islamaumaroc

قراءة في كتاب "القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد"، تأليف الحافظ ابن حجر العسقلاني

  منير البصكري

العدد 286 صفر-ربيع 1-ربيع 2/ شتنبر-أكتوبر-نونبر 1991

يعتبر هذا الكتاب ردا لابن حجر على أولئك الذي زعموا من – أهل الحديث – أن هناك بعض الأحاديث موضوعة في المسند الشهير للإمام الكبير أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل إمام أهل الحديث، المطلع على خفاياه، المثير لخباياه.
ويتضح ذلك من خلال العنوان الذي ارتضاه وهو: "القول المسدد في الذب عن المسند، للإمام أحمد".
والقارئ لهذا العنوان، يشم بلا ريب رائحة الدفاع عن المسند للإمام أحمد. وتزكيه ما ورد فيه، فضلا عن البواعث التي حدت بالمؤلف للخوض في غمار الرد على من اتهم ابن حنبل بإدراج أحاديث موضوعة في مسنده.
يقول ابن حجر في هذا الصدد: "عصبية مني لا تخل بدين ولا مروءة. وحمية للسنة لا تعد بحمد الله من حية الجاهلية.
بل هي ذب عن هذا المصنف العظيم الذي تلقته الأمة بالقبول والتكريم، وجعله إمامهم حجة يرجع إليه، ويعول عند الاختلاف عليه...".
يبدو من هذا الكلام أن ابن حجر يوافق مبدئيا على تنزيه المسند من كل شطط أو زلل.
فهل نعتبر هذا من قبيل الدفاع المطلق عن ابن حنبل الذي جعل من مسنده حجة ومرجعا؟ أم أن ابن حجر عاد إلى بعض المصادر الدينية، فدرس واستوعب وميز وأرجع كل شيء إلى نصابه؟ ثم ما هي نوعية هذه المصادر التي اعتمدها ابن حجر العسقلاني؟ هل يمكن الاطمئنان إليها، خاصة وأن مادة الحديث يصعب فيها التحقيق إلى درجة كبيرة من الأهمية؟ ثم ما هي منهجية ابن حجر في مثل هذا العمل؟
نرى أولا أن نقف عند مادة الكتاب لنتعرف إلى محتوياتها. فقد جمع الحافظ ابن حجر أربعة وعشرين حديثا، حكم ابن الجوزي بوضعها، وهي في مسند الإمام أحمد، وأجاب عنها في الكتاب الذي نحن بصدده: "القول المسدد في الذب عن المسند"ز وقد ذيل السيوطي على القول السدد، واستدرك أربعة عشر حديثا أيضا، ذكرها ابن الجوزي وهي في المسند، وزاد عليها أحاديث أخرى، وجمعها في كتاب العنوان: "القول الحسن في الذب عن السنن".
ويذكر ابن حجر أنه قد سبق له أن أطلع على جزء من الأحاديث الموضوعة جمعها الإمام العلامة حافظ عصره زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي. فعلق عليه؛ وظهر له فيما بعد أن يجمعه وتولاه بالتحقيق. وقبل استرساله في هذا الأمر، يورد ابن حجر ما أخبره به شيخه العلامة الحافظ أبو الفضل بن الحسين حين سأله بعض أصحابه في سنة خمسين وسبعمائة، أن يفرد له ما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل من الأحاديث التي قيل فيها: إنها موضوعة، فذكر له أن الذي في المسند من هدا النوع أحاديث ذوات عدد ليست بالكثيرة.
والسؤال هو: هل في المسند أحاديث ضعيفة أو كله صحيح؟ يقول العراقي:
"إن فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وإن فيه أحاديث يسيرة موضوعة، فبلغني بعد ذلك أن بعض من ينتمي إلى مذهب الإمام أحمد أنكر هذا إنكارا شديدا، من أن فيه شيئا موضوعا". ويضيف قائلا: "ونقل عن الشيخ تقي الدين بن تيمية أن الذي وقع فيه من هذا، هو من زيادات القطيعي لا من رواية الإمام أحمد، ولا من رواية ابنه عبد الله عنه".
وهذا باعث آخر يدفع بابن حجر للذب عما جاء في المسند للإمام أحمد، غرضه الوحيد، إظهار الحق وعدم كتمانه، اعتمادا على ما جاء في الحديث الشريف عن الزهري عن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أتى الله عالما علما إلا أخذ عليه الميثاق أن لا يكتمه".
ويرى ابن حجر أنه من الواجب أن يحقق في مسألة الأحاديث الموضوعة في المسند أولا: لأنه سئل عن ذلك، وثانيا: أن العلماء قالوا: لا يجوز رواية الحديث الموضوع إلا مع بيان أنه موضوع.
وإن أول شيء يقوم به ابن حجر، هو ذكر الأحاديث الموضوعة بأسانيد الإمام أحمد ليظهر موضع العلة، مقدما في ذلك سنده إلى الإمام أحمد. وهذا نموذج مما أورده: "أخبرني بجميع مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل مع ما فيه من زيادات ابنه عبد الله رحمهما الله تعالى، مسند الشام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الأنصاري بقرآتي عليه، بمنزله بدمشق في الرحلة الأولى، أنا أبو الغنائم المسلم بن محمد بن علان، أنا حنبل بن عبد الله بن الفرج الرصافي أنا هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين، أنا الحسين بن علي بن المذهب التميمي، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي: "، وهنا ينتهي السند، ثم يبدأ الكلام عن الحديث الأول في التسمية بالوليد، ويذكر الإسناد كما ورد عند أحمد ابن حنبل. قال حدثنا أبو المغيرة، ثنا ابن عياش، حدثين الأوزاعي وغيره عن الزهري عن ابن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: "ولد لا أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم – غلام فسموه الوليد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، سميتموه بأسماء في أعنتكم، ليكون، في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، هو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه".
وهنا يذكر ابن حجر المصادر التي يرد في ثناياها هذا الحديث. فقد أورده حاتم ابن حبان البستي في تاريخ الضعفاء في ترجمة إسماعيل بن عياش. ويرى ابن حبان أن هذا الخبر باطل، ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، ولا رواه عمر، ولا حدث به سعيد ولا الزهري، ولا هو من حديث الأوزاعي بهذا الإسناد، فإسماعيل بن عياش لما كبر تغير حفظه، فكثر الخطأ في حديثه، ولا هو يعلم ذلك.
ونفس الحديث يورده ابن الجوزي في موضعين من كتابه (الموضوعات) وقال: لعل هذا قد أدخل على ابن عياش لما كبر؛ أو رواه وهو مختلط.
وهكذا يذكر ابن حجر الحديث الثاني مع ذكر سنده. ويتعلق هذا الحديث بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي. والعلة في وضع هذا الحديث – كما يقول ابن حجر – عبد الله بن شريك. قال عنه الجوزجاني: إنه كذاب. وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث أيضا في الموضوعات، وقال: إنه باطل لا يصح، وأضاف قائلا: "إنه من وضع الرافضة، قابلوا به الحديث المتفق على صحته في سد الأبواب غير باب أبي بكر، وهو في الصحيحين.
ويرد ابن حجر على هذا الكلام بقوله: "فإن استدل على وضعه بمخالفة هذا الحديث الصحيح، وإلا فإن الإمام أحمد وثق عبد الله بن شريك، وكذا وثقه ابن معين". ثم يذكر الحديث الثالث، وهو نفسه الذي سبق مع اختلاف في الإسناد، أما في الحديث الرابع، "من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله عز وجل، وبرئ الله منه؛ وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله ، كما رواه ابن الجوزي في (الموضوعات) من طريق أحمد وقال: لا يصح ذلك، أما حبان أصبغ فيرى أنه لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، كما أورد هذا الحديث أبو حفص عمر لن بدر الموصلي في موضوعاته.
أما رد ابن حجر في هذا الصدد، فيقول: "وفي كونه موضوعا نظر. فإن أحمد وابن معين والنسائي وثوقا أصبغ. وقد أورد الحاكم في المستدر على الصحيحين هذا الحديث من طريق أصبغ".
الحديث الخامس، وهو "ما من معتمر يعتمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعا من البلاء والجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة أحبه الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين قبل ؟؟؟؟ الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في الأرض، وشفع لأهل بيته"، وهذا الحديث رواه أحمد موقوفا على أنس, ثم يذكر ابن حجر إسنادا آخر لنفس الحديث، لكن بصياغة أخرى، وللمقارنة نسوق هذا الحديث: "إذا بلغ الرجل المسلم أربعين سنة أمنه الله من أنواع من البلاء من البلاء، من الجنون والجذام والبرص، وإذا بلغ خمسين لين الله عز وجل عليه حسابه، وإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه عليها، وإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين تقبل الله منه حسناته ومحا عنه سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخرن وسمي أسير الله في الأرض، وشفع في أهله". يقول ابن حجر: "وعلة الحديث المرفوع يوسف بن أبي ذرة". وقد أورد هذا الحديث ابن حباب في تاريخ الضعفاء، وقال: لا يحل الاحتجاج به، كما أن ابن الجوزي أورد الحديث نفسه في كتابه (الموضوعات) من الطريقين: المرفوع والموقوف وقال: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأعل الحديث الموقوف بالفرج بن فضالة، وحكى أقوال الأئمة في تضعيفه، ويرى ابن حجر أن الفرج بن فضالة قد خلط في الحديث، وقلب إسناده، فجعله من حديث بان عمر مرفوعا.
الحديث السادس وهو، بمعنى الحديث السابق، وقد ذكر ابن حجر سنده، كما أورده الإمام أحمد الذي لم يسق لفظه، وإنما أورده بعد حديث أنس الموقوف. ونبه إلى أن ابن الجوزي لم يذكر حديث ابن عمر في (الموضوعات). ويرى ابن حجر أنه كان ينبغي ذكره، لأنه موضوع قطعا. ومما يستدل به على وضعه، مخالفة الواقع, يقول ابن حجر: "وقد أخبرني من أثق به أنه رأى رجلا حصل له جذام بعد الستين فضلا عن الأربعين".
الحديث السابع، ويتعلق بدخول عبد الرحمان بن عوف رضي الله عنه الجنة حبوا، ونجد هذا الحديث عن ابن الجوزي، الذي يرى أنه كذب منكر، كما أن أبا حاتم الرازي لا يحتج به.
أما الحديث الثامن، فيتناول قوله صلى الله عليه وسلم: "عسقلان أحد العروسين يبعث منهما يوم القيامة سبعون ألفا لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسون ألفا شهداء وفودا إلى الله عز وجل، وبها صفوف الشهداء، رؤوسهم مقطعة في أيديهم تتج أوداجهم دما، يقولون: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد). فيقول: صدق عبادي، إغسلوهم في نهر الفضية، فيخرجون منها نقاة بيضا، فيسرحون في الجنة حيث شاروا". أورد هذا الحديث ابن الجوزي وقال: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أن ابن حبان يرى أنه لا يجوز الاحتجاج به، أما ابن عدي في (الكامل) فيقول: بأنه حديث غير محفوظ؛ وهو عند الذهبي في (الميزان) باطل.
ويتعلق الحديث التاسع، بالكلام عن فضل بعث خراسان، ونزول مدينة مرو، وقد أورد هذا الحديث ابن حبان في الضعفاء، وقال: سهل به عبد الله، منكر الحديث (كما ورد في الإسناد). أما البخاري فيقول: فيه نظر. وهذه العبارة يقولها البخاري فيمن هو متروك.
بعد سرد كل هذه الأحاديث التسعة مع ذكر المصادر التي أوردتها وحكمها عليها، يشرع ابن حجر في الأجوبة عن كلام الحافظ العراقي على هذه الأحاديث التسعة المذكورة. وهكذا يبدأ بتعقيب صريح على شيخه حينما احتج بحديث أبي هريرة من رواية موسى البلقاوي، واعترافه بأنه متهم، بمعنى أن الحفاظ اتهموه بالكذب، وإذا كان كذلك – كما يقول ابن حجر – فلا يصح أن يحتج بحديثه. وهنا يذكر المؤلف تخريج أبي نعيم لهذا الحديث في الحلية. لكن بوجه آخر عن أبي هريرة؛ وهو من رواية محمد بن عبدة القاضي، وكان يدعي سماع ما لم يسمع، وهو مشهور.
ويرى ابن حجر أنه لو احتج بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من سئل علما فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار"، لكان أولى. والحديث وإن لم يكن في نهاية الصحة، لكنه صلاح للحجة، وهو على كل حال أولى من حديث البلقاوي.
إن أجوبة ابن حجر على هذه الأحاديث التسعة تتلخص في كلامه التالي: نجيب عنها أولا من طريق الإجمال، بأن الأحاديث التي ذكرها ليس فيها شيء من أحاديث الأحكام في الحلال والحرام، والتساهل في؟؟؟؟  مع ترك البيان بحالها شائع. وقد رويت عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، إذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا، هكذا حال هذه الأحاديث. ثم يضيف ابن حجر موضحا وواضعا كل حديث من الأحاديث التسعة في نطاقه الخاص به.
يقول: فالأول منها يدخل في باب التسمية، والثاني كالثالث في الفضائل، الرابع في الحث على الكرم والبر والصلة برعاية الجار، والخامس كسادس في ؟؟؟ضل طول العمر في الإسلام، والسابع يحتمل التأويل وهو أمر نسبي، والثامن والتاسع في فضئال بعض البلدان، وفيها الحث على الرباط والجهاد". ثم بعد ذلك بدأ المؤلف في عرض كل حديث على حدة، مستعملا في ذلك الدقة والتفصيل اللازمين، ما ينبئ عن ثقافته الحديثية الواسعة، لإطلاعه الكبير.
ونحتار نموذجا واحدا من هذه الأحاديث التسعة، نستشف من خلاله ؟؟وبة ابن حجر، منهجه وطريقته، ثم ؟؟ف يورد الحديث، ويرد عنه الشبهات ودافع عنه الكشف عن حقيقيته، وهل؟؟ من الأحاديث الموضوعة؟ ثم ما مدى ؟؟بته إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ يقول المؤلف مثلا: "حديث سعيد بن المسيب في شأن التسمية بالوليد، فنقول: علته قول ابن حبان. إنه باطل، دعوى لا برهان عليها، ولا أتى بديل يشهد لها. وقوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله ولا عمر ولا سعيد ولا الزهري، شهادة نفي صدرت من غير استقراء تام على ما سنبينه. فهي مردودة، وكلامه في إسماعيل بن عياش غير مقبول. فإن رواية إسماعيل عن الشاميين عند الجمهور قوية، وهذا منها، وإنما ضعفوه في روايته عن غير أهل الشام، نص على ذلك يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل وعلى بن المديني، وعمرو بن علي الفلاس، وعبد الرحمان بن إبراهيم دحيم، والبخاري، ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني والنسائي، والدولابي، وأبو أحمد ابن عدي، وآخرون. وقد وثقه بعضهم مطلقا. والعجب أن ابن حبان موافق للجماعة، على أن حديثه عن الشاميين مستقيم. وهذه عبارته فيه: كان إسماعيل من الحفاظ المتقنين في حديثهم، فلما كبر تغير حفظه، فما حفظه في صباه وحداثته أتى به وجهه، وما حفظه على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه، وأدخل الإسناد في الإسناد.. فهذا كما تراه قيد كلامه بحدث الغرباء، وليس حديثه المتقدم من حديثه عن الغرباء وإنما هو من روايته عن شامي وهو الأوزاعي. وأما إشارته إلى أنه تغير حفظه واختلط....فلا أحد نسبه إلى الاختلاط.وإنما نسبوه إلى سو الحفظ في حديثه عن الشاميين، كأنه كان إذا رحل إلى الحجاز أو العراق اتكل على حفظه فيخطئ في أحاديثهم". وقد يطول بنا المجال أكثر لو أننا تتبعنا طريقة ابن حجر – كما وضحها في مؤلفه، - لكننا يمكن أن نستشف أهم الخطوات التي نهجها، وهي:
أولا: رده على ابن حبان الذي قال بأن ذلك الحديث باطل، بحيث لم يأت بدليل فهو ادعاء لا يقوم على برهان، بل إن كلامه في إسماعيل بن عياش غير مقبول، لأنه رواية هذا الأخير مقبولة وقوية عند الجمهور.
ثانيا: ذكره لأولئك الذين ضعفوا إسماعيل بن عياش عن غير أهل الشام، وقد وثقه بعضهم مطلقا.
ثالثا: ذكر الروايات المختلفة عن إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمان بن عمر والأوزاعي عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب، ثم رواية من تابع إسماعيل عن الأوزاعي. بعد هذا، ذكر رواية هذا الحديث كما أخرجها يعقوب بن سفيان في تاريخه، وكما أخرجه نفس الحديث الحاكم في المستدرك.
رابعا: ذكر رواية بشر بن بكر التي أخرجها البيهقي في (دلائل النبوة).
خامسا: ذكر رواية محمد بن كثير.
سادسا: ذكر رواية الزبيدي
سابعا: ذكر رواية الطبراني في (المعجم الكبير).
ثامنا: استنتاجه على بطلان شهادة ابن حبان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم م قاله، ولا سعيد بن المسيب حدث به، ولا الزهري ولا الأوزاعي.
بعد إثباته لكل هذه الأحاديث، يقول ابن حجر في خاتمة أجوبته على الحافظ العراقي: "ولما انتهى الكلام إلى هذه الغاية، وتبين لي أن أغلب هذه الأحاديث مع قلتها لا يتجه الحكم عليها بالوضع، فكيف بالقطع بذلك.
بعد هذان يستهل ابن حجر كلامه مرة أخرى بالجواب عن الأحاديث التي رواها الإمام أحمد أيضا في مسنده، وحكم عليها ابن الجوزري بالوضع، ولكن لم يذكرها الحافظ العراقي، وهذه الأحاديث في:
1- حديث حذيفة في عذاب القبر وذلك.
2- حديث شداد بن أوس: من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة لم تقبل به صلاة تلك الليلة.
3- حديث أبي هريرة: إن كالت بك مدة، أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله عز وجل، ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر.
4- حديث أبي أمامة: يكون في آخر الزمان في هذه الأمة ناس معها سياط كأنها أذناب البقر.
5-  حديث علي: إن في الجنة لسوقا ما فيها بيع ولا شراء.
6- حديث أنس بن مالك، إن عبدا في جهنم ينادي ألف سنة يا حنان يا منان.
7- حديث العباس بن مرداس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ربه عشية عرفة بالمغفرة لأمته.
8- حديث بن عمر في قصة هاروت وماروت.
9- حديث ابن عباس: يكون قوم في آخر الزمان يخطبون بهذا السواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة.
10- حديث عبد الله بن عمرو: لا يدخل الجنة منا ولا مدمن خمر.
11- حديث البراء: من سمى المدينة يثرب، فليستغفر الله، هي طابة طابة.
12-  حديث عبد الله بن حنظلة: الغسل درهم ربا يأكله وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زينة.
13- حديث إذا أقبلت الرايات السود من خراسان، فأتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي.
14- حديث أم الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيها يوما فقال لها:من أين جئت يا أم الدرداء، فقالت: من الحمام.
15- حديث أم سلمى في غسل فاطمة الزهراء قبل موتها غسل الميت.
وحين يثبت ابن حجر صحه هذه الأحاديث، وأنها غير موضوعة، يقول:
"هذا آخر ما تتبعته من الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي في الموضوعات، ولم يذكرها شيخنا وهي على شرطه، لكونه لم يقتصر في الحكم عليها بالوضع على النقل عن شخص مخصوص، بل اعتمد في الغالب على ابن الجوزي، فسلكت مسلكه في ذلك". ويضيف قائلا: "والذي أقول إنه لا يتأتى الحكم على شيء منها بالوضع لما بينته من الأجوبة عقب كل حديث. والله الهادي إلى الصواب". ثم يختم كلامه يقوله: "هذا آخر الجزء المسمى بالقول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد"، ثم يذكر بعد ذلك فراغه من كتابة هذا الجزء، وكان ذلك في سنة تسع عشرة وثمانمائة، ثم يحمد الله ويصلي على نبيه.
ومباشرة، يستهل الحديث عن بعض الذيول التي وضعت على القول المسدد، وخص الحديث هنا على ذيل للعلامة المحدث قاضي الملك محمد صبغة الله المدارسي رحمه الله تعالى.
وفي البدء، يذكر تاريخ طبع هذه الرسالة، وكان ذلك في أوائل شهر ذي الحجة عام 1319 هجرية. أما المصدر الذي نقل عنه، فهو للمولوي أبي محمد زين العابدين البهاري، ثم يذكر في نفس (الآن) المصدر الذي نقل عنه المولوي. يقول: "وكان هو (أي المولوي) نفسه عن النسخة الموجودة في خزينة الكتاب للمولوي خدايخش خان، وكانت هذه النسخة منقولة عن النسخة التي قرأها السخاوي على شيخه الحافظ ابن حجر، وقابل بأصل شيخه، ثم قابلها أيضا مصحح المطبعة حين الطبع، مع نسخة أخرى". انتهى كلامه.
وهكذا يورد هذا الذيل، وفي البدء يورد محمد صبغة الله المدارسي الباعث على وضع هذا الذيل ويقول: "إن الحافظ العراقي ذكر تسعة أحاديث، واستدرك عليه الحافظ العسقلاني، وزاد خمسة عشر حديثا، فضار المجموع أربعة وعشرين حديثا. وقد ذكر الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه: (النكت البديعات على الموضوعات) أن في الموضوعات ابن الجوزي ثمانية وثلاثين حديثا من مسند الإمام أحمد رضي الله عنه. وها أنا أذكر الأحاديث التي فاتت الحافظ العسقلاني رحمه الله تعالى".
ثم يورد هذه الأحاديث، نقتصر على ذكر نماذج منها.
فالحديث الأول: هو حديث أنس بن مالك في قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صاعقا).
الثاني: حديث أبي أمامة، قال: "من تما العيادة للمريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو يده، فيسأله كطيف هو، وتمام تحياتكم بينكم المصافحة".
الثالث: حديث ثوبان: إذا أصاب أحدكم الحمى.
الرابع: حديث جرير ابن عبد الله: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا.
الخامس: حديث أبي الأسود الديلمي، قال: كان معاذ باليمن، فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخاه مسلما.
السادس: حديث مالك بن عتاهية: إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه.
السابع: حديث أبي برزة: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فسمع رجلين يتغنيان.
الثامن: حديث أنس: ما من أحد يوم القيامة غني ولا فقير...إلخ الحديث.
التاسع: حديث عثمان بن عفان: الصحة تمنع الرزق.
العاشر: حديث على، يقول: أنا أول رجل صلى مع رسول الله صلى عليه وسلم.
لنأخذ نموذجا واحدا من هذه الأحاديث، لنقف على الكيفية التي يحقق بها العلامة المحدث قاضي الملك محمد صبغة الله المدارسي، مقارنين بين ما أورده الحافظ بن حجر، وما جاء في ذيل محمد صبغة الله المدارسي.
ولنختار الحديث الأول: قال الإمام أحمد رضي الله عنه، حدثنا أبو المثنى معاذ ابن معاذ العنبري، ثنا حماد بن سلمة، ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:
(فلما تجلى ربه للجبل). قال: قال هكذا يعني أنه أخرج طرف الخنصر، قال أحمد: أرانا معاذ، قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد، قال: فضرب صدره ضربة شديدة وقال: من أن يا حميد، وما أنت يا حميد، يحدثني به أن بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: أنت ما تريد إليه. ورواه أيضا عن روح عن حماد أورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق عدي، قال حدثنا على بن أحمد بن بسطام، ثنا الهدبة، ثنا حماد بن سلمة، ثنا ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، ). قال: أخرج خنصره على إبهامه فساخ الجبل، ونقل عن ابن عدي قال: كان ابن أبي العرجاء ربيب حماد بن سلمة، فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث، قلت: قال الحافظ السيوطي في (الآئى المصنوعة) هذا الحديث صحيح، رواه خلق عن حماد بن سلمة، وأخرجه الأئمة من طرق عنه وصححوه، ثم ذكر طريق أحمد، قال: وأخرجه الترمذي من طريق سليمان بن حرب عن حماد وقال: حسن صحيح غريب، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة من طريق أسد بن موسى، وحجاج بن المنهال كلاهما عن حماد، وأخرجه ابن مردويه في التفسير من طريق مسلم، بن إبراهيم عن حماد، وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق عنان بن مسلم وسليمان بن حرب، ومن طريف محمد بن كثير عن حما. وأخرجه الضياء المقدسي في (المختارة) وصححه. وقد ذكر الزركشي في تخريج الرافعي أن تصحيحه أعلة مرتبة من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي وابن حبان، وقال ابن طاهر في (تذكرة الحفاظ) أورد ابن عدي هذا الحديث في ترجمة حماد بن سلمة، ولعله أشار إلى تفرده به، وحماد إمام ثقة. وقال البيهقي بعد تخريجه: وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا، ثم أخرج من طريق عمرو بن طلحة عن أسباط عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، ). قال تجلى منه طرف الخنصر، فجعل الجبل دكا، وأخرجه الحاكم وصححه وأخرجه الطبراني في السنة من طريق عمرو بن محمد العنقزي عن أسباط، ثم وجدت لحماد بن سلمة متابعا عن ثابت عن أنس به، وأخرجه ابن مردويه أيضا من طريق شعيب بن عبد الحميد الطمان عن قرة بن عيسى عن الأعمش عن رجل تن أنس رضي الله عنه به، وورد أيضا من حديث انب عمر أخرجه ابن مردويه من طريق المسيب بن شريك عن ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا به (انتهى كلام السيوطي).
قلت: ما نقل أنه دس في كتبه فلا يصح، وإنما نقله محمد بن شجاع بن الثلجي. قال الذهبي في الميزان: (ابن الثلجي ليس بمصدق على حماد وأمثاله وقد اتهم).
وهكذا نستنتج أن العلامة الحافظ محمد صبغة الله يعتمد في تحقيقه هذا الخطوات التالية:
1- إيراده للحديث كما ورد عمد الإمام أحمد بسنده.
2- ذكر ابن الجوزي لنفس الحديث في الموضوعات من طريق ابن عدي.
3- قول الحافظ السيوطي في كتابه: (اللآئى) المصنوعة أن الحديث صحيح.
4- بعد هذا يذكر مختلف المستخرجات كما وردت عند السيوطي، ومنها ما أخرجه ابن أبي عاصم، وما أخرجه الحاكم في (المستدرك) والبيهقي في (كتاب الرؤية) والضياء المقدسي في (المختارة) والطبراني في السنة وابن مردويه. ثم عقب هذا كله، ويدلي برأيه في الحديث من خلال هذه العملية الاستقرائية.
وهكذا تبين لنا واضحا. أن ليس هناك فرق بين العالمين فيما يتعلق بإثباتهما لهذه الأحاديث التي قيل إنها موضوعة وواردة في مسند الإمام أحمد.
وعلى هذا النحو، ترسم الملامح المشتركة التي جمعت بين ابن حجر ووالده في وضع هذا الكتاب، واختيار الصورة اللائقة به. يقول صبغة الله بن محمد غوث في آخر الجزء الذي ذيل به على القول المسدد: "هذا آخر ما أردت جمعه، وقد رأيت في بعض التعاليق أن الحافظ السيوطي عليه أيضا، ولم أقف على ذلك الذيل. فمن وقف عليه فليحقق ما فاتنا وبالله التوفيق". ثم يضيف قائلا: "وفرغت من تحريره يوم الثلاثاء الثاني من ذي القعدة الحرام سنة ألف ومائتين وتسعة وسبعين".
أما ابن حجر، فيختم الكتاب بقوله: "فرغت أنا من تحريره يوم الثلاثاء العشر من هجرة خاتم الأنبياء سيد البشر".
يتبين لنا إذن، أن الحافظ بن حجر وضع الكتاب في صورته الأولى، وكان عبارة عن جمع الأحاديث التي حكم ابن الجوزي بوضعها، وهي في مسند الإمام أحمد وأجاب عنها، ثم جاء الحافظ السيوطي فذيل على كتاب ابن حجر (القول المسدد) ذيلا سماه: "القول الحسن والذب عن السنن"، وهو ما يشير إليه صبغة الله بن محمد في الذيل الذي وضعه وكذلك على "القول المسدد".
يبقى بعد هذا أن نقف عند المنهجية التي سار وفقها ابن حجر في كتابه. يقول في المقدمة: "أذكر وجه الذب عن الأحاديث المذكورة على طريقة أهل الحديث منم غير تعسف ولا تكلف". ويضيف أيضا: أجمعت في هذه الأوراق ما قع في المسند عن رواية الإمام أحمد، ومن رواة ابنه عبد الله مما قال فيه بعض أئمة هذا الشأن: له موضوع، وبعض هذه الأحاديث مما لم يوافق من ادعى وضعها على ذلك، فأبينه مع سلوك الإنصاف".
أول ما يلاحظ إذن، إن ابن حجر قد اعتمد في كتابه القول المسدد على التحري والصدق والدقة والاسقتصاء في الخبر، لأن من شأن المدافع عن أمر ما أن تروعه بدقة الشديدة في الرواية والإسناد الذي ترومه، والحذر البالغ في الأخذ والتقصي، فنجده يقارن ويقابل بين الروايات: وينص على ما قد زيد على هذه الرواية أو تلك؛ وكأن ابن حجر اتخذ من حديث رسول الله في خطبة حجة الوداع: "نضر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها؛ فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، مقياسا ومبدءا قويا، فكان يسير الثقات من الضعفاء والمتهمين، وهو لا يتهم لا عن بينة، ولا يقبل من الرواي إلا بعد التوثيق الشديد.
ولا يسع المرء في هذا المقام إلى الاعتراف -من خلال هذه المنهجية الدقيقة والخطة القويمة التي تبناها ابن حجر في مؤلفه – بأنه من كبار الحفاظ؛ حاز ثقافة واسعة بالحديث ووجوه صحته وحسنه وضعفه وعلله وطرقه ورواته. ولا أدل على هذا عن اعتماد على أعلى الطرق كالسماع والقراءة.
ومن هنا تظهر جليا قيمة الكتاب، جوانب قوته تبدو في طريقة تأليفه وفي منهجه، فهو عالم بأصول الحديث، حجة فيه، بارع في علوم الرواية والإسناد، له خبرة بالحديث وقوة علة استحضار السند كاملا والتعقيب عليه، فتحس وأنت تقرأ كتابه كأنك طالب من طلابه يتدرج بك من البسيط إلى المركب، فهو لا يقدم المعلومات فقط، بل إنه زيادة على ذلك يمكن القارئ من وسائل معرفة أدوات الحديث بطريقة علمية ترتكز على الدقة.
وتلك خصائص قيمة تدفعنا إلى أن نتحدث عن كتاب "القول المسدد" وعن مؤلفه ابن حجر العسقلاني.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here