islamaumaroc

رواد المغرب في العلوم البحتة -1-

  عبد الحميد محيي الدين

العدد 286 صفر-ربيع 1-ربيع 2/ شتنبر-أكتوبر-نونبر 1991

يسود لدى بعض المهتمين بعالم الفكر في المغرب، اعتقاد بقصة اهتمام العلماء المغاربة بالرياضيات والعلوم، لا سيما في تاريخهم السابق عن الحقبة المعاصرة، وهذا ينطوي على تجن كبير، وظلم غير مقبول، في حق الفكر المغربي الموسوعي، الذي كان يستوعب كل المعارف والعلوم الرائجة في جميع العصور المتعاقبة، ويعنيني هنا ما واكب فترت الحكم الإسلامي، إثر الحقبة الإدريسية، وقبل العهد المرابطي، حتى أوائل القرن 14 هـ (أواخر القرن 19م).
فإذا كان الرياضيون والفلكيون المسلمون، يهتمون اهتماما كبيرا، بالوسائل التي تمكنهم من إتقان عملهم، كآلات الرصد الفلكي، المتعددة المنافع، والمختلفة الأسماء (كالأسطرلاب، والصفيحة، والرخامة) ويؤلفون فيها كتبا ورسائل عديدة، فإن عناية العلماء المغاربة بالرياضيات، لا تقل عن عنايتهم بغيرها من العلوم والفنون كما سنرى ويؤكد هذا ما توافر لدينا من المؤلفات القيمة، التي خصصها علماء المغرب لهذا العلم، وكذا قائمة الأعلام المرموقين، الذين كان لهم نصيب كبير في تطوير علوم الرياضيات، والفلك وضبط مقاييس الرصد.
ولعل أول علم في هذا المضمار، يرجع إلى ما قبل الفترة المرابطية، في أثناء القرن الهجري الرابع (العاشر الميلادي)؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أن للجنوب المغربي دورا بارزا في التراث الرياضي والفلك، تمثل في إنتاج الأعلام، الذين طبقت شهرتهم الآفاق، والذين سيأتي ذكرهم بعضهم في هذا السياق، إلا أن الملاحظ هو اهتمامهم بالحساب وعملياته المعروفة، وبالهيئة التي كان يقصد بها كل ما يتعلق بعلوم الأفق، من علم تتبع سير النجوم، وعلم ما يعرف به ذلك من الآلات، كالأسطرلاب والربع ونحوهما، وعلم التوقيت، وعلم الرخاميات، وما إلى ذلك مما هو معروف قبل العصر الحديث، وقد كان للسوسيين ؟؟؟ طولى في هذا الفن الجليل". (1)
ومفهوم الرياضيات عند علماء الجنوب، يرتبط ارتباطا وثيقا بالفرائض، لعلاقتها بقسمة المواريث، لذلك يقرر العلامة مؤرخ الجنوب (المختار السوسي) (2) هذا المفهوم بقوله:
"لا يتداول عندهم في الرياضيات إلا علم الحساب فقط، ففن الأرجوزة السملالية التي أتمها أحمد بن سليمان الرسموكي، وشرحها أيضا بشروح ثلاثة، وفيها الجمع والطرح والضرب والقسمة، هذه صحيحة ومكسرة، وطرق ذلك، وليس فيها الجبر، ولا ما يماثله، وحسابها على النمط القديم، ولكن السوسيين يتقنونه إتقانا عجيبا، حتى تحصل لهم فيه ملكة، بل فيهم نوابغ لا يجاورن فيه وفي الفرائض".
وإذا كان الهدف من وراء هذا الموضوع، هو إثبات رسوخ قدم العلماء المغاربة في علم الرياضيات وما إليها في مختلف العصور، فإن المنطلق سيكون البحث عن الأعلام البارزين في هذا العلم، ومن هنا يقودنا البحث إلى ربط الأندلس بالمغرب، باعتبار أنهما يكونان قبل العصر المرابطي ما يمكن تسيمته بالوحدة الفكرية، قبل الوحدة السياسية، في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي).
وبالرغم من صعوبة الحسم في تحديد بداية تاريخ الرياضيات في المغرب، فإنه ممن الممكن أن نقول: إن علوم الرياضيات، كانت من جملة المواد التي كانت تدرس في المغرب في وقت مبكر، وليس ما يذهب إليه (أحمد بن القاضي) في كتابه "المنتقى المقصور على مآثر الخليفة أبي العباس أحمد المنصور" (3) من أنه ظهر في أيام هذا السلطان علوم وصناعات مهمة، لم تكن قبل في المغرب، (ويذكر من بين ذلك الحساب، والهندسة، والمساحات) دليلا حاسما على تأخر العلوم الرياضية في المغرب إلى العهد السعدي، إذ الواقع أن هذه الفترة التي يعنيها (ابن القاضي المكناسي) وجدت رصيدا علميا نتج عن عصور المغرب السابقة، ثم آل إلى هذا العهد، فانبعث من جديد مطبوعا بطابع العصر السعدي.
فهذا (محمد بن عبد السلام سحنون) الفقيه المغربي المالكي يقول في القرن الثالث الهجري (ت 256) في رسالته (آداب المعلمين): "وينبغي أن يعلمهم الحساب، وليس ذلك يلازم له..." (4) وذلك لاحتياج الناس إليه في المعاملات، وقسمة الوصايا والمواريث وغير ذلك.
ومن الطبيعي أن يتطور علم الرياضيات، ويتجاوز هذا المستوى المشار إليه في رسالة الفقيه المغربي (ابن سحنون)، ويصل إلى الدرجة التي يومئ إليها (ابن القاضي) خلال العهد السعدي، حتى إذا المتعلمون في المغرب حينذاك "يدرسون الجبر والمقابلة، إضافة إلى حساب الأعداد الصحيحة، والنسبية والجذور، وكانوا يستعملون الأرقام العربية المعروفة حتى اليوم، وسموها (حروف الغبار)" (5) وهي التي تسميها الكتب الأجنبية بالأرقام العربية، وهي لا تستعمل إلى في المغرب من الوطن العربي، على أنها منتشرة في جميع أقطار العالم (....)، ومع العلم بأنها عربية قطعا، لا ندري أول من استعملها، ولكنها قديمة؛ ونسبتها إلى الغبار، لأنهم كانوا يرسمونها عليه، ليسهل محوها، وأقدم نص ذكرها بهذا الإسم – على ما يرجح – كتاب لابن الياسمين (6) (عبد الله بن محمد بن حجاج) في العصر الموحدي.
وفي القرن العاشر الهجري درس المتعلمون كذلك أشكال الخطوط والسطوح والأجرام، وأتقنوا رسم مختلف الأشكال الهندسية، من دوائر، وزوايا، وبرعوا في صناعة التكسير المتعلق بالمساحات؛ ولتعميق علم الرياضيات وما إليها، ألف العلماء المغاربة ومختلف العصور كتبا علمية، تشهد بجهودهم المتميزة في هذا المجال، وتجعل المرتاب في مكانتهم المتميزة في الرياضيات يقر بهذه المكانة، ويقتنع بريادتهم، خاصة إذا برزت تلك المؤلفات على يد المختصين، وخرجت من رفوف الخزائن والمكتبات، إذ أن جلها مازال لم ير النور، ولم يعرف على العموم، إلا بعض مؤلفات (ابن البناء العددي المراكشي) في العهد المريني، بعض مؤلفات أبي الحسن الأندلسي بسلا، والتونسي وفاة، المعروف بالقلصادي، والمتوفى أوائل العهد الوطاسي. ولعل قائمة المؤلفات الآتية، بين إلى حد بلغت جهود العلماء المغاربة في الرياضيات خلال العصور المتعاقبة، مرتبة حسب وفيات أصحابها.
ففي القرن الرابع/هـ (العاشر/م) نجد مجموعة من الكتب العلمية، لإمام الرياضيين في عهده، وأوسعهم إحاطة بعلم الأفلاك والنجوم، مسلمة بن أحمد بن باسم ت 398 هـ/1007م، وصفه مترجموه بأنه "رياضي فلكي" في وقته بالأندلس، (7) ومن كتبه: (ثمار العدد) في الحساب، يعرف بالمعاملات، و(اختصار تعيل الكواكب من زيج (8) البتاني) وغيرهما، وأغلب كتبه مخطوط على ما أبدوا (والبتاني) الذي اعتمده مؤلفنا هو محمد بن جابر أبو عبد الله المعروف بالبتاني، فلكي مهندس، اشتغل برصد الكواكب من سنة 264 إلى 306 هـ وهو في ؟؟؟حران (ت 317هـ). وفي القرن (5 هـ/11م) قبل العهد المرابطي، ترد مجموعة من الكتب العلمية لأمثال: أبي القاسم أحمد بن عبد الله بن عمر(ت 426 هـ/1035م) المعروف بابن الصفار، المهندس الفلكي، له رسالة في (الأسطرلاب) مازالت مخطوطة.
وفي القرن الموالي، إبان الحكم المرابطي في المغرب والأندلس، نجد من علماء الرياضيات: (أبا إسحاق إبراهيم بن يحيى التجيبي) المعروف بابن الزرقاتة (ت 493هـ/1100م)
قال مترجموه: إنه فلكي أندلسي. وقال ابن الأبار في (تكملة الصلة): "كان واحد عصره في علم العدد، والرصد، وعلل الأزياج، ولم تأت الأندلس بمثله، من حين فتحها المسلمون إلى وقتنا هذا" (9) ومن مؤلفاته: (العلم بالصفيحة الزيجية) و (المدخل إلى علم النجوم) ورسالة في طريقة استخدام الصفيحة المشتركة لجميع العروض في الفلك؛ ولكنها مخطوطة على ما نعلم، وترجمت بعض رسائله وكتبه إلى لغات أجنبية.
وفي العهد الموحدي، خلال( ق 6هـ/12م) يمكن ذكر الخليفة (يعقوب المنصور الموحدي، ت 595هـ) الذي أقام أول مرصد في اشبيلية، حيث أسس في مسجده بها لوحا عاليا للرصد، كما أنه وضع أزياجا فلكية عن كسوف الشمس؛ وكذا (السموال بن يحيى المغربي المتوفى حوالي 570هـ/1175م) الموصوف بأنه (مهندس رياضي...) أصله من المغرب، أقام مرة في بغداد، وانتقل إلى فارس؛ من كتبه (المثلت القائم الزاوية) و (إعجاز المهندسين)، ويرجح أنه آخر مؤلفاته، و (الباهر) في الرياضيات، وهذه التسمية من وضع أحد الذين اطلعوا عليه، كما عند (الرزكلي) في "الأعلام".(10)
ومن الذين ساهموا في العلوم البحتة خلال هذا العهد الموحدي (القرن 6 هـ) (محمد الحصار) المكنى (بأبي زكرياء) فقد ورد في مادة "حساب" بدائرة المعارف الإسلامية، أن له كتابا اسمه (الكتاب الصغير في الحساب) نوه به العلامة ابن خلدون في مقدمته حين قال: "ومن أحسن التأليف المبسوطة فيها(في العلوم العددية) لهذا العهد بالمغرب كتاب الحصار الصغير". (11)
وربما هذا هو الذي أوقع المؤرخ (عمر فروخ) في الوهم، حين قال: وهو يتحدث عن ابن البناء المراكشي، "وله كتاب مفصل مشهور في الحساب اسمه: "الحصار الصغير" فجعل الحصار العالم الرياضي اسما لكتاب مزعوم لابن البناء !!وذلك في كتابه (تاريخ العلوم عند العرب).
ومن علماء العلماء المبرزين في العلوم البحتة في هذا العهد: (عبد الله بن محمد بن حجاج) المعروف (بابن الياسمين) من أهل فاس، ومن أصل أمازيغي (بربري)، ويذكر بعض مترجميه أنه من أهل مراكش، (12) وقد وصفوه بأنه رياضي برع في عدة علوم كالهندسة، والتنجيم، والهيئة، وخاصة الحساب والعدد، فكان لا يدرك شأوه فيها، ولا ينازع في الاختصاص بمعرفة دقائقها، وغوامض مسائلها: (13) "وبأنه عالم بالحساب، ومن الكتاب" كان من خدام يعقوب المنصور، وولده الناصر، له (أرجوزة في الجبر) قرئت عليه، وسمعت منه، وله كذلك (أرجوزة ي أعمال الجذور) و(تلقيح الأفكار، في العمل بحروف الغبار) في الرياضيات، وتوجد نسخة منها بالخزانة العامة بالرباط، وكتبه كلها مازالت، على ما يرجح، مخطوطة، (ت 601 هـ/1204م).
ومن رواد البحتة في العهد الموحدي كذلك: أبو علي الحسن بن علي بن عمر، شرف الدين المراكشي (المتوفى نحو 660هـ/1262م) نعته الأستاذ كنون "بالعالم الرياضي الشهير"، ووصفه الزركلي بأنه "موقت مغربي"، له كتاب (جامع المبادئ والغايات وعلم الميقات) ونال عنه (الحاج الخليفة): "أعظم ما صنف في هذا الفن" (14) وقد رتبه على أربعة ؟؟نون:
1) في الحسابيات، ويشتمل على سبعة وثمانين فصلا.
2) في وشع الآلات، ويشتمل عل سبعة أقسام.
3) في العمل بالآلات، ويشتمل على خمسة عشر بابا.
4) في مطارحات يحصل بها الدربة، بالقوة على الاستنباط، ويشتمل على أربعة أبواب، في كل باب منها مسائل على طريق الجبر والمقابلة.
وعلى هذا الكتاب قامت شهرة أبي علي المراكشي بين علماء الغرب، واعتبروه من أعظم فلكيي العرب، وقد نقل العلامة (سيديو) زبدته إلى اللغة الفرنسية، كذلك نقل (البارون كارادوئو) فصلا منه يتعلق بالإسطرلاب، (15) وهذا الكتاب مازال مخطوطا على الأرجح، ولأبي علي المراكشي كتب غير هذا، في مباحث رياضية هامة.
وفي العهد الموحدي كذلك، ظهر أحد أعلام الرياضيات في المغرب، وهو أبو الحجاج يوسف بن يحيى الرياضي المعروف بابن سمعون، عرف به (ابن القفطي) في أخبار الحكماء فقال:
"كان طبيبا إسرائيليا من أهل فاس (....) وعاشر العلوم الرياضية، وأجادها، وكانت حاضرة على ذهنه عند المحاضرة.
أما في الفترة المرينية، فقد تطورت العلوم البحتة، وبرز فيها أعلام مغاربة، من أشهرهم: أبو العباس أحمد بن محمد المراكشي، المعروف بابن البناء، حكوه بنعوت كلها تجمع على مكانته الفريدة، فهو "العلامة الفلكي" والمحاسب المشهور". وهو الرياضي الباحث من أهل مراكش مولدا ووفاة"، برع في العلوم الفلسفية، ولا سيما الرياضية، فكان لا يدرك شأوه فيها، ولا يبلغ مداه، فإن إليه انتهى علمهما بالمغرب، وعنده اجمع ما تفرق منهما بأيدي قدماء الرياضيين، من إسلاميين وغيرهم"، "حتى إن غاية العلماء بعده تفهم كتبه، وتناولها بالشرح بالتفسير" (18)
من كتبه المطبوعة: (تلخيص أعمال الحساب) الذي نظمه (ابن غازي الآتي ذكره في هذه الفترة قريبا) وشرحه، وكل منهما مطبوع بفاس أولا، ثم حققه محمد السوسي سنة 1969. (رفع الحجاب عن تلخيص أعمال الحساب) (19) حلاه (ابن خلدون) في المقدمة بهذا الوصف: "هو كتاب جليل القدر، أدركنا المشيخة تعظمه، وهو كتاب جدير بذلك، ومن كتبه أيضا: (علم الأسطرلاب)، و(قانون معرفة الأوقات بالحساب) و(رسالة في تحقيق رؤية الأهلة).
(وابن البناء المراكشي)، إلى جانب تبريزه في الرياضيات، مشارك في معارف عصره، بل إنه "أتقن العربية وآدابها، وحصل علوم الشرعية" فكان بذلك نموذج العالم المغربي الموسوعي ما بين القرنين السابع والثامن توفي حسب بعض مؤرخيه عام (721هـ/1321م). (20)
ولئن كان (ابن البناء) فريدا في العلوم البحتة، فلأن العصر الذي عاش فيه، امتاز بنشاط منقطع النظير فيما يرجع للرياضيات، والعلوم المرتبطة بها، كعلم التوقيت، والفرائضـ وغير ذلك.
وعرف هذا العصر ما لم تعرفه عصور سابقة أو لاحقة، من شخصيات كثيرة لامعة، نبغت في هذه العلوم، وتقدمت فيها تقدما باهرا (...) فكان منها من أصبح أستاذا لمن أتى بعده، بفضل ما قام به من أبحاث، وما خلفه من آثار، ظلت إلى يومنا المرجع الأساسي لكثير في هذه العلوم (كتلخيص ابن البناء)". (21)
وقد توافرت مجموعة من العوامل، حفزت إلى تطوير العلوم الرياضية، خاصة خلال هذا العهد، وقد يكون من أبرزها، أن الرياضيات ظلت العلم الوحيد، الذي لم يعرف تنافرا ولا تضادا مع علوم الدين السائدة وقتذاك، ولم يكن ملوك المغرب المرينيون ينفرون من المشتغلين بها، بل كانوا يدنونهم، ليستفيدوا من تجارهم ونتائج أبحاثهم، كما فعل (أبو سعيد عثمان ابن عبد الحق) حين استدعى (ابن البناء) وطلب منه إطلاعه على وقت وفاته ! وهذا أمر – وإن كان فيه ما يدعو إلى الاستغراب من الناحية العقدية – فإنه يدل على مكانة (ابن البناء)، وفي الوقت نفسه، يشير |إلى أن الرياضيات تتداخل مع التنجيم، باعتبارهما معا من العلوم البحتة، ويد يكون من هذه العوامل، حاجة الدولة إلى ضبط أحكامها، ومواردها ومصاريفها، واستخلاص الضرائب، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى دراسة في علم الحساب. إلا أن أهم العوامل على ما يبدو، هو حاجة جمهور المسلمين في العصر إلى ضبط أوقات الصلوات، وبداية الأهلة المرتبطة بالشعائر (كالصيام، والحج، والأضحى، والفطر)، وتحديد الأنصبة المتعلقة بالمواريث، لحاجة الناس الماسة إلى ضبطها بإتقان، وذلك لا يتأتى إلا بعلم الحساب، لذلك قرر (ابن خلدون)، وهو يتحدث عن "العلوم العددية" (22) أن فروعها "الفرائض"، وهي صناعة حسابية في تصحيح السهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعددت، وهلك بعض الوارثين، وانكسرت سهامه على ورثته (...) فيحتاج في ذلك كله إلى عمل يبين به سهام الفريضة، (...) فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير في صحيحه، وكشره، وجذره، ومعلومه، ومجهوله(...) فتشمل حينئذ هذه الصناعة على جزء من الفقه، وهو أحكام الوراثة، ممن الفروض، والعول والإقرار، والإنكار، والوصايا، والتدبير، وغير ذلك من مسائلها، وعلى جزء من الحساب". ثم إن "علمي الفرائض، والتنجيم، كانا من أهم الأسباب التي جعلت الرياضيات تتقدم وتنهض، نظرا للترابط الوثيق الموجود بينها، فالسبب إذن كان دينيا في جوهره". (23).
وقد كان (ابن البناء) نموذجا فريدا، صقلته هذه البيئة، وحفزته على التفوق والتبريز في هذه العلوم البحتة، خاصة الرياضيات، حتى أصبح كثير ممن اهتموا بها عالة عليه، وتلاميذ تابعين له، ليس في المغرب وحده، بل في المشرق أيضا.
ومن مشاهير هذا العلم في العصر المريني العلامة (محمد بن النجار التلمساني (ت 749هـ/1348م) تتلمذ على (ابن البناء) حتى غدا متفوقا في علم النجوم/ فضمه أبو الحسن المريني إلى قصره حتى وفاته في التاريخ المذكور.
ومن المشاهير في الرياضيات بالمغرب، في هذا العهد، (أبو الحسن علي بن محمد المعروف بالقلصادي (891هـ/1486م) وهو مغربي أندلسي كما ينسبه مترجموه، أو أندلسي تردد على تونس وأخذ منها مجموعة من معارفه؛ (24)
وهو نموذج من رواد الغرب الإسلامي، في العلوم البحتة، ولا سيما الرياضيات، ويدل ما شهد به أحد تلاميذه، كما نقل مؤلف (نيل الابتهاج) على أنه موسوعي متعدد الاختصاصات، إذ ألف في أغلب معارف عصره، وترك آثارا كثيرة تشهد بموسوعيته، قال (أحمد بابا التنبكتي)، (25) إنه "آخر من له التآليف الكثيرة من أئمة الأندلس:. وقال تلميذه (أبو عبد الله الملالي): "له تآليف أكثرها في الحساب والفرائض (كشرحه العجيب على تلخيص البناء) (وشرحه العجيب على الحوفي). (26)
ومن بين مؤلفاته في الرياضيات، والحساب خاصة: (كشف الجلباب، عن علم الحساب) و(كشف الأسرار عن علم حروف الغبار) وهو مقتطف من سابقه، كما يقول في المقدمة: "اقتطفتها (يعني رسالته كشف الأسرار) من كتابي المسمى بكشف الجلباب، عن علم الحساب، لتكون غنية لبعض الطلاب، وتذكرة لذوي الألباب، وسميتها بكشف الأسرار"... إلخ (27) وهذه الرسالة وقع تأليفها عام 852 هـ بالقاهرة. وله (شرح ابن الياسمين في الجبر والمقابلة) و(الضروري في علم المواريث) ورسالة في (قانون الحساب) (28) وذكر (الزركلي في أعلامه) (29) أن له (شرح الأرجوزة الياسمينية) وهو المتقدم آنفا بعنوان (شرح بن الياسمين في الجبر والمقابلة) حسب ما جاء في (نيل الابتهاج وابن الياسمين هذا هو عبد الله بن محمد ابن الحجاج (30)
وفي القرن التاسع والعاشر من هذا القرن، برز أيضا رائد من رواد العلوم البحتة في المغرب، وهو أبو عبد الله محمد بان أحمد المكناسي، المعروف بابن غازي (ت 919هـ/ 1513م) (31) قال فيه الكتاني في فهرسه) (32): "الفقيه الحيسوبي الفرضي" ذو القراءات، والحديث، والفقه، والعربية، والفرائض، ؟؟؟لحساب، وغيرها، (33)، له في الرياضيات: غنية الطلاب في شرح منية الحساب) وهو المطبوع.
وهناك من الرواد غير هؤلاء في العصور المتقدمة قبل الأشراف السعديين والعلويين، ؟؟؟؟ في عهدهم، فقد تطورت العلوم البحتة، ولا سيما الرياضيات، وبرز أعلام مرموقون ازدان بهم تاريخ المغرب.
ففي العهد السعدي، انبعث المغرب انبعاثا علميا تمثل في عدد من العلوم الرياضية وفي الهيئة، والطب، "وكان المنصور السعدي فضل تشجيع هذا الانبعاث"، (34) يضاف إليه الرصيد العلمي الذي تبقى من عصور المغرب المزدهرة، ثم ؟؟ لهذا العهد، فانبعث من جديد مطبوعا بطابعه، وهذا الانبعاث تناول علم الهندسة، كما تناول بعض فروعه من مساحة ومناظر.
ويأتي في مقدمة رواد هذه العلوم هلال العهد السعدي:
أحمد المنصور الذهبي (ت 101هـ/1591م) (35) نفسه، الذي كان رياضيا شغوفا بدراسة الكتب الأصيلة وقد جمع حوله طائفة من الرياضيين ليدروا معه الكتب المتعلقة بهذه العلوم. وقد كان لإقباله عليها أثر كبير في تشجيع العلماء، واهتمامهم الكبير بهذا الاتجاه العلمي البحت، حتى أصبح تعلم الرياضيات والهندسة أمرا شائعا في هذا العهد (36)
ومن الرواد الرزين في هذا العدد، الذي لا يجارى في العلوم البحتة:
شهاب الدين أحمد بن محمد المكناسي الزناتي، المعروف بابن القاضي (1025 هـ/1616م)، وصفه مترجموه بأنه مؤرخ "رياضي" وأنه متضلع في علوم العربية والشريعة، بله "الحساب والفرائض" (37) له مؤلفات، منها في الرياضيات: (غنية الفرائض، في طبقات أهل الحساب والفرائض)، (المدخل في الهندسة) وغيرها.
ومن الفلكين الرياضيين خلال هذا العهد: أبو زيد عبد الرحمان البعقيلي الجزولي (ت 1006هـ/1597م)، العالم الفلكي البارع، توفق في الحساب والتنجيم، حتى إن المنصور السعدي نقله إلى مراكش للتوقيت بها، وهي عامة الدولة إذ ذاك، له من المؤلفات: (قطب الأنوار، من روضة الأزهار) في علم التوقيت، طبع على الحجر بفاس، و(تحصيل المطلوب، في ربع الجيوب) أرجوزة في عشرين بابا، وهو مخطوط، وله غير هذا. (38)
هكذا إذن ينضاف العهد السعدي إلى ما بقله من العصور، ولا سيما المريني، ليساهم في بناء صرح العلوم البحتة في المغرب، ولو بشكل جزئي.
أما في عهد الأشراف العلويين، فقد نبغ رواد مغاربة في الرياضيات وما إليها، ولا سيما التوقيت، والفرائض، والتنجيم، وكان لتشجيع الملوك العلويين أثره الأكبر في الإقبال على هذه العلوم البحتة، فقد ورد في منشور (39) أصدره السلطان(محمد بن عبد الله) عن حالة التعليم في المغرب، ما يدل علة العناية بعملاء دولته، خاصة المشتغلين منهم بالرياضيات. ومما جاء في الفصل الثالث منه: "والفقهاء الذين يقرأون "الأسطرلاب" وعلم الحساب، يأخذون حظهم من الأحباس، لما في تلك من المنفعة العظيمة، والفائدة الكبيرة لأوقات الصلاة والميراث، وعلى هذا يكون العمل إن شاء الله".
وإذا كان لنا أن نذكر بعض الرواد الأعلام في هذا العصر، فإننا نكتفي بأهمهم، متخذين إياهم نماذج عن السكوت عنهم، توخيا للاختصار، ومراعاة لحدود هذا المقال.
فأولهم في القرن الهجري الحادي عشر محمد بن سعيد المرغتي السوسي الأصل والمنشأ (ت 1089هـ/1678م)، كان في عهد السلطان مولاي رشيد، والسلطان مولاي إسماعيل، وفي عهده توفي بمراكش، وكان قبلهما "قد استكتبه بعض أمراء الدولة السعدية"، (40) وبهذا يكون مخضرم الدوليتين، على أنه في عهد العلويين برز في العلوم البحتة التي نحن بصددها في هذا المقال، ومن تآليفه المشهورة: (المقنع) في علم التوقيت، وقد شرحه بشرحين، ونال إقبالا كبيرا، وما زالت المدارس العلمية العتيقة بسوس تعتني به، "مع أنه مرجى البضاعة في ذلك الفن" كما نقل صاحب (المعسول).
وفي عهد مولاي إسماعيل كذلك، عرف المغرب علما آخر من رواد هذه العلوم، هو أبو عبد الله محمد بن سليمان الروداني السوسي، أدرك الدولة السعدية، وعاش أزهى فترات إنتاجه في خلال الدولة العلوية، وتوفي سنة (1094هـ/1683م).
وصفه (الكتاني) [نه "فرد الدنيا في العلوم، وقوة المشاركة، (41). وقال (كنون) في حقه: "العالمة الجامع الفيلسوف الفلكي البارع"، "وابتدع آلة نافعة في علم التوقيت والهيئة لم يسبق إليها، (....)، وهي تغني عن كل آلة في فن التوقيت والهيئة، وتخدم سائر البلاد على اختلاف أعراضها وأطوالها، وقد ألف رسالة يبين فيها كيفية استعمالها، وطيفية صنعها". (42)
وفي القرن 11 هـ وتحت ظل العهد العلوي، ظهر أحد أعلام الرياضيات، هو(أبو زيد عبد الرحمان بن عبد القادر الفهري الفاسي، المتوفى سنة 1096هـ/1684م) "كان له مشاركة في العلوم الفلسفية، والطبيعية، والرياضية، من حساب وهيئة وجبر، وهندسة، وطب، وكيمياء، ومنطق، وما إلى ذلك"، "وألف في هذه العلوم كلها كتبا منظومة ومنثورة، ومن تآليفه كتابه المسمى (الأقنوم في مبادئ العلوم)، وله كذلك (المختار في حساب الغبار) و(قلائد العسجد في علم العدد) و(النتائج الحسية، في المعالم الهندسية) (وكشف الحجاب في علم الأسطرلاب) إلى غيرهما مما ذكره مؤرخوه". (43)
وفي العهد الإسماعيلي، ظهر فلكي حيسوبي، عالم بالفرائض، وهو (أحمد بن سليمان الرسموكي الجزولي) الذي كان في وقته "الإمام الكبير، والفرد الحيسوبي العروضي، وعلم الأعلام". (44)
من آثاره المطبوعة: (الجواهر المكنونة) في الفرائض، وله عليه ثلاثة شروح، أحدها، (إيضاح الأسرار المصونة) ومن كتبه في الفرائض والحساب: (كشف الحجاب) وهو مخطوط شرح به رجزا في الفرائض والحساب لإبراهيم السملالي.
وفي عهد السلطان عبد الرحمان بن هشام، وولده محمد بن عبد الرحمان، والسلطان مولاي الحسن الأول، نبغ في المغرب، بالنسبة للعلوم البحتة، (إبراهيم بن محمد الحسني الطالبي، أبو إسحاق التادلي) الذي وصف بأنه "شيخ مشايخ الرباط في عصره"! (45). ومما أتاح له تميزه في هذه العلوم، أنه في أثناء عودته من رحلة إلى المشرق، "مر بإسبانيا حيث أخذ بعض العلوم الحديثة". (46)
وكان من المكثرين المغاربة في التأليف، إذ خلف أكثر من مائة مصنف، ويهمنا منها ما يتعلق بالحساب والفرائض والتوقيت، ونذكر منها: (رفع الحجاب، عن مطالب التوقيت بالحساب)، وهو مخطوط، و(تحفة الأحباب، بأعمال الحساب) ورسالة في (حساب الفرائض والتركات).
وتجدر الإشارة أخيرا إلى أنه في القرن الرابع عشر الهجري (19م) كان المغرب مسايرا للحركة العلمية، وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان يأمر بترجمة الكتب العلمية، من فلك وغيره، لينتقل نفعها إلى المغرب، مقتفيا بذلك أثر أسلافه، في الاهتمام بمختلف معارف العصر، ومنها العلوم البحتة.
هذه إلمامة بالعلوم البحتة في المغرب منذ العصور الإسلامية الأولى، وهذه الإلمامة لا تهدف إلى الاستيعاب والاستقراء، ولكنها ترمي إلى الاستيعات والاستقراء، ولكنها ترمي إلى إبراز هذا الجانب من معارف العلماء المغاربة، ردا وجوابا على الذين يعتقدون أنهم لم يكونوا يهتمون بالرياضيات والهندسة وما إليها، وقد كان العزم أجيدا، لتحقيق هذا المرمى، أن يذكر، في عصور المغرب منذ ما قبل المرابطين، أعلام بارزون في هذه العلوم، حتى يكون ذلك مدعاة إلى الاقتناع بأنهم اهتموا بالعلوم البحتة، وألفوا فيها مصادر أصيلة، كما اهتموا بالعلوم الشرعية، والعلوم اللغوية، وبالأدب وما إليه.

------------------------------
1) المختار السوسي، سوس العالمة، ص: 51
2) انظر مدارس سوس العتيقة، ص: 64
المنتقى المقصور، (الباب 14) مخطوط م,ع بالرباط، رقم 1059 ج
3) آداب المعلمين، ص: 102- رسالة نشرها حسن حسني عبد الوهاب وصدرها بترجمة وافية لابن سحنون.
4) انظر محمد حجي، الحركة الفكرية في عهد السعديين، ج 1/91.
5) انظر عبد الله كنون، النبوغ المغربي، ص: 289-290(ج1)
6) انظر على سبيل المثال العلة لابن بشكوال 564، وفيها أنه توفي سنة 395 هـ وانظر معه، الزركلي في الأعلام، مج 7/224.
7) الزيج في علم الهيئة جدول يستدل به على حركة السيارات (الكواكب) كالمريخ، والمشتري، وزحل. والزهرة
انظر الزركلي في الأعلام. مج 1/79.
8) مج 3/140.
9) مقدمة ابن خلدون، الفصل الرابع عشر في العلوم العددية، ص: 405
10) انظر الزركلي في الأعلام. مج 4/124.
كنون في النبوغ، ص: 166 (ج1)
11) 572
12) انظر النبوغ، 1/166
13) انظر النبوغ، 1/167
14) الأعلام ، ج 1/222
15) انظر النبوغ، 1/223
16) الكتاب مخطوط بالخزانة الحسين، بالرباط تحت رقم 2186؛ ويقوم أحد الباحثين المغاربة بتحقيقه في فرنسا، (ويراجع ابن خلدون في المقدمة، ص: 405)
17) انظر الأعلام، مج المذكور، ونيل الابتهاج/65، والأعلام بمن حل مراكش ومات من الأعلام، للتعارجي.
ابن شقرون: مظاهر الثقافة المغربية في عهد بني مرين، ص: 216
18) انظر المقدمة، ص: 406
19) ابن شقرون: مظاهر الثقافة المغربية في عهد بني مرين، ص: 219
20) نيل الابتهاج، بهامش الديباج المذهب: ص 209-210
21) نيل الابتهاج، بتطريز الديباج: ص: 209
22) نفس المصدر والصفحة
23) المقدمة، ص: 2 (طبع فاس على الحجر)
24) المقري: نفخ الطيب، ص: 684
25) الأعلام، مج 5، 10
26) راجع أعلام العهد الموحدي من هذا البحث (رقم :3)
27) في "النبوغ المغربي"، أنه توفي سنة 917، انظر ص: 219
28) فهرسي الفهارس، ج1، ص: 288
29) نيل الابتهاج، ص: 333 بهامش الديباج
30) محمد المنوني، دعوة الحق، ع2 س 9 (دجنبر 1965) تحت عنوان "أساتذة الهندسة ومؤلفوها في العهد السعدي".
31) المختار السوسي، إيليغ قديما وحديثا، ص: 12
32) انظر الحركة الفكرية في المغرب في العهد السعدي، ج1 ص: 91 بتصرف
33) النبوغ المغربي، ج1، ص: 224
34) انظر المعسول، ج 8، ص: 153 مع الحركة الفكرية بالمغرب في العهد السعدي، 158/1
35) انظر النبوغ المغربي، 1/286-287
36) المعسول، ج 10، ص: 185 وما بعده
37) فهر الفهارس والأثبات، ج1 ص: 425 (تحت رقم 214
38) انظر النبوغ ج 1، ص: 295
39) انظر النبوغ نفسه، ص: 320
40) انظر المعسول، ج 18، ص: 330-331
41) الزركلي في الأعلام، مج 1، ص: 71

42)انظر النبوغ ج 1، ص: 295
43)انظر النبوغ نفسه، ص: 320
44)انظر المعسول، ج 18، ص: 330-331
45)الزركلي في الأعلام، مج 1، ص: 71

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here