islamaumaroc

محمد عبده الكاتب

  دعوة الحق

32 العدد

" إنما ينهض بالشرق مستبد عادل، مستبد يكره المتناكرين على التعارف ويلجئ الأهل إلى التراحم ويقهر الجيران على التناصف، يحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة أن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة، عادل لا يخطو خطوة إلا ونظرته الأولى إلى شعبة الذي يحكمه فان عرض خط لنفسه فليقع دائما تحت النظرة الثانية فهو لهم أكثر مما هو لنفسه، يكفي لا بلاغهم غاية لا يسقطون بعدها خمس عشرة سنة وهي سن مولود يبلغ الحلم يولد فيها المفكر الصالح وينمو تحت رعاية الوالي الصالح ويشتد حتى يصرع من يصرعه، خمس عشرة سنة يثني فيها أعناق الكبار إلى ما هو خير لهم ولا عقابهم ويعالج ما اعتل من طباعهم بأنجع أنواع العلاج ومنها البتر والكي إذا اقتضت الحال، وينشئ فيها نفوس الصغار على ما وجه العزيمة نحوه ويسدد نياتهم بالتثقيف وهل يعدم الشرق كله مستبدا عادلا في قومه يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشر سنة مالا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنا" 
هذا هو أسلوب تفكير محمد عبده وهو أسلوب منظم يدل التعمق في فهم نفسيات الشعوب وتطور الحياة الاجتماعية وولادة النهضات وشيخوختها.
وقد بدأ محمد عبده حياته الفكرية(مصاحفا) يكتب في الاهرام 12 أغسطس1876 ثم راس تحرير الوقائع المصرية وحرر العروة الوثقى وغيرها من الصحف المعاصرة.
وفي أول مقام له إلى الأهرام تتبين مقدرة الكاتب الشاب وهو مقال – كما يقول الدكتور إبراهيم عبده- يدل على علم أصيل ويعطي صورة بديعة عن قدرة بعض أدباء العصر على التعبير في سجع مطبوع.
و مقالات الشيخ محمد عبده في الأهرام كان معظمها تلخيصا لمحاضرات السيد جمال الدين الأفغاني وكانت تشغل مساحات كبيرة من إعداد متصلة (من 2سبتمبر1876/ 11مايو1877) وهو بذلك أول من كتب ملخصات للمحاضرات في الصحف.
ثم اختير مشرفا على تحرير الوقائع عام 1879 فنشر فيها مقالات ممتازة واستكتب فيها جيلا جديدا من شباب الكتاب من بينهم عبد الكريم سليمان وسعد زغلول وإبراهيم الهلبادي.
وقد اتجه في تحرير الوقائع إلى المسائل الاجتماعية وقد عرف أسلوبه بالبساطة والهدوء والتحليل دون مبالغة أو اندفاع مما يمكن أن يوصف بأنه من الأدب الواقعي.
وفي خلال توليه منصب مدير المطبوعات  كان يتشدد مع محرري الصحف في ضرورة النهوض بالتحرير حتى أنه انذر مدير جريدة شهيرة بتعطيلها إذا لم يتخير لها محررا صحيح العبارة في حد عينها.
وقد نشر في الوقائع بضعة وثلاثين مقالا تناول فيها أحوال البلاد، ودعا إلى الترقي وإقامة النهضة على أسس ثابتة.
وفي عام 1884 أصدر مع أستاذه جمال الدين الأفغاني في باريس جريدة (العروة الوثقى) حيث صدر العدد الأول منها في 12 مارس 1884 فانزعجت لصدورها بريطانيا ومنعتها من دخول الهند ومصر، ولم تستطع الجريدة أن تصدر أكثر من ثمانية شهور، صدر آخر أعدادها في 18 أكتوبر 1884 فلما عاد محمد عبده إلى سوريا بدأ مشروعا قوامه التأليف والبحث فشرح نهج البلاغة ومقامات بديع الزمان وأملى رسالة التوحيد فلما عاد إلى مصر كتب فصولا في الرد على مقال جبرائيل هانوتو وزير الخارجية الفرنسية( وجها لوجه مع الإسلام والمسألة الإسلامية) كما رد على (فرح أنطوان) محرر مجلة الجامعة ردا مفحما لاذعا.
وعمد محمد عبده إلى ترجمة رسالة أستاذه جمال الدين الأفغاني من الفارسية إلى العربية " الرد على الدهريين" وهكذا ملأ محمد عبده حياته بالعمل الأدبي والفكري فكان ذلك جانبا من إبراز جوانبه المتعددة كمفت للديار المصرية وقاض أهلي ومستشار في محكمة الاستيناف وعضو في مجلس الأزهر.
ولاشك ان رعاية محمد عبده لمجلة المنار في أيامه الأخيرة ونشر أرائه بها على لسان السيد رشيد رضا هو جزء من الخطة المجيدة له كرجل صحفي وكاتب اتصل بالصحافة والفكر ثلاثين عاما كاملا.
ولاغرو أن يتجه محمد عبده هذا الاتجاه فقد كانت الكتابة والصحافة هي وسيلة المصلح والداعية والمفكر في أداء رسالته فإذا عرف أن الشيخ محمد عبده قال في مطالع حياته( إنما خلقت لكي أكون معلما) عرفنا انه انتقل من التعليم في الفصول وبين مقاعد الدرس، إلى التعليم على نطاق الأمة كلها عن طريق  الصحيفة والكتاب.
وتبدو صورة محمد عبده كرجل يكره التقليد في أسلوبه الذي كتب به في الأهرام لأول مرة، وفي نوع محاضراته التي بدأ بها عمله في دار العلوم، حيث تحدث عن (مقدمة ابن خلدون) وتوسع في الحديث عن نهوض الأمم وسقوطها وأصول الحضارة والعمران البشري والاجتماع الإنساني.
وقد بدأ محمد عبده اتجاهه الأدبي والصحفي بالدعوة إلى الإصلاح و التعليم، ولم يكن في صميم عقيدته يرضي عن وسائل الثورة والتهييج والأسلوب العاطفي في تحقيق رسالته، وهو أن أكن قد جرى مع أستاذه جمال شوطا في هذا الاتجاه إلا أنه لم يلبث أن عاد إلى فطرته فاعلن مذهبه واضحا: الإيمان بالتربية والعكوف على إعداد أفراد على أهداف واضحة مكان هادئ بعيد.
وربما كانت لقراءته وتجاربه وأسفاره الى أوربا ولقائه لعدد من علمائها وساستها أثر واضح في تكييف هذا الرأي، ولاشك ان الشيخ محمدا عبده قد جبل على الاتجاه العقلي والاجتهاد ووضع ذلك منذ أن رجع مذهب (المعتزلة) في الأزهر فنال غضب أساتذته وقال له الشيخ عليش يحاوره: بلغني أنك رجحت مذهب المعتزلة على مذهب الاشعرية.فانبرى عبده يرد عليه بقوله : إذا كنت اترك تقليد الجميع واخذ بالدليل.
وهكذا تحرر محمد عبده من الأساليب القديمة ورفض التقليد ونهج في دروسه نهجا جديدا، وكانت حلقاته في التاريخ الإسلامي وفلسفة الاجتماع وأسرار نهوض الأمم في الأزهر ودار العلوم ومدرسة الالسن تقوم على أساس التوجيه والبعث وتطهير العقول من الخرافات والبدع.
وقد عرف محمد بن عبده بالبلاغة في الحديث والتمسك بالعربية الفصحى في الكتابة والحديث، فصيح اللسان بليغ العبارة. وقد أعانه على ذلك إتقانه للآداب العربية مما مكنه من تكييف أسلوبه الأدبي وفق الاتجاه العلمي.وقد قرأ محمد عبده مصنفات العلماء الغربيين مترجمة إلى العربية، وفي حدود الأربعين تعلم اللغة الفرنسية، وعنى بقراءة كتب الأخلاق والاجتماع والتاريخ والفلسفة والتربية مما ترجم عن الفرنسية أو الانجليزية وأعجب بهربرت سنبر وزاره في انجلترا وترجم إلى اللغة العربية كتابه في التربية عن النص الفرنسي، وقد أشار محمد عبده إلى أثر تعلمه لغة أجنبية فقال( إن الذي زادني تعلقا بتعلم لغة أوربية هو أني وجدت انه لا يمكن لا حد أن يدعي  انه على شيء من العلم يتمكن به من خدمة أمته، ويقتدر به على الدفاع عن مصالحها كما ينبغي إلا إذا كان يعرف لغة أوربا، كيف لا وقد أصبحت مصالح المسلمين مشتبكة مع مصالح الأوروبيين في جميع أقطار الأرض، وهل يمن مع ذلك لمن لا يعرف لغتهم أن يشتغل للاستفادة من خيرهم أو للخلاص من شر الشرار فيهم).
ويرى محمد عبده أن رحلاته إلى أوربا أمدته بفائدة عظيمة فكان يقول( ما من مرة اذهب إلى أوربا إلا ويتجدد عندي الأمل في تغيير حال المسلمين إلى خير منها) وكان الشيخ خلال أسفاره إلى فرنسا وسويسرا يحضر في جامعة جنيف دروس العطلة في الآداب وتاريخ الحضارة.
وقد كان محمد عبده قوي الحجة في معارضته لأعداء الفكر العربي ويبدو ذلك في رده على جبرائيل انوتو حيث يقول له: "ان الحضارة التي وصل إليها من البلد الشرقية الأوربية وان اليونان الذين سماهم مسيو هانوتو معلمي أوربا اقتبسوا مدنيتهم من مخالطة الأمم السابقة.
وانه بينما كانت أوربا لا تعرف مدينة غير التسافك في الدماء وإشهار الحرب جاء إليها الإسلام حاملا معه علوم أهل فارس والمصريين والرومان واليونان بعد أن نظف جميع ذلك ونقاه من الأردن والأوساخ التي تراكمت عليه بأيدي الرؤساء في الأمم الغربية مما يأخذه ألان الشرق المضمحل عن الغرب المستقل...)
وهو يهاجم المنتحلين والمقلدين هجوما حرا: فيقول : علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين من كل امة المنتحلين أطوار  غيرها، يكونون فيها نوافذ لتطرق الأعداء إليها، وتكون مداركهم مهابط الوساوس، ومخازن الدسائس، بل يكونون بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلدوهم، واعتقاد من ليس على مثالهم شؤما على أبناء أمتهم، يذلونهم ويحظرون أمرهم وستهينون بجميع أعمالهم وان جلت، و يصير أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات، يمهدون لهم السبيل ويفتحون الأبواب، ثم يثبتون أقدامهم ويمكنون سلطتهم، ذلك بأنهم لا يعلمون فضلا لغيرهم ولا يظنون أن قوة تغالب قواهم.
وقد عرف محمد بن عبده بانه في خلال حياته الفكرية والصحيفة لم يمس فردا من الافراد مهما يكن بينهما من خصومة لم يمس فردا اضطر الى ذلك هاجم في اسلوب عف كان يتجه دائما الى الناحية الموضوعية.
وقد جعل محمد عبده إصلاح اللغة واحدا من هدفيه العظيمين الذين وقف حياته عليهما فيما يروي عن نفسه في حديث طويل...أما الهدف الثاني هو تحري الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة.
يقول محمد عبده انه دعا إلى إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير سواء في المخاطبات الرسمية أو في المرسلات بين الناس ( وكانت أسالي الكتابة في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق وتنكره لغة العرب .الأول: ما كان مستعملا في مصالح الحكومة وما يشبهها، وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات رث خبيث غير مفهوم ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم، لا في صورته ولا في مادته، والنوع الثاني ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون من الجامع الأزهر، وهو ما كان يراعى فيه السجع وان كان باردا، وبالحظ فيه الفواصل وأنواع الجناس وان كان رديئا في الذوق بعيدا عن الفهم ثقيلا على السمع غير مؤد للمعنى المقصود.
وترجع قدرة محمد عبده في التحليل إلى نزعته الفلسفية التي تتفق مع طبيعته التي تتجه إلى التأمل والروية، فقد كان دائما يرجع في تقرير الرأي إلى البرهان ويرفض الأحكام المشهورة.
وقد كان الشيخ عبده معنيا بالتحدث عن (علة تأخر الشرق) مطالبا بدراسة علم التربية الذي يمس أدب النفس وما أودعته الديانة من الأدب النفسية و الكمالات الروحية لم يختلف في صحته احد من البشر حتى من يظن نفسه غير آخذ بالدين، فإذا استكملت النفس بآدابها، عرفت مقامها من الوجود وأدركت منزلة الحق في صلاح العالم فانتصبت لنصره وأيقنت بحاجتها إلى مشاركيها في الوطن والملة، فأخذت بالفضيلة الجامعة للفضائل وهي ما يعبر عنه بحب الوطن والدولة والملة.
وعلى الجملة فان أسلوب محمد عبده كان عنوانا على تحرير الأسلوب العربي من السجع المتكلف مطلقا من القيود وقد وصف عبده هذا الأسلوب بأنه يقصد إلى (الإبانة عن الغرض لا الغاز فيه وان أساس البلاغة القصد في التعبير والدقة ف الأداء).
وقد حرص محمد عبده على الدعوة إلى التربية وقرر "تقليد الأوربيين ومجاراتهم في عادتهم التي نظنها تفوق عاداتنا البسيطة، كما حارب الترف وحمل على الأثرياء الذين جعلوا همه تحصيل ضروب اللذات واستكمال وسائل الترف".
وكان  في دعوته إلى الحرية الفكرية حريصا على التدرج يقول" من الخطأ بل من الجهالة أن تكلف الأمة بالسير على ما لا تعرف له حقيقة أو يطلب منها ما هو بعيد عن مداركها بالكلية كما انه لا يليق أن يطلب منها من الشخص الواحد ما لا يعقله  أو ما لا يجد إليه سبيلا. وغنما الحكمة أن تحفظ لها عوائدها الكلية المقررة في عقول أفرادها، ثم يطلب بعض تحسينات فيها لا تبعد منها بالمرة، فإذا اعتادوها طلب منهم ما هو أرقى بالتدريج حتى لا يمضي زمن طويل إلا وقد انخلعوا عن عادتهم وأفكارهم المنحطة إلى ما هو أرقى من حيث لا يشعرون".
والشيخ محمد عبده بعد هذا كله حبيب إلى نفوس أهل المغرب فقد زارهم وترك فيهم آثار فكرية لا تنسى.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here