islamaumaroc

من بيوتات سبتة في القرن 8

  عبد السلام شقور

العدد 286 صفر-ربيع 1-ربيع 2/ شتنبر-أكتوبر-نونبر 1991

من الظواهر التي تستوف الباحث في التراث المغربي هذه البيوتات الكثيرة التي تمتلئ بأخبار رجالها كتب التراجم وكتب التاريخ والمناقب وغيرها، ومن هذه البيوتات من يتسلسل العلم والجاه في ؟؟؟نيها لمدة قد تتجاور القرنين. كيف تظهر هذه البيوتات؟ ما أسباب ظهورها؟ وما وظيفتها أو وظائفها في التاريخ؟ كيف تختفي وتتلاشى؟ وما عوامل اختفاؤها وتلاشيها؟ إلى أي حد يعتبر ظهور البيوتات وتطورها ظاهرة لها قوانين تخضع لها وتفسر ما يطرأ عليها؟
أعتقد أننا لو تمكنا من الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها لأمكننا التوصل إلى فهم عنصر هام من العناصر التي تحكمت في مسيرتنا التاريخية عير مختلف الأجيال والأحقاب، نظرا إلى العدد الكبير من البيوتات التي كان لها أثر كثير في الحياة السياسية والثقافية في تاريخنا. ويخيل لمتتبع تراجم أبناء تلك البيوتات أن تاريخ المغرب كله، وفي جميع مجالاته إنما هو في نهاية التحليل تاريخ بيوتات صغرى وكبرى، توزعت فيما بينها السلطات السياسية والثقافية، وأن ما عداها من شرائح المجتمع لم يكن إلا تابعا لها.
ومهما يكن في هذا القول من مبالغة، فإن الأمر الذي لا شك فيه هو أن البحث لن يستطيع تفسير كثير من الظواهر السياسية والثقافية في تاريخنا إذا أغفل نشاط هذه البيوتات.
لقد أثار انتباه القدماء أهمية هذه البيوتات فصنفوا فيها، وعنوا بإبراز نشاطها فيما دونوه من تواريخ البلدان، فمنهم من أفرجها بكتاب، مثال بذلك صاحب كتاب: "بيوتات فاس الكبرى" وفيهم من أولاها عناية خاصة فيما دونوه في باب التراجم وتواريخ البلدان ومن هذا الصنيع بان غازي في الروض الهتون.
ولا أعرف كتابا مستقلا بيوتات سبتة، ومن المعروف أن الأنصاري أشار في كتابه "انتصار الأخبار" إلى عدد من بيوتات سبتة، وفي "الكواكب الوقادة" حسبما وصل إلينا من نقل عنه في النيل، وطبقات المالكية، إشارات إلى بعض بيوتات سبتة، وفي (بلغة الأمنية) كذلك إشارات إلى بعضها، وفي الإحاطة وأوصاف الناس لابن الخطيب تراجم لعدد كبير من أبناء سبتة، وجلهم من أبناء القرن الثامن.
والمتتبع لفهارسها هذه الحقبة بجد حضورا قويا لأبناء سبتة من أعيان القرن الثامن. وقد ضمكن المقري فيما بعد ما وقف عليه في المصادر المذكورة وفي غيرها من المجاميع والكنانيش من قواعد تخص أبناء البيوتات السبتية، وذلك في كتابه "أزهار الرياض" ثم في "النفخ"
وسبتة السليبة من الحواضر المغربية التي اشتهرت ببيوتاتها العريقة، وكان ذلك سببا في خلق مشاكل عديدة للمرابطين والموحدين والمرينيين، وذلك لكون بعض هذه البيوتات صارت تتطلع بسبب ما أحرزته من جاه وثروة، إلى الاستبداد بالمدينة. والإشارة في هذا إلى ما قام به القاضي عياض أولا، وإلى صنيع أبي القاسم العزفي ثانيا، فقد كان عياض رحمه الله متزعم ثورة بلده في وجه الموحدين، وإذا كان عياض لم يوفق فيما سعى إليه، فإن بلدية أبا القاسم العزفي تمكن من أن يستبد بسبتة ويورثها أبناءه. ومما كان يشجع بيوتات سبتة على الثورة والاستبداد بالمدينة، ويذكي مطامعهم، موقع سبتة وبعدها عن مفر السلطة المركزية، وضعف هذه السلطة ذ، وإلى جانب هذين المذكورين من أبناء سبتة هناك آخرون من أبناء هذه المدينة، قاموا بها، وانفردوا بحكمها.
ولما كان هدفنا الأول في هذا البحث هو "الاقتراب" من ظاهرة البيوتات في إطارها العام لاستخلاص بعض عوامل التحول والثبات في تاريخ سبتة خصوصا، وفي تاريخ المغرب عموما، فإننا سنقف عند أشهر بيوتات سبتة في القرن الثامن، مركزين حديثنا على ما كان لأبناء تلك البيوتات من يد في مجالي السياسة والفكر.
من أشهر وأقدم بيوتات سبتة بيت القاضي عياض، وهو بيت تسلسل العلم والجاه في بنيه خلال ثلاثة قرون أو يزيد، فكان منه القضاة والأئمة والمدرسون، وآخر المذكورين من أبنائه: محمد بن أحمد بن عياض الحفيد، كان شأن أجداده "آية الحفظ والمدوامة على الدرس ليلا ونهارا" وتوفي في الطاعون، الذي اجتاح العالم الإسلامية سنة 749هـ والظاهر من ترجمته أنه ترك سبتة واستقر في الأندلس، موطن أجداده في القديم قبل نزوحهم إلى المغرب، ولم يفلح الموحدون في وصف أجنحة هذا البيت برغم العداء الذي كان بين الجد عياض وبين عبد المومن، وظل أبناء البيت المذكور محط تبجيل معاصريهم.
ومن بيوت سبتة خلال القرن الثامن بيت بني عزفة، وهو بيت نجح بنوه في ؟؟؟تطاع سبتة والاستبداد بها مدة، ثم تفرط عقدهم، وكبا بهم حصان السياسة، وركبوا متن الأدب، فكان لهم فيه غنية، لقد ؟؟؟تجعوا بشعرهم القصور، وتنقلوا بين سبتة وغرناطة وفاس، واشتهر منهم شعراء منهم: أبو زكرياء بن أبي طالب العزفي، وأبو القاسم العزفي، وأبو عبد الله العزفي، وأبو يحيى العزفي، وهؤلاء كلهم من أعيان المائة الثامنة.
كان أبناء البيت العزفي رجال سياسة، وعلم وأدب، وكان العلم هو الذي فتح لهم باب السياسة.
ومنها بيت الشرفاء الحسنيين، واشتهر من هذا البيت جماعة، وآلت زعامتهم إلى الشريف أبي العباس أحمد ابن محمد بن أحمد بن طاهر الحسيني، وهذا رجل انفرد بخيرات سبتة، ولم يكن ينقصه من الملك غير شارة الملك، وذلك أن أبا عنان أطلق يده في سبتة، فكان يولي وعزل، وذهب أبو عنان في إكرامه مذهبا غريبا، فكان يسك له دينارا ذهبيا زنته مائة دينار، ينقش عليه اسم الشريف، ويقدم إليه هدية في فاس يوم الاحتقال بمولد الرسول الكريم، ومن المعلومات التي أوردها المقري عن هذا الشريف؛ يظهر أن الرجل كان محتكرا لجميع خيرات البلاد، وليس غريبا على المرينيين أن يكلو له أمر سبتة، فقد كانوا في أمس الحاجة إليه وإلى أمثاله من الشرفاء، إذ كانوا كما قال صاحب الاسقتصا بحق: "يرون في أنفسهم كأنهم متغلبون مع وجود هؤلاء الأشراف وغيرهم من بني عمومتهم من الشرفاء الأدارسة.
وسياسة أبي الحسن مع الشرفاء وتقريبه إياهم وإتحافهم بالجرايات والهبات أمر معروف، وعلة هديه سار ابنه أبو عنان، بل لعله ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ عمل على تنظيم تجمعات الشرفاء والأولياء، وعقد لهم من أجل ذلك تجمعا وطنيا عام 754 هـ على ما ذكر مؤلف كتاب "بهجة الناظرين". والظن أنه إنما صنع ذلك ردا على التجمعات التي كان متصوفة المغرب يعقدونها سنويا في الساحل الأطلسي بالقرب من آسفي، وهي تجمعات قدم ابن قنفذ وصفا عنها في كتابه: "أنس الفقير وعز الحقير". وكان من نتائج العناية الفائقة التي كان الشرفاء يلقونها على سد ملوك بني مرين ن نشطت هجرة الشرفاء من الحجاز إلى المغرب.
وبرز من البيت الحسيني أعلام الشعراء، منهم أبو العباس بن عبد الله بن أبي الشرف الحسيني، وله قصائد في الفخر والمدح والوصف، وفي شعره المثبت في مذكرات ابن الحاج، وهو قدر لا بأس في، نفس كميتي متميز.
ومن البيوتات السبتية خلال القرن الثامن بيت الشرفاء الحسنيين، بفتح الحاء، ومن أبناءه أبو العباس الحسني، وابنه أبو القاسم الغرناطي، وابنا هذا الأخير هما: أبو العباس، وأبو المعالي، وهؤلاء من الفقهاء الأدباء على هذا العصر، وأبناء هذا البيت وإن لم يدركوا ما أدركه بنو عمومتهم من الشرفاء الحسنيين من جاه وثروة، فإنهم كانوا في مجالي العلوم والآداب شموس زمانه. فهذا أبو القاسم السبتي "شيخ الدنيا جلالة وعلما ووقارا ورئاسة"، فيما قال عنه تلميذه المؤرخ الكبير والعالم الشهير: عبد الرحمان بن خلدون. أما ولداه أبو العباس وأبو المعالي فقد كانا من أحكام ملوك غرناطة، فكان أبو العباس من شعراء أبي الحجاج المقربين حسبما يظهر من نصوص كتاب "مظهر النور الباصر" وقد انتهى أخوه أبو المعالي محمد، بعد تردد طويل، إلى التقرب من الجهات الرسمية، وإلى قبل خططها.
اتخذ أبناء البيوتات الشريفة من انتسابهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسيلة إلى التقرب من ملوك عصرهم، تسعفهم في تحقيق ما راموا مكانتهم العلمية، فنالوا حظوة لدى حكام زمانهم.
ومنها بيت بعد المومن الحضرمي، وآخر المذكورين منه على هذا القرن، أي القرن الثامن، عبد المهيمن ابن أبي سعيد بن أبي محمد: عبد المهيمن الحضرمي، وأبوه سيعد من كبار شيوخ عصره في فاس. ومن أشهر أبناء هذا البيت، أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي، خدم أكثر من ملك، فبعد سقوط سبتة في يد النصريين، عبر البحر إلى غرناطة، ثم عاد إلى سبتة بعد رجوعها إلى المغرب، ولما استدعاه أبو علي إلى سجلماسة، وكان هذا أقام بها ملكه، لحق به ثم عن له أن يتركه إلى أخيه أبي الحسن لما رأى بوادر الانتصار في صفه خلال الحرب التي اشتعلت بين الأخوين، وفي ظل أبي الحسن أدرك مجدا وجاها، وظل معدودا في حاشيته العلمية إلى حين وفاته في وباء الطاعون الجارف عام 749 هـ.
ومنها بيت ابن رشيد السبتي، وهو بيت علم متوارث، فابن رشيد محمد أهل المغرب ومسنده، كان حريصا على استجازة الشيوخ لأبنائه في رحلته، وبرز منهم ابنه الفقيه يحيى وحفيده أبو سعيد رشيد بن يحيى، وهو آخر المذكورين كتب التراجم من أبناء هذا القرن من بيته، والظاهر أن عدة أبناء هذا البيت في تسلق السلم الاجتماعي إنما كان ما حصلوه من العلم، وما أدركوه من مجد موروث عن جدهم المحدث: ابن رشيد.
ومنها بيت بني الدراج، وأصل هذا البيت من تلمسان، ومعلوماتنا عن هذا البيت محدودة، لا تكاد تتجاوز ما في صلة الصلة (المخطوط)، ومذكرات ابن الحاج واختصار الأخبار...وأغلب ما في هذه المصادر إشارات يظهر منها أن أبناء هذا البيت اقتصروا على خدمة العلم، فلم يتلبسوا بشيء من الخدمة الرسمية، ولعل ذلك سر قلة ما وصل إليها منه.
ومنها بيت أبي العيش بن يربوع السبتي، وبيت أبي العيش شهير، ومن أبنائه: أبو عبد الله محمد بن يربوع، وأبو العباس أحمد بن أبي العيش محمد بن أبي يربوع، "وكانت له عند سلطان المغرب حظوة ومكانة، واستعمله في السفارة بينه وبين الملوك".
تلك أشهر البيوتات السبتية في القرن الثامن، اكفتينا في استعراضها بما نعتقد أنه المهم فيما نحن بصدده، ولو حاولنا تتبع أبناء هذه البيوتات ممن نبغوا في القرن الثامن واحدا واحدا، لخرجنا عن الهدف المرسوم، إذ غايتنا هنا منصرفة إلى استخلاص "القوانين" العامة التي كانت تنتظم هذه البيوتات، بقصد الإجابة عن الأسئلة التي طرحناها في بداية العرض.
ولعلنا من خلال الأسماء التي تعرضنا لها من أبناء بيوتات سبتة في القرن الثامن أمكننا أن نسجل ما يلي:
تنحدر كل البيوتات على بيت سبتي شهير عاش أبناؤه في هاته الفترة من أصل غير عربي، فما سر ذلك؟
كانت سبتة كما هو معلوم صلة وصل بين المغرب والأندلس، يمر بها الداخلون إلى الأندلس والخارجون عنها، وقد استقرت بها مع مرور الزمن أسر عربية كثيرة آلت إليها زعامة البلد في مرات عديدة. ومن كتابات العصر يبدو أن النسب العربي كان يبسر على صاحبه تسلق السلم الاجتماعي، بمعنى أن الانتساب للأصل العربي كان امتيازا?

اجتماعيا، يظهر هذا جليا في كتابات ابن الخطيب، وأظن أننا في غنى عن تتبع الشواهد في هذا الباب، وهي على أي حال كثيرة، ويكفي هنا إيراد فقرة من رسالة لأبي الحسن العشبي، وهو "غربي" كان بعث بها إلى صديقه أبي المطرف بن عميرة المخزومي.
قال أبو الحسن المذكور: وكيف وأنت ريحانة قريش، التفت عليك بطحاؤها، واقتفت آثارك فصحاؤها، وعرفت بك طرق البلاغة وأنحاؤها، وأنا وما أنا ! نسب في البرابر عريق، وسبب من التعليم لا ممتد ولا وثيق، درجت حيث جفاء الطبع...
إن الانتساب إلى الأصل العربي كمان ييسر العلم على المتعلم، ويسهل عليه بعد الإفادة من علمه، وهكذا فإننا نجد عامة أبناء البيوتات المذكورة خدموا الدول في عصرهم، فكان منهم الكتاب والقضاة والخطباء والأئمة والشعراء، فحفلت بأسمائهم كتب التاريخ والتراجم، على أنه يجب أن لا نتسرع فنقضي بكون العنصر العربي وحده كانت له السيادة، وماعداه لم يكن له حضور في الواقع الثقافي أن العلمي على الأصح. لقد أحصينا نحوا من مائة بيت من بيوتات المغربي المريني ممن أدركوا جاها وشهرة بسبب من الأسباب، فلم نجد ذوي الأصول العربية منهم يصلون إلى النصف، على أن البيوتات "الغربية" إنما كانت شهراها في فاس، وتازة، ومكناس خاصة، ومن تلك البيوتات: بيت المزدعي، وبيت المكودي وبيت ابن آجروم، وبين بني المليلي، وبيت أبي مدين، وبيت الفشتالي، وبيت القبائلي، وبيت ابن عطية الونشريسي، وبيت ابن جار المكناسي، وبيت أبي عافية المكناسي، وبيت الجاناتي، وبيت يبني الغرديس، وبيت بين المغيلي، وبيت العبدوسي...
هذا، ومن الأكيد أن البيوتات التي اتصلنا بأخبارها إنما هي تلك التي اشتغل أبناؤها بالعلم أو بالسياسة، أما تلك التي كان أبناؤها في التجارة وغيرها من المهام فلا نعرف عنها شيئا.
ومن البيوتات السبتية المذكورة من كانت تنتسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك زيادة تقديم.
وهنا تجب الإشارة إلى أن الشرفاء أخذوا ابتداء من هذا العصر يتطلعون إلى القيام بأدوار هامة في مجال الحياة سياسيا واجتماعيا، شجعهم على ذلك سياسة دولة بني مرين مع الشرفاء، وكان من نتائج تلك السياسة أن نشطت رحلة الأشراف إلى المغرب، وقد أحسن الأشراف استغلال الظروف لصالحهم، فجنوا ما أرادوه من تمام النعمة، وصاروا بذلك ملوكا في عصرهم على أعتباهم، ويتقربون منهم بالتأليف فيهم، والشرفاء الحسنيون بسبتة وأبناء عمومتهم من الشرفاء المجوطيين بفاس كانوا على رأس الأشراف في زمانهم.
وكان لظروف مدينة سبتة المتميزة الاضطرابات السياسة المستمرة أثر في حياة أبناء بيوتات المدينة، لقد تمكنت بعض بيوتات المدينة من أن تستبد بها، ذلك في خضم تقلبات سياسية عنيفة، قرب سبتة من الأندلس أطمع بني حمر فيها، وكانت غايتهم التشويش على الغرب منها. ولا شك أن سكانها عانوا من الزعازع التي عصفت بها، وقد اضطر كثير من أبناء البيوتات التي ذكرنا إلى إعمال رحلة إلى فاس أو غرناطة، وكانوا يجدون أبواب مفتوحة في وجوههم حيثما وجهوا، نظرا لما كانوا عليه من علم، ولما كانت لديهم من طاقات أدبية، ولم تكن سبتة على أي حال لنفي بتحقيق طموح النابغين من أبنائها، لكثرتهم، ومن ثم فقد وجدناهم في فاس وغرناطة وتلمسان وغيرها من الحواضر الكبرى، وقل من لم رحل من أبنائها إلى جهة من الجهات بحثا عن الجاه والمال. فهذا ابن رشيد تضيق به المدينة، فييمم وجهه شطر الأندلس، ثم تركها مرغما، ويقصد فاس بعد مقتل صديقه الوزير والشاعر: ابن الحكيم ! وقصد أبناء البيت العزفي بعد سقوط إمارتهم الأندلس وفاس كذلك، وفي فاس استقر أبو القاسم ابن أبي زكرياء العزفي. وابنه أبو يحيى، وظل هذا الأخير بها يتعيش فيما يظهر من شعره، وارتحل أبناء البيت الحسني عن سبتة، فاستقر أبو القاسم بغرناطة قاضيا، وتعلق ابنه أبو العباس بخدمة ملوك بني نصر، فصدر عنه في حقهم من المبالغات الشعرية ما لا يصدر عن عاقل كما قال بحق السلطان أحمد المنصور الذهبي، وكان اطلع على شعر له فيهم، وسار أخوه على نهجه فيما يظهر بعد تردد، ولم ينج بيت بني عبد المهيمن الحضرمي من الاضطرابات التي عصفت بسبتة، فغداة سقوط المدينة في يد بني نصر، انتقل أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي إلى غرناطة، وانتظم هناك في سلك الكتاب، ثم عاد إلى بلده، والتحق بسجلماسة، استجابة لطلب أبي علي، ولما ترجحت كفة أبي الحسن في حربه لأخيه، انضم إليه عبد المهيمن فيمن التحق به، وبقي في حاشيته أشيرا عنده إلى أن أدركته وفاته بتونس في وباء الطاعون، واستمر بنوه في فاس، وكان في جملتهم أبو سعيد محمد بن عبد المهيمن الحضرمي من شيوخ السراج.
إن المتتبع لتنقلات أبناء سبتة من أعيان علمائها وأدبائها، يحس وكأن المدينة ضاقت ببينها، ومن ثم فقد مدت الحواضر الشهيرة بهم، فكان مهم الخطباء، والأئمة، والكتاب، والشعراء، وشيخ العلم، وسيطول الحديث إن حاولنا حصر ما خلفه هؤلاء من آثار في الفقه والأدب بشكل خاص، وجل ما انتهى إليها من شعر شعراء المغرب في القرن الثامن ينصرف إليهم، هذا إلى جانب ما لهم من آثار في فهاء العصر، وكثير منهم اشتهروا بحلقات العلم التي كانوا يعقدونها في سبتة، وغرناطة، وفاس، فكان لهم أثر مباشر في تنشيط الحركة العلمية، وإذكاء شعلة الأدب.
وابتداء من نهاية القرن الثامن وبداية التاسع، فإن هذه البيوتات أخذت تتلاشى، ولا ينتصف التاسع حتى تختفي أو تكاد، ولم يبق لها من ذكر في غير "شواهد" مقبرة "زجلو" وغيرها من مقابر سبتة.
كان بروز هذه البيوتات نتيجة عوامل متعددة: منها ما يرجع إلى الظرف التاريخي، ومنها ما يعود إلى غير ذلك، ونعتقد أن الظروف التاريخية، وطبائع العصر السياسية وانشغلاته، تتحكم إلى حد بعيد في ظهور هذا العنصر الاجتماعي أو ذاك. آية ذلك، أننا نجد لكل عصر سياسي بيوتات قليلة هي تلك البيوتات التي تمكنت من تجاوز عصرها، وهكذا فإننا سنجد بيوتات جديدة تظهر في العصر السعدي.
ولعل اختفاء البيوتات السبتية من الساحة السياسية والثقافية بعد الثامن يؤكد تحكم النظام السياسي في ظهور "البيوتات" واختفائها.
وأخيرا فإذا كنا لم نحسم الأمر فيما يخص نشأة البيوتات في التاريخ المغربي عامة من خلال بيوتات سبتة في القرن الثامن، فحسبنا أننا أثرنا هذا الموضوع، موضوع البيوتات ودورها السياسي والثقافي في تاريخ المغرب.

مصادر البحث:
ملء العيبة لابن رشيد: الجزآن المخطوطان: السادس والسابع، والأجزاء الثلاثة المطبوعة من تحقيق الشيخ د.بلخوجة.
التعريف بابن خلدون ورجلته شرقا وغربا، لأبي زيد عبد الرحمان بن خلدون.
الذيل والتكملة، السفر الثامن لعبد الملك، من تحقيق: د.محمد بن شريفة.
الأنيس المطرب لابن أبي زرع تحقيق الأستاذ: عبد الوهاب بن منصور.
صلة الصلة بان الزبير، القسم المخطوط.
مذكرات ابن الحاج مجموعات مخطوطان بمكتبة الاسكوريال.
الإحاطة لابن الخطيب – تحقيق المرحوم عنان.
الإحاطة (نصوص لم يسبق نشرها) جمع وتقديم وتخريج: عبد السلام شقور.
نثيرا الجمان كلاهما لابن الأحمر، ومن تحقيق: د الداية.
بيوتات فاس الكبرى وتحقيق عبد الوهاب بن منصور.
النفاضة ج2 لابن الخطيب ت. العبادي.
المنتقى المقصور لابن القاضي ت.د.رزوق.
المرقبة العليا للنباهي ت.بروقنسال
أزهار الرياض للمقري، تحقيق مجموعة من الأساتذة.
النفح للمقري، تحقيق د. إحسان عباس.
ديوان ابن فركون تحقيق د. محمد بن شريفة.
مظهر النور الباصر، لابن فركون مخطوط.
بهجة الناظرين لابن عبد العظيم الزموري.


------------------------
1) وبيت بني غرتة عربي على الأرجح، وأن ذكر بعضهم غير ذلك

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here