islamaumaroc

الدروس الحسنية في المغرب

  نياز محمد شكريتج

العدد 286 صفر-ربيع 1-ربيع 2/ شتنبر-أكتوبر-نونبر 1991

يحتل المغرب في إفريقيا موقعا جغرافيا وسياسيا مهما للغاية، ويعد من أجمل بلدان العالم العربي، مساحته تفوق نصف مليون كلم 2، وتعداد سكانه 30 مليون، وجمال طبيعته ومناخه وآثاره التاريخية والحضارية تجعل منه قوة سياحية تضاهي البلدان المتوسطية السياحية. لقد جلبت هذه المميزات للمغرب الأقصى وخاصة للمغرب العربي عامة خلال عهود التاريخ خيرا من جهة، وصعوبات في الحفاظ على خيراته الطبيعية وحريته واستقلاله من جهة أخرى.
صلة الدم التي تربط الأسرة المالكة بالرسول صلى الله عليه وسلم:
إن المملكة المغربية، تعتبر مملكة دستورية وعضوا في الأمم المتحدة وفي حركة عدم الانحياز، والجامعة العربية، والمؤتمر الإسلامي. وقد احتضن العربية، والمؤتمر الإسلامي. وقد احتضن المغرب عددا كبيرا من التجمعات السياسية والدينية والثقافية تناولت مواضيع داخلية ودولية وإسلامية (وترأس جلالة الملك المعظم الحسن الثاني معظمها). ويجب الإشارة هنا إلى أن اسم جلالة الملك يقترن بلقب أمير المؤمنين ويعد هذا أمرا فريدا في العالم الإسلامي، (لقد كان عمر بن الخطاب أول من حمل هذا اللقب سنة 634 هـ ويشار به إلى الخليفة كعنصر موحد للمسلمين من الناحية الروحية والدنيوية).
أطلقت هذه التسمية على ممر العصور على ملوك وأجداد جلالة الملك الحسن الثاني المنتمي إلى السلالة العلوية التي يرجع أصلها إلى حضرة الحسن بن علي ابن علي طالب وفاطمة الزهراء بنت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. إن انحدار الأسرة العلوية الحاكمة من سلالة النبي صلى الله عليه وسلم بعد عنصرا من العناصر الموحدة في الإسلام، ويظهر هذا جليا في المغرب إلى يومنا هذا.
يعتبر المغرب الأقصى وشمال إفريقيا من المناطق الأولى التي توجه لها المسلمون (الصحابة والتابعون وتابعو التابعين) مثل عقبة بن نافع وابن نصير الفهري والمولى إدريس الأول وغيرهم. وكانوا أول من حمل الدعوة الإسلامية إلى شمال إفريقيا والأندلس وصقلية وغيرها من البلدان المتوسطية، وتحتضن هذه الآراضي أول وأقدم مخطوط للقرآن الكريم بالخط الكوفي، حيث انتشرت قراءته وتستمر العلاقة الروحية بالمدينة المنورة من خلال المذهب المالكي.
إن القبائل العربية التي وصلت إلى هذه الديار، قد حملت معها روح التسامح العالية، والنشاط التجاري والاقتصادي مما مكن القبائل البربرية التي كانت تتعاطى النشاط الزراعي أن تخرج من عزلتها السياسية والاقتصادية.
أنجبت الحركة الإسلامية الأولى بالمغرب، عددا كبيرا من الأسماء اللامعة في السياسة والدين والعلم والحياة الثقافية عامة، انتشر صيتها إلى ما وراء العالم الإسلامي، وأصبح المغرب وطنا لعدد كبير من العائلات الأندلسية النازحة من إسبانيا والهاربة من تحت نير سيف المحاكم التفتيشية سنة 1492 ميلادية. وليس غريبا أن يكون هذا التراث الديني والسياسي والثقافي قد ولد لدى المغرب وشعبه وملكه رغبة وحاجة في المشاركة الكاملة في النشاطات التي ترتبط بالمسلمين روحيا ودنيويا وسياسيا. وهكذا فقد انعقدت عدة مؤتمرات إسلامية مختلفة المستوى، وتأسست الجمعية الدولية للجامعات الإسلامية. وساهم المغرب في حل عدد من الصراعات بإرسال وقود للتوسط بين الأطراف المتنازعة في البلدان العربية والإفريقية.
وينظم المغرب كذلك الدروس الحسنية الرمضانية التي ذاع صيتها في العالم الإسلامي. تنعقد هذه الدروس الدينية تحت الرعاية المباشرة والحضور الشخصي لجلالة الملك المعظم أمير المؤمنين الحسن الثاني، وهي تمثل انتعاشا روحيا مهما للغاية، ولقاء ليس فقط بين المفكرين والعلماء، والدبلوماسيين ورجال الأعمال المحليين، بل تجمعا لعدد كبير من الشخصيات الإسلامية من خارج المغرب. وتتولى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية تنظيم الدروس وتوجيه الدعوة باسم جلالة الملك، وتحتضن العاصمة المغربية "الرباط" هذه الجلسات الدينية.
يحضر ممثلون عن المسلمين اليوغسلاف للمرة الثانية، فقد دعي الدكتور أناس كارتش والدكتور فكرة كارتشيتش من الكلية الإسلامية بسراييفو لحضور الدروس الرمضانية لسنة 1410هـ/1990، وحصل الشرف هذه السنة لتمثيل مسلمي يوغسلافيا للدكتور مصطفى تسرتش إما مسجد زاغريب وأستاذ في الكلية الإسلامية والأستاذ نياز شكرتش العامل بنفس الكلية في سراييفوا. وفي جو يسوده العطف والمحبة، تشرفنا بحضور هذه الدروس الرمضانية التي مكننا طابعها الروحي والعلمي من استعادة ذكرى التجمعات الروحية والعلمية الإسلامية الكلاسيكية القديمة والحديثة، تلك اللقاءات التي أبدع في وصفها عدد من العلماء المسلمين من أمثال ابن قتيبة والجاحظ والبغدادي، ويحتل القرآن الكريم والسنة الشريفة والفقه الإسلامي الصدارة في الدروس التي تلقى بهذه المناسبة.
يستمع الجمع وفي مقدمته جلالة الملك بإمعان وخشوع إلى المحاضر الذي يجلس على كرسي مرتفع. ويستغرق الدرس 45 دقيقة يتعرف فيه المحاضر على ما استجد من العلم أو تذكر ما غاب عن ذهنه. تلقى الدروس الحسنية في الساعات التي تسبق الإفطار ويتم نقلها على الإذاعة والتلفزيون مباشرة. وتطبع المحاضرات في آخر رمضان باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية مع المناقشات التي تجري في وزارة الأوقاف الشؤون الإسلامية في اليوم الثاني من كل محاضرة.
إن بياض الذي الزي المغربي وجمال ورونقة الزخرفة المغربية الأندلسية التي تشتهر بها القصور والحدائق يرجع بالإنسان إلى الأزمنة التي تذكرنا بألف ليلة وليلة والتي يرغب المرء أن يعيش فيها إلى الأبد. لكن واقع الحياة يرجعنا إلى الحاضر، وقد تطرق إلى هذا الموضوع الأستاذ مصطفى تسرتش بأسلوبه الحي في الدرس الثاني من هذه الدروس الحسنية يوم الجمعة 5 رمشان المعظم 1411 (22 مارس 1991) تحت عنوان "الوحدة الإسلامية في ظل وحدة العقيدة الإسلامية". انطلق من قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) آل عمران 103. وقد أظهر الحاضرون اهتماما كبيرا بهذا الدرس، وتبين ذلك من خلال المناقشات التي جرت في اليوم التالي، ونأمل أن ينشر هذا الدرس باللغة الأجنبية في إحدى نشراتها. وبعد أن توجه الأستاذ مصطفى بالحمد والشكر إلى الله تعالى ونبيه ورسوله، توجه بالثناء إلى أمير المؤمنين صاحب الجلالة الحسن الثاني على اهتمامه الواسع بأحوال المسلمين في يوغسلافيا خلال زيارته لها، أثناء انعقاد مؤتمر عدم الانحياز سنة 1961. وقد نال صاحب الجلالة آنذاك ما معناه: إن مجيئنا إلى يوغسلافيا ليس من أجل حضور المؤتمر وتوطيد العلاقة الثقافية فحسب، بل لتعزيز صلة الرحم مع مسلمي هذه الديار.
إن تعليمات الإسلام السمحة تمثل قاعدة صلبة للوحدة الدينية واتفاق المسلمين في العالم، كبديل لكل المذاهب الفلسفية والإيديولوجية، ويشعر المسلمون بالوحدة من خلال حياتهم اليومية، من خلال الإيمان بالله ورسوله، بنزول القرآن الكريم على آخر النبيئين والمرسلين، وباللغة العربية كلغة القرآن والسنة وكذا من خلال العلوم الفقهية ومصادرها.
وتطرق المحاضر إلى ضرورة تدعيم التعاون بين المؤسسات والهيآت الإسلامية على المستوى السياسي والاقتصادي والديني والثقافي، وفي مجال تقديم العون في إعداد الأطر وتأسيس مراكز البحث وإعداد المشارع ومتابعة تحقيقها.
ويمتاز المغرب بعلاقاته العريقة مع مسلمي يوغسلافيا مما يتطلب تعزيزها.
واقترح المحاضر في هذا المضمار، أن يقوم المعهد الإسلامي بزاغرب بتخصيص جائزة. (جوائز) سنوية لأحسن بحث في العلوم الإسلامية أو الثقافية أو التاريخية. والتمس من صاحب الجلالة أن يتفضل بقبول إعطاء إسمه الكريم لهذه الجوائز, وسوف تتكون لجنة يوغسلافية مغربية مشتركة لدراسة وتقييم البحوث، ثم توزيع الجوائز على أحد الباحثين اليوغسلاف أو المغاربة.
وقد قبل أمير المؤمنين حفظه الله ورعاه هذه الفكرة على أن تقوم الجهات المعنية بإعداد القوانين الخاصة بهذه الجائزة ونشرها في المغرب ويوغسلافيا.
وفي الختام عبر العلامة اليوغسلافي عن شكره للدعوة التي وجهتها له وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وعلى رأسها السيد عبد الكبير العلوي المدغري ومساعديه، وعلى الضيافة والاستقبال الحار الذي خصص لهما، وشكر العلماء المغاربة وموظفي السفارة المغربية ببلغراد.


-----------------
*) هذا المقال تمت ترجمته عن مجلة (صوت المسلمين) الصادرة في مدينة سراييفوا بيوغوسلافيا

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here