islamaumaroc

مع المؤرخ السباعي في مخطوطه (البستان الجامع)

  عبد القادر زمامة

العدد 286 صفر-ربيع 1-ربيع 2/ شتنبر-أكتوبر-نونبر 1991


كانت نهضة الشعور الوطني في المغرب الأقصى أواخر القرن الثالث عشر الهجري وأوائل القرن الذي بعده، نهضة بادية للعالم والأعلام، تستمد قوتها وفعاليتها من الأحداث التي كانت تمر بالبلاد، والمواقف الصعبة التي أملتها ظروف داخلية وخارجية، أيقظت المشاعر، وحركت السواكن... !
لهذا يجد الباحث المتعمق نفسه – عند التتبع والاستقراء – أمام أنماط وأصناف وأساليب متنوعة من الكتب والرسائل والاتجاهات والمشارب والاهتمامات، تبدو للمتأمل وكأنها انعكاسات على مرآة الحياة العاملة بالمغرب، يشع مها ما كان يشغل بال العدد الكبير من رجال المعرفة والثقافة والسياسة والرأي، وهو يواجهون ما يهدد البلاد، ويقلق راحتها، ويشككها في مقوماتها الحضارية والسياسية والاقتصادية والتاريخية، بأساليب شتى، ومن جهات شتى... !
ولنتصور أنفسنا أما مواهب وأقلام مغربية، وشخصيات استوعبت معارف عصرها، وثقافة بيئتها، وتراكم في أذهانها ذلك الرصيد الحضاري، ترفعه رافعة...وتخفضه خافضة.
ولنتصور ما دب إلى البلاد من تطلعات ومكايد، وتدخلات ومضايقات، كلها تذكي الشعور الوطني على مختلف المستويات، وتوجه عناصر التفكير وأساليب التعبير لربط حلقات التاريخ: ماضيا وحاضرا ومستقبلا حتى لا يسدل الظلام ستائره على الماضي الذي سيتجدد...وينبعث...لا محالة...
ولقد سبق لهذا القلم أن درس هذه الحقبة من تاريخ نهضة الشعور الوطني في المغرب الأقصى أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وأوائل القرن الذي بعده...من خلال مخطوطتين تاريخيتين هما:
* الحلل البهية: للمؤرخ محمد المشرفي المتوفى سنة 1334هـ/1915م.
* والمفاخر العلية: للمؤرخ عبد السلام العمراني المتوفى سنة 1332هـ/1914م.
واليوم يأتي دور مخطوطة ثالثة من المؤلفات في هذا الموضوع التاريخي، وهي مخطوطة:
* البستان الجامع لكل نوع حسن: للمؤرخ محمد بن إبراهيم السباعي المراكشي المتوفى سنة 1332 هـ/1914م. فهؤلاء المؤلفون الثلاثة: المشرفي والعمراني والسباعي، وهذه المخطوطات الثلاث: (الحلل البهية) و (المفاخر العلية)، و(البستان الجامع)، إنما هي حلقات من سلسلة طويلة من المؤلفين والمؤلفات، رسمت بأساليب وأنماط متنوعة ممن التفكير والتعبير، لوحات من الشعور الوطني لمغربي، والبلاد على أبواب نهضة شاملة على عهد السلطان الحسن الأول رحمه الله...
وحديثنا عن مخطوطة: (البستان الجامع) يتناول جانبين أساسيين:
- جانب المؤلف السباعي...
- وجانب محمد بن إبراهيم السباعي المراكشي علم هير من أعلام عصره، وثقافته العلمية، وميزته الخلقية، ومكانته الاجتماعية في الأوساط العلمية وغيرها لمدة طويلة... !
ولقد لفت أنظار معاصريه بمحاضراته ودروسه وفتاويه الفقهية ولسانه الحاد، وقلمه السيال، وصراحته المثالية في نقد الانحرافات في السلوك والعلم والتدبير، وانتهاك الحرمات: والتهاون في حقوق المستضعفين من جهة بعض الولاة والموظفين، كما لفت أنظار طلبة العلوم المختلفة لتبحره واتساع دائرة معارفه، فلازموه أينما حل وارتحل، حضرا وسفرا. ولا سيما في مراكش وفاس، وكان من المعتاد والطبيعي أن تجر عليه صراحته وحدته كثيرا من الانتقادات والمتاعب والمكايد، وأن يصل ذلك إلى علم رجال السلطة والنفوذ مع تجسيم يبعثهم على إيقاف نشاطه، والانتقام منه بوسائل معروفة... ! منها الحبس... ! ومنها الإبعاد... !  ومنها تلفيق التهم... !
ومن حسن حظ هذا العالم الجليل أن التدابير التي تكرر اتخاذها في حقه من جهة بعض الولاة والموظفين من أجل انتقاد تصرفاتهم. لم تكن لتصرفه عن خطته، أو لتنال من قيمته العلمية ومكانته الاجتماعية عند خاصة الناس وعامتهم... ! بل إنها على العكس من ذلك زادته تقديرا وتكريما، وسعة في الشهرة والجاه... !
كما أن من حسن حظه أن يكون من من دروسه العلمية، وراقبوا سيرته الذاتية، وربطوا سند معلوماتهم ومعارفهم به، عالمان كبيران ومؤلفان شهيران هما:
- العباس بن إبراهيم، المراكشي.
- وعبد الحفيظ الفاسي.
فالقاضي العباس بن إبراهيم، استفاد منه كثيرا، وكتب له ترجمة حالفة بشيوخه في مراكش وفاس، ومعارفه الواسعة، وشخصيته القوية، وتقاليده ورسائله وفتاويه ومؤلفاته التي من جملتها: (كشف الستور في حقيقة كفر أصحاب باسبور)، وقد شغلت هذه الترجمة عدة صفحات من كتابه التاريخي: (الإعلام بم حل مراكش وأغمات من الأعلام). (1)
والقاضي عبد الحفيظ الفاسي كان أيام دراسته واشتغاله بعلوم الرواية حريصا كل الحرص على الاجتماع بالشيخ محمد بن إبراهيم السباعي في كل من فاس ومراكش، والاستفادة من معارفه ورواياته وأسانيده وإفاداته وإملاءاته.. ولقد استجازه فأجازه على الطريقة المعهودة في ذلك العصر، واعتز بهذه الإجازة...!
كل ذلك تحدث به عبد الحفيظ الفاسي أثناء الترجمة المفيدة التي كتبها الشيخ السباعي، والتي أخذت صفحات من كتابه المفيد: (معجم الشيوخ المسمى رياض الجنة)... !(2)
وهكذا تتجلى لنا شخصية الشيخ السباعي المراكشي شخصية ذات أبعاد في العلم والرواية، والشهرة والأخلاق، والتأثير الاجتماعي في الحياة المغربية، وتحمل المتاعب والمضايقات من أجل الجهر بالحق، وانتقاد الانحرافات المتنوعة... !
ولعل هذا كان كافيا ليحظى بمنزلة سامية عند السلطان المولى الحسن الأول...
ويتجلى ذلك واضحا في قصة رواها تلميذه المؤرخ العباسي بن إبراهيم أثناء الترجمة التي كتبها له في كتاب: "الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام" والتي أشرنا إليها سابقا.
كما أن هذه الحظوة التي جعلت السلطان المذكور – كما يقول المراكشي في كتاب: "الإعلام" – يامره على يد الوزير الشهير أبي الحسن علي المسفيوي بكتابة التاريخ المسمى: (البستان الجامع لكل نوع حسن...)، الذي تتحدث عن مضامينه ومادته التاريخية، التي جمعها الشيخ السباعي ونسقها بأسلوبه الخاص، بعد أن تحدثنا عن بعض الملامح من ترجمته التي احتفظ بها كل من صاحب: "الإعلام وصاحب: "رياض الجنة".
تقع مخطوطة: "البستان الجامع لكل نوع حسن وفن مستحسن في عد بعض مآثر السلطان "مولانا الحسن" فيما يقرب من ستين ومائة ورقة من الحجم المتوسط، وتوجد منها عدة نسخ، منها نسخة الخزانة الحسنية رقم 12432 بالرباط، والتي بها خط المؤلف السباعي... !
ومن أجل أن نعرف سبب التأليف، ينبغي أن نطلع على ما جاء في هذه المخطوطة من رسالة مؤرخة بتاسع جمادى الثانية سنة 1306 هـ بعثها الوزير علي المسفيوي إلى المؤلف، يامره فيها بقوله مخاطبا إياه:
"أن تشرع في تأليف مصنف يكون محتويات على جميع سيرته، وتتبع فيها الوقائع الصادرة في ظعنه وإقامته من أول خلافته، ولا تتعرض فيه، لوضع أحد ولا لتنقيصه بما ليس فيه. وتقتصر على ما هو الأليق بالمقام، وتجتنب ما كان خارجا على سياق الانسجام... !" (3)
ونحن نعلم مسبقا أن المؤرخ عبد السلام العمراني الجائي كان قد ألف كتابه: "المفاخر العلية" سنة 1305هـ ورفعه إلى مقام السلطان المولى الحسن الأول، وهو كتاب تاريخي، بفصوله الأخيرة معلومات متسعة عن دولة هذا السلطان، وما تم فيها من منجزات، وما قام به من أعمال شرق ذكرها وغرب، مع اهتمام بالحياة العلمية والثقافية وذكر أعمالها بالحياة العلمية والثقافية وذكر أعلامها ومعالمها، مما يفيد المؤرخ الباحث كثيرا...
فكتاب السباعي جاء بعد كتاب العمراني كما لا يخفى، والمؤلف جعل تصميما لكتابه، وقسمه إلى أربعة أقسام، سمى كل قسم كتابا... !
فالكتابان الأولان، خصصهما المؤلف للعهد الذي كان فيه الحسن الأول وليا للعهد، يقوم بمسؤوليات جسيمة في الأقاليم المغربية الجنوبية وأحوازها، وينوب عن والده في فض النزاعات، وحل المعضلات، والمحافظة على النظام، ونشر الطمأنينة، وربط الصلة بين القبائل والسلطة المركزية، وقد قام بذلك أحسن قيام.
ومن الطريف أن المؤلف السباعي يعبر عن هذا العهد باسم الخلافة الصغرى، ويستعمل تعبيره هذا في القسمين الأولين من كتابه هذا، ويقصد بذلك ولاية العهد... !
كما أنه يعبر عن العهد الثاني الذي تربع فيه على عرش المغرب باسم الخلافة العظمى، ويستعمل تعبيره هذا في القسمين الأخيرين من كتابه هذا، ويقصد بذلك العهد الذي تحمل فيه أعباء الملك، ومسؤولية الحكم... !
ونلاحظ في القسمين الأولين من المخطوطة أن بهما معلومات تاريخية جغرافية واجتماعية، كان السباعي على صلة بها، لكونه يعرف المناطق المغربية الجنوبية معرفة واسعة، ويعرف تركيبها البشري والطبيعي والاجتماعي، وما هي في حاجة إليه، كما نلاحظ أن بهما أشياء تتعلق بأعمال السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان، وسيرته، ومعالم سياسته، وما جابهه من قضايا وأحداث، ذكر المؤلف الشيء الكثير منها...
وابتدءا من القسم الثالث، نجد السباعي يدخل في تسجيل الأجداث بطريقة جزئية، متتبعا الترتيبات الزمانية والمكانية، والمعالم والشخصيات، مع نفس متميز في العرض والتعليق والتعقيب... !
ونقف قليلا عند ما سجله من أحداث وغمرات تتعلق بواقعة (بني مجيلد)، وما وصل في شأنها من كتاب سلطاني إلى قاضيي مراكش: الحاج على الرجراجي (4) والسيد أبي بكر بناني (5)، شارحا البدايات والنهايات، والوسائل والغايات.
فالمؤلف أطلع على هذا الكتاب، وعلق على مضمونه تعليقا بدل علة أنه كان يتابع أحداث عصره، ويعرف أبعادها ومراميها بحماس وشهور وطني... !
وأفادنا المؤلف السباعي بعد تعليقه على الواقعة، وما جادت به قرائح الشعراء في شأنها، - وكان من ضمنهم المؤلف السباعي - أنه كتب بنفسه "تقريرا" في الموضوع، ورفعه إلى مقام السلطان فاستحسنه وأقر أن تكتب منه عدة نسخ، وتزخرف بالذهب، وأمر وزيره المسفيوي أن يكاتب المؤلف ليشرع في كتابة هذا التاريخ، وقد أشرنا إلى ذلك كم قبل... !
كما نقف قليلا عند ما سجله من أحداث وقضايا تتعلق بحادثة الأمين (بنيس)، والفتنة التي قام بها بعض المحترفين بفاس المعروفة، وبفتنة الدباغة، والتي دامت عدة شهور... !
وقد كتب عن هذه الحادثة عدد من المؤرخين ممن عاصروها وعرفوا أسبابها ونتائجها...! إلا أن المؤرخ السباعي في مخطوطته هاته أفادنا بتفصيلات وتدقيقات غريبة ومفيدة، كما أنه ذكر بصراحة شخصيات كانت تؤيد العاملين على إثارة هذه الفتنة، وما تعرضوا له بعد طي صفحتها من مؤاخذات، الشيء الذي مر عليه المؤرخون مر الكرام... !
والحقيقة، أن القسمين الآخيرين من هذه المخطوطة سجل حافل بالأحداث والوقائع والحركات في جهات متعددة من المغرب، مع اهتمام واضح بالأعلام الجغرافية والقبلية والبشرية، والمسالك والطرق والأنهار، وما إلى ذلك.
كما أنها سجل حافل بما قام به السلطان المرحوم المولى الحسن الأول من أعمال جليلة في جل جهات المغرب... ! منذ ولايته للعهد إلى أن ودع هذه الحياة سنة 1311 هـ
ويأتي بعد ذلك الجانب الاجتماعي والعمراني الذي يتخلل هذين القسمين.
فالمؤلف على دراية تامة بالعادات والتقاليد التي كانت سائدة بين القبائل، والحساسيات، والتدابير السياسية والاجتماعية التي كانت تعالج بها سرا وعلنا... !
كما أنه على دراية تامة بما يسود المدن المغربية من أنظمة، وترتيبات حضارية، تشمل الاستقبالات والأفراح، والحفلات، والمواسم والأعياد، والتكافل الاجتماعي، والارتباط بالمشاعر الدينية والوطنية والعائلية، والحياة العلمية والثقافية... !
وفي المجال العمراني، يسجل المؤرخ السباعي منشآت السلطان الحسن الأول رحمه الله في طول البلاد وعرضها، ويشمل ذلك المنشآت العسكرية والدينية والعلمية والإحسانية، كل ذلك مع استيعاب وتحقيق، وتفهم للمقاصد النيلة، والمرامي الحسنة... !
لعل مؤرخنا هذا كان يستمد معلوماته المدققة أو بعضها من شخصيات مخزنية سامية كانت ترافق الركب السلطاني في تنقلاته عبر المغرب، زيادة على معلوماته الشخصية التي ينميها باستمرار سماعا ومشاهدة واطلاعا...
كل هذا نتحدث به عن مضامين المخطوطة، والمادة التاريخية المتنوعة المفيدة التي تقدمنا لنا...
أما من ناحية الشكل والأسلوب فالمؤرخ السباعي يملك ناحية اللغة، كما أنه يحفظ من الأشعار والأمثال والقصص والنكت البيانية الشيء الكثير، ويأبى إلا أن يستعمل ذلك مع أسلوب فيه خصائص الصنعة والتصنيع.
ويفرط أحيانا في الزخرفة اللفظية التي كانت – في نظره – ميزة فحول الأدباء ونوابغ الكتاب... !
وهذا ما يجعلنا أحيانا أمام غموض فيما يقصده المؤرخ، والتواء في أسلوبه المثقل بالتصنيع والمحسنات البديعية... !
ومع ذلك، فإن هذه المخطوطة التي عرضنا بعض مضامينها، لوحة معبرة عن جوانب من نهضة الشعور الوطني في المغرب أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وأواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

---------------------
1) انظر الجزء السابع ص: 190، وانظر تقريظ السباعي لكتاب "إظهار الكمال" في "الإعلام" ج1 ص: 56
2) انظر الجزء الأول ص: 55
4) انظر ترجمته في "الأعلام" ج9 ص:265
5) المصدر السابق ج: 1 ص222

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here