islamaumaroc

الفقه الحضاري في ظل الإسلام

  علي آيت علي

العدد 287 جمادى 1-جمادى 2-رجب 1412/ يناير فبراير 1992

إن معشر العلماء وجهابذة الفكر، وفرسان الكلمة النظيفة, مطوقون بمسؤولية التعريف بمبادئ الشريعة الإسلامية ومواقفها تجاه كـل القضايا التي أهمت وتهم البشرية ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وأحسن من يناضل عنها، لا بالمشاعر والعواطف، بل بالحجـة والدليل على كونهـا صالحة لكـل زمان ومكان, وقادرة على أن تستجيب متطلبات كل عصر، وتحل المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع البشري بسبب بعده عن وحي السماء، وارتمائه بين أحضـان الحضارة الوضعية.
إننا نلمـس في مجتمعاتنـا يقظة إسلامية وصحـوة متقدمة، وعودة مبـاركة إلى الأصول، بالرغم من كون العالم الإسلامي اليوم ـ وهو المفروض أن يكون مجتمع توحيد و أصالـة ويقين ـ يعيش مرحلة انفصام بين شريعته السمحـة وواقعه المعيش، ويكابد قـوة الصراع الرهيب، والهجمة الشرسة بين عقيدة الأهـواء وعقيدة التوحيد الخالص، بين حضـارة مادية صرفة، وبين حضـارة أساسها: لا اله إلا الله محمد رسول الله.
والغريب كل الغرابة ـ في رأيي ـ أن يكون من أبناء امـة القرآن اليوم من هم شديدو الإعجاب بحضـارة الغرب، مفتونون ببريقها الأخـاذ، يستجدون أفكارهـا ويلتمسون مقاييسها، ويرتمون في عالمها الموبـوء على مستوى الجنس والإباحية، جاهلين أو متجـاهلين أن تربـة تلك الحضـارة غير صالحـة لنمو شجرة الإسلام الزكية وتعاهدها، وغير متصلة من قريب أو بعيد بتاريخ أمـتنا وفقهها الحضاري، ورحم الله الشاعر الأندلسي إذ قال:
         لمثل هــذا فليبك القلب من كمـد   *   إن كـان في القلب إسـلام وإيمـان
فإذا قـدر لك أن تحاور أبناءنا ـ نحن المسلمين ـ عـن حقيقة الدين الخاتم، فإنك واجد ـ لا محالة ـ أنهم لا يرون فيه إلا كـونه دين طقوس جامدة، ولا يدركون من نصوصه إلا أنه دين تواكل وانحطاط وجمود، وإعراض عن زينة الحياة الدنيا، مأسورين في ذلك بأفكار استشراقية جـاهزة، إنها مأساة أليمة، هذه التي تحيى في خضمها أمـة الإسـلام:  مأساة الاستعمار الفكري، والاستعـلاء المقيت، والاستلاب القاتل، تعيش آثارها ورواسبها، وتكتوي بذيولها ومخلفاتها، وما أدرك هـؤلاء الأبناء أن هذا الدين من مبادئه الأساسية التوفيق بين الدين والدنيا، بين المادة والروح،  بين التقنية والأخـلاق رعيا لطبيعة هذا الإنسان المتكونة مـن عنصرين أساسيين:  أولهما: المادة، وثانيهما: الـروح، وبمعنى آخـر، فان رسـالة الإسـلام إلى هـذا العالم رسالة جامعة بين المعايير الروحية، والمقاييس المادية، وعلى المسلمين أن يدركـوا هـذه الحقيقة إدراكا عميقا، وفهمـا دقيقا، حتى يضطلعوا بحمـل عبء هـذه الرسـالة الحضـارية الكبرى، خدمة لبني البشر على مسـتوى العقيدة والعبـادة والمعاملـة والأخـلاق والسلوك، وتحقيقا لخلافة الله في الأرض.
وبديهي، أن العقل السليم مـن العناصر الأساسية لتحقيق كل تقدم، ولبلورة إنسانية هـذا الكائن المفضل على كثير ممن خلق الله جل جلالـه تفضيلا، وحتى تكون الحضارة أصيلة وصالحة لكل زمان ومكان، لا بد لـها من هاتين العمدتين.
لذا نتساءل عـن موقف الفكر الإسلامي من التطور الحضاري، انطلاقا من قول الله عز وجل في أول آية من كتاب الله، الفاتحة لعهد جديد مـن المسيرة الطويلة لتاريخ الأديان السماوية، وهي قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق).( 01) هذه الآية الأولى جعلت المسيرة الحضارية لأمة القرآن تتحرك ببواعث إيمانية، وثوابت مكينة، تفـوق حسابات المتربصين.
وأعتقـد أن هناك سؤالا يطرح بإلحـاح هو: عـن موقف الإسلام من نظـرة الإنسان إلى هذا الوجـود، وتجـاه التطور العلمي والحضـاري، وهـو سؤال طويل وعريض حـاول العديد من الباحثين الإجـابة عنه في على أن تكون هذه الكلمة مستوعبة الإجابة عنه، ولكنها ـ على الأقل ـ ستكون بمثابة وضع نقاط على الحروف.
وبالنظر إلى طبيعة الشريعة الإسلامية، فإننا نجد أن جانبها العملي يتعلق بما يربط الإنسان بأخيه الإنسان من صلات، كشأن القانون الوضعي، وفي نفس الوقت، تتعلق بما للإنسان من روابط بينه وبين نفس، وبينه وبين عناصر هذه الحياة غير الإنسانية، وفوق هذا وذاك، ما بينه وبين رب كل شيء سبحانه وتعالى.
ومن هذا الملحظ، نرى أن الشريعة الإسلامية ترتكز على العقيدة الصافية، وتتمحور مبادئها كلها حولهـا، فهي الأساس، وهي المنطلق، ولا يمكـن لهذه المبادئ أن تتقرر إلا مبنية على مقتضى تلك العقيدة، فبهـا وحدهـا يعرف الإنسان حقيقة نفسه، وغاية وجوده ومصيره، فقـد أكد دارسوا الرسالات السماوية السابقة أن تلك الأديان، إنما جـاءت لتعرف الإنسان حقيقة وجـوده، بينما الإسلام جاء ليكشف الغموض الذي بقي مـن تلك الأديان، أو الذي علق بها مما يرجـع لحقيقة، الإنسان الخليفـة ولحقيقـة معنى الإنسانية.
ومـن هـذا المنظور، نرى أن المقصد العام للشريعة الإسلامية إنما هو تحقيق خلافة الله في الأرض،  بعمارتها، وحفظ نظام التعايش عليها، وقيام المستخلفين فيهـا بما أمـروا به من استقامة وعدل، وصلاح في العقـل والعمل، وإصـلاح في الأرض واستغلال لخيراتها منفعة للجميع، وبديهي أن أساس تعمير الأرض هو العقل، بل جعله الإسلام منـاط التكليف.
لذا نجد القرآن العظيم يقرر قاعدة حتمية لتنشيط بوادر الفكر الإنساني لعمـلية استكشاف هذا الكون، ونوه في العديـد من الآيات الكريمات بأهمية العقل ودوره في صراعه الوجودي الشامـل، قال عز وجل: (الذي جعل لكم الأرض مهادا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون، والذي نزل مـن السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا، كذلك تخرجـون، والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكـم من الفلك والأنام ما تركبون، لتستووا على ظهـوره ثم تـذكروا نعمة ربكـم إذا استويتم عليه، وتقولوا سبحان الله الذي سخـر لنا هذا وما كنا له مقرنين).( 02)
مـن خلال هذه الآيات نتبين النظـرة الكونية التي يضعها القرآن أمامنا في أسلـوب معجز، وهي تضع لنا ضرورة دراسـة علم الفيزياء والكيمياء والطب والأحيـاء داخل المنطوق الطبيعي لهـا، وهذا يعني أن على المسلم دورا أساسيا وحيـويا توجبه عليه إرادة الحـق سبحانه وتعالى، لأداء الأمانـة الكبرى المعروضة على السماوات والأرض والجبال، فأبيـن أن يحملنها، وأشفقـن منها، وحملهـا الإنسان.
وللقرآن موقف بَيِّنٌ في الحث على التفكير فيما خلـق الله في ملكوت السماوات و الأرض وغيرها، يوضح مكانة العقل والعـلم في شريعة الإسلام، وهمـا أساس كل تقدم حضاري في المجتمع البشري، لكون العقل آلة التفكير والتأمـل والتدبـر، أما العلم فعصـارة ذلك التفكير، ونتيجة ذلك التأمل والتدبر، وبناء عليه، فكـل النصوص الواردة في كتاب الله حاثة على تلك العقلنـة، هي تنويه بفضل العقل وأهميته، وإيحاء بالعمل على تعهده بالتقـوية والتربية والعقل حتى يحرر صاحبه مـن ربقـة التقليد و الأوهام والأساطير، وتزول عنه غشـاوة الأهـل والتبعية العمياء، وبالعـودة إلى منهـج رسول الله (صلعم) نجد أنه لم يقدم للبشرية ـ على صـدق دعوته وعالميـة رسالتـه ـ إلا ما كـان مبنيا على العقل والنظر والتدبر والتأمل، فعسى أن تعي أمة القرآن هـذه الحقيقة، حتى يشعـر كل مسلم «بأنه قوة فاعلة إيجابية واقعية، وأن تصوراته للعقيدة مهما تكـن سليمة، وأن مشاعـره مهما تكن نبيلة، لا قيمة لها ما لم تفرغ في حركة مستمرة، وجهاد متواصل ونضال دؤوب».( 03)
في دعوة الإسلام، حث القرآن أمـة محمد (صلعم)  على استخدام ما ميز الله به هذا الإنسان الخليفة، من قدرات عقلية، وطاقات فكرية عنـد الاستدلال، وإيراد الحجة والبرهان، وعند تقرير الآيـات العقلية على حقائق الكـون والحياة فقال عز من قائل:(الذي جعل لكم الأرض مهادا وسلك لكم فيها سبلا، وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى، كلوا وارعوا أنعامكم، إن في ذلك لآيات لأولي النهى).( 04) وقال تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار).( 05) (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).( 06)  حيث إن التقليد تنقيص لقيمة العقـل وإخـلال بوظيفته، ومضـاد لقانون التطـور والارتقاء في هـذه الدنيا، فإن القرآن دعـا إلى نبـذه وذمـه في كثير مـن الآيات، وندد بجري الخلف وراء السلـف دون تبصر ونظـر واستـدلال، وكأنهم يرون أن السبق الزمني يخلـع على آراء السابقين ـ بخصوص أفهامهم في النصـوص ـ قداسـة الحق، وقـوة الحجة، فالتـزموها وتقيدوا بها، وسلبـوا أنفسهم خاصية الإنسان، خاصية البحث والنظر، وفي هـذا الشأن يقول تعالى: (وإذا قيل لهـم اتبعوا ما أنـزل الله قالوا بل نتبـع ما ألفينـا عليه آباءنا، أو لـو كان آباؤهـم لا يعقلون شيئا ولا يهتـدون).(07 ) فالمسلمون اليوم ـ وهم في قائمة العالم المتخلف ـ إنما وصلوا إلى ما هـم فيه من بؤس وتخلف، وجهل وشقاء، بسبب مـن تقليد أعمى، وجهل مطبق، بعـد أن كانوا سادة العلم والفكر والثقافة أمدا طويلا في مختلف المجالات، لكن الخلف توقف عـن متابعة الاجتهاد السليم، والفهـم الصحيح، للقصد الأصيل من تعاليم الإســلام.
وعليه فإن تخلف العالـم الإسلامي إنما يرجع إلى المسلمين أنفسهـم لا إلى طبيعة الدين، ولن يتغير حالهم إلا بتغيير ما بهم، تطبيقا لدستـور الحق سبحانه وتعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).(08 ) لقد بلغ القرآن مـدى أعمق وأبلغ في النعي على التقلـيد حين شبه مــن عطل طاقاته الفكرية، وقدراته العقلية، بالأنعام، بـل هم أقل درجة منها.
ففي معرض توضيح حقيقة كفار قريش وموقفهم حيال رسالـة الإسلام، يقول تعالى: ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلا).(09 ) فالجمود مسـخ لإنسانية الإنسان، وتعطيل لنعمـة العقل الذي هو مناط التكليف، وعليه تتوقف دواليب كل حركة وتقـدم وحياة متجـددة.
يقول المرحوم د. صبحي الصالح:
« فالجمـود على آراء المتقدمين، وعلى حظهم في العلـم والمعرفة، وأسلوبهم في البحث والنظر، جناية على الفطرة البشرية، وسلب لمزية عقلها، وإهدار لحجة الله على عباده وعليه، فإن مجرد الإقرار بعملية النظرة الدينية إلى حقائـق الكون والحياة، ينفي نفيا قاطعا ذلك التعارض المتوهم بين الدين والمجتمع العصـري، وأن هذا الكائن البشري الممتاز هو محور هذا الكون.( 10) وقد ذهب مؤلف غربي صليبي حانق( 11) في كتابه: «الشبـح في الآلة» إلى أن الدين يشجع على الجمـود و التخلف والبلادة، ولمح في هـذا الكتاب إلى أن الإنسان الشرقي، وإن زود بأحدث الأجهزة والآلات عاجـز عن استعمالها، وهو أشد عجزا عـن اختراعها لوقوعه تحت سيطرة الدين الذي يغريه بالبلادة والتخلف و الجمود،و ينفره من كل تغيير جديد.( 12) هذا المنطق الحانق بعيـد عن منهج البحث العلمي، والمناظـرة المبنية على الأصول، لكونه اعتمد على واقع المسلمين لا على كتاب الإسـلام، فعـادة حين يذكر الدين في الشـرق «يفترض أن يشمل جميع الأديـان، ولا سيما السماوية، إذ كانت هـذه البقعـة مـن العالم مهبط الوحي مستقر الرسالات، ولكن الغربيين لا يذكرون الدين في الشرق إلا ويقصدون بـه الإسلام، وخاصة في معـرض الانتقاد والاتهام، ولو عرفوا أبسط البديهيات عـن القيم الإسلامية لأقروا بأنها وحدها مـن بين القيـم الروحية، تمتاز بالواقعية الإيجابية في مواجهتها للقيم العلمية والتكنولوجية، ولإنجازاتها العلمية...».
 وإبرازا لقيمة العلم ومكانته في الإسـلام، فقد كان أول ما نزل مـن القرآن هي هذه الآيات الخمس:( إقرأ بسم ربك الذي خلـق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم).
فالعلم المقصود من هـذه الآيات ليس محصورا في التفقه بأحكام الدين وقوانين الشريعة، بل هو عام في ذلك وغيره من المعـرفة المطلقة بالكون والحياة في أوسع معانيها.
قال تعالى: (وقل ربي زدني عِلْما)،( 13) وتنكير لفظـة «علما» يوحي بالاستغـراق والشمول، وبكونه قابلا لكـل تقدم وزيادة وتغيير وتطوير في كل زمـان ومكان إلى ما فيه نفع الإنسان وصلاحه، بمعنى أن مسيرته لا تعرف التوقف حتى تقتحم كل مجهـول لتعمير الأرض، وتحقيق مقتضى الخـلافة المؤمنة العاملة، وبنـاء على ما سلف، فإن مـا يُرْمى به الإسـلام مـن كونـه يغـري على البلادة والتخلف والجمود لا ينطبق على دين حجته القرآن، وبيانه سنة خير البشر عليه الصلاة والسلام.
نعم، الإسلام يشيد بمزية العلم الشامل، وينوه به، ويحـث على طلبه، لكنه يرفض كل تقدم علمي وحضاري لا يرتبط بالإيمان الحق، لأنـه والحالة هذه، لن يزيد البشرية إلا مزيدا من المآسي، ولا تجني منه إلا الدمـار الشامل.
لذا، فالإسلام يتحدى كل القيم العلمية التي ستحقق وجودهـا على حسـاب القيم الإنسانية: كحرب النجوم، والأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية...إلخ
والمسلمون سادوا الدنيا، وسادت بهم الشعوب والأمم يوم أن تربوا في ظل ما قرره الإسلام، ودعا إليه، حيث بحثوا وتعَقَّلـوا، وطلبوا الدليل، وأنكروا التقليد وطرقه، ثم لأمـر ما فترت أدمغتهم ومرضت، وأصيبت بحمَّى التقليد فجهلـوا أنفسهم ورسالتهم في الحياة، وموقعهـم في هذا الكون، فاتخذهم العدو حجة على دين الله وشرعه، من غير أن يميز بين الدين وبين المتدينين، فأقاموا بحوثهـم على واقع المسلمين، ولم يبنوا دراساتهم على أصول الإسلام، فكانت النتيجة خاطئة تبعا للمقدمات، ولـو درس الغرب الإسلام من مصادره لوجد أن الإسلام قد جعل العلم قيمة أساسيـة كبرى يتفاضـل فيها الناس كما يتفاضلون بالتقوى: (قل هل يستوي الدين يعلمون والدين لا يعلمون). «فالعـلم الحق هـو المعرفة، هـو إدراك الحق، هو تفتح البصيرة، هو الاتصال بالحقائق الثابتة في هـذا الوجود، وليس العلم هو المعلومات المفردة التي تزحم الذهن، و لا تؤدي إلى حقائـق الكون الكبرى، ولا تمتـد وراء الظاهر المحسوس».( 14)
وبخصوص المنطق التربوي للعلـوم المادية، فـإن هناك نظرتين متباينتين: أولاهمـا خاضعة للمنظور الغـربي، هدفها التكوين المحض لنفس الإنسان وفكـره دون ما سـواه، وهي تسعى إلى الاحتـواء الشامل لعالـم الإسلام، وإخضاعه لنفوذه واستغلاله كنتيجة حتمية لتلك التربية الاستعمارية. وهذا المنظور يتحداه الإسلام من خلال منظوره لتلك العلوم، ذلك أنه انطلاقا مـن مبدأ التوحيد، يشحن النفس البشرية بـزخم من القوة الروحية، فيكون الدافع أقـوى وأشد تفاعلا مع النفس، وأقدر على التحدي والمواجهة. (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَت، وإلى السماء كيف رُفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سُطحت).( 15)               
بهذا التوجيه الإسلامي، نرى أن المنظور التربوي لحضارة القرآن يتيح للمسلم القدرة الفعالة لاستيعاب المعرفة الكونية، وإعادة اكتشافها داخـل منظور حيوي زاخـم، بالرغم مـن جهود الغرب في التعتيم على الفكر الإسلامي في خضـم الصراع الحضاري المعيش.( 16) وإذا كان المسلمون اليوم يعيشون تخلفا حضاريا في مختلف المجالات، فإنمـا لبعدهم عن منهج الشريعة في خدمة الإنسان، وتنميته على مستـوى العقل والفكر والحضارة، فالإسلام يريد مـن هذه الأمة أن تتخلص من كل أثر من آثار الهزيمة الداخلية في النفوس، حتى تظل قادرة بذاتها على حل مشاكلها كلها، والاستغنـاء عن استجداء أسلوب الغير ومناهجـه ونظرياته، والاكتفاء بمنهجها الخالص: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).(17 )
ولقد نعى الـرسول القدوة ـ عليه الصلاة والسلام ـ على الأمـة المقلدة المنهارة الشعور تطلعها للمحاكاة والتقليب والإتباع حتى في قبيح الأعمال، وسيء الأفعـال، فقال عليه السلام: «لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسَنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكـن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تُحْسِنُوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا».( 18)
وهكذا يبين الرسول عليه الصـلاة والسلام أن المنطلق الصحيح للأمـة هو بناء الذات أولا، فلن تستطيع أن تعيد أمجادها، وتفـرض ثقلها على الميزان الـدولي، وتخرج مـن بؤرة التخلف إلا بإعادة الصياغـة الإسلامية لعقلية المسلم ونفسيته على منهـج الكتاب والسنة بعـد أن تمكن الاستعمار من احتواء فكره، وإبعاده عـن الإشعاع الحضاري لأمة القرآن عبر تاريخها الطويل المجيد: « فيوم نـرى المهندس المسلم والفلكي المسلـم والطبيب المسلـم والجيولوجي المسلم عنـد ذلك نعلن على المنبر الـدولي أننا قد انتصـرنا، وأن لنا قوة لا تقهـر، ورصيدا حضاريا لاستعادة قدرتنا على التجديد والتفـوق والإبـداع لصالح الإنسانية كلها».(19 )
لقد تمكن كثير من الشعوب تحويل ما أتيح لها من معطيات حضارية إلى عملية هضم واستيعاب، كاليابان التي استطاعت أن تحـول مجتمعها من شعب مستهلك إلى شعب منتـج مبدع، أغنى لحضارة المادية المعاصـرة بعطاءاته إبداعاته، وتضع القيم الملائمة لاستقلالها الذاتي وشخصيتها المتميزة، وبـذلك غدت معامل الغرب تشكـوا التنافس القوي من جانب دول كانت بالأمس القريب عالـة على اقتصاد الغرب وتقنياته، والغريب أن نرى أمة الإسلام في لائحـة الدول المتخلفة مع أن دينها الحنيف في جوهره يطبع دائما المجتمع بتغيير دائم نحـو الأرقى والأفضل، فهو لم يكن غيبا كلـه، بل فيه مجال أرحب للعلم وللتجربة، وفيه تنظيم بديع للحياة في مياديـن السياسة والاقتصاد والاجتماع.( 20)
فلا عجب أن نرى القـرآن زاخر بنداءات منبثقة مـن فعل القراءة، والتفكير، والتعقل ، والتدبر، والتفقه، والتعلم، ولم تضعف نبراتها لا في القـرآن المكي ولا المـدني: اقرأ، تفكر، اعقل، تدبر، تبصر، تفقه، انظر، اعلم...بحيث وجـد العقل المسلم نفسه ملزما ـ بمنطلق إيمانه ـ بأن يتحول، ويتشكل من جديد، لكي يتلاءم مع التوجـه المعرفي الذي هو قيمة كـبرى وأساسية في جوهر الإسلام، وليس صدفة أن تكون كلمة «اقرأ» هي أول كلمـة من رب كريم إلى رسولـه الحبيب عليه السلام، ولا أن تتكرر مرتين في ثلاث آيات، ولا أن تـرد كلمة «علم» مرات ثلاث في آيتين، ولا أن يـذكر «القلم» بالحرف، وهو أداة كل حضارة ومعرفة، وذلك كلـه في أول ما نزل في القرآن: ( اقرأ بسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم).( 21)
من خلال ما تقدم، نرى أن الفقـه الحضـاري في ظل الشريعة الإسلاميـة ذو صفـة تميزه، ومنظور اعتباري شامل مختلـف مجالات الحياة الكريمة على مستـوى القلب والعقـل والعلم والاقتصاد والثقافة والمجتمع، وعسى أن تكـون عقلية المسلـم قـد استيقظت ووعت دورهـا الريادي في هـذا العالم، وأن خروجها مـن دائرة التبعية والتخلف إلى دائرة التقدم الإنساني، والتخلص مـن نفوذ الفكر الغربي في كافـة الميادين، لن يتم إلا عـن طريق العلـم الواعي، إذ عليه انبنت عزة الأسلاف، وعزة الناس من حولهم، ولذلك فقـد أكد أمير المؤمنين جلالة الملك الحسـن الثاني نصـره الله أهمية هـذا الجانب في الرسالة الملكية التي خاطب بها جلالتـه شعبه الوفي وخاطب بها أمـة القرآن بمناسبة طلعة القرن الخامس عشر الهجري إذ قال جلالته: «... وهو دين يعتبر كل عمل صالح وسعـي نافع، نوعا ممتازا من العبادة، ما دام الهـدف من نفس العمل خدمة الفرد والجماعة، وتبادل الإفـادة والاستفادة، وهو دين يحض على النظر في ملك الله وملكوته الواسع الأكنـاف، ويدعو إلى التدبر في آياته المبثوثة في الكـون الشاسع الأطراف تجديدا لفيض الإيمان وتعريفـا بأسرار الكون المسخر لمنفعة الإنسان».
قال تعالى: ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).( 22)
والله تعـالى أعلـم.

 01 ) سورة  العلق 1 
 02) سورة الزخرف 10ـ13 3
 03 ) د.صبحي الصالح, «معالم الشريعة الإسلامية» 249/250, ط/دار العلم للملايين 1982, انظر من توجيهات الإسلام /
    شلتوت.140.
 04)  سورة طه: 53 ـ 54( 
05) سورة  الحشر:  2 
06) سورة  البقرة: 111 
07) من توجيهات الإسلام: 142. الآية 170 من سورة البقرة, «معالم الشريعة» 153. 
08)  سورة الرعد: 11 
09) سورة الفرقان 43 - 44 
10) معالم الشريعة الإسلامية 
11) هو: آرثر كيستلر. ( 
12) معالم الشريعة 161-162( 
13) سورة الزمر، 9 
14)  سيد قطب: في ظلال القرآن مج 5/3042, ط/دار الشروق/بيروت, 1402 ـ 1982 
15)  سورة الغاشية, 17-20. 
16) أنظر مجلة الإيمان ع62 ـ س6/ أكتوبر /1985 مقال للأستاذ حسني محمود جاد كريم ص: 28  
17)  سورة المائدة, 48 
18) جامع الترمذي: 3/246. وانظر: «معالم الشريعة الإسلامية» ص: 119 
19) الأمة: ع 62     / س6/ ص: 28. 
20) أنظر معالم الشريعة الإسلامية: 179/180 
21)   سورة العلق: 1ـ5. أنظر: موضوعا قيما حول (إعادة تشكيل العقل المسلم), للدكتور عماد الدين خليل. مجلة الأمة. العدد المتقدم: 41, 43 
22) سورة الجاثية: 13 
                                           


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here