islamaumaroc

مقدمة كتاب "سوس العالمة"، للمؤلف

  دعوة الحق

32 العدد

السوسيون يكونون عنصرا حيا نشيطا الى أقصى حد في حياة الشعب المغربي، وقد انصرفوا في العهود الأخيرة الى حياة الإقتصادية في البلاد، حيث وقف الاستعمار حائلا بينهم وبين تأسيس المدارس بحرية في صقعهم المحبوب، الا أنهم بعد نزوغ فجر الاستقلال خاضوا بعزم ثابت ميدان التكوين العلمي، فقامت جمعية علماء سوس بمجهود جبار لتربية الشباب والشعب السوسي، وأسندها التجار والفلاحون على السواء بالمال ومختلف الوسائل.
وكتاب" سوس العالمة" للأستاذ الاديب المؤرخ اسيد محمد المختار السوسي، هو حلقة لربط ماضي القطر السوسي بحاضرة واعطاء فكرة تامة عن مدارس والمكاتب العلمية ، والمؤلفين والادباء فيه، والاسر النبيلة التي تزعمت مواكب هذه العلوم.
وتعتبر مقدمة الكتاب التي تقدمها دعوة الحق لقرائها توجيها استئهاضيا للكتاب والباحثين، لينظم كل فريق حلقة بحث في ناحيته، حتى يتكون من مجموعها تاريخ حافل لهذه البلاد المغربية العزيزة ، يزخر بالعظمة والمجد العلمي والأدبي وينفي عنها ما ألصق بها زمن الفتور من تهمة الضعف في ميدان العلم والأدبي وينفي عنها ما ألصق بها زمن الفتور من تهمة الضعف في ميدان العلم والادب فنهنئ الاستاذ الكبير مؤلف سوس العالمة على مجهوده الكبير في إحياء مآثر سوس ونحض الشباب وسائر المثقفين على اقتناء هذه الطرفة الادبية التي تزيده استبصارا في المغرب حواضر وبوادر ، وتاريخه العلمي العام، لا يكمن ان يتكون تكونا تاما الا من التواريخ الخاصة لكل حاضرة من تلك الحواضر، ولكل بادية من هذه البوادي ، فاذا كان بعض الحواضر فازت بما يلقي على تاريخها العلمي بعض ضوء ينير الطريق للسالكين ، فان تلك البوادي المترامية لا تزال الى الان داجية الافاق في أنظار المتطلعين الباحثين ، فهذه تافيلالت ، ودرعة والريف وجبالة ، والاطلس الكبير وتادلة ودكالة وامثالها، قد كان لها ماض مجيد في ميادن تلمعارف العربية، فهل يمكن ان يجد الباحث اليوم ما يفتح أمامه صفاحتها حتى يدرك ما كان فيها طوال قرون كثيرة من النشاط والاكباب والرحلة في سبيل الثقاافة ، فكم سجلماسي ودرعي وريفي وجبالي وأطلسي وتادلى ودكالي وشاوي يمر بأسمه المطالع أثناء الكتب ، وكم مدارس ، وزوايا علمية ارشادية في هذه البوادي لا زال آثارها الى الان مائلة للعيون، أو لا تزال الاحاديث عنها يدوي طنينها في النوادي ، فأين ما يبين كنه أعملها ، وتضحية أصحابها ، وما قاساه أساتذتها وأشياخه في تثقيف الشعب ، وتنوير ذهنه، وتوجيهه التوجيه الاسلامي ينشر القرآن والحديث. وعلوم القرآن والحديث، من اللغة والبيان والفقه وسيرة السلف الصالح؟ أفيمكن ان يتكون التاريخ العام للمغرب تاما غدا اذا لم يقم أبناءاليوم_ والعهد لا يزال قريبا، ولما تغمرنا أمواجهذه الحضارة الغربية الجارفة _ التي تحاول منذ الآن إفساد ماضينا بما يكتبه عنا بعض المغرضين من اهلها_ بجمع كل مايمكن جمعه، وتنسيق مالا يزال مبعثرا بين الآثار، ومنتشرا أثناء المسامرات، فانه لو قام من كل ناحية رجال باحثون ببذل الجهود ، لتكونت بما سيهئونه من التاريخ الخاص لكل ناحية، مراجع عظيمة، سيتكئ عليها الذين سيتصدون للتاريخ العام المستوعب في العالم العربي المغربي غدا، بله الحوادث والأطوار المتقلبة، وما هذا الغد ببعيد، وتباشير فجره تلوح الآن في الأفق.
قد يخطر في بال بعض الناس القصيري النظر: أن السجلماسي أو الدكالي –مثلا- إذا تصدى كل واحد منهما لمثل هذا البحث في ناحيته، ان ذلك من العنصرية الممقوتة التي لا يزال المستعمرون أمس يضربون في كل فرصة على وترها لجعل المغرب أشلاء ممزعة، مع أن هذا العمل ليس من العنصرية في شيء، فهل إذا توفر الطبيب للتخصص في بحث ما حول عضو من أعضاء الذات، نلمزه بالعنصرية إزاء الأعضاء الأخرى؟ وهل إذا قام رب أسرة بكل ما تحتاج إليه أسرته بالإنفاق عليها وحدها، وبالدفاع عن حقوقها، وتحديد أملاكها الخاصة يلمز أيضا بالعنصرية؟ أو هل الذين كتبوا عن فاس ومراكش وآسفي وطنجة وتطوان والعدوتين، وخصصوا كل مدينة على حدة، يلمزون بالعنصرية؟ إن هذا لخطل في الرأي، وخطأ في تقدير الأعمال، وسد للأبواب دون العاملين في ميدان خاص، وتثبيط لأعمال المجتهدين.
إن لليوم غدا، وان في الميدان  لا فراسا مطلقة، وان أبواب العمل مفتوحة على مصاريعها أمام كل من يريد أن يعمل في أي ميدان من الميادين. وقد زالت الاعذار بالاستقلال. وامكن لكل ذي عزيمة أن يعمل فهل للكسالى أن ينتفضوا فيدخلوا في غمار العاملين. عوض أن يملأوا الجواء بالنقد الزائف، والأعذار الواهية. فعند الممات تظهر التركات، وإنما الأعمال بالنيات، ومن أبطأ به عمله، فلا يلومن إلا نفسه:
اقلوا عليهم لا ابا لابيكم
                  من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
هذا وانني –انا ذلك السوسي المولع بالتاريخ منذ نشأته- لا بذل كل ما في إمكاني للكتابة عن بادية سوس، منذ نفيت إليها في مختتم: 1355هـ. إلى أن أفرج عني الافراج التام في مختتم 1364هـ. توفرت على ذلك، وجمعت فيه جهودي ومن لم يتوفر على شيء ويجمع فيه جهوده، فقلما يعطيه حقه من البحث، فقد سودت في (الغ) مسقط رأسي، حيث الزمت العزلة عن الناس، أجزاء كثيرة تناهز خمسين جزءا في العلماء والأدباء والرؤساء والأخبار والنوادر، والهيأة الاجتماعية، وما هذا الكتاب (سوس العالمة) إلا واحد من تلك الأجزاء، وكلها مقصورة على أداء الواجب علي، من إحياء تلك البادية التي سبقق في الأزل أن كنت ابنا من أبنائها، ويعلم الله أنه لو قدر لي أن أكون ابن تافيلالت أو درعة أو الريف أو جبالة أو الأطلس أو تادلة أو دكالة، لرأيت الواجب علي أن أقوم بمثل هذا العمل نفسه، لتلك الناحية التي تنبت نبعتي فيها، لأنني من الذين يرون المغرب جزءا لا يتجزأ، بل أرى العالم العربي كله، من ضفاف الأطلسي إلى ضفاف الرافدين وطنا واحدا، بل أرى جميع بلاد الإسلام كتلة متراصة من غرب شمال إفريقيا إلى أندونيسية، لا يدين بدين الإسلام الحق من يراها بعين الوطنية الضيقة التي هي من بقايا الاستعمار الغربي في الشرق، بل لو شئت أن أقول –ويؤيدني ديني فيما أقول-: انني أرى الانسانية جمعاء أسرة واحدة، لا فضل فيها لعربي على عجمي إلا بالتقوى، والناس من آدم، وآدم من تراب (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
ايه فهذه سوس وجدت من هذا السوسي من يبذل جهوده حول إحياء تاريخ بعض رجالاتها، فليت شعري هل تجد تلك البوادي الأخرى، بل وبعض الحواضر التي لم يكتب عنها بعد أي شيء. من تثور فيه الحمية المحمودة، -وفي ذلك فليتنافس المتنافسون- فيفتح لنا الأبواب التي نراها لا تزال موصدة؟ اننا أيها الفيلالي والدرعي والريفي والجبالي والأطلسي والتادلي والدكالي لمنتظرون. أم يذهب هطا النداء كصرخة الوادي بين ثنايا الصدى؟
وبعد:
فان تاريخنا لم يكتب بعد كما ينبغي، حتى في الحواضر التي كتب عنها كثيرون قديما وحديثا، فهذه مراكش التي كتب عن رجالاتها الزائرين والساكنين شيخنا سيدي عباس، لم تفز بعد بمن يكتب عن نواح شتى من أدوارها التي تقلبت فيها، وقد كنت اجمع كتابا في ذلك سميته (مراكش في عصرها الذهبي) مشيت فيه خطوات، ومقصودي اظهار مراكش كما هي سياسيا وعلميا وأدبيا واجتماعيا في عصر المرابطين والموحدين، وبينما أنا مكب على جمع المواد –وما أكثرها- بمناسبة استيفاء مراكش اذ ذاك سنة 1954هـ تسعمائة سنة، اذا بالنفي مختتم 1355 نادى مناديه، فتركت على رغمي الكتابة حول مراكش الذهبية التي هي العاصمة العظيمة للمغرب ردحا من الزمان إلى الكتابة حول تلكم القبائل التي تكانف هذه القرية الساذجة المغمورة (الغ) (ولو خيرت لاخترت) فقدر لبني هذه القرية ومجاوريهم ولأساتذتهم ولتلاميذهم ولأصدقائهم كتاب (المعسول) الذي يصل الآن –وقد كاد يتم تخريجه- عشرين جزءا، حوول فيه أن يكتب بإسهاب كل ما أمكن عن السوسيين بأدنى مناسبة، ثم ليس ذلك كله بالتاريخ المطلوب عن سوس، وإنما المقصود جمع المواد لمن سيكتبون وينظمون غدا، وهذا هو الواجب الآن علينا. وأما أن ندعي أننا حقيقة نكتب التاريخ كما ينبغي، فإن ذلك افك صراح، أولا ترى أن كل من عرف فاسا وما أدراك ما فاس، واستحضر ما كتب حولها من القرن الرابع إلى الآن كتابة ناقصة مجحفة، وقد أدرك الدور العظيم الذي مثلته فاس لا في المغرب ولا في شمال إفريقية وإزاء الأندلس فحسب، بل وفي العالم الإسلامي أجمع –يوقن أن تاريخها لم يكتب بعد كما يجب أن يكتب، فكثيرا ما أقول لو تصدى باحث أو باحثون لكتابة تاريخ فاس من نواحيها كلها، لفتحوا صفحة عربية ذهبية وهاجة طافحة، ربما تنسي كل ما كتب عن بغداد ودمشق والقاهرة. فهذا تاريخ تطوان لأخينا الأستاذ محمد داود المستوفي ثماني مجلدات –وهو التاريخ الوحيد المستوفي ثماني مجلدات- وهو التاريخ الوحيد المستوفي لكل جوانب التاريخ المطلوب عن إحدى مدننا- قد كتب عن مدينة ربما كان جانب خاص من جوانب فاس اطفح وأعظم من جميع جوانب تطوان في أدوار حياتها، ولكن حسن التنسيق من المؤلف، والأكباب على جمع النظائر، وحسن الترتيب، ومحاولة الاستيعاب، قد كست الكتاب حلة براقة أخاذة بأبصار المطالعين، ومن لنا بمثله عن فاس الماجدة العظيمة التي هي فاسنا كلنا لا فاس سكانها وحدهم، لأن فاس، فاس العلم والفكر والحضارة، لا فاس شيء آخر، وأن تاريخ المغرب الثقافي العام ليكاد كله يكون كجوانب الرحى حول قطب فاس، فها أنذا أعلن عن سوس هذه التي أولعت بها، أن أول عالم سوسي عرفته سوس فيما نعلمه هو وجاك، وهل هو إلا تلميذ أبي عمران الفاسي، وأنا هذا الذي أحس مني بهذه الهمة، هل كنت إلا تلميذ علماء آخرين وأجلهم وأكثرهم تأثيرا في حياتي الفكرية العلماء الفاسيون، وليس شعري كيف أكون لو لم اقض في فاس أربع سنوات قلبت حياتي وتفكيري ظهرا لبطن، ثم لم أفارقها إلا وأنا مجنون بالمعارف جنون قيس بن الملوح بليلاه، حتى نسيت بها كل شيء.
فهكذا فاس، فيه الأستاذة أمس واليوم، وكل أنحاء المغرب تلاميذ لها، ولعل القارئ عرف ما ذكره المراكشي الصميم صاحب (المعجب) عن فاس في وقت ازدهار مراكش في عصرها الذهبي من الإشادة بها، وتلك مزية كتبت لفاس من الأزل، فكانت أحق بها وأهلها، أفيجعل بمدينة مثل هذه تطفح بالشخصيات النادرة من العباقرة ما بين لغوي وأديب وطبيب وفيلسوف ومشرع ومصلح وسياسي وصوفي، زيادة عما مضى فيها من الحوادث التي كانت هي الحاسمة في كل أدوار الحوادث في المغرب كله، أن تبقى بلا تاريخ مفصل منظم، مع أن ذلك في دائرة الامكان؟
وبعد فليسمع صوت هذا السوسي كل جوانب المغرب من أعظم حاضرة إلى أصغر بادية، فلعل من يصيخون يندفعون إلى الميدان، فنرى لكل ناحية سجلا يضبط حوادثها، ويعرف برجالها، ويستقصي عاداتها، فيكون ذلك ادعى إلى وضع الأسس العامة أمام من سيبحثون في المغرب العام غدا على منضدة التاريخ المغربي العام.
ثم أقول لإخواننا السوسيين من الشبان: لا تظنوا أنني في كل ما سودته مما كتبته في مختلف تلك الأجزاء الخمسين مما خصص بالرجال أو بالحوادث أو بالرحلات أديت به حتى عشر المعشار من الواجب عن سوسهم، فإنني ما عدوت ان جمعت ما تيسر جمعا بسيطا كيفما اتفق، بقلم متعثر، وأسلوب لا يزال يتتبع خطا أساليب القرون الوسطى، إلا أنني لا أنكر أنني حاولت فتح الباب فبذلت جهدي، وأفرغت وسعي، فكم غلط لا بد أن يقع لي، وكم من تحريف أو تصحيف اسم لاجرم واقع فيه، فعليهم أن يقوموا ليستتموا وليصححوا الأغلاط، فهل من مجيب؟
وبعد، إليك أيها القارئ الكتاب الأول من تلك المجموعة التي تضم زهاء خمسين جزءا تحت أسماء مختلفة، التي تضم زهاء خمسين جزءا تحت أسماء مختلفة، فادع الله أن ييسر موالاة نشر تلك الكتب كلها بفضله وكرمه. على أنها لا تنشر إلا بتنشيطك وإقبالك عليها.
وقد كان ينبغي لهذا الجزء أن يخرج إلى الوجود منذ جمع سنة 1358هـ. ولكن تأخر خروجه فكان في تأخره فوائد منها تنقيحه والزيادة فيه بحسب الإمكان، وها هوذا الآن وفق ما تيسر لا على حسب ما ينبغي من التحرير. فما كان فيه من فائدة جديدة في عالم التاريخ المغربي ففضل من الله على مغربي لا يطول إخوانه بزيادة علم أو فضل، وما كان فيه من تقصير – وهو لابد كائن- فإن التقصير من لوازم البشر. وأي عمل من أعمال البشر يسلم. فالله الموفق والستار للعيوب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here