islamaumaroc

من أدب الحوار والاختلاف في الإسلام

  محمد بن عبد الله البايك

العدد 287 جمادى 1-جمادى 2-رجب 1412/ يناير فبراير 1992

 إن ضوابـط الحوار والنقد في الإسلام مـن أهـم ما يمكن أن يكون الباحثون فيه على ذكر حتى يرجعوا إلى تصحيح سلوكهم القولي، ما بين الفينـة والأخرى في ضوء هـذه الضوابط التي رسم القرآن الكريم معالمها الأساسية، عندما نهى المؤمنين عن ألوان من الشطط في استعمال اللسان والقلم. لافتا إلى خطـورة السخرية الجماعية المبنية على عصبية، وإلى السخـرية الجنسية بين النساء وإلى خطورة النقد المبطن المحتمـل لمختلف التفسيرات مثله في ذلك مثل وضع الألقاب المشينة للأشخاص مـع النهي عن التسرع في الحكم على الأشخاص والأحداث قبل  التثبت، وبمجرد الظنـة، مناديا المومن إلى  احـترام الأعراض والأشخاص في غيابهم، لافتا النظر إلى خطورة شهادة الفاسق التي يجب التثبت من صحتها وعدم تصديق صاحبها بسرعة، داعيا إلى جانب ذلك عند الكتابة إلى الشجاعة في إبداء الحـق، وإلى خطورة مسؤولية القلم الذي يجب أن يخضع صاحبه إلى القيام في شهادته بالقسط وفق الواقـع، داعيا المجتمع المسلم إلى أن يضمن الحرية في إبداء الرأي لذوي الشهادة باللسـان أو القلم.
وقـد زادت السنـة هـذه المعـالم بيانا وتفصـيلا في نهيـه عليه السـلام المومنين عـن الإقـدام في النقـد والفحش فيه، وعـن لعـن المسلـم وطـرده من رحمـة الله، وعـن همزه بالكلام بكيفية مباشـرة؛ أو لهمزه بكيفية مبطنة. وعن غمزة بمؤخـر عينة سخـرية به، وعن نقل شئ عنه على جهـة الإفسـاد.          
وعن الحديث في غيابه بما يكره، وعن تقويله مـا لم يقل؛  مشددا النكير على أساليب الثرثرة، والخروج عن الحديث الهادف، وعن التفيهق وانفلات الزمام من المتحدث حتى يصدر منه ما لا يقبل من القول؛ محذرا من فلتات اللسان وخطورته في قلب الحق باطلا، والباطل حقا، داعيا إلى التجرد عند إصدار الأحكام؛ محذرا من خطورة الهوى، ووجوب الاعتدال في الحكـم وإن دعت الظروف إلى عكس ذلك، مراعيا حق المومن والإنسان في أن يخطئ وأن يسامـح إذا أخطأ داعيا إلى الموازنة بين محاسن الأشخاص والأحـداث ومساوئهم.
وقـد سار السلف الصالح في أعمالهم ووصاياهم في ضوء هذه التعليمات الإلهية والنبوية، في مثل قول سعيد بن المسيب:  ليس مـن شريف ولا عـالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه: فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لعقله.( 1)
وقول ابن سيرين ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم، وتكتم خيره ( 2).
فهل كانت سيرة العلماء والمثقفين في مختلف المجالات العميلة في البيئة الإسلامية تسير على هدي هذه التوجيهات بكيفية ملزمة؟.
الظاهر أن ما حـدث مـن الاختلاف السياسي والكلامي والمذهبي أوقع الدارسين في كثير من المحظور والشطط في استعمال سلطة الكلام والقلم، سواء في مجال ترجمة الأعلام، أو التعليق على الكتب أو الحكم على الفـرق والمذاهب؛ مما دعـا أئمة منصفين وهبهـم الله الرقة في الإحسـاس إلى التنبيه إلى خطل هـذا السلوك، والتذكير بالضوابط الشرعية التي لا يجـوز الخروج عليها عنـد الحوار والنقد، أو الرد على  الطرف الآخر.
وينقل لنا في مجـال تراجم الأشخاص ما يقع كمن تجاوز في الحديث أو الحكم على بعض الجوانب المتعلقة بالمترجم له، سواء أكان الأمر يتعلق بلقبه الذي قد يذكر معه في ترجمته مع كراهيته لذلك: لذلك كان الشافعي رحمه الله يتحرى في الألقاب، وفي نحو قوله: حدثنا إسماعيل الذي يقال  له ابن علية، لعلمه بكراهيـه للانتساب لذلك.( 3) أو كان مثل وقوع المترجم في نقل مـا يبلغه عن المترجم له من وقوع في عرضه بمجرد ما بلغه دون تحر. معتمدا على حدسـه الذي قد يكون متأثرا بهوى خفي؛ وقـد حذر المؤرخين من  ذلك، وأنهم بسببه على شفا جـرف هار؛ لأنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربما نقلوا مجرد ما يبلغهم من كاذب أو صادق( 4) .
وقد شبه من يقع في هذا بمن يذكر بين يديه شخص فيقول: دعونا منه، أو إنه عجيب أو الله يصلحه، فيظن أنه لم يغتب بشئ من ذلك مع أنه من أقبح الغيبة ( 5).
ويظهـر أن التسرع إلى القدح في الأشخاص كان سببا في حـوار طريف وقع بين قاض توقف في شهادة بعضهم، فحضر إليه الشخص المعني سرا، سائلا إياه عن السبب ، وقـد احتج القاضي بأنه رآه بأرض فيها كثير من القاذورات: فأجابه المعني على البديهـة: يا مـولانا، قد كنت في ضرورة غير قادحة، فما بالكـم كنتم بها؟ ( 6).
وقد كانت مسؤولية اللسـان والقلم وخطورتهما سببا في اعتقـاد الناس أن سبب تغر ذهن القاضي الشمس أبي  العباس محمـد بن موسى بن سندانة، ونسيانه غالب محفوظاته حتى القرآن، إنما كان عقوبة من الله لـه لكثرة وقوعـه في الناس( 7).
ولا يستغرب هذا،  فقـد وقع لأبي شامة (ق 6هـ ) أحـد شيوخ النووي ما جعله بعد أن كان ذا مكانة بين معاصريه عظيمة، يتعرض لامتحان طريف، حيث دخل عليه رجـلان جليلان في داره في صورة مستفتيين، فضرباه ضربا مبرحا حتى عيل صبـره دون أن يتمكن أحـد من غوثه، وقيل إن السبب في ذلك أنه كثير الوقيعة في العلماء والصلحاء وأكـابر الناس والطعن عليهم، والتنقيص لهـم وذكر مساوئهم، وكونه عند نفسه عظيما، فصـار ساقطا من أعين كثير من الناس ممن علم منـه ذلك وتكملوا فيه(8 ) .
ومـا وقع بين ابن حزم رحمه الله وابن العربي ما هـو معـروف مشهور، حتى قال الذهبي رحمه الله: ولم أنقم على القاضي رحمه الله ( يقصد القاضي أبا بكر العربي) إلا إقذاعه في ذم ابن حزم، واستهجانه له، وابن حـزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم، وأحفـظ بكثير، وأصاب في أشياء وأجاد، وزلق في مضايق كغيره مـن الأئمة، والإنصاف عزيز(9 ).
ويقول الحـافظ السخاوي متحدثا عـن نفرة بعض الناس مـن الانتفاع مـن علم  بعض الأعلام بسبب عدم مداراتهم في النقد، وكذا ما حصل من بعض الناس من نفرة وتحام عن الانتفاع بعلمهم مع جلالة قدرهم، علما وورعا وزهدا، لإطلاق لسانهم، وعدم مداراتهم، بحيث يتكلمون ويجرحون بما فيه مبالغة لابن حزم وابن تيمية، وهما ممن امتحن وأوذي، وكل واحد من الأمة يوخذ من كلامه ويترك، إلا رسول الله (صلع) ( 10).
وقد لوحـظ على بعض العلماء صنيعهم أثناء الترجمة ما يتنافى مـع مكانة الشخص ما اختصار لترجمته بشكل مخل بسيرته وكتبه، أو تطويل ترجمتـه بشكل مبالغ فيه، ميلا مـع المذهب الفكري أو الجانب الشخصي.
لكـل ما تقـدم وأشباهه ممـا وقـع في تاريخ البشرية ويقـع باستمرار، حـرص العلمـاء المسلمون على التنبيـه إلى مسؤولية القلـم واللسـان في تناول الشخصيـات العلمية التي هي محـل نظـر واقتـداء حتى لا تصير نهبـا، وتنقلـب سيرتها العطـرة خداجا يجعـل الأجيـال الآتية بعـدهم في حيرة مـن الأمـر.
فهذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول للمزني وهو يسمعه يقول: فلان كذاب. قال المزني: فقال لي: يا إبراهيم أكس ألفاظك أحسنها، لا تقل كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشئ. ونحوه أن البخاري ـ لمزيد ورعه ـ قلّ أن يقول كذاب أو وضاع، وأكثر ما يقول: سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه.( 11)
وقد نبّه الأئمة إلى ما في التعرض  للوقائع المنقصة الصادرة في شيبوبة المقتدى بهم من العلماء من خطـورة على القارئ، لترجمة العالـم التي ينبغي أن تخلو من ذكر مثل هـذه الصبوات، وقد عجب ربك من شاب ليست له صبوة:  والاعتبار بحال المترجم له بعد أن تجاوز هـذه المرحلة ونضج، وقد تقدم قـول ابن المسيب: من الناس مـن لا ينبغي أن تذكر عيوبهم؛ لأن مـن كان فضله أكثر مـن نقصه وهب نقصه لفضله( 12).
كما نبه الأئمة إلى استهجان ما يمكن أن يذكر في تراجم ذوي الولايات من أرباب الدولـة من الضرب والسجن والإهانة ونحوها؛ إلا ما يضطر لإيراده، مع الإشعار بما يقتضي الإنكار إذا أمكن؛ قـد لا يشجع ذلك المتطرف ، فيتخذ هـذه البادرة حجة يحتج بها؛ كمـا وقع للحجـاج في فقـه العرينين، وقـد سأل أنس بن مالك أن  يحدثه بأشد عقوبة عاقب بها الرسول ـ (صلعم) ـ  فلما بلغ ذلك الحسن قال: وددت أنه لم يحدثه( 13).
لذلك ولغيره، كان المؤرخ للرجال مطالبا بالورع والتقوى قبل كل شئ، بحيث لا يأخذ بالتوهم والقرائن التي تتخلف: ومتى لم يكن ورعا ولو عرف بالعلم اشتد به البلاء...فالورع والتقوى يحجره ويوجب له الفحص والاجتهاد، وترك المجازفة، كما ذكر الحافظ السخاوي (14 ).
ولا بـد أن يكون المؤرخ مـع ذلك عالما عـدلا عارفا بحـال مـن يترجمه، ليس بينهما من الصـداقة مـا قد يحمله على التعصب له، ولا مـن العـداوة ما قد يحملـه على الغض منه( 15).
وقد ضرب لنا الأئمة أمثلة من الإنصاف في تراجم مخالفيهم، فهذا الحافظ ابن حجر لما ترجم للقاضي القياتي وقد كان يهاجمه ويُنَقٌصُهُ؛ ومع ذلك لم يعْدُ ابن حجر الإنصاف عندما وصفه بأنه: باشر بنزاهة وعفة، ولم يأذن  لأحد من النواب إلا لعدد قليل، وثبت في الأحكام جدا وفي جميع أموره( 16).
وهذا الحافظ الذهبي عندما ترجم للغزالي لم يعد الإنصاف في قوله: الغزالي: إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ... وقال: فرحم الله أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول( 17).
ويقول في ترجمة أحمد بن أبي داود فؤاد المعتزلي المشهور في قضية خلق القرآن: كان على مذهب الجهمية، داعية إلى القول بخلق القرآن، وكان موصوفا بالجود والسخاء، وحسن الخلق وغزارة الأدب.
وقال ردا على ابن الصلاح (ق 7هـ) في هجومه على الماوردي بسبب الاعتزال: فلا تحط يا أخي على العلماء مطلقا، ولا تبالغ في تقريظهم مطلقا( 18).
وقد نصوا على أن أمورا معدودة لا تعد غيبة أو تنقيصا، بل هي مما يذكر في ميزان الشخص ولو كره ذلك، وهي نصيحة واجبة، وذلك: كأن تكون للمذكور  لاية لا يقوم بها على وجهها، أو بأن لا يكون صالحا لها؛ أو بأن يكون فاسقا، أو متغفلا ، أو أن يكون مبتدعا من المتصوفة وغيرهم، أو متساهلا في الفتوى أو التصنيف أو الأحكـام أو الشهادات أو النقل أو الوعظ ، حيث يذكر الأكاذيب، وما لا أصل له على رؤوس العوام؛ أو متساهلا في ذكر العلماء؛ أو متساهلا في الرشي أوالارتشاء، إما لتعاطيه له، أو إقراره عليه مع قدرته على منعه، أو أكل أموال الناس بالحيل والافتراء، أو غاصبا لكتب العلم من أربابها، أو من المساجد، فضلا عن الأوقاف أو غير ذلك من الحرمات: فكل ذلك جائز أو واجب ذكره ليحذر ضرره. وبهذا، فالجرح لم ينقطع، لأنه من النصيحة الواجبة المثاب فاعلها؛ وحجتهم التوصل بذلك إلى صون الشريعة، وأن حق الله ورسوله هو المقدم( 19).
وإذا كان أمر النقد والتحامل فيه أحيانا مما لا ينبغي قد وقع بعضه في تراجم الرجال مع نوع من الحرج بسبب مسؤولية المترجم في الحكم على الشخصية العلمية من مختلف جوانبها، فإن الأمر في نقد الكتب أكثر بروزا، وأدعى إلى إطلاق الأحكام الطائرة السريعة على الكتاب بمجرده، وبقطع النظر عن صاحبه، وذلك في مثل قولهم: اجمع من هنا ومن هنا وقل هذا كتابنا؛ على سبيل المعاريض، وكذلك قول الناقد: هو كحاطب ليل، أو كقوله ليس فيه من تأليفه إلا العنوان، أو لم يصنع صاحبه شيئا، أو ليس بشئ: وكذلك اتهام صاحب الكتاب بالنقل المباشر من كتب شيخه أو مكتبة مشهورة أو من مكتبة خاصة، وقد اشتهر في ذلك ما يروى عن أئمة لا يتسرب الشك إلى محفوظاتهم وملكاتهم العلمية:  كالخطيب البغدادي. والحافظ السيوطي، والحافظ السخاوي؛ ووقع قبل ذلك اتهام بعض الأئمة المتقدمين قبلهم بالسلخ والتغيير، كما وقع لأبي بكر ابن دريد ـ رحمه الله  ـ عند وضع كتابه(جمهرة اللغة). حيث اتهم بأنه من كتاب الخليل الفراهيدي، فإذا تعفف الناقد عن اتهام صاحب الكتاب بمثل ما ذكر لم ينشب أن يتهم بأنه ملأ كتابه بالأغلوطات والحشو، وأنه جمع ما فيه كل ما هبَّ ودبَّ، ونحو ذلك من العبارات المزرية بالعمل العلمي. والتي لا تقدم تحليلا وتقويما مفصلا، بل تكتفي بالأحكام الجاهـزة القاطعة المجملة، وفي مقابل هذا الصنيع تأتي الأحكـام التقريظية أحيانا مليئة بالادعاء بالتميز في التأليف، في مثل قولـهم تنويها بصنيع الزمخشري في الكشاف:                                                                 
إن التفاسيــر في الدنيــا بلا عــدد * وليـس فيهــا جميعا مثـل كشــــاف

وقـول شاعـرهم:
بطـــل النحـو جميعــا  كلــــه * غيـر مـا أحـدث عيسـى  بـن عمــر
ذاك إكمــال وهــذا جامــــــع * فهمــا للنـاس شمـــس وقمـــــر

ثم ذهب ما أحدثه عيسى بن عمر ونسخه كتاب سيبويه بعد ذلك؛ الذي قيل فيه أنه قرآن النحو؛ ولم يلبث أن استدرك عليه، وانتقد في أمور، وجلَّ من لا يخطئ؛ وقد ادعى محمد بن مالك رحمه الله أن ألفيته تفوق ألفية ابن معط في قوله:

وتقتضـي رضــى  بغيـر سخـــط * فائقـــة ألفيــة ابــن معــــــط

ولم يلبث رحمه الله أن ندم على هذا الحكم المطلق فاستدرك بعد ذلك فقال:

وهـو بسبــق حائـزُ تفضيـــــلا * مستوجــــبُ ثنائــي الجميـــــلا
واللـه يقضـي بهبـات وافـــــرة * لي ولــه في درجــات الآخـــــرة

أما المتأخرون من النقاد للكتب بعد ذلك، فلم تخل أحكامهم من تحامل في الرد يبدو من العنوان، في نحو تسمية ردودهم: بالجيش الجرار، وبالسيف البتار، والمنكي، والمسلول، وبالكاوي ، والتنكيل، يضاف إلى ذلك كله ما يقع عند الاستشهاد والرد من التدليس الخفي. في نحو بتر النص، أو الاختصار المخل له، أو الاقتضاب منه وقطعه عن سياقه ولحاقـه، أو استنطاقه بغير مراد صاحبه منه، أو نسبة الكلام والحكـم إلى مؤلف الكتاب، مع أنه إنما جاء به ليرد عليه بعد ذلك؛ ورحم الله الشعبي عندما قال: لو أصبت تسعا وتسعين وأخطأت واحدة لأخذوا الواحـدة وتركوا التسع  والتسعين؛ ولعل هـذا الصنع الذي نبه إليه الشعبي مـن أكبر الأخطاء التي تقـع مـن النقاد، عندما يتجاهلون محـاسن الكتاب وفوائده، ولا يعرجون عليها إطلاقا، أو يختزلونـها في جملـة أو عبارة؛ مركزين بعـد ذلك على تضخيم مسـاوئ الكتاب وأخطاء صاحبه، مع إعطائها أحيانا مـن الأهمية أكثر مـا تستحقـه، بحيث تصير في عين القارئ كالشجرة التي تخفي الغابـة كما يقال.
لذلك كان الأئمة المنصفون على بينة من هذا الأمر عندما يكتبون: طلبا لاستكمال عمل علمي أو تقويمه أو نقده؛ ويبدو ذلك مـن العنوان نفسه، في نحـو إطلاقهم «الفوات» و«الاستدراك» و« التعليـق» و« السرد» و«التنبيه» وما إليها من العناوين التي لا توحي بقدح أو ذم، ولا تعطي الحكم المعجل الذي يمكن أن يفهم بادئ الأمر قبل الفحص والتفصيل والبيان،  فهذا أبو عبيد البكري يبدأ كتابه (التنبيه) على أوهام أبي علي القالي في أماليه بقوله:                                                              
هذا كتاب نبهت فيه على أوهام أبي علي رحمه الله في أماليه تنبيه المنصف لا المتعسف، ولا المعاند... وأبو علي رحمه الله من الحفظ وسعـة العلم والنبل، ومن الثقة في الضبـط والنقل بالمحـل الذي لا يجهل... ولكن البشر غير معصومين مـن الزلل، ولا مبرئين مـن الوهم والخطل، والعالـم من عدت هفواته، وأحصيت سقطاته.
(كفى المرء نبلا أن تعد مَعَايِبَهُ)( 20)، هذا وقد ضرب لنا الأئمة الأعلام أمثلة من  الإنصاف في نقد الكتب، والوقوف في ذلك عند حد الاعتدال.
فهذا الإمام ابن تيمية رحمـه الله يقوِّمُ كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم رحمه الله فيقول: وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه مـن الملل والنحل، إنما يستحمـد بموافقة السنة والحديث، مثل ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء ونحـو ذلك بخلاف ما انفرد به في التفضيل بين الصحـابة، وكذلك ما ذكره في باب الصفات، فإنـه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث. لكونه يثبت الأحاديث الصحيحة، وبعظم السلف، وأئمة الحديث، ويقول: إنه موافق له ولهــم في  بعض ذلك، ولكن الأشعري أعظم موافقة للإمام أحمد ومن قبله من الأئمة في القرآن الكريم والصفات، وإن كان أبو محمد ابن حزم في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره، وأعلم بالحديث، وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره: لكن خالط مـن أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهـل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك، فوافق هؤلاء في اللفـظ وهؤلاء في المعنى، وبمثل هذا، صار يذمه من ذمـه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لا باطن له؛ كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق؛ كما نفى خرق العادات ونحوه من عبادات القلوب، مضمونـا إلى ما في كلامه من الوقيعـة في الأكابر... وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة ما لا يدافعه إلا مكابر...(21 )
وهذا الأمر الذي تنبه إليه من تقدم من الأئمة نجد نحـوه عند الحافظ الذهبي في تقويم (الإحياء)، للغزالي  فيقول وأما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصـوفية، نسأل الله علما نافعا...(22 ) ويزيد شيخه الأمر وضوحا بالموازنة بين (الإحياء) و(قوت القلوب)، بقوله: أما كتاب قوت القلوب وكتاب الإحياء تبع له فيما يذكره من أعمال القلوب، مثل: الصبر والشكر والحب والتوكل... وأبو طالب أعلم بالحديث والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسد، وأجود تحقيقا، وأبعد عن البدعة، مع أن في قوت القلوب أحاديث ضعيفة موضوعة وأشياء كثيرة مردودة.
وأما ما في الإحياء من الكـلام على المهلكات، مثل الكلام على الكبــر والعُجْب والرياء والحسد ونحو ذلك، فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في الرعاية؛ ومنه ما هو مقبول؛ ومنه ما هـو مردود، ومنه ما هو متنازع فيه.
ثم يقول والإحياء فيه فوائد كثيرة: لكن فيه مواد مذمومة؛ فإن فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوا للمسلمين ألبسه ثياب  المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه وقالوا: مرضه الشفاء يعني شفاء ابن سينا في الفلسفة؛ وفيه أحاديث، بل آثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام مشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يرد منه (23 ).
وقد صرح الحافظ الذهبي بعد ذلك بأن العالم إنما يمدح بكثرة ما له من الفضائل فلا تدفن المحاسن لورطة: لعله رجع عنها؛ وقد يغفر له في استفراغه الوسع في طلب الحـق، ولا حول ولا قوة إلا بالله ( 24).
وقال أحد الأئمة الأعلام مخاطبا ناقديه: فإذا تحققتم الخطأ بينتموه ؛ ولم تهدروا جميع المحاسن، لأجل مسألة أو مئة أو مائتين أخطأت فيهن؛ فإني لا أدعي العصمة.
أما المجال الذي زلق فيه الكثير، فهو مجال العقائد والمذاهب؛ وقد كان سبب الاختلاف في هذا المجال الخطير داعيا إلى صدور الطعون والاتهامات المجانية أحيانا بالتكفيـر أو البدعة، أو ما أشبه ذلك من الخبث أو الوصف بالجهمية أو الاعتزال أو الباطنية؛ اعتقادا من الكاتب أو المـؤرخ بأن من يصفه على ضلال ، فيقع لـه بسبب هـذا الاعتقاد تحامـل عليـه، أو تقصير في الثناء عليه، وغمـط حقه( 25) أو يكـون سبب  التحامل ظنا فاسدا، بأنه مـا دام مخالفا لاعتقـاده الذي يعتبر في نظـره هو الاعتقاد السليم، وغيره على ضـلال: معا أوجب  تكفير النـاس بعضهم لبعض، أو تبديعهم؛ وقد يكون الأمر مجـرد عصبية تحولت عند المؤرخ إلى اعتقاد ديني يتقرب به إلى الله تعالى: وكثيرا ما تسبب هـذا النوع من التعصب الخارج عن ضـوابط الشريعة في إهمال حقـوق الجوار والتجمـع واجتماع الكلمـة، حتى إن الأمر ليدعو إلى سقـوط هيئة المتعصبين، عنـد عامـة الشعب المسلم، وتناول السفهـاء لإعـراض المتعصبين ممـا يؤدي إلى خطر عظيم( 26).
وقـد صرح أحد الأئمة متحدثا عن معاصريه بأنك قَلَّ  أن ترى من الحنابلة إلا ويضع من الأشاعرة؛ وهذا شيخنا الذهبي كان سيد زمانه من الحفظ مع الورع والتقوى، مع ذلك يعمد إلى أئمة الإسلام من الأشاعرة، فيظهر عليه من التعصب عليهم ما ينفر القلوب، وإلى طائفة من المجسمة، فيظهر عليه من نصرته ما يوجب سوء الظن به، وما كان والله إلا تقيا نقيا، ولكن حملـه التعصب واعتقاده أن مخالفيه على خطأ. ثم يقول بعد ذلك وقلَّ أن ترى أشعريا من الشافعية والحنفية والمالكية إلا ويبالغ في الطعن على هؤلاء ويصرح بتكفيرهم؛ ثم يدعو في لهجة من الاستنكار إلى  الاعتقـاد بالأئمة المعتبرة في عدم التعصب كالشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والأشعري.
وهذا الذي حدث في التاريخ الإسلامي ما كان له أن يحدث لو اقتدى المسلمون بسلوك السلف الصالح، والأئمة المعتبرة، وانتبهوا إلى خطر الوقوع في التعصب فهـا هم المحدثون ورجال الجرح والتعديل كانوا يقولون في الرجل يؤخـذ بحديثه:«لنا صدقـه وعليه بدعته» ( 27).
ويصرح الطبري بأنه: لو كان كل من ادُّعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادُّعي به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يُرغَبُ به عنه( 28).
وهذا الإمام البخاري رحمه الله. يذكر عنه أنه ضمن كتابه الصحيح 69 رجلا رُمـُوا بطعن في الاعتقاد، كما يشتمل الصحيحان على نيف وسبعين رجلا، اتهموا ببدع مختلفة، ويصرح ابن حجر رحمه الله، بأن المعتمد أن الذي تردُّ روايتُهُ، من أنكر أمرا متواترا مـن الشرع،  معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأمـا من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك، ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله( 29).
وها هو الإمام ابن تيمية رحمه الله عندما تحدث عن أحد رواة صحيح البخاري يقول: أبو ذر (الهروي) فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة، وانتصابه لرواية البخاري... وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به، وكان قد قـدم إلى بغداد مـن هـراة، فأخذ طريقة ابن الباقلاني إلى الحرم، فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم... وأهل المغرب كانوا يحجون فيجتمعون به، ويأخذون عنه الحديث ، وهذه الطريقة فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق كما رحل أبـو الوليد الباجي، فأخذ طريقة أبي جعفر السنماني الحنفي، وهـو جهمي؛ ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي، فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد. ثم إنه ما مـن هؤلاء إلا وله في الإسلام قدم مشكورة، ومنَّات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الأهواء  والبـدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف(30 ).
ثم يوضح السبب  في التحامـل على هؤلاء الفضلاء تارة والتعصب أخـرى. بقوله: لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء من المعتزلة، وهم فضـلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بذلك مـن الأقوال ما أنكره المسلمون مـن أهل العلـم والدين، وصـار  الناس بسب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل؛ ومنهم مـن يذمهم لما وقـع في كلامهم من البدع والباطل؛ وخير الأمور أوسطها( 31).
هذا، وقد اعترف كبار الأئمة بفضائل  المبتدعة، وأن كثيرا منهم من رافضة وجهمية وغيرهم ذهبوا إلى بلاد الكفار، وأسلم على أيديهم خلق كثير؛ وانتفعوا بذلك؛ وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا: ومثل ذلك مثل بعض الملوك، قد يغزو غزوا يظلم فيه من المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك؛ ومع ذلك فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين، وهو شر بالنسبة إلى القائم بالواجب، وخير بالنسبة إلى الكفار الذين أسلموا، كما أن أكثر  المتكلمين يردون باطلا بباطل، وبدعة ببدعة، ولكن قد يردون باطل الكفار من المشركين، وأهل  الكتاب بباطل المسلمين، فيصير الكافر بذلك مسلما مبتدعا، وأخص من ذلك من يرد البدع الظاهرة، كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها، وهي بدعة أهل السنة( 32).
ويصرح الإمام ابن القيم بعـد ذلك، بأن كل طائفة معها حـق وباطل، فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق، وردُّ ما قالوه من الباطل؛ ومـن فتح الله له هذه الطريق فقد فتح له مـن العلم والدين كل باب، ويسر عليه فيهما الأسباب(33 ).

 1 ) البداية والنهاية 9/100.
  2) البداية والنهاية 9/275.
 3 ) الإعلان بالتوبيخ (السخاوي) 124.
  4) معبد النعم 15.
  5) الإعلان 133.
  6) الإعلان/ 125.
 7 ) الإعلان/109.
  8) الإعلان/ 101
  9) سير أعلام النبلاء 20/202.
  10) الإعلان 110/111.
  11) الإعلان/124.
  12) الإعلان/126.
  13)  الإعلان/ 12.
  14) الإعلان / 130.
  15) سعيد النعم/ 61.
  16) الضوء اللامع /123.
  17) سير أعلام النبلاء 19/346.
  18) بشار عواد معروف: (الذهبي1401).
  19) الإعلان/93.
  20) التنبيه،17.
  21) نفض المنطق، 17-18.
  22) سير أعلم النبلاء /19 ـ 24.
  23) الفتاوي الكبر: 2/194.
  24) سير أعلام النبلاء، 16/285.
  25) سعيد النعم/ 61.
  26) سعيد النعم/64.
  27) ميزان الاعتدال، 1/5.
  28) هدي الساري المقدمة/245.
  29) شرح نخبة الفكر.
  30) در تعارض العقل والنقل 2/101ـ 103.
  31) المصدر السابق نفسه.
  32) الفرقان بين الحق والباطل /63 ـ 64.
  33) طريق الهجرتين/127.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here