islamaumaroc

رحلة أبي المطرف ابن عميرة البحرية إلى حضرة بجاية

  إدريس العلوي البلغيثي

العدد 286 صفر-ربيع 1-ربيع 2/ شتنبر-أكتوبر-نونبر 1991

سخر الله سبحانه وتعالى- بديع السماوات والأرض – البحر لخلقه ليركبوه وينتفعوا به في مآرب أخرى، وقد استهوى ركوبه الإنسان منذ فجر التاريخ، حيث احتفظت لنا كثير من الآثار المكتوبة والمرسومة بهذه الظاهرة العجيبة، وفي شتى المجالات: التجارية والحربية أشهرها على الإطلاق رحلة الإيمان لسيدنا نوح عليه السلام مع الفئة المؤمنة من قومه المتعنتين والضالين المضلين، والتي كانت حدا فاصلا بين الإيمان الثابت والراسخ، والكفر الواهي والمنهار، حيث ظهرت فيها معجزة السماء في السفينة التي أوحى الله سبحانه إلى نبيه نوح عليه السلام، وكان نجارا ماهرا، أن يصنعها، وكانت مثار سخرية قومه العند، إنها السفينة التي تجري وترسو بسم الله، وتمخر عباب بحر خضم، أمواجه عاتية متلاطمة، تشبه الأعلام التي تطاول أعنان السماء بكواهلها. وقد صور القرآن الكريم هذه الرحلة الإيمانية في مشهد رائع ورائق، يعجز التصوير الفني عن رسم لوحاته، وتعجز السينما الحديثة عن تشخصيه وإخراجه. ومن متجليات صورة هذه الرحلة الحية والمثيرة معا، قوله تعالى في محكم كتابه: (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، وهي تجري بهم في موج كالجبال). (1)
إنها رحلة النجاة من أهوال الطوفان الذي سلطه الله سبحانه وتعالى على لقوم الفاسقين، فأحال اليابسة إلى بحر،
ممتزج ماؤه العذب الفرات بماء البحر اللمح الأجاج، وجرف معه كل الأدران والأدناس. النجاة من مخاوف البحر العاتي الذي ترتفع أمواجه إلى أعلى عليين، مما يحسر بها الطرف ويكل، ويدهش لها الرائي ويذهل. ولكنها إرادة رب العالمين المتحكمة في ملكوت السماوات والأرض، فلم تتعرض السفينة لخطر هذا الموج العظيم، ولم يصب أحد من راكبيها بسوء أثناء هذه الرحلة المحفوفة بالأخطار المحدقة بالمخاوف، لأن المدبر الحكيم كان يحيطها بعناية ويشملها برعايته.
وما أظن – والظن يحمل على الشك – أن سفينة حديثة، تستطيع أن تواجه موجا بالجبال في الارتفاع والهيجان، ثم تخرج منه سالمة.
وإن ما صورته لنا بعض القصص عن كتب التاريخ من رحلات بحرية، مثل رحلات السندباد والفتية المغررين لتمثل ؟؟نصر المخاطرة، فهي في الأغلب من نسج الخيال، يعمد فيها الكتاب إلى عنصري الفجوات والمفاجآت.
ويزخر التراث العربي والإسلامي بالرحلات البحرية بمختلف أنواعها.
ويحتفظ لنا الشعر العربي في العصر الجاهلي الأخير بنماذج شعرية رفيعة، يصف فيها الشعراء البحر وركوبه في معرض وصفهم للظعن والرواحل في أعماق الصحاري، أمثال عبيد بن الأبرص، والمثقب العبدي، والمرقش الأكبر، وغيرهم ممن تعاقبوا على تشبيه الظعن بالسفن، وأجادوا فيها أيما إجادة.
ويعد طرفة بن العبد من أكبر الشعراء الجاهليين براعة ودقة في وصف السفين وحركاته العجيبة في البحر، من خلال صور الظعن، المتجلية في الأبيات التالية: (2)
كل حـدوج الماليـــة غدوة
خلايــا سفين بالنواصــف من ودد (3)
عدوليـة أو مـن سفين ابن يامـن
           يجور بها الملاح طورا ويهتدي (4)
يشق حباب الماء حيزومها بــها
           كما قسم التبر المقابل باليــد (5)
وليس وكدي من هذه المقدمة التأريخ لركوب البحر، وما صاحبه من مغامرات ومفاجآت، فذاك مجاله التاريخ، وهو مما يحتاج إلى وقت طويل، ولكن وكدي هو توكيد أصالة هذه الظاهرة في تاريخ شعوب الأرض، وفي تراثها الأدبي والحضاري.
ومن أهم الرحلات البحرية الرائعة التي احتفظ بها لنا التراث الأدبي في الغرب الإسلامي في عصر الموحدي، رحلة أبي المطرف ابن عميرة (6) من بلاد المغرب إلى الجزائر، انطلاقا من مدينة سبتة. (7)
وقد أجاد وأبدع في وصف مراحل هذه الرحلة المشوقة في دقة متناهية وفنية رائقة، مضفيا عليها من أحاسيسه وعواطفه ما جعلها تتميز بالحيوية والجمال.
ويصور في مستهلها الأهوال التي تجشمها ورفاقه، مثيرا تخوف المتتبع وتشوقه في آن واحد، ومتفننا في أسلوبها بيانيا وبديعيا: "وحملت الجواري (8) من أطارته الأشواق، وكان البحر قد خبأ طوفانه، (9) وأعد رجفانه، (10) حتى إذا وارى عنا جانب البر، أبدى لنا ناجذي الشر، فأرسل كراديس (11) موجه،
وأطار الأغربة (12) من حضيضه (13) إلى أوجه، (14) وجاشت (15) مع المساء غواربه، (16) وتلاقت مع غياهب (17) الليل غياهبه، فلا غربا إلى وقد لقيه بكل فتك، وضغمه (18) بين فك وفك، وناشبه (19) القتال وقد بز (20) أسلحته، وسامه (21) الطيران بعدما حص (22) أجنحة".
ويضف استئناف الرحلة في مرحلتها الأولى، والتي انتهت بهم إلى المرسى الأول بعد أن فعلت الرياح بهم أفاعيلها: "ثم إنا رحنا والريح تدفعنا بالراح، وتجاذبنا عنا الاقتراح، إلا أنا دابرناها، وكابدناها، وجاهرناها وجاهدناهن ونحن نرجو حدوث الدفاع ودفع الحوادث، حتى بلغنا مرسى وهران (23) في يومين وبعض الثالث".
وقيل وصولهم إلى هذا المرسى باتوا ليلتهم بموضع قريب منه، ويصف أبو المطرف ذلك وصفا حيا يعتمد على أساليب البيان ومحسنات البديع، وبالأخص السجع الذي تفنن في حروف رويه، متبعا فيه طرقة المزاوجة والتوازن: "وكنا أقرب منزل إليه والأصيل (24) قد رق ثوبه، وسال فوق أديم الماء ذوبه، وبتنا والليل ساج، (25) والبحر كأنه لا عهد له بارتجاج. (26) وفي نصف الليل أرسل الله الغمام قطعا مبثوثة، وعمائم في رؤوس الجبال ملوثة (27) وما راعنا إلا التئام تفاريقها، (28) وانسجام أفاريقها، فما
رأينا كتلك الليلة رقا أخطف العيون، ولا رعدا أقصف للمتون".
وزرع هذا الجو الرهيب الهلع في نفوس السفر، وقض مضاجعهم، وجعلهم يفكرون في الانتقال إلى موضع آخر أكثر أمنا من أخطار الرياح الهوجاء: "ولم يكن بد من التحول عن منزل جاره يفرق، ووجاره يطرق، وبعد لأي ماوصلنا وهران، وقد سئمت أغربتنا من هذا المرسى فكان أعز وكورها".
وأجاد أبو المطرف في وصف المرسى الذي حطوا به الرحال، وكان خير ملاذ لهم من سورة البحر: "مرسى لا تخدش (29) صفحته صكة (30) الهبوب، ولا تصيب جنابه معرة (31) الصبا (32) والجنوب".
ويواصلون الرحلة بعد أن سكنت الريح الهوجاء، وسكنت معها نفوسهم من الفزع الذي دب فيها، وأصبحوا أكثر تفاؤلا في تخطي المرحلة الثانية من هذه الرحلة البحرية الملأى بالمفاجآت: " وبعد خمس رحلنا وذاك يوم الخميس أول جمادى الآخرة وثاني أكتوبر والريح التي فعتل بنا الأفاعيل، وأرسلت علينا طيرها الأبابيل، (33) قد عقلت (34) من المسير ركابها، وسدت في وجه المستثير بابها، وحينئذ جدت المجاذيف (35) وشق ذلك التكليف، حتى وصلنا كرسى عرفوه بني زيان -36)".
وما كادت تمضي ليلة على وصولهم إلى هذا المرسى حتى اكفهر الجو، وعاد إلى سيرته الأولى، فجرت بهم الرياح لما لم تشته سفنهم، إلى أن رست بهم في محطة أخرى سالمين، ومنهمكين من وعثاء السفر ومعاناتهم للأهوال، وقد صور الكاتب هذا المشهد في أسلوب بديع يعتمد على التحليل النفسي: "وقد استطعنا ذلك الزمان، وأصبتنا فيه من الليل سماء قلنا عندها اللم بطون المجاري، لا ظهور الجواري، وجاء النهار ووجهه مكفهر، وريحه فيها صر، (37) فأقمنا هناك يومين إقامة مستثقلة، ثم أرسلنا من ركائبنا نعما
معلقة، وبكرنا يوم الأحد مشرقين، ولعين الحزم مرقين، ومن هول الأثباج ؟؟رقين، (38)  وفي تلك الفجاج )39) متفرقين، ثم إنا استوهنا الريح، وتمنينا يأسها المريح، وتمادىت ذلك حتى أفضى جريها إلى الانقطاع، ولم نجد لها نبضا في ذراع الشراع، فاستكفينا من المجاذيف كل كاف واف، وأجلنا العمل منها على قوادم (4) وخواف، (41) حتى بلغانا مرسى يعرف بجوج، (42) خيره أقل من إناء ممجوج، والمقيم به أذل من وتد مشجوج (43).
ولم يكن لهم مناص من التعجيل بمغادرة هذا المرسى في جنح الظلام. مغتنمين فرصة سكون الريح وهدوئها، راجين النجاة بأنفسهم، ومارين بموضعين دون العوج إليهما: :ثم سرنا عنه مدلجين، (44)وفي ذلك الجون (45) البعيد المدى مملججين، (46) والريح الغربية تزجينا، (47) وعادة الله الجميلة بالسلامة تعدنا وترجينا، فطوينا تنسا (48) بعد وادي شلف، (49) ومررنا عليهما مرور غير ذي مقة (50) ولا كلف (51)".
ويصف أبو المطرف تغير الريح من جديد، وما اعترى نفوسهم من غبطة وانشراح برغم غلظتها: طوفي أثناء ذلك انتقلت الريح إلى أخرى فرجوا بها، واستبشروا بهبوبها، وسموه باسم هو عدنان يدل علة ريح نجدية (52) النوع، ندية الضوع، 53) فأبدلت في هذه البلاد من الرقة غلظة".
ويباغت الموج السفينة من كل جهة، وتنتاب السفر الوحل، ويستولي اليأس
على مجامع نفوسهم، ويصبحون كالريشة في مهب الريح؛ ويصور الكاتب هذا المشهد المنير في لوحة فنية رائعة تفيض بالحيوية والحركة: "وما زالت علينا ملحة، وبنا ملظة، (54) حتى جاءنا الموج من مكان، وحار كل ذي شراع وسكان، (55) وما زلنا في صعود وهبوط، ورجاء لا شيء أشبه منه بقنوط، حتى دخلنا شرشال، (56) بعد أن لم يبق مفرق إلى شاب ولا راجح إلا شال، (57) فوجدنا طللا يقبض عنه الخطا، ومرسى مثل أفحوص (58) القطا (59) وكان أصحابنا إلى آخر يعرف بالبطال، وجوده أفسح عطنا، (60) وأصلح للدخول والخروج وطنا".
وانتقل الرحل إلى الجزائر، حيث لقوا بها من الترحاب والحفاوة ما جعلهم ينسون ما قاسوه من أهوال البحر ومتاعبه: "ومن هناك كان الانتقال إلى الجزائر. (61) وقال المزور مرحبا بالزير، فوجدنا بلدا كبلاد، وجددنا ما صلح من زاد، وبتنا هناك ولليل غيم مزرور (62).
وتابعوا الرحلة بعد ذلك في ظروف حسنة؛ حيث الجو معتدل، والبحر هادئ إلى أن وضعوا عصا التسيار بمحطة جديدة: "وسرنا غدوة الأربعاء وللريح في سوقنا لطاقة، ولكلاءة 64) الله بنا إطافة. (65) ثم إن سورتها (66) لانت وفترتها بانت، فجمعنا بينها وبين المجاذيف، وحسن الاتفاق من ذلك التأليف، وسرنا حتى نزلنا من تدلس -67) بمرساها الفسيح، وأخذنا بها عقبة (68) المستريح".
 وبدأت علاما التغير تبين في الأفق،؟؟؟ادت الريح إلى الهبوب، وملأ الخوف رأس الرحل. وقد أجاد الكاتب في تصوير هذا المشهد بأسلوب فني رائق: "ومع الصباح كان البرق في خطواته وميض، (69) لبعض إنذاراته تعريض، فوجب التلوم الاستبراء (7) لتلك المخيلة، وطلبا للبرء بكل ما يمكن من الحيلة، وهبت أثناء ذلك ريح ؟؟قية زعموا أن هذا المرسى لفحلها فروقه، ومن لفحها فروقه، فتعوذنا بالله ؟؟؟ عتوها، (71) واستكفيناه الخطر في رواحها وغدوها، وأقمنا هنالك ليلة الأحد".
وما كادت السماء تصحون والقمر يلوح ؟؟شع أنواره في الكون، والرياح تهدا ؟؟رتها، حتى أزمعوا على استئناف الرحلة في منتصف الليل، وكلهم أمل في أن يتخطوا هذه الرحلة الصعبة التي ستفضي ؟؟م إلى نهاية المطاف. ويصف الكاتب ذلك وصفا حيا تبرز فيه نزعته الطبيعية: "ولما مضى من الليل نصفه، وبدا من الصحو صرفه، (72) سرينا وعيسنا (73) تنفخ في براها (74) الريح، وليلتنا يروق من قمرها وجهه الصبيح (75).
ولم يدم الجو على حاله، هادئا مستقرا، بل سرعان ما تغير، وتسبب في تخوف الركب، ولجوئهم إلى التوقف عن الرحلة ائتمانا على حياتهم من أخطار الرياح الهوجاء التي فوجئنا بها في النهاية. ويصور الكاتب أبو المطرف هذا المشهد المثير تصويرا فنيا رائعا: "ثم رأينا الهواء تنكر، وبتقلبه المعهود ذكر، فمشى القوم معه على العادة، وسرنا نتنسم أرواح اليمن والسعادة، حتى وجبت التقية، حين تمكنت الشرقية، فأقبلوا يزفون (76) إلى أزفون، ويخفون لدفع ما يتخوفون، وقدرنا سكونها فزادت، وأردنا تعديل أعطاف (77) الجواري فمادت، (78) فأقمنا هنالك بقية يومنا وبعض ليلتنا".
ويشاء القدر أن ينهوا الرحلة في جنح الظلام، بعد أن أسعفتهم الريح، ونامت عينها عن سفينتهم، فجدوا فر الرحلة وتجد بذلك أمهم، وغمر نفوسهم الفرح لوصولهم إلى المحطة الأخيرة، معقد أملهم. ويصف الكاتب خاتمة هذه الرحلة: "ثم سرينا والريح مساعدة في أكثر الطريق، والبحر لابس لبستي العدو والصديق، حتى أدت بنا أثباجه (79)وديعة فلكها، وبلغتنا من بجاية (80) حضرة ملكها، فاجتلينا غرة السعود، وثلمنا يمين البأس والجود".
هذه هي مراحل الرحلة البحرية الشيقة التي وصفها الكاتب المبدع أبو المطرف ابن عميرة، وهي في الأصل رسالة كتبها إلى الأمير أبي زكرياء ابن السلطان أبي زكرياء الحفصي، والي بجاية من قبل أبيه. وتنطوي على قيم هامة أهمها، القيمة الأدبية، وتتجلى في فن الترسيل الذي بلغ أوج ازدهار في عصر الموحدين؛ حيث برز في ميدانه كبار الفرسان، ومنهم كاتبنا ابن عميرة الذي نال قصب السبق في العديد من موضوعاه. وخصوصا الوصف الذي أجاد فيه وأبدع، وأتى بما لم يأت به نظراؤه من الوصافين. ومن أبرز مظاهر إبداعه في هذا النموذج الرحلة موضوعا للرسالة، وهو تداخل فني يمثل جانب الازدواجية في الموضوع ويكشف عن نزوع الكاتب إلى التجديد في فن الترسيل.
وإن ائتلاف فنين متباين، لكل منهما خصوصياته وخصائصه، في وحدة فنية متكاملة، ليس بالعمل السهل ولا الهين، بل يحتاج إلى مقدرة فائقة وتمرس كبير في الكتابة، لا يصدر إلى عن فنان مبدع صاحب موهبة فذة وملكات علمية وأدبية متميزة في ميدان النثر الفني.
وللرحلة قيمة جغرافية تنحصر في تعداد الكاتب لأنم المدن الساحلية الجزائرية في هذا العصر، وما تمتاز به مراسيها، التي مرت بها سفينتهم، من إمكانات الاستقبال لمختلف السفن العاربة لبلاد إفريقية والمتجهة صوب بلاد المشرق.
ويحدثنا التاريخ عن أنوع كثيرة من الرحلات البحرية مما كانت تقوم به الأساطيل المغربية إلى بلاد الأندلس شمالا، وبلاد شمال إفريقية شرقا وغيرها من البلاد المنضوية تحت لواء الإمبراطورية الموحدية العظمى أو المتاخمة لها.
ويذكر لنا في هذا الصدد استنجاد السلطان صلاح الدين الأيوبي بالأسطول الحربي للموحدين ضد الصليبيين لتحرير بيت المقدس من رجسهم، وكان يضرب به المثل في شدة البأس وقوة البطش وإحكام السيطرة على سواحل المتوسط والأطلسي.
وقد ازدهرت الرحلات البحرية في هذا العصر، وخصوصا التجارية والسياحية منها، وكانت عاملا مساعدا في توطيد أواصر الاتصال بدول العالم العربي الإسلامية والأجنبي.
وبإمكان المتتبع لرحلة أبي المطرف أن يرسم خريطة جغرافية للمدن الساحلية التي مرت بها سفينته أو رست، انطلاقا من مدينة سبتة ووصولا إلى حضرة بجاية.
أما القيمة التاريخية فتتلخص في الظروف العامة التي كانت تسود المغرب غداة مغادرة الكاتب للمغرب، والتي تتسم باضطراب الأوضاع السياسية في عهد الخليفة السعيد، (81) بسبب تصدع كيان الإمبراطورية الموحدية، وظهور أمر بني مرين، وتمكنهم عسكريا من بسط نفوذهم على جميع بوادي المغرب. (82)
وتصادف هذه الظروف العصبية دخول الأمير أبي بكر ابن عبد الحق (83) مدينة مكناسة، التي كان أبو المطرف قد كتب بيعة سكانها إلى أبي زكرياء الحفصي بعد أن أعلنوا انفصالهم عن الدولة الأم، وكان يشغل بها حينئذ خطة القضاء.
وقد عانة الكاتب الأمرين من جراء هذه الاضطرابات، حيث قلبت له ظهر المجن، وبخرت آماله في الجاه والسلطان، وأصبح منشغلا بالتفكير في شد الرحلة إلى إفريقية حيث أمله الوحيد والأخير، الأمير المستنصر الذي تلقب بأمير المؤمنين بعد أن أرسى دعائم الإمارة الحفصية، (82) التي حلت محل الموحدين إثر عملية الانفصال عن دولتهم.
ويشاء القدر أن تضيع مع آمال أبي المطرف في المغرب خزانته العلمية أثناء تنقله من مكناسة إلى سبتة، وكانت تحتوي على أعلاق التصانيف والأسفار مما كان يعتمد عليها كثيرا في دراساته وأبحاثه.
وقد ظل الكاتب أسير هذا الحادث المروع يعاني من آلامه بقية حياته، برغم ما كان يمني به نفسه، من حين لآخر، من أمل العثور على كتبه الضائعة.
تعكس الرحلة اضطرابات الكاتب النفسية، وكأنها أمواج البحر العاتية التي كانت تنتاب السفينة، وتلتطم بجوانبها. ولعل هذا التلوين النفسي للرحلة هو الذي جعل تتميز فنيا عن كثير من نتاجه الأدبي الرفيع، وبالأخص فن الترسيل الذي لمع نجمه في سمائه.
وتظهر من موقع القيم السالفة الذكر لهذه الرحلة الممتعة والطريفة، القيمة التراثية التي تتمثل في هذا اللون الجديد من الإبداع الأدبي، الذي جادت قريحة أحد أساطين الكتابة في عصر الموحدين ومنذ أزيد من سبعة قرون ونصف. وهو أثر جليل قمين بالدراسة والتحليل للحفاظ على مقومات أمتنا الفكرية، وترسيخ أصالة حضارتها العربية والإسلامية وفي أزهى العصور الذهبية.

-------------------
1) سورة هود، آيات: 41-42
2) من معلقته المشهورة التي مطلعها:
 لخولة أطــلال ببرقـة تهمـد
               تلوح كباقي الوشـم في ظاهر اليـد
3) الحدوج: ج حدج، وهو مركب من مراكب النساء. والمالكية: منسوبة إلى مالك بن سعد بن ضبيعة: وهي قبيلة من كلب، والخلايا: ج خلية، و السفينة العظيمة. والنواصف: ج ناصفة، وهوي الرحية الواسعة في الوادي، ودد: موضع.
المعنى كأن مراكب هذه المالكية غدوة فراقها بنواحي ودد سفن عظيمة فشبه الإبل وعليها الهوادج بالسفن العظام.
4) عدولية منسوبة إلى قبيلة بالبحرين اشتهرت بسفنها، ابن يامن: ملاح من أهل هجر. يجور: يميل. طورا: تارة. والمعنى: هذه السفن التي تشببها الإبل من هذه القبيلة، يجريها الملاح مرة على استواء واهتداء، وتارة بعدل بها فيميلها على سنن الاستواء، اختصارا للمسافة.
5) حباب الماء: طرائفه. والحيزوم: الصدر. والمفايل: الذي يلعب لعبة الصبيان الأعراب. يقال لها الفيال والمفايلة، وهي تراب يكومونه، أو رمل، ثم يخبؤون فيه خبيئا، ثم يشق المفايل تلك الكومة بيده فيقسمها قسمين، ثم يقول في أي الجانبين خبأت؟ إن أصاب ظفر، وإن أخطأ قمر. والمعنى: إن شق السفن الماء يشبه شق المقابل التراب المجموع بيده.
6) هو أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن عميرة المخزومي، ولد بجزيرة شقر (Jucar) سنة 582 هـ وتوفي بتونس سنة 658هـ انظر: "أبو المطرف ابن عميرة للدكتور محمد بن شريفة.
7) توجد في مجموع رسائله بالخزانة العامة بالرابط. رقم: ك232.د
8) الجواري: ج الجارية: السفينة.
9) الطوفان: الماء الغالب يغشى كل شيء
10) الرجفان بفتحتين: الاضطراب الشديد
11) كراديس: ج كردوسة بضم الكاف: طائفة عظيمة من الخيل.
12) الأغربة: ج. غراب
13) الحضيض: القرار من الأرض عن مقتطع الجبل، ومعناه هنا: أسفل.
14) أوجه: عطس الحضيض، أي أعلى.
15) جاشت: هاجت.
16) غواربه: أعالي موجه.
17) غياهب: ج غيهب ظلمة.
18) ضغمه: عضه بملء فمه.
19) ناشبه: نابذه وجاهره.
20) بز: غلب
21) سامه: كلفه
22) حص: قطع
23) وهران: تقع في أقصى شمال غرب الجزائر.
24) الأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب
25) ساج: ساكن
26) ارتجاج: هيجان.
27) ملوثة: ملفوفة
28) تفاريق الغمام: ما تفرق من أجزائها.
29) تخدش: تخمش
30) صكة: لطمة
31) معرة: عيب
32) الصبا: ريح مهبها جهة الشرق ويقابلها الدبور
33) الأبابيل: الفرق، وهي جمع لا واحد له، و"طير أبابيل" متتابعة متجمعة.
34) عقلت: منعت
35) المجاذيف: ج مجذاف: خشبة طويلة مبسوطة في أحد الطرفين تسير بها القوارب
36) بنو زيان: لعله ارزيو الذي يلي مرسى وهران
37) الصر: بالكسر برد يصر النبات والحرث
38) فرقين: فزعين
39)الفجاج: ج. فج: بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين.
40) القوادم: الريشات التي في مقدم الجناح، وهي كبار الريش. وقادم الرحل: خلاف آخره.
41) والخوافي: صغار الريش، وهي تحت القوادم.
42) جوج: مرسى مغمور
43) مشجوج: مكسور
44) مدلجيين: سائرين في الليل.
45) الجون الليل: الأسود
46) ملججين: راكبين اللجة، وهي معظم الماء؟
47) تزجينا: تسوقنا.
48) تنسا: هي تنس (ténés) حاليا: وتقع بني شرشل شرقا ومتسغانم غربا على وادي شلف.
49) وادي شلف: يصب قرب متسغانم شرقا.
50) مقة: محبة
51) كلف: مولع
52) نجدية: نسبة إلى نجد بالحجاز
53 ) الضوع: انتشار الرائحة.
(54) ملظة: ملازمة
55) السكان: ذنب السفينة
56) شرشال (cherchel)، تقع غرب الجزائر (العاصمة).
57) شال: ارتفع
58) الأفحوص، ج أفاحيص: الموضع الذي تفحص القطاة عن لتبيض فيه.
59) القطا: ج قطاة طائر في حجم الحمام.
60) العطن: ج أعطان: مبارك الإبل على الماء ومرابض الغنم أيضا.
61) الجزائر: (العاصمة) تقع بين دلس شرقا، وشرشل غربا على واد إيسر.
62) مزرور: مشدود الأزرار.
63) فود، ج أفواد جانب الرأس مما يلي الأذنين إلى الأمام.
64) كلاءة: بالكسر والمد: الحفظ.
65) إطافة: أكثر طوافا.
66) سورتها: شدتها.
67) تدلس: هي دلس(Dellys)، تقع غرب العاصمة.
68) غقبة: من الغبوق" الشرب بالعشي.
69) وميض: لمعان خفي لم يعترض في نواحي الغيم
70) الاستبراء: طلب الإبراء
71)عتوها: شدتها
72) صرفه: خالصه
73) العيس: الواحد : أعيس، والواحدة عيساء: الإبل البيض، ويقصد بها السفن.
74) البرة: الحقلة التي تجعل في انف الناقة.
75) الصبيح: الجميل، من الصباحة: الجمال.
76) يزفون: يسرعون
77) أعطاف: ج عطف: جوانب
78) مادت: زاغت
79) أثباجه: أمواجه العالية
80) بجاية: تقع في شمال شرق الجزائر بين جيجل شرقا ودلس غربا على وادي حمام. وكانت تابعة في هذا العهد للإمارة الحفصية بتونس.
81) هو أمي المؤمنين علي بن إدريس بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي الكومي، يكنى أيا الحسن، ويلقب السعيد، والمعتضد، ويسمى المعتصم بالله. خلافته: (640هـ/1242- 646 هـ/1248).
82) القرطاس، لابن أب زرع، ص256.
83) هو الأمير أبو يحيى ابن عبد الحق بن محيو بن أبي بكر بن حمامة الزناتي المريني، إمارته: (642ه/1244- 656هـ/1258).
84) البيان المغرب (قسم الموحدين) لابن عذاري المراكشي، ص: 373-376.
85) ظهرت بالبلاد التونسية، أسسها أبو زكرياء يحيى الحفصي الهنتاني، وكان واليا عليها من قبل الموحـدين وقد دامت 347 سنة )634هـ/1237 – 981هـ/1573).

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here