islamaumaroc

ذكرى احتلال الجزائر

  دعوة الحق

32 العدد

تمهيد :
أن اليوم الخامس من يوليو، له ف تاريخ الجزائر والجزائريين شأن وأي شأن ... انه يعيد إلى الأذهان ذكرى مؤلمة سوداء.. إنه يوم بداية الاعتداء الفرنسي سنة 1830على استقلال الجزائر وسيادتها الوطنية.
لا، انه في الواقع بداية عدوان الاستعمار الأجانب على مجموعة من الأقطار والشعوب العربية المسلمة.
ففي مثل هذا اليوم انتهكت عصابة من الفرنسيين المتشبعين بروح التعصب والعنصرية حرمة السيادة الجزائرية، وانقضوا على العب الجزائري الوداع، كما ينقض الحيوان المفترس الجائع على الضحية العزلاء...فينشب فيها مخالبه الحادة، ويزقها أربا إربا...
ذلك ما اقترفته فرنسا ضد الجزائر منذ سنة ألف وثمانمائة وثلاثين، وواصلته بوحشية وشراسة إلى يوم الناس هذا...
في مثل هذا اليوم منذ مائة وثلاثين عاما شرع أحفاد الصليبيين من الفرنسيين في تحقيق أمل كان يراود نفوسهم قبل عقود من السنن، وهو احتلال القطر الجزائري لإخفاء الهزائم التي تكبدتها فرنسا يومئذ عسكريا وسياسيا في الميدان الأوربي، واستعادة مكانتها الدولية على حساب بلاد ضعيفة مسالمة، وهكذا صممت فرنسا على غزو الجزائر ظلما وعدوانا، وتم لها احتلال عاصمة وطننا يوم الخامس يوليو سنة 1830، بعد أن حملت الداي التركي على التسليم، ثم دفعت بها المطامع الاستعمارية إلى الإغارة _ فيما بعد _ على الشقيقتين المجاورتين: تونس والمغرب.
وفتحت فرنسا بعدوانها ذلك في تاريخ الأمة الجزائرية والمغربية عهدا مشحونا بأفظع ما عرفته البشرية  من ضروب الوحشية والطغيان والظلم.. وقد عانى وطننا المنكوب في هذه الفترة من تاريخه مالا يخطر على البال، من أوان البؤس والنكال، فقد انتبهت ثرواته، وسلبت كرامته وعزته، ولكن هذا الشعب العربي المسلم، لم يجنح أبدا إلى الخنوع والاستسلام، ولم يتخل يوما عن مقاومة الاحتلال الأجنبي الهدام، مقاومة مسلحة كرة، وسليمة أخرى، متشبثا في كل حال بتراثه الروحي، وميراثه التاريخي، ورغم الويلات التي حلت به، ومتمسكا بميزاته وقوميته، متحديا عوامل المحق والتفرنج والإباحية التي سلطت عليه، من طرف ساسة أعدتهم المدرسة الاستعمارية.. خصيصا للقضاء على شعبنا بالتدريج منذ الاحتلال إلى الآن...

ثورات متعاقبة..:
ولقد كانت هذه الحقبة الطويلة من تاريخ الجزائر مليئة بالثورات والانتفاضات على المستعمر الباغي .. تعقبها وما اضطهادات فظيعة، وانتقامات مروعة، لا أثر فيها لما يسمى بالعدالة والديمقراطية الفرنسية .. وإنما كل ما فيها الحقد العنصري، والتعصب الصليبي، اللذان اشتهرت بهما هذه الدولة ضد الإسلام والمسلمين خلال التاريخ، وبقي ساستها يرثون ذلك الحقد والتعصب أبا عن جد، إلى اليوم والى الغد...
إنهم بذلوا كل ما في وسعهم من جهد، ليعفوا نهائيا على التراث الروحي والأدبي للشعب الجزائري، بعد أن جردوه من كسبه المادي، ولكنهم لم بلغوا من ذلك مأربا، وحاولا بكل قواهم أن يدمجوا هذا الشعب في حضريتهم ويبتلعوه، فلم يستطيعوا له هضما، بل بقيت الجزائر_ كما شاء لها القدر_ أمينة على إسلامهم، وفية لعروبتها، وظلت صامدة في ميدان المقاومة، كالطود الشامخ، وأن استطاعت فرنسا بجهازها الاستعماري أن تجردها من أرضها وثروتها، وأن تغتصب حقوقها من أيدي أبنائها، فإنها لم تستطع ولن تستطيع أن تجردهم من الرجولة والشجاعة، وقوة الإيمان بحق وطنهم في الحرية والاستقلال، وهذا كفاحهم اليوم_ كما كان بالأمس_ يذيق المستعمرين المعتدين وبال عدوانهم، ويريهم عاقبة بغيهم وظلمهم، ولابد من أن بناء الاستعمار منهار، أمام ضربات المجاهدين الأحرار .
بلاد مات فتيتها لتحيا
                 وزالوا دون قومهم ليبفوا
دم الثوار تعرفه فرنسا
                 وتعلم انه نور وحق

مزاعم باطلة...:
والآن _ وبعد هذه الكلمة التمهيدية _ نريد أن نرجع قليلا إلى الوراء،أي إلى ما قبل الاحتلال المشؤوم، لنرى ما إذا كانت المزاعم الفرنسية، التي تدعي انعدام وجو دولة جزائرية إبان الاحتلال، والتي اتخذت مبررا لذلك الاحتلال، لها نصيب من الصحة؟ أم أن هذه المزارع لا ظل لها من الحق والحقيقة، ولا سند لها من التاريخ الصادق، بل ما هي إلا مجرد أفك وبهتان، وتهافت من جانب الغزاة الفرنسيين على الواقع التاريخي الملموس.
أن الفرنسيين الذين جازوا الجزائر جزاء سنمار، وقابلوا جميلها بالإنكار، وإحسانها بالإساءة والاستكبار، ولم يبالوا أن يقترفوا هذه الجريمة التاريخية... بسعيهم في طمس معالم التاريخ الجزائري اللامع، وإنكارهم لماضي الجزائر الدولي المزدهر، وقد سمحت لهم ضمائرهم أن يضعوا الكتب والمؤلفات لتزييف الحقائق، والكذب على التاريخ، لأغراض استعمارية بحته، ليس لها من روح البحث العلمي أو التاريخي نصيب.

الدولة الجزائرية:
أن الجزائر _ قبل سنة 1830_ كانت توفر لها جميع خصائص وميزات الدولة التامة، في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أن الجزائر كانت قائمة الشخصية، مدعمة الكيان، ذات مكانة دولية مرموقة، ونستطيع القول بان وجود الجزائر الدولي قد ظهر في هذا الكون، وامتد في أعماق التاريخ، منذ عديد من القرون، بل قبل أن تصبح فرنسا نفسها ذات كيان دولي بالمعنى الصحيح.
لقد ظلت الجزائر فعلا تتمتع بسيادتها الوطنية، وكيانها الدولي ؟، وتتوفر لديها جميع العناصر التي يقوم عليها بناء الدولة، شانها في هذا شأن جميع الدول المعاصرة لها يومذاك.
فمنذ العهد الروماني بإفريقيا نشأت دول جزائرية متعاقبة بزعامة رجال من العنصر البربري، وكانت تلك الدول تتعامل مع رومه _ على قدم المساواة _ في فترات تاريخية، ونشأت بعد الفتح العربي للشمال الإفريقي مجموعة من الدول التي كانت رغم إسلامها وعروبتها_ واعتبارها جزءا من الدول الناشئة في المغرب العربي_ كانت مطبوعة بالطابع الجزائري، وتمتاز بميزات سياسية واجتماعية جزائرية خاصة بها، واركت بعضها شأوا لا باري من العظمة والازدهار، كالدولة الرستمية وعاصمتها (تيهرت)، والدولة الحمادية التي كانت عاصمتها بجاية، والدولة الزيانية وعاصمتها تلمسان وغيرها...

العهد لتركي الجزائري:
بدأت علاقة تركيا بالجزائر، في أواخر القرن الخامس عر للميلاد، ولم تعد أن تكون علاقة امة إسلامية بامة أخرى تجمع بينهما عروة الدين الوثقى، على أتن مجيء هذا العهد قد أدخل على الجزائر تطورا سياسيا مغايرا نوعا ما لوضعها السالف، بيد انه لم يعتبر عهدا استعماريا أو احتلال، كما يحلو للفرنسيين أن يصفوه، لما كان يربط بين الأمتين الجزائرية والتركية، من الروابط الدينية والمعنوية، ولم يقض دخول الأتراك إلى الجزائر على سيادتها واستقلالها، كما كان الشأن مع احتلال الفرنسيين، اد لم يتعد النفوذ التركي مظهرة الديني والمعنوي، حيث كانت تركيا العثمانية موئل الخلافة الإسلامية.
ومع ذلك فقد تخلصت الجزائر من التبعية التركية بنحو مائتي سنة، قبل الاعتداء الفرنسي عليها، وأضحت سيادتها طليقة من كل قيد، نقية من كل شائبة تدخل خارجي، تدير شؤونها كما تملي عليها مصلحتها القومية.
يقول مؤرخ فرنسي في الموضوع : (أثناء القرن السابع عشر تخلصت ايالتا الجزائر وتونس من سلطة الباب العالي، ثم يتابع قائلا: كان للجزائر استقلالها الذاتي، ولم يكن يربطها بتركيا سوى صلة أدبية، هي الخلافة الإسلامية، وكانت أكثر حرية في تدبير شؤونها وتقرير مصيرها من الممتلكات الانجليزية اليوم إزاء بريطانيا، ولم  يكن في الجزائر تفريق جنسي أو ميز عنصري بين العرب والأتراك، فكلاهما ينتسب إلى الدين الإسلامي، وهو عدو كل تفريق جنسي، ولدالك نرى الأتراك والجزائريين يقومون جميعا بالدفاع عن الجزائر، ويعاونون على طرد الأسبان من بعض الشواطئ الجزائرية، ففي الحين الذي كان كل شيء يوهم باستيلاء اسبانيا على شمال إفريقيا، خاص المعركة ضدها الأتراك ولجزائريون معا واستطاعوا أن يحرزوا على النصر) وشهد شاهد من أهلها  وهكذا نرى أن قوات الجزائر استطاعت أن تطرد اسبانيا من شواطئ الجزائر، وأن تكرهها على التراجع عن مشاريعها الاحتلالية، التي كانت تنوي عشر، وليس من اليسير الهين أن تقوم الجزائر بمثل هذا العمل، وتظفر بمثل هذا النصر الباهر، على دولة قوية مثل اسبانيا يومئذ، لو لم تكن قد توفرت لها جميع إمكانيات الدولة وخصائصها ونظمها السياسية والعسكرية والبحرية، مما جعلها في طليعة الدول التي يخشى بأسها ويرغب في خطب ودها وصداقتها والتعامل معها.

علاقات الجزائر الخارجية:
وعلى هذا الأساس كانت للجزائر علاقات سياسية ودبلوماسية خارجية، تنبيء بوضوح عن أهمية المكانة الدولية، التي كانت تحظى بها، فمنذ منتصف القرن السادس الميلادي، أنشئت العلاقات الدبلوماسية، وعقدت المعاهدات بين الجزائر وفرنسا مما أدى بملكها (فرنسوا الأول) أن يسنجد بحليفته الجزائر في بعض الحروب التي خاضتها فرنسا ضد اسبانيا ودول أوربية أخرى، وفي أواخر القرن الثامن عشر، عقدت الجزائر معاهدات مع كل من الولايات المتحدة، وانجلترا، وهولاندا، والدانمارك، ولم تكن الجزائر في علاقاتها الدولية اقل اعتبار، أو أبخس وزنا من حيث القوة وكمال السيادة، وخصائص الدولة المستقلة عن آية دولة أخرى شرقية أو غربية.
هذه هي الجزائر، الدولة التي عاشت حرة مستقلة عبر القرون والأجيال، ولكن فرنسا تنكر –بوقاحة- وجودها حين احتلالها لأرضها، وتزعم _ من دون حياء و لا خجل _ إنها ما جاءت إلى الجزائر إلا لتنعم عليها بنعمة المدنية والحضارة.. فليس أكثر افتراء على التاريخ من هذا الزعم الفرنسي الاستعماري المكشوف.
وليس يصح في الأذهان شيء 
               إذا احتاج النهار إلى دلـيـل

دوافع الاحتلال الحقيقية:
لننظر _ إذن _ ما هي الدوافع الحقيقية التي دفعت بفرنسا إلى الاعتداء على الجزائر واحتلالها أرضها.
والجواب على هذا السؤال نستطيع أن نستخلصه بسهولة من أعمال فرنسا في أرض الجزائر، منذ شروعها في غزو بلادنا إلى حد اللحظة التي نعيشها، والتي يقوم فيها الكفاح بيننا وبينها:
أولا _ كانت فرنسا تهدف إلى إيجاد (متسع حيوي) على هذه الضفة الغربية من البحر الأبيض المتوسط التي لا تفصل بينها وبين أوربا إلا مسافة قصيرة، وفي ذلك تدعيم لسياستها وهيبتها لدى الدول والشعوب الأوربية، وفوق ذلك ما قدرت أنها تستطيع أن تستحوذ عليه من خيرات ارض من خزانة الدولة اثر احتلال العاصمة، وهذا الدافع سياسي واقتصادي في آن واحد، المشاريع الاستعمارية   لا تقوم غالبا إلا على هذين الأساسين، وقد صرح الجنرال (جيرار) وزير الحربية الفرنسية آذ ذاك على اثر نزول قواته الغازية في الساحل  الجزائري قائلا: (أن يرمي إلى فتح منفذ واسع لتصريف بضائعنا، وإيجاد مجالات واسعة للفائض من أهالينا، وتصدير منتجات صناعتنا وتبادلها مع منتوجات أخرى غريبة عن أرضنا وجونا...)
وصرح وكيل العلاقات التجارية، مستحثا حكومته على غزو الجزائر، فقال : (إن المنافع المادية التي تعود على فرنسا من احتلال الجزائر_ بصرف النظر عن ملايين الفرنكات الذهبية التي تزخر بها الخزانة الجزائرية_ انفع وإحدى لفرنسا من كل عمليات الغزو الاقتصادي التي قامت بها حتى الآن...)

اغتصاب الأرض:
وبعد أن رسخت أقدام الاستعمار الفرنسي في ارض الجزائر، عمد أقطابه إلى تطبيق عمليات رهيبة، ترتكز على سياسة عنصرية قاسية، يراد من ورائها إبادة شعب كامل عن طريق لتجويع و التفقير، وسلب كل ما في أيدي أبناء الوطن من أرض أو ثروة أو إمتاع، وإقصائهم بصفة جماعية نحو المناطق الصحراوية القاحلة، ليقضوا هناك جوعا وعطشا، ولذلك امتدت يد المستعمرين إلى مصادرة ملايين الهكتارات، من أجود وأخصب أنواع الأرض من ذويها، ومنحها دون مقابل لشراذم الأفاقيين النازحين من فرنسا الى الجزائر .
ويتجلى هذا العدوان الشنيع، في التصريح الذي ادلى به المرشال (بوجو) يوم 14 مايو سنة 1840 وهو من أبرز القواد العسكريين الذين قادوا حملة الغزو ضد الجزائر، قال : (في كل مكان، وحيثما وجدت الارض الطيبة الخصبة، يجب وضع المعمر فيها، دون السؤال عن أصحاب الارض...)

غارة صليبية:
ثانيا: بالإضافة إلى ما أسلفت حول الباعث السياسي والاقتصادي الذي أغرى فرنسا باحتلال الجزائر، ويوجد عامل آخر له أهميته القصوى عند الفرنسيين الذين تميزوا دوما بتعصبهم الديني، ذلك هو العامل الصليبي... الذي كان يستهدف من أول يوم استئصال شأفة المسلمين، ومحق الدين الإسلامي من الوجود، فالغزو الفرنسي لم يكن يرمي في حقيقته وأهدافه إلى الاستعباد السياسي، والاستغلال الاقتصادي فحسب، ولكنه كان يرمي أيضا إلى محو كل اثر للإسلام وتعاليمه ولغته، ويتضح هذا مما صرح به الدوق (دوكلير) أحد وزراء فرنسا إذ قال: (كان احتلالنا للجزائر أخد بثأر الإهانة التي لحقت بممثل فرنسا، وإرضاء للمسيحيين وذلك بإبادة المسلمين ؟ اشد  أعدائهم طغيانا) ويستطرد قائلا (ولسنا بحاجة إلى اقتناع جديد بأنه لا سبيل إلى استقرار الأمن في الجزائر، إلا بإبادة أهلها عن بكرة أبيهم...)
وفي نداء موجه إلى المبشرين الذين رافقوا الجيش الفرنسي، ليقوموا بدور الغزو الروحي والمعنوي، إلى جانب الغزو العسكري، يقول في الجنرال (دوبرمون) (لقد جئتم لتعيدوا معنا فتح الباب على مصراعيه لتدخل المسيحية إلى إفريقيا، وأننا لكبير والأمل، أن تعم ديانتنا هذه الربوع قريبا )
هذه هي السياسة العنصرية الفظيعة، التي انتهجتها فرنسا، من أول يوم وطئت فيه أقدامها أرض وطننا، وهي سياسة قائمة على السلب والنهب والاغتصاب، ومحاولة إبادة شخصية الشعب الروحية والمادية، بأساليب وحشية، تبرأ منها الإنسانية، ويتنزه عنها كل ذي ضمير إنساني حي.
فماذا كان رد الفعل الجزائري إزاءها؟

مقاومة دائمة..وكفاح لا ينتهي:
عندما صممت فرنسا على تنفيذ مؤامرتها الدنيئة ضد الشعب الجزائري وحكومتها تلك المؤامرة التي كانت تستعد لها، وتحيك خيوطها منذ عدة سنين، قبل حادثة المروحة المصطنعة..وحينما باغتت الداي بابتداء الهجوم غير المنتظر، كان الشعب في غفلة من أمره، لم يأخذ للدفاع أهبته، ولا اعد للنزال عدته، ولكن سرعان ما افاقته صدمة الاعتداء من غفوته، وأيقظه الغدر الفرنسي من غفلته،فهب لموجهة أعدائه، والذود عن كيانه بكل ما عهد فيه من شجاعة وأقدام وتضحية، بالرغم من استسلام الداي بابتداء الهجوم غير المنتظر، كان الشعب في غفلة من أمره، لم يأخذ للدفاع أهبته، ولا اعد للنازل عدة، لكن سرعان ما أفاقته صدمة الاعتداء من غفوته، وأيقظه الغذر الفرنسي من غفلته، فهب لمواجهة أعدائه، والذود عن كيانه بكل ما عهد فيه من شجاعة وأقدام وتضحية، بالرغم من استسلام الداي للمحتل، وتركه سفينة الوطن بين يدي الأقدار هذه الأقدار التي أبت إلى أن تظهر مسرح المقاومة الشعبية الجزائرية، ذلك الرجل المجاهد الذي يعد أول من رفع عالم الكفاح في شمالنا الإفريقي ضد الاحتلال الأجنبي المغير...
لقد برز  الأمير عبد القادر من بن صفوف الشعب، ونزل إلى الميدان ليقود كفاح هذا الشعب ضد المحتل الغاضب، وليسجل في صفحات التاريخ الجزائري اسمي ما عرفه الناس من آيات البطولة، وشدة الصمود في المقاومة، بعد ان حمله الشعب مسؤولية القيادة على السير في ركابه، والانقياد لأوامره. فيا ما أجله من بطل مقدام، وهو يتهيأ لمنازلة عدوه، وينشد من شعره الحماسي:
أذا كانت الأبطال بالجيش تحتمي
                  فبي يحتمي جيشي وتمنع أبطالي
سلي جنس الفرنسي (كذا) تعلمي
                  بأن مناياهم بسيفـي وعـسالي
أن فرنسا كانت تمني نفسها بأنها ستجد الجزائر لقمة سائغة الابتلاع، هينة الهضم، فاذا بها تجد أمامها بطلا مغوار، قد آثر الموت في ساح الوغى دفاعا عن الوطن، على الخنوع والاستسلام، وتجد أمامها شعبا أبيا، يأنف من الذلة والهوان، ويؤثر الفناء في عز وشمم، على الحياة الحقيرة تحت راية الاستعمار الأجنبي وأمام هذه المقاومة التي أبدها شعب الجزائر مدة سبعة عشر عاما، وفيما منها قديما وحديثا _ إلى اقتراف أبشع أنواع الإجرام، ضد سكان القرى والمداشر والمدن، تماما كما تفعل اليوم ضد شعبنا المجاهد، وقد سجل عليها التاريخ نماذج الاحتلال، ستبقى وصمة عار في تاريخها إلى الأبد.
ونود هنا أن نشير إلى بعضها بإيجار كما سجلها بعض الفرنسيين أنفسهم في كتبهم، حتى لا نتهم بالتحامل عليها، وقد وصف المرشال(سانت أرنوا) أحداها في رسائله فقال (ان بلاد بني مناصر رائعة حقا، وهي أحدى المناطق والمساكن متقاربة جدا، لقد حرقنا ودمرنا كل شيء ..كم من نساء وأطفال اللاجئين إلى ثلج الأطلس قد قضوا من البرد والبؤس..)
وذكر (كريستيان) صاحب كتاب إفريقيا الفرنسية (أن الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال (روفيفو( قام بذبح جميع أفراد قبيلة العوفية وهم  نيام في ليلة 6 أبريل سنة1832، فيقول (وهكذا أبيد كل من كان حيا، دون تمييز بين الشاب والشيخ، أو بين الذكر والأنثى...)
وفي كتاب (رسائل جندي) وصف فرنسي إحدى العمليات المريعة فقال (عند منتصف الليل، وتحت ضوء القمر، كان قد انشغل قسم من القوات الفرنسية في إضرام نار جهنمية، أننا نسمع الأنات المتقطعة المنبعثة من الرجال والنساء والأطفال والحيوان، وطقطقة الصخور المحترقة وهي تتساقط وتمتزج بطلقات الأسلحة المستمرة، في هذا اليوم حدث اعنف صراع بين الإنسان والحيوان، فعند الصباح، وبينما كنا نخلي مداخل الكهوف،فوجئنا بأفظع مشهد يقع عليه النظر، لقد وجدنا في داخل الكهوف جثث الثيران والأغنام والحمير المندفعة بغريزتها إلى استنشاق الهواء الذي حرمت منه في الداخل، وقد تكتلت بين هذه الحيوانات وتحتها جثث النساء والأطفال والرجال الخ....)

حرب العنصرية دينية:
هذا قليل من كثير من أساليب الإبادة الفرنسية التي كانت تسعى لمحق العنصر العربي في الجزائر، وإحلال العنصر الأوربي النازح محله، بغية استعاذة بناء الإمبراطورية الرومانية في أفريقيا، التي انهار آخر جدار فيها على يد الفاتحين العرب، في الوطن المغربي، إن فرنسا قد راودتها الأحلام الخادعة، والأمان الكاذبة، في مسخ عروبة الجزائر، حتى تصبح في زعمها جزءا من الوطن الفرنسي، فوضعت لذلك تصميما استعماريا، قام على محاربة الدين الإسلامي ولغته، بدون هواة أو لين، فحولت أعظم المستجد في أهم المدن الكبرى إلى كنائس، وبعضها إلى ثكنات، كما فعلت في العاصمة وقسنطينية، واستولت على جميع مخصصات الاحباس الموقوفة على تلك المساجد وبقية المعاهد الدينية والعلمية، واعتبرت اللغة العربية لغة أجنبية لغة أجنبية في دارها وبين ذوي رحمها، يتوقف تعليمها على أذان خاص من إدارة الشرطة، لا يمنح إلا بشروط مرهقة، فإذا تعذر تطبيقها، عمدت السلطة إلى غلق أبواب المدرسة في وجه الأطفال الجزائريين، وزجت بالمعلمين في غيابات السجون،وحاكمتهم كما يحاكم المجرمون.
لقد تسلطت على كل صغيرة وكبيرة في شؤون الدين الإسلامي، منتهكة بذلك قانون فصل الدين عن الدولة الذي يطبق على الديانة المسيحية واليهودية، ولا تراعي له حرمة إزاء الإسلام، إمعانا في أهانته والمس بمقدساته، ومصادرة حريته في أرضه.
أن شعب الجزائر قد قاوم الاحتلال في الماضي، وما انفك يقاومه في الحاضر، ولن يفتأ يقاوم في المستقبل لان رصيده من عمق الإيمان بحقه لا ينفد، ولان إيثاره للتضحية من أجل حريته وكرامته لا يحد بزمان.
أن مقاومته المثالية لن يعتريها وهن أو ضعف، بللا هي تزداد قوة وصلابة على مر الأيام، إلا أنها مقاومة منبثقة عن إرادة الشعب، وتستمد كل عناصر قوتها من الشعب، وإرادة الشعب من إرادة الله.
وقد أراد هذا الشعب أن يفتك حريته واستقلاله ويستخلص كرامته وعزته وسيادته عن طريق الكفاح، ومن أجل ذلك أقدم على حمل السلاح يوم فاتح نونبر سنة1954 ولن يضعه من يده، حتى يحرز على النصر الكامل بعون الله وقوته.

خاتمة:
ونود أن نختم هذا العرض التاريخي بالإشارة إلى ما ينبغي للعرب عامة، وأبناء المغرب العربي خاصة أن يستخلصوه من هذه الذكرى من العبر والمثلات، عسى أن يحفزهم ذلك إلى التعاون الحقيقي، والتضامن الفعال من أجل مواصلة النضال المشترك في جميع المجالات، حتى يتحرر كل جزء من أرضهم، ويسترجعوا كامل سيادتهم في أوطانهم (وتعانوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الآثم والعدوان).

 


 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here