القديم سواء على الصخور أو بيض النعام أو على الخزف وترك لنا التاريخ الأثري مجموعة من أخاطيط ورسوم تعبيرية.
أما الشعر الملحمي فهو من طبيعة اللغة البربرية فقد عرفته قبل الرومان وفي عهد الرومان أيضا حين تأثروا بالأدب القصصي والمسرحي الروماني بل أن البربر في العصور الإسلامية كتبوا ملاحم رغم أن هذا اللون في الأدب افتقد في الأدب العربي ومن ذلك ملحمة (الصابي) بلغة تشلحيت كما في دائرة المعارف الإسلامية ولم يبق هذا الشعب البربري وحيدا في الشمال الإفريقي إذ سرعان ما جاءت جالية في القرن الثاني عشر من الشرق، وأقامت مدة أحد عشر قرنا في تفريقيا، وهذه الجالية هي الدولة الفينيقية، وربما أن هذه الدولة تنتهي في نسبها إلى الكنعانيين السامين فقد تآلفت بسرعة مع البربريين، و سرعان  ما أسست مدنا مهمة على طول إفريقيا الشمالية كبنزرت في تونس والجيجل في الجزائر وسلا و طنجة في المغرب وينقل ميكيل طاراديل عن (بلينيوس) أن هذا المؤرخ لا يذكر تأسيس مدينة ليكسوس بل ذكر تأسيس معبدها بما يدل على أن بناء المعابد سابق على تأسيس المدن وبالتالي بوجود فترة طويلة من صلاحية الاستكشاف والمبادلة التجارية قبل انشاء مراكز المستعمرات.
ونشر الفينيقيون (2)ارتهم البحرية والبرية المغرب واقتبس البربر خطهم وتركوا الخط البربري
المعروف باللوبي والمشتق من الحميري وهو أقدم من الخط الهيروغليفي المصري وقد ازدهرت الحضارة الفنيقية أيما ازدهار، وتركت أثرا أدبيا تجلى في المؤلفات التي كانت في الخزائن القرطاجنية في الشمال الافرقي، وبقي النفوذ الفنيقي هو الوحيد الذي تلقاه الاهالي وتاثروا به الفتح الروماني ويقول ميكيل طاراديل ان هذا النفوذ كان فاصلا في تكوين ثقافة مغربية ذاتية يجعلنا نرى أن الإسلام المناسب في تاريخ المغرب للفترة المتراوحة فيما قبل سقوط قرطاجنة خلال الحرب الثانية ونشأة لبيوت المحلية الحاكمة المعروفة والتحاق المغرب بالإمبراطورية الروماني (هو القرطجني الموريطاني)، ولكن الغزو الروماني في على هذه الآثار، وبدون ك فهذا هو العنصر الثاني الملحق للثقافة البربرية ونستطيع أن نتعرف من خلال الحضارة الفينيقية على مدى فعالية هذه الثقافة في بلادنا، إذ أن الفينيقيين شعب فلاحي وتجاري، ظهرت آثاره الفلاحة ف غرس البساتين وحمل بعض أنواع الفواكه إلى المغرب وهو تجاري بما ينتج من أدوات فلاحيه ومنزلية كالأكواب والصحون ولأباريق وتجاري في بعض الصناعات اليدوية كالنسيج مثلا، على إن الفينيقيين كانوا من الشعوب التي قهرت البحار، ويظهر أن أجدادنا لم يتأثروا في هذه الناحية البحرية بالبحرية الفينيقية، أو لعل التاريخ لم يكشف لنا عن عبقريتهم في هذا الميدان، إذ نحن نعثر في تاريخ المغرب على الحركة القرصانية التي ساء فهم الناس لها والتي هي متأخرة كثيرا عن هذه الحقبة التي نتكلم عنها ألان وبجانب هذه الثقافة العملية التي ورثها أجدادنا عن الفينيقيين كانت توجد ثقافة روحية دينية ظهرت في هيكل معبد (بعل) ومعبد (قانيت) هذه المعابد التي آوت التفكير الديني الفينيقي ومعلوم أن الفينيقيين تأثروا بعدة ديانات قبل ظهور المسيحية في الشرق واختلف على بلادهم الأنبياء ولكن طابعهم اليني كان توحيدا أو ينزع منزع التوحيد... وكان الكهنة الفينيقيون يسطرون على العقلية الشعبية بطقوس تهدف إلى تسخيرهم لعبادة بعل وتقديم القرابين البشرية ليكون لهم مسندا ومعينا في الحياة، ويطول بنا الكلام لو أردنا أن نستقصي مظاهر العبادة الفينيقية ولكن المهم أن أجدادنا تأثروا بهذه الثقافــة الفينيقيــــة(3) وكانت العنصر الثاني الفعال في التفكير المغربي القديم وان أقدم مؤلف نعرفه كشاهد على الأثر الفنيقي هو كتاب (ماجون)Magon وهو كتاب يتناول الفلاحة وأساليبها وقد ترجم إلى اللاتينية وكان عمدة الرومانيين في هذا الميدان، أما التأثير الاقتصادي فالآثار اليوم تؤكد أنهم منذ الرق السابع ق.م.قد أفرغوا في جزيرة الصويرة المنتوجات التي حملوها معهم من شتى المراحل التي قطعوها من السواحل اللبنانية إلى الشواطئ المغربية ومنها الصحون المجلوبة من جزيرة قبرص وروديس وأواني الفخار المجلوبة من المدن الإغريقية.وبجانب هذا التأثير الفلاحي كان هناك تأثير عقيدي عرف البرابرة لأول مرة عبادة الكبش (عمون) وعبادة بعل وتانيت ويوزيدون كما في رحلة (حانون) ومن المعلوم أن القرطاجنيين هم شعب تجاري وفلاحي وهذا، إحدى عوامل الخلاف بين قرطاجنة وروما التي كانت عبارة عن شعب عسكري يفتح البلدان لاستغلالها فلاحيا وليمد روما بخيراتها (4) قد ظل القرطاجنيون معتنين بتنمية العمران والاقتصاد طيلة وجودهم في المغرب ويذكر الربان حنون في رحلته أن القرطاجنين خرجوا في متن سفينة عظيمة ليؤسسوا المدن ومنها ثميتيرية (المهدي) وسلو وحصن فريكون وغيته عكرة ومليطة وأرنبي، حتى نهر لكسوس (وادي سوس واجد ير وروسادير (مليلية) في الشمال المغربي.
في منتصف القرن الثاني 146 ق.ق.هاجم الرومانيون بلاد المغرب(5)  صدق أجدادنا للدفاع عن بلادهم في حروب تسمى في التاريخ المغربي بالحرب اليونيقية... واستمر الحكم الروماني ستة قون أي انتهى في منصف القرن الخامس بعد المسيح... وقد خلف الرومان أثرهم الثقافي سواء في ميدان العلوم أو ميدان الأدب أو ميدان الفنون المعمارية وغيرها.. بل أن أعاظم المفكرين والأدباء اللاتينيين لهم أصل إفريقي مثل أوغوستينوس وفريانوس وكرتيليانوس..ويكفي أن يكون أكبر مؤلف مسرحي عرفته روما وهو طيرنسيوس من قرطاجنة الافريقية.

من هو أحق بمواساتك
قال أكثر بن صيفي أحق من شركك في النعم شركاؤك في المكاره أخده بعضهم فقال:
وأن أولى البرايا أن تواسيه
                      عند السرور لمن واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا
                      من أكن يألفهم في المنزل الخشن



(1)كان الاصطلاح القديم هو اطلاق موريتانيا على المغرب الاقصى وتوميديا على الجزائر وزوجيتان على تونس وكان بين المغرب والجزائر قطر صغير يسمى(ملفا) وبينها وتونس قطر يسمى (توسكا) اما يرقة فتسمى مرنيكا وينطاليوليس أي المدن الخمس، اما قارة أفريقيا فكان اسمها ليبيا وافريقيا تطلق على تونس وطرابلس وهذا الاصطلاح يوناني قبل الرومان بكثير وذكر الاستاذ ميكيل طارديل في بحثه عصر الفنيقيين بالمغرب (المنشور بمجلة تطوان العدد الثالث والرابع(أن المدن ليبكسوس وقادس وأوتيكاهي أقدم المؤسسات في غرب البحر الابيض المتوسط ويلاحظ أن لكسوس قد شيدت في الفترة المتراوحة بين منتصف القرن الثاني السابق للميلاد ودخول القرن الاول ومن خلال الحفريات الجارية بهذه المدينة يستبان ان معظم هذه البنايات حطمت وأعيد استعمالها في بض الجهات ثم حدث هم أخر عند الفتح الروماني في عهد (كلاوديوس) بعد فاة (بتولوميو)
(2)فنيقيون من الكنعانيين الدين هاجروا بلاد الشمال سنة3500ق.م.وسكنوا فنيقيا حسب الاسم اليوناني نسبة الى كلمة فنكس أي النخيل او اللون الاحمر واستمرت حضارتهم زهاء(3170سنة) وينقسم عصر ادزهاهم الى عصر صيد وعصور صور.
(3)كانت السفن الفنيقية تمخر عباب البحر الابيض المتوسط حيث تحمل حضارتهم الباقي الاقطار النائية وقد اسسوا في طرابلس مدينة (يزسيوم) أي الارض الكثيرة المياه واسسوا في تونس زوجيتان كا أسسوا قرطاجنة بتونس سنة 840ق.م. وقرطاجنة معناها المدينة لحديثة، أسستها اميرة فنيقية (اليسا) وفي سنة 1215ق.م. انتصر ابو اسرائيل على سكان فلسطين
(4)وصفت التوراة الفينيقيين بأنهم تجاريون فلاحون ملاحون ويصفهم هردوت بان لهم ذوقا وغش لاحد له كما يظهر في وضف هيكل هرقل الذي كان فيه عمودان يتألقان في الظلام ويرى ستاربون اليواني أنهم علماء فلك ورياضيات وهم معلمو اليونان.
(5)هاجم الرومان قرطاجنة سنة 264ق.م. بعد أن عاشت قرون تأوي أزيد من مليون نسمة وتكون قاعدة امبراطورية افريقيا المتحكمة في البحر الابيض المتوسط باسطولها العتيد وان تون من ممتلكاتها (اسبانيا) وكان لها دستور سام وصفه أرسطو بالكمال والاستقرار وحسن التدبير، وكانوا يحملن تجارتهم الى الساحل الاطلسي المغربي كما ذكر حنون ف حلته، وظل المغاربة يتعاملون تجايا حسب أساليب قرطاجة الى عصر (يافوت الحموي) سنة 626 كما بسط ذلك في كتابه معجم البلدان
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here